ثُمَّ قَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيۡنَا بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَۖ وَجَعَلۡنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأۡفَةࣰ وَرَحۡمَةࣰۚ وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ رِضۡوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوۡهَا حَقَّ رِعَايَتِهَاۖ فَـَٔاتَيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنۡهُمۡ أَجۡرَهُمۡۖ وَكَثِيرࣱ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ 27
[الحديد: 27]
(27) قوله تعالى: ﴿ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون﴾. فيه بيان لبطلان الرهبانية عند النصارى وغيرهم من ناحيتين: (الأولى) طلب الإثبات وذلك أنه تعالى لم يفرضها عليهم فليس لهم دليل على إثباتها (والثانية) نقض الفرض وذلك أنه لو فرضنا جدلا أن لديهم إثبات على فرضيتها فإنهم لم يرعوها حق الرعاية فدل عدم قدرتهم على رعايتها على بطلان إثباتها أو فرضيتها. واعلم أن الرهبانية بالامتناع عن النساء أو المواصلة في الصيام أو الاستمرار في العبادة والصلاة مما لا تطيقه النفس البشرية وليس بوسعها، والله ما كلف الناس إلا وسعهم. وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بالقول له: إن الأولين أصروا على الكفر أيضا فلا تعجب من أهل عصرك إن أصروا على الكفر. فقوله تعالى: (ثم قفينا) يعني: أتبعنا (على آثارهم) يعني: على آثار الذرية، وقيل: على آثار نوح وإبراهيم (برسلنا) موسى وإلياس وداود وسليمان ويونس وغيرهم ﴿وقفينا بعيسى ابن مريم﴾ فهو من ذرية إبراهيم من جهة أمه (وآتيناه الإنجيل) وهو الكتاب المنزل عليه ﴿وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه﴾ يعني: الحواريين وأتباعهم (رأفة ورحمة) والرأفة: اللين، والرحمة: الشفقة. وقيل: الرأفة تخفيف الكل، والرحمة تحمل الثقل. وقيل: الرأفة أشد الرحمة. وقيل: هذا إشارة إلى أنهم أمروا في الإنجيل بالصلح وترك إيذاء الناس وألان الله قلوبهم لذلك، بخلاف اليهود الذين قست قلوبهم وحرفوا الكلم عن مواضعه، وتم الكلام، ثم قال: (ورهبانية ابتدعوها) يعني: من قبل أنفسهم، وذلك أنهم حملوا أنفسهم على المشقات في الامتناع من المطعم والمشرب والنكاح والتعلق بالكهوف والصوامع ﴿ما كتبناها عليهم﴾ يعني: ما فرضناها عليهم ولا أمرناهم بها ﴿إلا ابتغاء رضوان الله﴾ يعني: ما أمرناهم إلا بما يرضي الله، والاستثناء منقطع، والتقدير: ما كتبناها عليهم لكن ابتدعوها ابتغاء رضوان الله ﴿فما رعوها حق رعايتها﴾ يعني: فما قاموا بها حق القيام، وإنما انتهى الترهب بهم إلى طلب الرياسة على الناس وأكل أموالهم، وقيل: ابتدعها قوم صالحون هربا من الفساد في المجتمعات التي كانوا يعيشون فيها ثم جاء من بعدهم قوم آخرون فما قاموا بها حق القيام ﴿فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم﴾ يعني: الذين ابتدعوها ورعوها ﴿وكثير منهم فاسقون﴾ يعني: المتأخرين الذين لم يرعوها. قال القرطبي: «وفي الآية دليل على العزلة عن الناس في الصوامع والبيوت، وذلك مندوب إليه عند فساد الزمان وتغير الأصدقاء والإخوان. وفى مسند أحمد بن حنبل من حديث أبى أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية من سراياه فقال: مر رجل بغار فيه شيء من ماء، فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار، فيقوته ما كان فيه من ماء ويصيب ما حوله من البقل ويتخلى عن الدنيا. قال: لو أني أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فإن أذن لي فعلت وإلا لم أفعل، فأتاه فقال: يا نبي الله! إني مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل، فحدثتني نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى من الدنيا. قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت بالحنيفية السمحة، والذي نفس محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، ولمقام أحدكم في الصف الأول خير من صلاته ستين سنة».
