كَذَّبَتۡ قَوۡمُ نُوحٍ ٱلۡمُرۡسَلِينَ 105
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآَيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: 105-159]
(105ـ 108) قوله تعالى: ﴿كذبت قوم نوح المرسلين. إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون. إني لكم رسول أمين. فاتقوا الله وأطيعون﴾. فيه تربية على أن جوهر رسالة نوح عليه السلام وكذلك جوهر كل الرسالات السماوية هو التعظيم لأمر الله والطاعة لرسول الله والشفقة على خلق الله. فقوله تعالى: ﴿كذبت قوم نوح المرسلين﴾ قال: (المرسلين) لأن من كذب رسولا فقد كذب الرسل، ولأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل. وقيل: كذبوا نوحا في النبوة وفيما أخبرهم به من مجيء المرسلين بعده. ﴿إذ قال لهم أخوهم نوح﴾ وهي أخوة إنسانية، لا أخوة نسب ولا أخوة دين. وقيل: هو من قول العرب يا أخا بني تميم، يريدون يا واحدا منهم، وهذا كالسابق (ألا تتقون) يعني: ألا تتقون الله في عبادة الأصنام. ﴿إني لكم رسول أمين﴾ يعني: صادق فيما أبلغكم عن الله تعالى، وقيل: (أمين) فيما بينكم، فإنهم كانوا عرفوا أمانته وصدقه من قبل كمحمد صلى الله عليه وسلم في قريش. (فاتقوا الله) يعني: فاستتروا بطاعة الله تعالى من عقابه (وأطيعون) فيما آمركم به من الإيمان.
(109) و (110) قوله تعالى: ﴿وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين. فاتقوا الله وأطيعون﴾. فيه بيان أنه من علامات صدق النبوة والرسالة هي عدم طلب الأجر على التبليغ والدعوة بل الاكتفاء بأجر الله وثوابه يوم القيامة. فقوله تعالى: ﴿وما أسألكم عليه من أجر﴾ يعني: لا طمع لي في مالكم (إن أجري) يعني: ما جزائي ﴿إلا على رب العالمين﴾ في الثواب يوم القيامة. ﴿فاتقوا الله وأطيعون﴾ كرر للتأكيد.
(111ـ 115) قوله تعالى: قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون. قال وما علمي بما كانوا يعملون. إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون. وما أنا بطارد المؤمنين. إن أنا إلا نذير مبين). فيه تربية على أن الكبر هو من أسباب الكفر، فرفض الملأ التساوي مع الفقراء في الإيمان جعلهم يرفضون الإيمان أساسا. وفيه بيان أن مهمة الرسول هي الإنذار الواضح وليس له أن يطرد من أراد الإيمان لأي سبب كان. فقوله تعالى: ﴿قالوا أنؤمن لك﴾ يعني: نصدق قولك (واتبعك الأرذلون) يعني: وقد اتبعك الفقراء وأصحاب الصنائع، وهذا جهل عظيم فقد أعلم الله تعالى أن الصناعات ليست بضائرة في الدين. ﴿قال وما علمي بما كانوا يعملون﴾ يعني: لم أكلف العلم بأعمالهم إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان، والاعتبار بالإيمان لا بالحرف والصنائع. وقيل: المعنى إني لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم ويرشدهم ويغويكم ويوفقهم ويخذلكم. (إن حسابهم) يعني: ما جزاؤهم في أعمالهم وإيمانهم ﴿إلا على ربي لو تشعرون﴾ يعني: لو شعرتم أن حسابهم على ربهم لما عبتموهم بصنائعهم. ﴿وما أنا بطارد المؤمنين﴾ يعني: لخساسة أحوالهم وأشغالهم، فكأنهم طلبوا منه طرد الضعفاء كما طلبته قريش. ﴿إن أنا إلا نذير مبين﴾ يعني: إن الله ما أرسلني أخص ذوى الغنى دون الفقراء، إنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به، فمن أطاعني فذلك السعيد عند الله وإن كان فقيرا.
