سورة الطارقبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِوَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ 1 وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ 2 ٱلنَّجۡمُ ٱلثَّاقِبُ 3 إِن كُلُّ نَفۡسٖ لَّمَّا عَلَيۡهَا حَافِظٞ 4 فَلۡيَنظُرِ ٱلۡإِنسَٰنُ مِمَّ خُلِقَ 5 خُلِقَ مِن مَّآءٖ دَافِقٖ 6 يَخۡرُجُ مِنۢ بَيۡنِ ٱلصُّلۡبِ وَٱلتَّرَآئِبِ 7 إِنَّهُۥ عَلَىٰ رَجۡعِهِۦ لَقَادِرٞ 8 يَوۡمَ تُبۡلَى ٱلسَّرَآئِرُ 9 فَمَا لَهُۥ مِن قُوَّةٖ وَلَا نَاصِرٖ 10 وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجۡعِ 11 وَٱلۡأَرۡضِ ذَاتِ ٱلصَّدۡعِ 12 إِنَّهُۥ لَقَوۡلٞ فَصۡلٞ 13 وَمَا هُوَ بِٱلۡهَزۡلِ 14 إِنَّهُمۡ يَكِيدُونَ كَيۡدٗا 15 وَأَكِيدُ كَيۡدٗا 16 فَمَهِّلِ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَمۡهِلۡهُمۡ رُوَيۡدَۢا 17 سورة الأعلىبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِسَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى 1 ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ 2 وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ 3 وَٱلَّذِيٓ أَخۡرَجَ ٱلۡمَرۡعَىٰ 4 فَجَعَلَهُۥ غُثَآءً أَحۡوَىٰ 5 سَنُقۡرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ 6 إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ وَمَا يَخۡفَىٰ 7 وَنُيَسِّرُكَ لِلۡيُسۡرَىٰ 8 فَذَكِّرۡ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكۡرَىٰ 9 سَيَذَّكَّرُ مَن يَخۡشَىٰ 10
الصفحة 591

