فَإِذَا قَضَيۡتُم مَّنَٰسِكَكُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرࣰاۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقࣲ 200
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: 200-202]
(1) قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرا﴾. قال الإمام القرطبي: «كانت عادة العرب إذا قضت حجها تقف عند الجمرة، فتفتخر بالآباء، وتذكر أيام أسلافها من بسالة وكرم وغير ذلك، حتى إنّ الواحد منهم ليقول: الله إنّ أبي كان عظيم القبة، عظيم الجفنة، كثير المال، فأعطني مثل ما أعطيته، فلا يذكر غير أبيه، فنزلت الآية ليلزموا أنفسهم ذكر الله أكثر من ذكرهم آبائهم أيام الجاهلية، هذا قول جمهور المفسرين». تضمنت هذه الآية ترغيب المسلمين وحثهم على ذكر الله بعد الفراغ من أداء مناسك الحج خلافا لما كانوا يفعلونه في الجاهلية، والمراد من ذلك تربية المسلمين على أنّ لهم هدفا أسمى من التفاخر بالآباء وهو حمل رسالة الإسلام إلى الناس ونشرها، ومضمون هذه الرسالة ذكر الله تعالى لا التفاخر بالأحساب والتباهي بالأنساب وتناشد الأشعار، كما إنّ المراد من ذكر الله بعد الفراغ من الحج قهر النفس ومحو الآثار السلبية السيئة فيها وتنوير القلب بذكر الله، خلافا لما يحدثه ذكر الآباء والتفاخر بهم من آثار سيئة في النفس البشرية.
(2) قوله تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاق﴾. قال الإمام القرطبي: «كانت العرب في الجاهلية تدعو في مصالح الدنيا فقط، فكانوا يسألون الإبل والغنم والظفر بالعدو، ولا يطلبون الآخرة، إذ كانوا لا يعرفونها ولا يؤمنون بها، فنهوا عن ذلك الدعاء المخصوص بأمر الدنيا، وجاء النهي في صيغة الخبر عنهم». والمراد من هذا النص تربية المسلمين على أن يطلبوا من الله خير الدنيا وخير الآخرة لا أن يقصروا طلبهم على الدنيا، وقد جاء هذا المراد بأسلوب الذم والتنفير وعدم التشبه بما كان يفعله أهل الجاهلية عقب أدائهم لمناسك الحج.
(3) قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. هذا الدعاء من جوامع الكلم، وحسنة الدنيا عامة في المال والصحة والعلم وغير ذلك، وأما حسنة الآخرة فهي الجنة. وقد ورد في السنة ما يدل على الترغيب في هذا الدعاء، كما هو ظاهر القرآن في مديح من كان هذا دعاؤه، فقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَة﴾ بعد قوله تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾ يفيد الترغيب في الدعاء الثاني، ويفيد الترهيب من الدعاء الأول وذم أهله.
(4) كما إنّ في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾ ترغيب في الدعاء الثاني الجامع لخيري الدنيا والآخرة، وفي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان أكثر دعوة يدعو بها النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» (البخاري ومسلم)، «وقيل لأنس بن مالك رضي الله عنه: ادع الله لنا، فقال: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، قالوا: زدنا، قال: ما تريدون؟ قد سألت لكم الدنيا والآخرة» (تفسير ابن كثير). وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلا من المسلمين قد صار مثل الفرخ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل كنت تدعو الله بشيء أو تسأله إياه؟ قال: نعم ، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله، لا تطيقه، أو لا تستطيعه، هلا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» (مسلم).
(5) ولهذه الآيات ترتيب تربوي أشار إليه الإمام الرازي فقال: «اعلم أنّ الله تعالى بيم أولا مناسك الحج، ثم أمر بعدها بالذكر فقال: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَام﴾، ثم بين بعد ذلك الذكر كيفية الدعاء فقال: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾، وما أحسن هذا الترتيب، فإنه لابد من تقديم العبادة لكسر النفس وإزالة ظلماتها، ثم بعد العبادة لابد من الاشتغال بذكر الله تعالى لتنوير القلب وتجلي نور جلاله، ثم بعد ذلك الذكر يشتغل الرجل بالدعاء، فإنّ الدعاء إنما يكمل إذا كان مسبوقا بالذكر، كما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه قدم الذكر فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِين﴾ [الشعراء: 78]، ثم أتبعه بالدعاء فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِين﴾ (الشعراء:83».