(27) قوله تعالى: ﴿ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون﴾. فيه بيان لبطلان الرهبانية عند النصارى وغيرهم من ناحيتين: (الأولى) طلب الإثبات وذلك أنه تعالى لم يفرضها عليهم فليس لهم دليل على إثباتها (والثانية) نقض الفرض وذلك أنه لو فرضنا جدلا أن لديهم إثبات على فرضيتها فإنهم لم يرعوها حق الرعاية فدل عدم قدرتهم على رعايتها على بطلان إثباتها أو فرضيتها. واعلم أن الرهبانية بالامتناع عن النساء أو المواصلة في الصيام أو الاستمرار في العبادة والصلاة مما لا تطيقه النفس البشرية وليس بوسعها، والله ما كلف الناس إلا وسعهم. وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بالقول له: إن الأولين أصروا على الكفر أيضا فلا تعجب من أهل عصرك إن أصروا على الكفر. فقوله تعالى: (ثم قفينا) يعني: أتبعنا (على آثارهم) يعني: على آثار الذرية، وقيل: على آثار نوح وإبراهيم (برسلنا) موسى وإلياس وداود وسليمان ويونس وغيرهم ﴿وقفينا بعيسى ابن مريم﴾ فهو من ذرية إبراهيم من جهة أمه (وآتيناه الإنجيل) وهو الكتاب المنزل عليه ﴿وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه﴾ يعني: الحواريين وأتباعهم (رأفة ورحمة) والرأفة: اللين، والرحمة: الشفقة. وقيل: الرأفة تخفيف الكل، والرحمة تحمل الثقل. وقيل: الرأفة أشد الرحمة. وقيل: هذا إشارة إلى أنهم أمروا في الإنجيل بالصلح وترك إيذاء الناس وألان الله قلوبهم لذلك، بخلاف اليهود الذين قست قلوبهم وحرفوا الكلم عن مواضعه، وتم الكلام، ثم قال: (ورهبانية ابتدعوها) يعني: من قبل أنفسهم، وذلك أنهم حملوا أنفسهم على المشقات في الامتناع من المطعم والمشرب والنكاح والتعلق بالكهوف والصوامع ﴿ما كتبناها عليهم﴾ يعني: ما فرضناها عليهم ولا أمرناهم بها ﴿إلا ابتغاء رضوان الله﴾ يعني: ما أمرناهم إلا بما يرضي الله، والاستثناء منقطع، والتقدير: ما كتبناها عليهم لكن ابتدعوها ابتغاء رضوان الله ﴿فما رعوها حق رعايتها﴾ يعني: فما قاموا بها حق القيام، وإنما انتهى الترهب بهم إلى طلب الرياسة على الناس وأكل أموالهم، وقيل: ابتدعها قوم صالحون هربا من الفساد في المجتمعات التي كانوا يعيشون فيها ثم جاء من بعدهم قوم آخرون فما قاموا بها حق القيام ﴿فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم﴾ يعني: الذين ابتدعوها ورعوها ﴿وكثير منهم فاسقون﴾ يعني: المتأخرين الذين لم يرعوها. قال القرطبي: «وفي الآية دليل على العزلة عن الناس في الصوامع والبيوت، وذلك مندوب إليه عند فساد الزمان وتغير الأصدقاء والإخوان. وفى مسند أحمد بن حنبل من حديث أبى أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية من سراياه فقال: مر رجل بغار فيه شيء من ماء، فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار، فيقوته ما كان فيه من ماء ويصيب ما حوله من البقل ويتخلى عن الدنيا. قال: لو أني أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فإن أذن لي فعلت وإلا لم أفعل، فأتاه فقال: يا نبي الله! إني مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل، فحدثتني نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى من الدنيا. قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت بالحنيفية السمحة، والذي نفس محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، ولمقام أحدكم في الصف الأول خير من صلاته ستين سنة».