(116ـ 122) قوله تعالى: ﴿قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين. قال رب إن قومي كذبون. فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين. فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون. ثم أغرقنا بعد الباقين. إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم﴾. فيه بيان لمآل دعوة نوح عليه السلام في الدنيا، حيث أنجى الله المؤمنين الذين كانوا مهددين بالرجم، وأهلك الكافرين الذين كانوا يهددون المؤمنين بالهلاك. فقوله تعالى: (قالوا لئن لم تنته يا نوح) يعني: عن سب آلهتنا وعيب ديننا ﴿لتكونن من المرجومين﴾ يعني: بالحجارة، وقيل: من المقتولين. وقيل: (من المرجومين من المشتومين، وهذا بعيد. ﴿قال رب إن قومي كذبون فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين﴾ يعني: قال ذلك لما يئس من إيمانهم، والفتح: الحكم. ﴿فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون﴾ يعني: السفينة، والمشحون: المملوء، والشحن ملء السفينة بالناس والدواب وغيرهم. ﴿ثم أغرقنا بعد الباقين﴾ يعني: بعد إنجائنا نوحا ومن آمن. ﴿إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين﴾ يعني: هذه عادة الأقوام أن لا يؤمن أكثرهم. ﴿وإن ربك لهو العزيز﴾ الممتنع الجانب (الرحيم) بأوليائه.
(123ـ130) قوله تعالى: ﴿كذبت عاد المرسلين. إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون. إني لكم رسول أمين. فاتقوا الله وأطيعون. وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين. أتبنون بكل ريع آية تعبثون. وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون. وإذا بطشتمْ بطشتم جبارين﴾. نلمح في قصة هود عليه السلام مع قومه المبادئ الأساسية لقصة نوح عليه السلام مع قومه، حيث الدعوة إلى تقوى الله والطاعة لرسوله وعدم سؤال الأجر المالي على الدعوة، ولكن مع التركيز على مفاسد قوم هود التي تميزوا بها وهي: بناء القصور لأجل التباهي والترف، والقسوة واستخدام القوة المفرطة، وبناء المصانع على سبيل الخلود في الدنيا وإنكار الآخرة. فقوله تعالى: ﴿كذبت عاد المرسلين﴾ التأنيث بمعنى القبيلة والجماعة. ﴿إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون﴾ الله تعالى. ﴿إني لكم رسول أمين﴾ في تبليغ الرسالة. ﴿فاتقوا الله وأطيعون﴾يعني: موضوع الرسالة هو الخوف من الله والطاعة لرسوله. ﴿وما أسألكم عليه من أجر﴾ يعني: من مال ﴿إن أجري إلا على رب العالمين﴾ يوم القيامة. ﴿أتبنون بكل ريع آية تعبثون﴾ الريع ما ارتفع من الأرض، والعبث: اللعب واللهو. يعني: أبنية للتفاخر والتباهي وليست للحاجة والاستعمال. (وتتخذون مصانع) يعني: الحصون المشيدة (لعلكم تخلدون) يعني: كي تخلدوا، وهو استفهام بمعنى التوبيخ، لأن طريقة البناء تدل على ترك التفكر في الموت أو الإيمان بالآخرة. ﴿وإذا بطشتمْ بطشتم جبارين﴾ والبطش: السطوة والأخذ بالعنف، والمعنى: تفعلون ذلك ظلما وبغيا. والجبار: المتسلط العاتي، وقيل: القاتل بغير حق. والآية نزلت خبرا عمن تقدم من الأمم، ووعظا من الله عز وجل لنا في مجانبة ذلك الفعل الذي ذمهم به وأنكره عليهم. وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن ذلك يكون في أمته فقال: «صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس. ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» (مسلم).
(131ـ 135) قوله تعالى: (فاتقوا الله وأطيعون. واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون. أمدكم بأنعام وبنين. وجنات وعيون. إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم). فيه دعوة إلى الإيمان والطاعة من خلال التذكير بالنعم، لأن النعم توجب الشكر والطاعة للمنعم. وفيه تربية على شفقة المؤمن على أخيه الكافر من عدم الإيمان في الدنيا والعقاب في الآخرة، فلا يؤمن المؤمن في الدنيا حتى يحب لأخيه الكافر ما يحب لنفسه من الإيمان. فقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله وأطيعون﴾ تقدم. ﴿واتقوا الذي أمدكم بما تعملون﴾ يعني: من الخيرات. ثم فسرها بقوله: (أمدكم بأنعام وبنين. وجنات وعيون) يعني: سخر ذلك لكم وتفضل بها عليكم، فهو الذي يجب أن يعبد ويشكر ولا يكفر. ﴿إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم﴾ إن كفرتم به وأصررتم على ذلك.