(1) قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرا﴾. قال الإمام القرطبي: «كانت عادة العرب إذا قضت حجها تقف عند الجمرة، فتفتخر بالآباء، وتذكر أيام أسلافها من بسالة وكرم وغير ذلك، حتى إنّ الواحد منهم ليقول: الله إنّ أبي كان عظيم القبة، عظيم الجفنة، كثير المال، فأعطني مثل ما أعطيته، فلا يذكر غير أبيه، فنزلت الآية ليلزموا أنفسهم ذكر الله أكثر من ذكرهم آبائهم أيام الجاهلية، هذا قول جمهور المفسرين». تضمنت هذه الآية ترغيب المسلمين وحثهم على ذكر الله بعد الفراغ من أداء مناسك الحج خلافا لما كانوا يفعلونه في الجاهلية، والمراد من ذلك تربية المسلمين على أنّ لهم هدفا أسمى من التفاخر بالآباء وهو حمل رسالة الإسلام إلى الناس ونشرها، ومضمون هذه الرسالة ذكر الله تعالى لا التفاخر بالأحساب والتباهي بالأنساب وتناشد الأشعار، كما إنّ المراد من ذكر الله بعد الفراغ من الحج قهر النفس ومحو الآثار السلبية السيئة فيها وتنوير القلب بذكر الله، خلافا لما يحدثه ذكر الآباء والتفاخر بهم من آثار سيئة في النفس البشرية.
(2) قوله تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاق﴾. قال الإمام القرطبي: «كانت العرب في الجاهلية تدعو في مصالح الدنيا فقط، فكانوا يسألون الإبل والغنم والظفر بالعدو، ولا يطلبون الآخرة، إذ كانوا لا يعرفونها ولا يؤمنون بها، فنهوا عن ذلك الدعاء المخصوص بأمر الدنيا، وجاء النهي في صيغة الخبر عنهم». والمراد من هذا النص تربية المسلمين على أن يطلبوا من الله خير الدنيا وخير الآخرة لا أن يقصروا طلبهم على الدنيا، وقد جاء هذا المراد بأسلوب الذم والتنفير وعدم التشبه بما كان يفعله أهل الجاهلية عقب أدائهم لمناسك الحج.
(3) قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. هذا الدعاء من جوامع الكلم، وحسنة الدنيا عامة في المال والصحة والعلم وغير ذلك، وأما حسنة الآخرة فهي الجنة. وقد ورد في السنة ما يدل على الترغيب في هذا الدعاء، كما هو ظاهر القرآن في مديح من كان هذا دعاؤه، فقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَة﴾ بعد قوله تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾ يفيد الترغيب في الدعاء الثاني، ويفيد الترهيب من الدعاء الأول وذم أهله.
(4) كما إنّ في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾ ترغيب في الدعاء الثاني الجامع لخيري الدنيا والآخرة، وفي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان أكثر دعوة يدعو بها النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» (البخاري ومسلم)، «وقيل لأنس بن مالك رضي الله عنه: ادع الله لنا، فقال: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، قالوا: زدنا، قال: ما تريدون؟ قد سألت لكم الدنيا والآخرة» (تفسير ابن كثير). وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلا من المسلمين قد صار مثل الفرخ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل كنت تدعو الله بشيء أو تسأله إياه؟ قال: نعم ، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله، لا تطيقه، أو لا تستطيعه، هلا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» (مسلم).
(5) ولهذه الآيات ترتيب تربوي أشار إليه الإمام الرازي فقال: «اعلم أنّ الله تعالى بيم أولا مناسك الحج، ثم أمر بعدها بالذكر فقال: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَام﴾، ثم بين بعد ذلك الذكر كيفية الدعاء فقال: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾، وما أحسن هذا الترتيب، فإنه لابد من تقديم العبادة لكسر النفس وإزالة ظلماتها، ثم بعد العبادة لابد من الاشتغال بذكر الله تعالى لتنوير القلب وتجلي نور جلاله، ثم بعد ذلك الذكر يشتغل الرجل بالدعاء، فإنّ الدعاء إنما يكمل إذا كان مسبوقا بالذكر، كما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه قدم الذكر فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِين﴾ [الشعراء: 78]، ثم أتبعه بالدعاء فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِين﴾ (الشعراء:83».