يسٓ 1
التفسير التربوي لسورة يسقال القرطبي في التفسير: «سورة يس: وهى مكية بإجماع. وهي ثلاث وثمانون آية، إلا أن فرقة قالت: إن قوله تعالى: ﴿ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾ [يس: 12] نزلت في بنى سلمة من الأنصار حين أرادوا أن يتركوا ديارهم، وينتقلوا إلى جوار مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم. وفى كتاب أبي داود عن معقل بن يسار قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (واقرأوا يس على موتاكم). وذكر الآجري من حديث أم الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من ميت يقرأ عليه سورة يس إلا هون الله عليه). وفي مسند الدارمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ سورة يس في ليلة ابتغاء وجه الله غفر له في تلك الليلة) وخرجه أبو نعيم الحافظ أيضا. وروى الترمذي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لكل شيء قلبا، وقلب القرآن يس، ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات) قال: هذا حديث غريب، وفي إسناده شيخ مجهول. وفي مسند الدارمي عن شهر بن حوشب قال: قال ابن عباس: (من قرأ يس حين يصبح أعطي يسر يومه حتى يمسي، ومن قرأها في صدر ليلته أعطي يسر ليلته حتى يصبح».
وقال السيوطي في الدر المنثور: «أخرج ابن مردويه من طريق ابن عباس قال: (يس) محمد صلى الله عليه وسلم. وفي لفظ قال: يا محمد. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن محمد بن الحنفية في قوله (يس) قال: يا محمد. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله (يس) قال: يا إنسان».
وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «هذه السورة المكية ذات فواصل قصيرة، وإيقاعات سريعة، ومن ثم جاء عدد آياتها ثلاثا وثمانين، بينما هي أصغر وأقصر من سابقتها سورة فاطر وعدد آياتها خمس وأربعون. وقصر الفواصل مع سرعة الإيقاع يطبع السورة بطابع خاص، فتتلاحق إيقاعاتها، وتدق على الحس دقات متوالية، يعمل على مضاعفة أثرها ما تحمله معها من الصور والظلال التي تخلعها المشاهد المتتابعة من بدء السورة إلى نهايتها، وهي متنوعة وموحية وعميقة الآثار. والموضوعات الرئيسية للسورة هي موضوعات السور المكية. وهدفها الأول هو بناء أسس العقيدة. فهي تتعرض لطبيعة الوحي وصدق الرسالة منذ افتتاحها. وتسوق قصة أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون ، لتحذر من عاقبة التكذيب بالوحي والرسالة، وتعرض هذه العاقبة في القصة على طريقة القرآن في استخدام القصص لتدعيم قضاياه. وقرب نهاية السورة تعود إلى الموضوع ذاته: ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين. لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين﴾. كذلك تتعرض السورة لقضية الألوهية والوحدانية، فيجيء استنكار الشرك على لسان الرجل المؤمن الذي جاء من أقصى المدينة ليحاج قومه في شأن المرسلين. والقضية التي يشتد عليها التركيز في السورة هي قضية البعث والنشور، وهي تتردد في مواضع كثيرة في السورة. وهذه القضايا المتعلقة ببناء العقيدة من أساسها، تتكرر في السور المكية. ولكنها تعرض في كل مرة من زاوية معينة، تحت ضوء معين، مصحوبة بمؤثرات تناسب جوها، وتتناسق مع إيقاعها وصورها وظلالها. هذه المؤثرات منتزعة في هذه السورة من مشاهد القيامة بصفة خاصة ومن مشاهد القصة ومواقفها وحوارها، ومن مصارع الغابرين على مدار القرون، ثم من المشاهد الكونية الكثيرة المتنوعة الموحية».