(136ـ 140) قوله تعالى: ﴿قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين. إن هذا إلا خلق الأولين. وما نحن بمعذبين. فكذبوه فأهلكنهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم﴾. فيه بيان لرفض عاد للإيمان بسبب التقليد للآباء والأجداد. وفيه تحذير من المجاهرة بعدم الإيمان، وعدم قبول الموعظة، حيث أهلك الله عادا وأنجى هودا ومن آمن معه. وفي مصارعهم ومصارع من قبلهم ومن بعدهم عبرة لمن أراد الاعتبار. فقوله تعالى: ﴿قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين﴾ كل ذلك عندنا سواء لا نسمع منك ولا نلوي على ما تقوله. ﴿إن هذا إلا خلق الأولين﴾ يعني: دينهم، وقيل: عادتهم. ﴿وما نحن بمعذبين﴾ على ما نفعل لأنه ليس هناك بعث ولا قيامة. (فكذبوه فأهلكنهم) يعني: بالريح العاتية ﴿إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم﴾ وقد تقدم.
(141ـ 159) قوله تعالى: ﴿كذبت ثمود المرسلين. إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون. إني لكم رسول أمين. فاتقوا الله وأطيعون. وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين. أتتركون فيما ها هنا آمنين. في جنات وعيون. وزروع ونخل طلعها هضيم. وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين. فاتقوا الله وأطيعون. ولا تطيعوا أمر المسرفين. الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون. قالوا إنما أنت من المسحرين. ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين. قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم. ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم. فعقروها فأصبحوا نادمين. فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم﴾. وفي قصة ثمود نفس المبادئ التي دعا إليها نوح وهود عليهما السلام وهي: الإيمان بالله، والطاعة لرسول الله، وعدم سؤال الأجر المالي، كما فيها التذكير بالنعم من أجل الدعوة إلى الشكر بالطاعة لله، وترك الفساد والمفسدين. كما فيها الآية المعجزة وهي الناقة، وفيها النهاية الحزينة حيث كذبت ثمود رسولها صالحا عليه السلام وعقروا الناقة، فأهلكهم الله بذنوبهم، وأدركهم الندم ولكن بعد الدخول في العقاب فلم ينتفعوا به. وفي هذه القصة كما في غيرها عبرة لمن يعتبر. فقوله تعالى: ﴿كذبت ثمود المرسلين﴾ ذكر قصة صالح وقومه وهم ثمود، وكانوا يسكنون الحجر شمال الجزيرة العربية على الطريق إلى الشام. ﴿إذ قال لهم أخوهم صالح﴾ يعني: في الإنسانية (ألا تتقون) الله تعالى. ﴿إني لكم رسول أمين﴾ يعني: على الرسالة والتبليغ. ﴿فاتقوا الله وأطيعون﴾ كرر للتأكيد. ﴿وما أسألكم عليه من أجر﴾ يعني: من مال ﴿إن أجري إلا على رب العالمين﴾ يعني: ثوابي عند الله يوم القيامة. (أتتركون فيما هاهنا آمنين) يعني: في الدنيا آمنين من الموت والعذاب. (في جنات) يعني: بساتين (وعيون) يعني: أنهار. (وزروع) يعني: نباتات وأشجار (ونخل) خص النخل من بين الزروع لانفرادها عنه بالفضل (طلعها هضيم) والهضيم: اللطيف الدقيق، وقيل: يقال للطلع هضيم ما لم يخرج من كفراه لدخول بعضه في بعض، والهضيم: من النساء اللطيفة الكشحين. ﴿وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين﴾ يعني: نشيطين بنحتها، وقيل: حاذقين بها. ﴿فاتقوا الله وأطيعون. ولا تطيعوا أمر المسرفين﴾ يعني: ﴿الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون﴾ والفساد هو العمل بمعصية الله تعالى. ﴿قالوا إنما أنت من المسحرين﴾ يعني: أصبت بالسحر فبطل عقلك لأنك بشر مثلنا فلم تدع الرسالة دوننا ﴿ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين﴾ في قولك. ﴿قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم﴾ والشرب: الحظ من الماء. ﴿ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم﴾ تهديد وتحذير. ﴿فعقروها فأصبحوا نادمين﴾ يعني: على عقرها لما أيقنوا بالعذاب. (فأخذهم العذاب) وهو الصيحة ﴿إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم﴾ تقدم معناه.
