۞ وَإِذۡ نَتَقۡنَا ٱلۡجَبَلَ فَوۡقَهُمۡ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٞ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُۥ وَاقِعُۢ بِهِمۡ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ 171 وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ 172 أَوۡ تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أَشۡرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبۡلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةٗ مِّنۢ بَعۡدِهِمۡۖ أَفَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ 173 وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ 174 وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱلَّذِيٓ ءَاتَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنۡهَا فَأَتۡبَعَهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ 175 وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ يَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ يَلۡهَثۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ 176 سَآءَ مَثَلًا ٱلۡقَوۡمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَأَنفُسَهُمۡ كَانُواْ يَظۡلِمُونَ 177 مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِيۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ 178
الصفحة 173

تفسير سورة الأعراف - الآية 172

وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ 172

﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: 172-174]
(1) قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم، وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا! أن تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين﴾. في علاقة هذه الآيات بما قبلها نقول: كانت نهاية الدرس السابق في قصة بني إسرائيل مع موسى عليه السلام هي مشهد الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظل الجبل المرفوع، وفي هذه الآيات يبدأ السياق القرآني بقضية الميثاق الأكبر، ميثاق الربوبية الذي أخذه الله على البشر وهم في عالم الذر فطرة البشر. وهذا الميثاق من الغيبيات التي نؤمن بها ونلتزم بها لأن الله تعالى أخبرنا بها، وكذلك أخبرنا بها الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، فالإيمان بالغيب هو الذي يميز الإنسان عن الحيوان، الحيوان لا يؤمن إلا بالمحسوس والملموس والخاضع للحواس الخمس، وأما الإنسان فقد أوتي البصيرة التي تجعله يؤمن بالغيب ما دام الخبر من الله تعالى. روى مالك في الموطأ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل عن هذه الآية ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعلمون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون»، فقال رجل: ففيم العمل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله الله النار». وقد صح معنى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة كثيرة من حديث عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وأبي هريرة، رضي الله عنهم أجمعين وغيرهم. وروى الترمذي وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها (من ذريته) إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل رجل منهم وبيصا من نور ثم عرضهم على آدم، فقال: يا رب من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك. فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: أي رب من هذا؟ فقال هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود، فقال: رب كم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة، قال: أي رب زده من عمري أربعين سنة. فلما انقضى عمر آدم عليه السلام جاءه ملك الموت فقال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أو لم تعطها ابنك داود؟! قال: فجحد آدم فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته».
(2) قوله تعالى: ﴿أو تقولوا: إنما أشرك آباؤنا من قبل، وكنا ذرية من بعدهم، أفتهلكنا بما فعل المبطلون؟﴾. دلت هذه الآية على بطلان التقليد في التوحيد، كما دلت على أنه لا عذر للمشرك في تقليد آبائه وأجداده. وقد نصت آيات القرآن على هذا البطلان فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 170]، وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف: 23]. وقد نصت الأحاديث أنه تعالى يخلق الناس على الفطرة وهي الإسلام وأن الشرك يلحق الإنسان من شياطين الإنس وشياطين الجن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة (وفي رواية) على هذه الملة، فأَبواه يُهوّدانه أو يُنصّرانه أو يُمجّسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟» (البخاري ومسلم). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تبارك وتعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم» (مسلم).
(3) قوله تعالى: ﴿وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون﴾. أي: نفصل الآيات هنا كما فصلنا الآيات في مواضع أخرى وأماكن أخرى لعل التائهين عن دين الله يعودون إليه بأن يعودوا إلى الميثاق الأول ميثاق الربوبية في عالم الذر. ودلّ هذا التفصيل في الهداية من الله تعالى للإنسان على اهتمامه تعالى بالناس وحرصهم على نجاتهم في الآخرة وسعادتهم في الدنيا، فهو تعالى ما خلق الخلق إلا ليرحمهم ولا يهلك عند الله إلا من أصر على الهلاك.
فهرس الكتاب