وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِمۡ فِعۡلَ ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِۖ وَكَانُواْ لَنَا عَٰبِدِينَ 73 وَلُوطًا ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗا وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِي كَانَت تَّعۡمَلُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمَ سَوۡءٖ فَٰسِقِينَ 74 وَأَدۡخَلۡنَٰهُ فِي رَحۡمَتِنَآۖ إِنَّهُۥ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ 75 وَنُوحًا إِذۡ نَادَىٰ مِن قَبۡلُ فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَنَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ 76 وَنَصَرۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمَ سَوۡءٖ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ أَجۡمَعِينَ 77 وَدَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ إِذۡ يَحۡكُمَانِ فِي ٱلۡحَرۡثِ إِذۡ نَفَشَتۡ فِيهِ غَنَمُ ٱلۡقَوۡمِ وَكُنَّا لِحُكۡمِهِمۡ شَٰهِدِينَ 78 فَفَهَّمۡنَٰهَا سُلَيۡمَٰنَۚ وَكُلًّا ءَاتَيۡنَا حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَسَخَّرۡنَا مَعَ دَاوُۥدَ ٱلۡجِبَالَ يُسَبِّحۡنَ وَٱلطَّيۡرَۚ وَكُنَّا فَٰعِلِينَ 79 وَعَلَّمۡنَٰهُ صَنۡعَةَ لَبُوسٖ لَّكُمۡ لِتُحۡصِنَكُم مِّنۢ بَأۡسِكُمۡۖ فَهَلۡ أَنتُمۡ شَٰكِرُونَ 80 وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةٗ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦٓ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيۡءٍ عَٰلِمِينَ 81
الصفحة 328

تفسير سورة الأنبياء - الآية 76

وَنُوحًا إِذۡ نَادَىٰ مِن قَبۡلُ فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَنَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ 76

﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 76-77]
(76) و (77) قوله تعالى: ﴿ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم. ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين﴾. فيه بيان لمنهج الله تعالى في الدعوات بنجاة النبي والمؤمنين معه ونصرتهم وهلاك القوم الكافرين به المكذبين بدعوته. فقوله تعالى: ﴿ونوحا إذ نادى من قبل﴾ يعني: واذكر نوحا إذ دعا (من قبل) يعني: من قبل إبراهيم ولوط على قومه، وهو قوله: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا﴾ [نوح: 26]، ﴿فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم﴾ يعني: من الغرق، والكرب: الغم الشديد، (وأهله) يعني: المؤمنين منهم. ﴿ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا﴾ يعني: انتقمنا له منهم ﴿إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين﴾ يعني: الصغير منهم والكبير.
(78ـ 82) قوله تعالى: ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين. ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين. وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون. ولسليمان الريح عاصفة تجرى بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شئ عالمين. ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين﴾. فيه تربية على أن القضاء في الخصومات بين الناس يحتاج إلى العلم كما يحتاج إلى الحكمة والفهم، وأنه تعالى يؤت الحكمة من يشاء، وقد آتاها لداود وسليمان عليهما السلام. وفيه تربية على أنه تعالى أيد داود عليه السلام بالمعجزات كتسبيح الجبال والطير معه وتعليمه صناعة الدروع الواقية من السيوف والرماح. وفيه تربية على الأخذ بالأسباب كصناعة ولباس الدروع الحديدية في الوقاية من ضرب السيوف والرماح. وفيه تربية على أنه تعالى أيد سليمان بمعجزات غير التي أيد بها داود عليهما السلام، حيث سخر له الريح تجري به إلى المكان الذي يريده، وسخر له الجان يستخرجون له الأحجار الكريمة من البحار ويعملون له الأبنية والقصور. فقوله تعالى: ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان﴾ يعني: واذكرهما إذ يحكمان، ولم يرد بقوله (إذ يحكمان) الاجتماع في الحكم فإن ذلك لا يجوز، وإنما جمعهما في القول، وحكم كل واحد منهما على انفراده، (في الحرث) يعني: في الزرع ﴿إذ نفشت فيه غنم القوم﴾ يعني: رعت فيه ليلا، والنفش: الرعي بالليل ﴿وكنا لحكمهم شاهدين﴾ دليل على أن أقل الجمع اثنان. (ففهمناها سليمان) يعني: فهمناه القضية والحكومة، وفضل حكم سليمان حكم أبيه في أنه أحرز أن يبقي ملك كل واحد منهما على متاعه وتبقى نفسه طيبة بذلك، وذلك أن داود عليه السلام رأى أن يدفع الغنم إلى صاحب الحرث، حيث رأى الغنم تعادل الغلة التي أفسدت. فلما خرج الخصمان على سليمان وكان يجلس على الباب الذي يخرج منه الخصوم، وكانوا يدخلون إلى داود من باب آخر فقال: بم قضى بينكما نبي الله داود؟ فقالا: قضى بالغنم لصاحب الحرث، فقال لعل الحكم غير هذا انصرفا معي، فأتى أباه فقال: يا نبي الله، إنك حكمت بكذا وكذا وإني رأيت ما هو أرفق بالجميع، قال: وما هو؟ قال: أن تدفع الغنم إلى صاحب الحرث فينتفع بألبانها وأصوافها، وتدفع الحرث إلى صاحب الغنم ليقوم عليه، فإذا عاد الزرع إلى الحالة التي أصابته الغنم في السنة المقبلة، رد كل واحد منهما ماله إلى صاحبه. فقال داود: وفقت يا بني لا يقطع الله فهمك، وقضى بما قضى به سليمان. ﴿وكلا آتينا حكما وعلما﴾ يعني: لم يخطئ داود في الحكم بهذه النازلة وإنما كان حكم سليمان فيها أصح. وقيل: لما هدم الوليد كنيسة دمشق كتب إليه ملك الروم: إنك هدمت الكنيسة التي رأى أبوك تركها، فإن كنت مصيبا فقد أخطأ أبوك، وإن كان أبوك مصيبا فقد أخطأت أنت، فأجابه الوليد بهذه الآية. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «بينما امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك أنت، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك. فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود عليهما السلام فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: لا، يرحمك الله، هو ابنها، فقضى به للصغرى» (مسلم). ﴿وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير﴾ يعني: كان داود يمر بالجبال مسبحا والجبال تجاوبه بالتسبيح، وكذلك الطير (وكنا فاعلين) وذلك فعل الله تعالى بها، ذلك لأن الجبال لا تعقل فتسبيحها دلالة على تنزيه الله تعالى عن صفات العاجزين والمحدثين. ﴿وعلمناه صنعة لبوس لكم﴾ يعني: اتخاذ الدروع بإلانة الحديد له، وقيل: أول من صنع الدروع داود، وإنما كانت صفائح، فهو أول من سردها وحلقها (لتحصنكم) يعني: لتحرزكم (من بأسكم) يعني: من حربكم، وقيل: من السيف والسهم والرمح التي هي آلة بأسكم ﴿فهل أنتم شاكرون﴾ يعني: على تيسير نعمة الدروع لكم، بأن تطيعوا رسولي. وهذه الآية أصل في اتخاذ الصنائع والأسباب، وهو قول أهل العقول والألباب، وقد أخبر الله تعالى عن نبيه داود عليه السلام أنه كان يصنع الدروع، وكان أيضا يصنع الخوص، وكان يأكل من عمل يده، وكان آدم حراثا، ونوح نجارا، ولقمان خياطا، وطالوت دباغا، فالصنعة يكف بها الإنسان نفسه عن الناس، ويدفع بها عن نفسه الضرر والبأس. ﴿ولسليمان الريح عاصفة﴾ يعني: وسخرنا لسليمان الريح عاصفة شديدة الهبوب ﴿تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها﴾ يعني: الشام، وقيل: إنها كانت تجري به وبأصحابه إلى حيث أراد ثم ترده إلى الشام ﴿وكنا بكل شيء عالمين﴾ يعني: عالمين بتدبيره. ﴿ومن الشياطين من يغوصون له﴾ يعني: وسخرنا له من يغوصون تحت الماء فيستخرجون له الجواهر من البحر ﴿ويعملون عملا دون ذلك﴾ يعني: سوى ذلك، وقيل: المراد بذلك المحاريب والتماثيل وغير ذلك مما يسخرهم فيه ﴿وكنا لهم حافظين﴾ يعني: حافظين لأعمالهم.
فهرس الكتاب