(105ـ 108) قوله تعالى: ﴿كذبت قوم نوح المرسلين. إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون. إني لكم رسول أمين. فاتقوا الله وأطيعون﴾. فيه تربية على أن جوهر رسالة نوح عليه السلام وكذلك جوهر كل الرسالات السماوية هو التعظيم لأمر الله والطاعة لرسول الله والشفقة على خلق الله. فقوله تعالى: ﴿كذبت قوم نوح المرسلين﴾ قال: (المرسلين) لأن من كذب رسولا فقد كذب الرسل، ولأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل. وقيل: كذبوا نوحا في النبوة وفيما أخبرهم به من مجيء المرسلين بعده. ﴿إذ قال لهم أخوهم نوح﴾ وهي أخوة إنسانية، لا أخوة نسب ولا أخوة دين. وقيل: هو من قول العرب يا أخا بني تميم، يريدون يا واحدا منهم، وهذا كالسابق (ألا تتقون) يعني: ألا تتقون الله في عبادة الأصنام. ﴿إني لكم رسول أمين﴾ يعني: صادق فيما أبلغكم عن الله تعالى، وقيل: (أمين) فيما بينكم، فإنهم كانوا عرفوا أمانته وصدقه من قبل كمحمد صلى الله عليه وسلم في قريش. (فاتقوا الله) يعني: فاستتروا بطاعة الله تعالى من عقابه (وأطيعون) فيما آمركم به من الإيمان.
(109) و (110) قوله تعالى: ﴿وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين. فاتقوا الله وأطيعون﴾. فيه بيان أنه من علامات صدق النبوة والرسالة هي عدم طلب الأجر على التبليغ والدعوة بل الاكتفاء بأجر الله وثوابه يوم القيامة. فقوله تعالى: ﴿وما أسألكم عليه من أجر﴾ يعني: لا طمع لي في مالكم (إن أجري) يعني: ما جزائي ﴿إلا على رب العالمين﴾ في الثواب يوم القيامة. ﴿فاتقوا الله وأطيعون﴾ كرر للتأكيد.
(111ـ 115) قوله تعالى: قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون. قال وما علمي بما كانوا يعملون. إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون. وما أنا بطارد المؤمنين. إن أنا إلا نذير مبين). فيه تربية على أن الكبر هو من أسباب الكفر، فرفض الملأ التساوي مع الفقراء في الإيمان جعلهم يرفضون الإيمان أساسا. وفيه بيان أن مهمة الرسول هي الإنذار الواضح وليس له أن يطرد من أراد الإيمان لأي سبب كان. فقوله تعالى: ﴿قالوا أنؤمن لك﴾ يعني: نصدق قولك (واتبعك الأرذلون) يعني: وقد اتبعك الفقراء وأصحاب الصنائع، وهذا جهل عظيم فقد أعلم الله تعالى أن الصناعات ليست بضائرة في الدين. ﴿قال وما علمي بما كانوا يعملون﴾ يعني: لم أكلف العلم بأعمالهم إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان، والاعتبار بالإيمان لا بالحرف والصنائع. وقيل: المعنى إني لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم ويرشدهم ويغويكم ويوفقهم ويخذلكم. (إن حسابهم) يعني: ما جزاؤهم في أعمالهم وإيمانهم ﴿إلا على ربي لو تشعرون﴾ يعني: لو شعرتم أن حسابهم على ربهم لما عبتموهم بصنائعهم. ﴿وما أنا بطارد المؤمنين﴾ يعني: لخساسة أحوالهم وأشغالهم، فكأنهم طلبوا منه طرد الضعفاء كما طلبته قريش. ﴿إن أنا إلا نذير مبين﴾ يعني: إن الله ما أرسلني أخص ذوى الغنى دون الفقراء، إنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به، فمن أطاعني فذلك السعيد عند الله وإن كان فقيرا.