﴿يس وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُون﴾ [يس: 1-7]
(1ـ 5) قوله تعالى: (يس. والقرآن الحكيم. إنك لمن المرسلين. على صراط مستقيم. تنزيل العزيز الرحيم). فيه تربية بالنداء وما يحمله هذا النداء من التنبيه والتحذير، فمع أن الياء والسين هما من الأحرف الأبجدية التي ذكرت في مطلع بعض السور للتنبيه إلى إعجاز القرآن فإن الذي يتسق مع السياق هنا يجعلنا نقول: إن الياء أداة نداء، والسين اختصار لكلمة إنسان، والمراد محمد صلى الله عليه وسلم. وفيه تربية بالقسم من الله تعالى بكلامه القرآن على نبوة ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم، والقسم يحمل معنى التأكيد والتوكيد ونفي الشك والظن. ولله تعالى أن يقسم بذاته أو بأسمائه أو بصفاته أو بمخلوقاته ولكن ليس للإنسان أن يقسم إلا بالله تعالى لأن القسم للتعظيم، وليس للإنسان أن يعظم إلا الله بذاته أو بأسمائه أو بصفاته. وفيه تربية على الاستقامة في الحياة من خلال وصف الرسالة بالاستقامة لأن الله تعالى أنزل الرسالة لتتبع ويعمل الناس بها. وفيه ترهيب وترغيب من خلال التذكير بصفة الله تعالى (العزيز) للترهيب (الرحيم) للترغيب. فقوله تعالى: (يس) إن كان تفسيرها: يا إنسان أو يا رجل أو يا محمد فالأولى بها الضم. وإن كان هو افتتاح للسورة أو اسم للسورة فالأولى الوقف عليها. وقيل: هو اسم من أسماء محمد صلى الله عليه وسلم، ودليله ﴿إنك لمن المرسلين﴾. وقال بعض العلماء: افتتح الله هذه السورة بالياء والسين وفيهما مجمع الخير: ودل المفتتح على أنه قلب، والقلب أمير على الجسد، وكذلك (يس) أمير على سائر السور، مشتمل على جميع القرآن. قال القرطبي: «وقد سرد القاضي عياض أقوال المفسرين في معنى " يس " فحكى أبو محمد مكي أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لي عند ربي عشرة أسماء) ذكر أن منها (طه ويس) اسمان له. قلت: وذكر الماوردي عن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله تعالى أسماني في القرآن سبعة أسماء محمد وأحمد وطه ويس والمزمل والمدثر وعبد الله) قاله القاضي. وحكى أبو عبد الرحمن السلمي عن جعفر الصادق أنه أراد يا سيد، مخاطبة لنبيه صلى الله عليه وسلم. وعن ابن عباس: (يس) يا إنسان أراد محمدا صلى الله عليه وسلم. وقال الزجاج: قيل معناه: يا محمد، وقيل: يا رجل، وقيل: يا إنسان. وعن ابن الحنفية: (يس) يا محمد. فإن قدر أنه من أسمائه صلى الله عليه وسلم، وصح فيه أنه قسم كان فيه من التعظيم ما تقدم، مؤ كد فيه القسم عطف القسم الآخر عليه. وإن كان بمعنى النداء فقد جاء قسم آخر بعده لتحقيق رسالته والشهادة بهدايته. أقسم الله تعالى باسمه وكتابه أنه لمن المرسلين بوحيه إلى عباده، وعلى صراط مستقيم من إيمانه، أي طريق لا اعوجاج فيه ولا عدول عن الحق. قال النقاش: لم يقسم الله تعالى لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتابه إلا له، وفيه من تعظيمه وتمجيده على تأويل من قال إنه يا سيد ما فيه، وقد قال عليه السلام: (أنا سيد ولد آدم) انتهى كلامه. وحكى القشيري قال ابن عباس: قالت كفار قريش لست مرسلا وما أرسلك الله إلينا، فأقسم الله بالقرآن المحكم أن محمدا من المرسلين». وقوله: (والقرآن والحكيم) يعني: المحكم حتى لا يتعرض لبطلان وتناقض، كما قال: (أحكمت آياته) وكذلك أحكم في نظمه ومعانيه فلا يلحقه خلل. ﴿إنك لمن المرسلين﴾ يعني: من الأنبياء الذين نبأهم الله تعالى ثم أرسلهم الله للناس. ﴿على صراط مستقيم﴾ يعني: دين مستقيم وهو الإسلام. وقيل: على طريق الأنبياء الذين تقدموك. وقيل: المعنى لمن المرسلين على استقامة. (تنزيل) والتنزيل: الإرسال، ومحمد صلى الله عليه وسلم رحمة الله أنزلها من السماء، وكذلك القرآن (العزيز) المنتقم ممن خالفه (الرحيم) بأهل طاعته.
(6) و (7) قوله تعالى: ﴿لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون. لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون﴾. فيه تربية على سنة من سنن الله تعالى في عالم الإنس والجن وهي أنه لم يترك قوما من دون رسول ينذرهم، وأنه تعالى أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم على فترة من الرسل لينذر قومه، فشمل العرب بعنايته ورحمته وشرّفهم بآخر الرسالات. وفيه تربية على أن الإنذار واجب وإن كانت الأكثرية لا تؤمن، فالإنذار لقطع العذر، وكما قيل: أعذر من أنذر. فقوله تعالى: ﴿لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم﴾ يعني: لتنذر قوما ما أتى آباءهم قبلك نذير، وقيل: لتنذرهم مثل ما أنذر آباؤهم، وقيل: يجوز أن تكون العرب قد بلغتهم بالتواتر أخبار الأنبياء، فالمعنى لم ينذروا برسول من أنفسهم، ويجوز أن يكون بلغهم الخبر ولكن غفلوا وأعرضوا ونسوا، ويجوز أن يكون هذا خطابا لقوم لم يبلغهم خبر نبي (فهم غافلون) يعني: عن عقاب الله، وعلى قول من قال بلغهم خبر الأنبياء، فالمعنى فهم معرضون الآن متغافلون عن ذلك. ﴿لقد حق القول على أكثرهم﴾ يعني: وجب العذاب على أكثرهم ﴿فهم لا يؤمنون﴾ يعني: بإنذارك. وهذا فيمن سبق في علم الله أنه يموت على كفره.
