ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يَلۡبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ 82 وَتِلۡكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيۡنَٰهَآ إِبۡرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ 83 وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ كُلًّا هَدَيۡنَاۚ وَنُوحًا هَدَيۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ 84 وَزَكَرِيَّا وَيَحۡيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلۡيَاسَۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ 85 وَإِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطٗاۚ وَكُلّٗا فَضَّلۡنَا عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ 86 وَمِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡ وَإِخۡوَٰنِهِمۡۖ وَٱجۡتَبَيۡنَٰهُمۡ وَهَدَيۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ 87 ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَلَوۡ أَشۡرَكُواْ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 88 أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَۚ فَإِن يَكۡفُرۡ بِهَا هَٰٓؤُلَآءِ فَقَدۡ وَكَّلۡنَا بِهَا قَوۡمٗا لَّيۡسُواْ بِهَا بِكَٰفِرِينَ 89 أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰلَمِينَ 90
الصفحة 138

تفسير سورة الأنعام - الآية 84

وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ كُلًّا هَدَيۡنَاۚ وَنُوحًا هَدَيۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ 84

﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلّاً هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلّاً فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِين﴾ [الأنعام: 84-90]
(1) في علاقة هذه الآيات بما قبلها نقول: إنه تعالى لما ذكر عن إبراهيم حجاجه مع قومه على توحيد الله, ودفاعه وجهده في إظهار توحيد الله ونصرته لله تعالى وما تحمل في سبيل ذلك من المشاق, ذكر تعالى أنه أنعم عليه واجتباه واصطفاه وعدد هذه النعم: (فأولها) قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِه﴾ أي: ألهمه الحجة التي قطع بها الكافرين وظهر عليهم. (وثانيها) قوله: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاء﴾ أي: خصّه بالرفعة والدرجات العالية في الدنيا والآخرة. (وثالثها) قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوب﴾ وقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَان﴾ أي أنه تعالى جعل النبوة في نسله, فكل الأنبياء بعد إبراهيم من نسل إبراهيم ولذلك فهو أبو الأنبياء, وهذا أعظم ما يتمناه المؤمن أن يكون من نسله الأنبياء والملوك. (ورابعها) قوله: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِم﴾ فشرّف الله إبراهيم بأن بيّن له وللناس أنه من نسل آباء طاهرين كنوح وإدريس وشيث وذلك كرامة له صلى الله عليه وسلم. ولما ذكر الله تعالى كل هذه النعم عن إبراهيم عليه السلام لأنه جاهد في إظهار دلائل التوحيد حث الناس على التأسي به, ووعد من يفعل ذلك بالجزاء الطيب فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقتدِه﴾ ومعنى ذلك: أيها المؤمن لا تظن أن جهادك في سبيل الله ودفاعك عن دين الله سيذهب هباء بل سوف أنعم عليك النعم الوافرة مما تتمناه نفسك في الدنيا والآخرة.
(2) وقد ذكر الله في هذه الآيات تسعة عشر نبيا لا على سبيل الترتيب، وإنما المراد بذلك تذكير المؤمن أنه حين يختار الإيمان فإنه لا يختار نبتة منبتة الجذور مقطوعة الأوصال مشبوهة التاريخ كما هو الكفر, وإنما هو يختار طريقا أصيلا سلكه رجال عظام فهو بانتمائه إلى الإسلام ينتمي إلى هذه الكوكبة من الأنبياء الصالحين الفاضلين ويسلك طريق الإيمان التي تعود جذورها إلى آدم عليه السلام وتنتهي فروعها بقيام الساعة، وهي طريق مستمرة لا انقطاع فيها مهما كانت الظروف ومهما جلت الأحداث.
(3) ولما ذكر الله هؤلاء الرهط الكرام من الأنبياء والرسل واستعرض صورتهم ختم هذا الاستعراض بثلاثة أمور: (أولها) قوله: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِه﴾ وفيه تقرير لمنابع الهدى في هذه الحياة الدنيا, إنّ منابع الهدى هم الأنبياء والرسل وليسوا الفلاسفة ولا الشعراء ولا القادة ولا الزعماء, إنهم منابع الهدى لأنّ الله جعل فيهم ذلك الهدى, وواجب على كل مسلم أن ينهل من منابع الهدى وأن ينهج في حياته منهج نهج أصحاب هذه المنابع المعصومون عن الضلال. (والثاني) قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّة﴾ وفيه تقرير لتلازم المسار بين الدين والحكم بهذا الدين, فما أوتي الأنبياء ليس تعاليم تخص الأحوال الشخصية بل جاؤوا بتعاليم شاملة لكل مناهج الحياة وجاؤوا بكتب من الله كي يحكم الناس بهذه الكتب, وكي يقيموا سائر شؤون حياتهم على أساس من الكتاب, وهذا كقوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيه﴾ [البقرة: 213]. (والثالث) قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقتدِه﴾ أي: إنّ هؤلاء الرسل الكرام هم قدوة لك يا محمد, فالزم طريقهم وتأس بنهجهم وانهل من هداهم, وهذا الخطاب وإن خصّ الله به رسوله تكريما له وتشريفا لقدره فإنه خطاب للأمة جميعا, وهذا من قبيل التربية بالقدوة وهو أسلوب تربوي سبق أن تعرضنا له في عدة مواقع من هذا التفسير التربوي.
فهرس الكتاب