(116ـ 122) قوله تعالى: ﴿قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين. قال رب إن قومي كذبون. فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين. فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون. ثم أغرقنا بعد الباقين. إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم﴾. فيه بيان لمآل دعوة نوح عليه السلام في الدنيا، حيث أنجى الله المؤمنين الذين كانوا مهددين بالرجم، وأهلك الكافرين الذين كانوا يهددون المؤمنين بالهلاك. فقوله تعالى: (قالوا لئن لم تنته يا نوح) يعني: عن سب آلهتنا وعيب ديننا ﴿لتكونن من المرجومين﴾ يعني: بالحجارة، وقيل: من المقتولين. وقيل: (من المرجومين من المشتومين، وهذا بعيد. ﴿قال رب إن قومي كذبون فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين﴾ يعني: قال ذلك لما يئس من إيمانهم، والفتح: الحكم. ﴿فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون﴾ يعني: السفينة، والمشحون: المملوء، والشحن ملء السفينة بالناس والدواب وغيرهم. ﴿ثم أغرقنا بعد الباقين﴾ يعني: بعد إنجائنا نوحا ومن آمن. ﴿إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين﴾ يعني: هذه عادة الأقوام أن لا يؤمن أكثرهم. ﴿وإن ربك لهو العزيز﴾ الممتنع الجانب (الرحيم) بأوليائه.
(123ـ130) قوله تعالى: ﴿كذبت عاد المرسلين. إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون. إني لكم رسول أمين. فاتقوا الله وأطيعون. وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين. أتبنون بكل ريع آية تعبثون. وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون. وإذا بطشتمْ بطشتم جبارين﴾. نلمح في قصة هود عليه السلام مع قومه المبادئ الأساسية لقصة نوح عليه السلام مع قومه، حيث الدعوة إلى تقوى الله والطاعة لرسوله وعدم سؤال الأجر المالي على الدعوة، ولكن مع التركيز على مفاسد قوم هود التي تميزوا بها وهي: بناء القصور لأجل التباهي والترف، والقسوة واستخدام القوة المفرطة، وبناء المصانع على سبيل الخلود في الدنيا وإنكار الآخرة. فقوله تعالى: ﴿كذبت عاد المرسلين﴾ التأنيث بمعنى القبيلة والجماعة. ﴿إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون﴾ الله تعالى. ﴿إني لكم رسول أمين﴾ في تبليغ الرسالة. ﴿فاتقوا الله وأطيعون﴾يعني: موضوع الرسالة هو الخوف من الله والطاعة لرسوله. ﴿وما أسألكم عليه من أجر﴾ يعني: من مال ﴿إن أجري إلا على رب العالمين﴾ يوم القيامة. ﴿أتبنون بكل ريع آية تعبثون﴾ الريع ما ارتفع من الأرض، والعبث: اللعب واللهو. يعني: أبنية للتفاخر والتباهي وليست للحاجة والاستعمال. (وتتخذون مصانع) يعني: الحصون المشيدة (لعلكم تخلدون) يعني: كي تخلدوا، وهو استفهام بمعنى التوبيخ، لأن طريقة البناء تدل على ترك التفكر في الموت أو الإيمان بالآخرة. ﴿وإذا بطشتمْ بطشتم جبارين﴾ والبطش: السطوة والأخذ بالعنف، والمعنى: تفعلون ذلك ظلما وبغيا. والجبار: المتسلط العاتي، وقيل: القاتل بغير حق. والآية نزلت خبرا عمن تقدم من الأمم، ووعظا من الله عز وجل لنا في مجانبة ذلك الفعل الذي ذمهم به وأنكره عليهم. وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن ذلك يكون في أمته فقال: «صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس. ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» (مسلم).
(131ـ 135) قوله تعالى: (فاتقوا الله وأطيعون. واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون. أمدكم بأنعام وبنين. وجنات وعيون. إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم). فيه دعوة إلى الإيمان والطاعة من خلال التذكير بالنعم، لأن النعم توجب الشكر والطاعة للمنعم. وفيه تربية على شفقة المؤمن على أخيه الكافر من عدم الإيمان في الدنيا والعقاب في الآخرة، فلا يؤمن المؤمن في الدنيا حتى يحب لأخيه الكافر ما يحب لنفسه من الإيمان. فقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله وأطيعون﴾ تقدم. ﴿واتقوا الذي أمدكم بما تعملون﴾ يعني: من الخيرات. ثم فسرها بقوله: (أمدكم بأنعام وبنين. وجنات وعيون) يعني: سخر ذلك لكم وتفضل بها عليكم، فهو الذي يجب أن يعبد ويشكر ولا يكفر. ﴿إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم﴾ إن كفرتم به وأصررتم على ذلك.