وقال السيوطي في الدر المنثور: «أخرج ابن مردويه من طريق ابن عباس قال: (يس) محمد صلى الله عليه وسلم. وفي لفظ قال: يا محمد. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن محمد بن الحنفية في قوله (يس) قال: يا محمد. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله (يس) قال: يا إنسان».
وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «هذه السورة المكية ذات فواصل قصيرة، وإيقاعات سريعة، ومن ثم جاء عدد آياتها ثلاثا وثمانين، بينما هي أصغر وأقصر من سابقتها سورة فاطر وعدد آياتها خمس وأربعون. وقصر الفواصل مع سرعة الإيقاع يطبع السورة بطابع خاص، فتتلاحق إيقاعاتها، وتدق على الحس دقات متوالية، يعمل على مضاعفة أثرها ما تحمله معها من الصور والظلال التي تخلعها المشاهد المتتابعة من بدء السورة إلى نهايتها، وهي متنوعة وموحية وعميقة الآثار. والموضوعات الرئيسية للسورة هي موضوعات السور المكية. وهدفها الأول هو بناء أسس العقيدة. فهي تتعرض لطبيعة الوحي وصدق الرسالة منذ افتتاحها. وتسوق قصة أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون ، لتحذر من عاقبة التكذيب بالوحي والرسالة، وتعرض هذه العاقبة في القصة على طريقة القرآن في استخدام القصص لتدعيم قضاياه. وقرب نهاية السورة تعود إلى الموضوع ذاته: ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين. لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين﴾. كذلك تتعرض السورة لقضية الألوهية والوحدانية، فيجيء استنكار الشرك على لسان الرجل المؤمن الذي جاء من أقصى المدينة ليحاج قومه في شأن المرسلين. والقضية التي يشتد عليها التركيز في السورة هي قضية البعث والنشور، وهي تتردد في مواضع كثيرة في السورة. وهذه القضايا المتعلقة ببناء العقيدة من أساسها، تتكرر في السور المكية. ولكنها تعرض في كل مرة من زاوية معينة، تحت ضوء معين، مصحوبة بمؤثرات تناسب جوها، وتتناسق مع إيقاعها وصورها وظلالها. هذه المؤثرات منتزعة في هذه السورة من مشاهد القيامة بصفة خاصة ومن مشاهد القصة ومواقفها وحوارها، ومن مصارع الغابرين على مدار القرون، ثم من المشاهد الكونية الكثيرة المتنوعة الموحية».
﴿يس وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُون﴾ [يس: 1-7]
(1ـ 5) قوله تعالى: (يس. والقرآن الحكيم. إنك لمن المرسلين. على صراط مستقيم. تنزيل العزيز الرحيم). فيه تربية بالنداء وما يحمله هذا النداء من التنبيه والتحذير، فمع أن الياء والسين هما من الأحرف الأبجدية التي ذكرت في مطلع بعض السور للتنبيه إلى إعجاز القرآن فإن الذي يتسق مع السياق هنا يجعلنا نقول: إن الياء أداة نداء، والسين اختصار لكلمة إنسان، والمراد محمد صلى الله عليه وسلم. وفيه تربية بالقسم من الله تعالى بكلامه القرآن على نبوة ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم، والقسم يحمل معنى التأكيد والتوكيد ونفي الشك والظن. ولله تعالى أن يقسم بذاته أو بأسمائه أو بصفاته أو بمخلوقاته ولكن ليس للإنسان أن يقسم إلا بالله تعالى لأن القسم للتعظيم، وليس للإنسان أن يعظم إلا الله بذاته أو بأسمائه أو بصفاته. وفيه تربية على الاستقامة في الحياة من خلال وصف الرسالة بالاستقامة لأن الله تعالى أنزل الرسالة لتتبع ويعمل الناس بها. وفيه ترهيب وترغيب من خلال التذكير بصفة الله تعالى (العزيز) للترهيب (الرحيم) للترغيب. فقوله تعالى: (يس) إن كان تفسيرها: يا إنسان أو يا رجل أو يا محمد فالأولى بها الضم. وإن كان هو افتتاح للسورة أو اسم للسورة فالأولى الوقف عليها. وقيل: هو اسم من أسماء محمد صلى الله عليه وسلم، ودليله ﴿إنك لمن المرسلين﴾. وقال بعض العلماء: افتتح الله هذه السورة بالياء والسين وفيهما مجمع الخير: ودل المفتتح على أنه قلب، والقلب أمير على الجسد، وكذلك (يس) أمير على سائر السور، مشتمل على جميع القرآن. قال القرطبي: «وقد سرد القاضي عياض أقوال المفسرين في معنى " يس " فحكى أبو محمد مكي أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لي عند ربي عشرة أسماء) ذكر أن منها (طه ويس) اسمان له. قلت: وذكر الماوردي عن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله تعالى أسماني في القرآن سبعة أسماء محمد وأحمد وطه ويس والمزمل والمدثر وعبد الله) قاله القاضي. وحكى أبو عبد الرحمن السلمي عن جعفر الصادق أنه أراد يا سيد، مخاطبة لنبيه صلى الله عليه وسلم. وعن ابن عباس: (يس) يا إنسان أراد محمدا صلى الله عليه وسلم. وقال الزجاج: قيل معناه: يا محمد، وقيل: يا رجل، وقيل: يا إنسان. وعن ابن الحنفية: (يس) يا محمد. فإن قدر أنه من أسمائه صلى الله عليه وسلم، وصح فيه أنه قسم كان فيه من التعظيم ما تقدم، مؤ كد فيه القسم عطف القسم الآخر عليه. وإن كان بمعنى النداء فقد جاء قسم آخر بعده لتحقيق رسالته والشهادة بهدايته. أقسم الله تعالى باسمه وكتابه أنه لمن المرسلين بوحيه إلى عباده، وعلى صراط مستقيم من إيمانه، أي طريق لا اعوجاج فيه ولا عدول عن الحق. قال النقاش: لم يقسم الله تعالى لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتابه إلا له، وفيه من تعظيمه وتمجيده على تأويل من قال إنه يا سيد ما فيه، وقد قال عليه السلام: (أنا سيد ولد آدم) انتهى كلامه. وحكى القشيري قال ابن عباس: قالت كفار قريش لست مرسلا وما أرسلك الله إلينا، فأقسم الله بالقرآن المحكم أن محمدا من المرسلين». وقوله: (والقرآن والحكيم) يعني: المحكم حتى لا يتعرض لبطلان وتناقض، كما قال: (أحكمت آياته) وكذلك أحكم في نظمه ومعانيه فلا يلحقه خلل. ﴿إنك لمن المرسلين﴾ يعني: من الأنبياء الذين نبأهم الله تعالى ثم أرسلهم الله للناس. ﴿على صراط مستقيم﴾ يعني: دين مستقيم وهو الإسلام. وقيل: على طريق الأنبياء الذين تقدموك. وقيل: المعنى لمن المرسلين على استقامة. (تنزيل) والتنزيل: الإرسال، ومحمد صلى الله عليه وسلم رحمة الله أنزلها من السماء، وكذلك القرآن (العزيز) المنتقم ممن خالفه (الرحيم) بأهل طاعته.
(6) و (7) قوله تعالى: ﴿لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون. لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون﴾. فيه تربية على سنة من سنن الله تعالى في عالم الإنس والجن وهي أنه لم يترك قوما من دون رسول ينذرهم، وأنه تعالى أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم على فترة من الرسل لينذر قومه، فشمل العرب بعنايته ورحمته وشرّفهم بآخر الرسالات. وفيه تربية على أن الإنذار واجب وإن كانت الأكثرية لا تؤمن، فالإنذار لقطع العذر، وكما قيل: أعذر من أنذر. فقوله تعالى: ﴿لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم﴾ يعني: لتنذر قوما ما أتى آباءهم قبلك نذير، وقيل: لتنذرهم مثل ما أنذر آباؤهم، وقيل: يجوز أن تكون العرب قد بلغتهم بالتواتر أخبار الأنبياء، فالمعنى لم ينذروا برسول من أنفسهم، ويجوز أن يكون بلغهم الخبر ولكن غفلوا وأعرضوا ونسوا، ويجوز أن يكون هذا خطابا لقوم لم يبلغهم خبر نبي (فهم غافلون) يعني: عن عقاب الله، وعلى قول من قال بلغهم خبر الأنبياء، فالمعنى فهم معرضون الآن متغافلون عن ذلك. ﴿لقد حق القول على أكثرهم﴾ يعني: وجب العذاب على أكثرهم ﴿فهم لا يؤمنون﴾ يعني: بإنذارك. وهذا فيمن سبق في علم الله أنه يموت على كفره.