خُشَّعًا أَبۡصَٰرُهُمۡ يَخۡرُجُونَ مِنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ كَأَنَّهُمۡ جَرَادٞ مُّنتَشِرٞ 7 مُّهۡطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِۖ يَقُولُ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا يَوۡمٌ عَسِرٞ 8 ۞ كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ فَكَذَّبُواْ عَبۡدَنَا وَقَالُواْ مَجۡنُونٞ وَٱزۡدُجِرَ 9 فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَغۡلُوبٞ فَٱنتَصِرۡ 10 فَفَتَحۡنَآ أَبۡوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٖ مُّنۡهَمِرٖ 11 وَفَجَّرۡنَا ٱلۡأَرۡضَ عُيُونٗا فَٱلۡتَقَى ٱلۡمَآءُ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ قَدۡ قُدِرَ 12 وَحَمَلۡنَٰهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلۡوَٰحٖ وَدُسُرٖ 13 تَجۡرِي بِأَعۡيُنِنَا جَزَآءٗ لِّمَن كَانَ كُفِرَ 14 وَلَقَد تَّرَكۡنَٰهَآ ءَايَةٗ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ 15 فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ 16 وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ 17 كَذَّبَتۡ عَادٞ فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ 18 إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِي يَوۡمِ نَحۡسٖ مُّسۡتَمِرّٖ 19 تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمۡ أَعۡجَازُ نَخۡلٖ مُّنقَعِرٖ 20 فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ 21 وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ 22 كَذَّبَتۡ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ 23 فَقَالُوٓاْ أَبَشَرٗا مِّنَّا وَٰحِدٗا نَّتَّبِعُهُۥٓ إِنَّآ إِذٗا لَّفِي ضَلَٰلٖ وَسُعُرٍ 24 أَءُلۡقِيَ ٱلذِّكۡرُ عَلَيۡهِ مِنۢ بَيۡنِنَا بَلۡ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٞ 25 سَيَعۡلَمُونَ غَدٗا مَّنِ ٱلۡكَذَّابُ ٱلۡأَشِرُ 26 إِنَّا مُرۡسِلُواْ ٱلنَّاقَةِ فِتۡنَةٗ لَّهُمۡ فَٱرۡتَقِبۡهُمۡ وَٱصۡطَبِرۡ 27
الصفحة 529

تفسير سورة القمر - الآية 18

كَذَّبَتۡ عَادࣱ فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ 18

[القمر: 18-22]
(18) و (19) و (20) و (21) و (22) قوله تعالى: ﴿كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر. إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر. تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر. فكيف كان عذابي ونذر. ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾. فيه تربية على أن التعريف بالاسم العلم أولى وأبلغ من التعريف بالإضافة لأنه قال هنا: (كذبت عاد) بينما قال قبلها: ﴿كذبت قبلهم قوم نوح﴾. وفيه بيان أن تكذيب نوح كان أبلغ وأشد حيث دعاهم قريبا من ألف سنة وأصروا على التكذيب، ولهذا ذكر الله تعالى تكذيب نوح صريحا بقوله: (فكذبوا عبدنا) ولم يذكر تكذيب غير نوح صريحا وإن نبه إليه. وفيه تربية على أن أسباب الحياة هي نفسها أسباب الممات والهلاك، فقد أهلك الله تعالى قوم نوح بالماء وهو من أسباب الحياة كما أهلك قوم هود بالهواء وهو من أسباب الحياة. وفيه تربية بالتكرار لأن التكرار يفيد التأكيد والتقرير. وفي قوله: (عذابي ونذر) حكمة لطيفة حيث وحد العذاب وجمع الإنذار إشارة إلى غلبة الرحمة الغضب، وذلك لأن الإنذار إشفاق ورحمة، فقال: الإنذارات التي هي نعم ورحمة تواترت، فلما لم تنفع وقع العذاب دفعة واحدة، فكانت النعم كثيرة والنقمة واحدة. فقوله تعالى: (كذبت عاد) هم قوم هود ﴿فكيف كان عذابي﴾ يعني: عقابي (ونذر) يعني: وإنذاري. ﴿إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا﴾ يعني: شديدة البرودة وشديدة الصوت ﴿في يوم نحس مستمر﴾ يعني: في يوم كان دائم الشؤم عليهم، وقيل: في يوم كانوا يتشاءمون به. (تنزع الناس) يعني: تقلعهم من مواضعهم ﴿كأنهم أعجاز نخل﴾ والعجز: مؤخر الشيء (منقعر) والمنقعر: المنقلع من أصله. والمعنى: كانت تقلعهم من الأرض، فترمي بهم على رؤوسهم، فتندق أعناقهم وتبين رؤوسهم عن أجسادهم. ﴿فكيف كان عذابي ونذر. ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾ وقد تقدم.
(23ـ 32) قوله تعالى: ﴿كذبت ثمود بالنذر. فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر. أؤلقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر. سيعلمون غدا من الكذاب الأشر. إنا مرسلو الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر. ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر. فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر. فكيف كان عذابي ونذر. إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر. ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾. وفيه بيان أن كل قوم يأتون بعد قوم ويكذبون رسولهم يكونون قد كذبوا الرسول الذي قبله لأن الرسالة واحدة، ومن هنا قال في عاد: (كذبت عاد) وقال في ثمود: ﴿كذبت ثمود بالنذر﴾. وفيه بيان أن الأمم التي كذبت الرسل كانت تقع دائما في شبهة بشرية الرسول وهذه الشبهة من الشبهات التي أهلكت إبليس حيث صرح بها حين رفض الإقرار لآدم بالفضل فقال: ﴿لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون﴾ [الحجر: 33]. واعلم أن الله تعالى ذكر في هذه السورة خمس قصص، وجعل القصة المتوسطة مذكورة على أتم وجه لأن حال صالح عليه السلام كان أكثر مشابهة بحال محمد صلى الله عليه وسلم، فأتى بأمر عجيب وكان أعجب مما جاء به الأنبياء. فعيسى عليه السلام أحيا الميت لكن الميت كان محلا للحياة فأثبت بإذن الله الحياة في محل كان قابلا لها، وموسى عليه السلام انقلبت عصاه ثعبانا فأثبت الله له في الخشبة الحياة لكن الخشبة نبات كان له قوة في النماء يشبه الحيوان في النمو فهو أعجب، وصالح عليه السلام كان الظاهر في يده خروج الناقة من الحجر والحجر جماد لا محل للحياة فيه ولا محل للنمو فيه، والنبي صلى الله عليه وسلم أتى بأعجب من الكل وهو التصرف في جرم السماء الذي يقول المشرك لا وصول لأحد إلى السماء ولا إمكان لشقه وخرقه. وفي وصفه تعالى للمعجزة بأنها فتنة بيان أنه بها يتميز حال من يثاب ممن يعذب. وفيه تربية على أن الراضي بالشيء كفاعله سواء حضر الفعل أم غاب عنه وهذا هو حال قوم صالح في عقر الناقة. وفيه تربية بالتكرار لأن التكرار يفيد التذكار. فقوله تعالى: ﴿كذبت ثمود بالنذر﴾ هم قوم صالح كذبوا نبيهم، وقيل: كذبوا بالآيات التي هي النذر ﴿فقالوا أبشرا منا واحدا﴾ يعني: رفضوا بشرية الرسول ورفضوا وحدانيته (نتبعه) يعني: نؤمن به ونعمل بما جاء ﴿إنا إذا لفي ضلال﴾ يعني: ذهاب عن الصواب (وسعر) يعني: وجنون، من قولهم: ناقة مسعورة، أي كأنها من شدة نشاطها مجنونة. ﴿أؤلقي الذكر عليه من بيننا﴾ يعني: خصص بالرسالة من بين آل ثمود وفيهم من هو أكثر مالا وأحسن حالا؟! وهو استفهام ومعناه الإنكار ﴿بل هو كذاب أشر﴾ يعني: ليس كما يدعيه، وإنما يريد أن يتعاظم ويلتمس التكبر علينا من غير استحقاق. والأشر: المرح والتجبر والنشاط. (سيعلمون غدا) يعني: سيرون العذاب يوم القيامة، أو في حال نزول العذاب بهم في الدنيا ﴿من الكذاب الأشر﴾. وقوله: (إنا مرسلو الناقة) يعني: مخرجوها من الهضبة التي سألوها، فروي أن صالحا صلى ركعتين ودعا فانصدعت الصخرة التي عينوها عن سنامها، فخرجت ناقة عشراء (فتنة لهم) يعني: اختبارا (فارتقبهم) يعني: انتظر ما يصنعون (واصطبر) يعني: واصبر على أذاهم. (ونبئهم): يعني: وأخبرهم ﴿أن الماء قسمة بينهم﴾ يعني: بين آل ثمود وبين الناقة، لها يوم ولهم يوم، وقيل: كان يوم شربهم لا تشرب الناقة شيئا من الماء وتسقيهم لبنا، وإذا كان يوم الناقة شربت الماء كله فلم تبق لهم شيئا (كل شرب) يعني: الحظ من الماء (محتضر) يعني: يحضره من هو له، فالناقة تحضر الماء يوم وردها، وتغيب عنهم يوم وردهم. (فنادوا صاحبهم) يعني: بالحض على عقرها (فتعاطى) يعني: تناول الفعل (فعقر) يعني: فعقر الناقة. ﴿فكيف كان عذابي﴾ يعني: عقابي (ونذر) يعني: وإنذاري. ﴿إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة﴾ يعني: صيحة جبريل عليه السلام (فكانوا كهشيم) يعني: العشب اليابس (المحتظر) يعني: صاحب الحظيرة. والمراد تشبيه الدمار الذي أصاب ثمود بحريق الهشيم. ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾ وقد تقدم.
(33ـ 40) قوله تعالى: ﴿كذبت قوم لوط بالنذر. إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر. نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر. ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر. ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر. ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر. فذوقوا عذابي ونذر. ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾. إن قيل: ما الحكمة في ترك العذاب حيث لم يقل: ﴿فكيف كان عذابي﴾ كما قال في القصص الثلاث؟ نقول: إن البلاغ في التكرار ثلاثا، كما قال صلى الله عليه وسلم: «ألا هل بلغت ثلاثا»، والتذكير تكرر ثلاث مرات لحصول التأكيد، ففي قصة نوح للتعظيم، وفي حكاية ثمود للبيان، وفي حكاية عاد أعادها مرتين للتعظيم والبيان جميعا. وفيه تربية على أن الإنجاء فضل من الله وأن الإهلاك عدل من الله، لأن الإنجاء نعمة والإهلاك نقمة، فهو عادل في النقمة وكريم في النعمة. وفيه تبرئة للوط عليه السلام وبيان أنه أتى بما عليه، فإنه تعالى لما رتب التعذيب على التكذيب وكان من الرحمة أن يؤخره ويقدم عليه الإنذارات البالغة بين ذلك فقال: أهلكناهم وكان قد أنذرهم من قبل. وفيه تحذير من عذاب الله تعالى لأنه عذاب مستقر دائم لا دافع له، والله تعالى لا يخلف وعيده كما لا يخلف وعده، والعاقل من لا يأمن مكر الله كما لا ييأس من رحمة الله. فقوله تعالى: ﴿كذبت قوم لوط بالنذر﴾ أخبر عن قوم لوط أيضا لما كذبوا لوطا عليه السلام. ﴿إنا أرسلنا عليهم حاصبا﴾ يعني: ريحا شديدة ترميهم بالحصباء وهي الحصى ﴿إلا آل لوط﴾ يعني: من تبعه على دينه ولم يكن إلا بنتاه (نجيناهم بسحر) يعني: وقت السحر. والسحر: هو ما بين آخر الليل وطلوع الفجر، وهو في كلام العرب اختلاط سواد الليل ببياض أول النهار. ﴿نعمة من عندنا﴾ يعني: إنعاما منا على لوط وابنتيه ﴿كذلك نجزي من شكر﴾ يعني: من آمن بالله وأطاعه. (ولقد أنذرهم) يعني: لوطا خوفهم (بطشتنا) يعني: عقوبتنا وأخذنا إياهم بالعذاب (فتماروا بالنذر) يعني: شكوا فيما أنذرهم به الرسول ولم يصدقوه، وهو تفاعل من المرية. ﴿ولقد راودوه عن ضيفه﴾ يعني: أرادوا منه تمكينهم ممن كان أتاه من الملائكة في هيئة الأضياف طلبا للفاحشة (فطمسنا أعينهم) قيل: إن جبريل عليه السلام ضربهم بجناحه فعموا، وقيل: صارت أعينهم كسائر الوجه لا يرى لها شق ﴿فذوقوا عذابي ونذر﴾ يعني: قلنا لهم ذوقوا، والمراد من هذا الأمر الخبر، أي فأذقتهم عذابي الذي أنذرهم به لوط ﴿ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر﴾ يعني: دائم عام استقر فيهم حتى يفضي بهم إلى عذاب الآخرة، وذلك العذاب قلب قريتهم عليهم وجعل أعلاها أسفلها. ﴿فذوقوا عذابي ونذر﴾ والعذاب الذي نزل بهم من طمس الأعين غير العذاب الذي أهلكوا به فلذلك حسن التكرير. ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾ وقد تقدم.
فهرس الكتاب