(136ـ 140) قوله تعالى: ﴿قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين. إن هذا إلا خلق الأولين. وما نحن بمعذبين. فكذبوه فأهلكنهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم﴾. فيه بيان لرفض عاد للإيمان بسبب التقليد للآباء والأجداد. وفيه تحذير من المجاهرة بعدم الإيمان، وعدم قبول الموعظة، حيث أهلك الله عادا وأنجى هودا ومن آمن معه. وفي مصارعهم ومصارع من قبلهم ومن بعدهم عبرة لمن أراد الاعتبار. فقوله تعالى: ﴿قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين﴾ كل ذلك عندنا سواء لا نسمع منك ولا نلوي على ما تقوله. ﴿إن هذا إلا خلق الأولين﴾ يعني: دينهم، وقيل: عادتهم. ﴿وما نحن بمعذبين﴾ على ما نفعل لأنه ليس هناك بعث ولا قيامة. (فكذبوه فأهلكنهم) يعني: بالريح العاتية ﴿إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم﴾ وقد تقدم.
(141ـ 159) قوله تعالى: ﴿كذبت ثمود المرسلين. إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون. إني لكم رسول أمين. فاتقوا الله وأطيعون. وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين. أتتركون فيما ها هنا آمنين. في جنات وعيون. وزروع ونخل طلعها هضيم. وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين. فاتقوا الله وأطيعون. ولا تطيعوا أمر المسرفين. الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون. قالوا إنما أنت من المسحرين. ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين. قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم. ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم. فعقروها فأصبحوا نادمين. فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم﴾. وفي قصة ثمود نفس المبادئ التي دعا إليها نوح وهود عليهما السلام وهي: الإيمان بالله، والطاعة لرسول الله، وعدم سؤال الأجر المالي، كما فيها التذكير بالنعم من أجل الدعوة إلى الشكر بالطاعة لله، وترك الفساد والمفسدين. كما فيها الآية المعجزة وهي الناقة، وفيها النهاية الحزينة حيث كذبت ثمود رسولها صالحا عليه السلام وعقروا الناقة، فأهلكهم الله بذنوبهم، وأدركهم الندم ولكن بعد الدخول في العقاب فلم ينتفعوا به. وفي هذه القصة كما في غيرها عبرة لمن يعتبر. فقوله تعالى: ﴿كذبت ثمود المرسلين﴾ ذكر قصة صالح وقومه وهم ثمود، وكانوا يسكنون الحجر شمال الجزيرة العربية على الطريق إلى الشام. ﴿إذ قال لهم أخوهم صالح﴾ يعني: في الإنسانية (ألا تتقون) الله تعالى. ﴿إني لكم رسول أمين﴾ يعني: على الرسالة والتبليغ. ﴿فاتقوا الله وأطيعون﴾ كرر للتأكيد. ﴿وما أسألكم عليه من أجر﴾ يعني: من مال ﴿إن أجري إلا على رب العالمين﴾ يعني: ثوابي عند الله يوم القيامة. (أتتركون فيما هاهنا آمنين) يعني: في الدنيا آمنين من الموت والعذاب. (في جنات) يعني: بساتين (وعيون) يعني: أنهار. (وزروع) يعني: نباتات وأشجار (ونخل) خص النخل من بين الزروع لانفرادها عنه بالفضل (طلعها هضيم) والهضيم: اللطيف الدقيق، وقيل: يقال للطلع هضيم ما لم يخرج من كفراه لدخول بعضه في بعض، والهضيم: من النساء اللطيفة الكشحين. ﴿وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين﴾ يعني: نشيطين بنحتها، وقيل: حاذقين بها. ﴿فاتقوا الله وأطيعون. ولا تطيعوا أمر المسرفين﴾ يعني: ﴿الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون﴾ والفساد هو العمل بمعصية الله تعالى. ﴿قالوا إنما أنت من المسحرين﴾ يعني: أصبت بالسحر فبطل عقلك لأنك بشر مثلنا فلم تدع الرسالة دوننا ﴿ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين﴾ في قولك. ﴿قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم﴾ والشرب: الحظ من الماء. ﴿ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم﴾ تهديد وتحذير. ﴿فعقروها فأصبحوا نادمين﴾ يعني: على عقرها لما أيقنوا بالعذاب. (فأخذهم العذاب) وهو الصيحة ﴿إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم﴾ تقدم معناه.