تفسير سورة الطارق - الآية 1

وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ 1

التفسير التربوي لسورة الطارققال ابن كثير في التفسير: «سورة الطارق: وهي مكية. وفي مسند الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن خالد بن أبي جبل العُدواني عن أبيه: أنه أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مُشرّق ثقيف وهو قائم على قوس (أو: عصا) حين أتاهم يبتغي عندهم النصر، فسمعته يقول: (والسماء والطارق) حتى ختمها، قال: فوعيتها في الجاهلية وأنا مشرك، ثم قرأتها في الإسلام، قال: فدعتني ثقيف فقالوا: ماذا سمعت من هذا الرجل؟ فقرأتها عليهم، فقال من معهم من قريش: نحن أعلم بصاحبنا، لو كنا نعلم ما يقول حقا لاتبعناه. وروى النسائي عن جابر قال: صلى معاذ المغرب فقرأ البقرة والنساء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أفتان يا معاذ؟ ما كان يكفيك أن تقرأ بالسماء والطارق، والشمس وضحاها، ونحو هذا؟».
وقال البقاعي في علاقة هذه السورة بالتي قبلها: «لما تقدم في آخر البروج أن القرآن في لوح محفوظ لأن منزله محيط بالجنود من المعاندين وبكل شيء، أخبر أن من إحاطته حفظ كل فرد من جميع الخلائق المخالفين والموافقين والمؤالفين ليجازى على أعماله يوم إحقاق الحقائق وقطع العلائق، فقال مقسما على ذلك لإنكارهم له: (والسماء والطارق».
وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «جاء في مقدمة هذا الجزء أن سوره تمثل طرقات متوالية على الحس، طرقات عنيفة قوية عالية، وصيحات بنائمين غارقين في النوم، تتوالى على حسهم تلك الطرقات والصيحات بإيقاع واحد، ونذير واحد: اصحوا، تيقظوا، انظروا، تلفتوا، تفكروا، تدبروا، إن هنالك إلها، وإن هنالك تدبيرا، وإن هنالك تقديرا، وإن هنالك ابتلاء، وإن هنالك تبعة، وإن هنالك حسابا وجزاء، وإن هنالك عذابا شديدا ونعيما كبيرا. وهذه السورة نموذج واضح لهذه الخصائص، ففي إيقاعاتها حدة يشارك فيها نوع المشاهد، ونوع الإيقاع الموسيقي، وجرس الألفاظ، وإيحاء المعاني. ومن مشاهدها: الطارق، والثاقب، والدافق، والرجع، والصدع. ومن معانيها: الرقابة على كل نفس، ونفي القوة والناصر، والجد الصارم. والوعيد فيها يحمل الطابع ذاته: (إنهم يكيدون كيدا. وأكيد كيدا. فمهل الكافرين أمهلهم رويدا). وتكاد تتضمن تلك الموضوعات التي أشير إليها في مقدمة الجزء: إن هنالك إلها، وإن هنالك تدبيرا، وإن هنالك تقديرا، وإن هنالك ابتلاء، وإن هنالك تبعة، وإن هنالك حسابا وجزاء. وبين المشاهد الكونية والحقائق الموضوعية في السورة تناسق مطلق دقيق ملحوظ يتضح من استعراض السورة في سياقها القرآني الجميل».
﴿والسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدا﴾ [الطارق: 1-17]
(1) و (2) و (3) و (4) قوله تعالى: (والسماء والطارق. وما أدراك ما الطارق. النجم الثاقب. إن كل نفس لما عليها حافظ). لما أقسم الله تعالى بالسماء لما لها من الشرف والمجد وتنبيها على ما فيها من بدائع الصنع الدالة على القدرة الباهرة، أقسم بأعجب ما فيها وهو جنس النجوم، ثم بأعجبه وهو المعد للحراسة تنبيها على ما في ذلك من غرائب القدرة. وأما المقسم عليه فإنه تعهد الله تعالى لكل نفس بالرعاية من خلال الرقيب على كل نفس بمفردها. فقوله تعالى: (والسماء والطارق) أقسم بالسماء وكذلك أقسم بالطارق وهذا يدل على عظم المقسم به. ﴿وما أدراك ما الطارق﴾ استفهام على سبيل التفخيم والتعظيم للمقسم به. ثم فسر الطارق فقال: (النجم الثاقب) يعني: النجم الذي يطلع ليلا فهو عام في سائر النجوم لأن طلوعها بالليل، ومن أتاك ليلا فهو طارق عند العرب، وأصل الطرق: الدق، ومنه سميت المطرقة، فسمى قاصد الليل طارقا لاحتياجه في الوصول إلى الدق. وقيل: (النجم الثاقب) هو النجوم التي ترمى بها الشياطين. وقيل: الثاقب المضيء فهو من جنس الشمس إضاءته ذاتية. ﴿إن كل نفس لما عليها حافظ﴾ يعني: ما من نفس بشرية إلا وعليها حفظة من الملائكة يحفظون عليها رزقها وأجلها وعملها من خير أو شر. وقيل: الحافظ هو الله سبحانه، فلولا حفظه لها لم تبق. وقيل: الحافظ عليه عقله يرشده إلى مصالحه، ويكفه عن مضاره. وهذا هو جواب القسم أو المقسم عليه.
(5ـ 10) قوله تعالى: (فلينظر الإنسان ممّ خلق. خلق من ماء دافق. يخرج من بين الصلب والترائب. إنه على رجعه لقادر. يوم تبلى السرائر. فما له من قوة ولا ناصر). فيه تأكيد على النشأة الآخرة من خلال التذكير بالنشأة الأولى. فبعد الكلام على صلة النفس البشرية بالكون من حولها ينتقل السياق ليؤكد التقدير والتدبير في نشأة الإنسان الأولى من خلال النظر إلى حقيقة ما خلق منه الإنسان وهو النطفة من الرجل والبويضة من المرأة وهما شيئان زهيدان لا يريان بالعين المجردة. ثم يؤكد السياق على أن الإنسان ليس متروكا سدى، ولا مهملا ضياعا، وإنما هناك حقيقة تالية وهي حقيقة النشأة الآخرة التي لا يصدقها المشركون، المخاطبون أول مرة بهذه السورة. فقوله تعالى: (فلينظر الإنسان) وهذا أمر من الله تعالى إلى كل إنسان أن ينظر من أي شيء خلق، فالنظر في النشأة الأولى يدل على الآخرة. ﴿خلق من ماء دافق﴾ يعني: من المني، والدفق: صب الماء، ودافق بمعنى مدفوق فهو فاعل بمعنى مفعول. وقيل: أراد الماءين: ماء الرجل وماء المرأة، لأن الإنسان مخلوق منهما، لكن جعلهما ماء واحدا لامتزاجهما. (يخرج) يعني: هذا الماء ﴿من بين الصلب﴾ يعني: الظهر (والترائب) يعني: الصدر. وقيل: الصلب من الرجل والترائب من المرأة. وقيل: الصلب والترائب عند كل واحد منهما. والذي يتفق مع العلم الحديث هو أن الصلب أسفل الظهر، والترائب الأضلاع السفلية، وهذا موضع المبيضين عند المرأة، وهو بالأصل مكان تشكل الخصيتين عند الجنين قبل نزولهما إلى كيس الصفن. (إنه) يعني: الله تعالى (على رجعه) يعني: رد الإنسان (لقادر) لأن الله تعالى على كل شيء قدير. والمراد: إعادة الخلق يوم القيامة بالبعث والنشور. ﴿يوم تبلى السرائر﴾ يعني: تمتحن وتختبر فتعرف ويظهر ما خبأت من خير أو شر. (فما له) يعني: ما للإنسان (من قوة) تمنعه من الله (ولا ناصر) ينصره مما نزل به.
(11ـ 17) قوله تعالى: (والسماء ذات الرجع. والأرض ذات الصدع. إنه لقول فصل. وما هو بالهزل. إنهم يكيدون كيدا. وأكيد كيدا. فمهل الكافرين أمهلهم رويدا). اعلم أنه سبحانه وتعالى لما فرغ من دليل التوحيد، ومن دليل المعاد أقسم بما ينزل من السماء وما يخرج من الأرض على صحة القرآن بصفته فرقانا يفصل فصلا تاما بين الحق والباطل وبين الحلال والحرام. ثم بين تعالى أنه للكافرين بالمرصاد يدافع عن المؤمنين وإيمانهم، فمقابل كل تدبير من الكافرين ضد المؤمنين هناك تدبير رباني لإبطال التدبير الشيطاني، والفصل يكون بالصبر والانتظار والثبات على الحق. فقوله تعالى: ﴿والسماء ذات الرجع﴾ يعني: ذات المطر، يرجع مرة بعد مرة. ﴿والأرض ذات الصدع﴾ يعني: تتصدع فتنشق عن النبات والشجر والأنهار. ﴿إنه لقول فصل﴾ يعني: إن القرآن يفصل بين الحق والباطل، وقيل: المراد بالقول الفصل ما تقدم من الوعيد في هذه السورة. ﴿وما هو بالهزل﴾ يعني: ليس القرآن بالباطل واللعب. (إنهم) يعني: أعداء الله (يكيدون كيدا) يعني: يمكرون بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه. (وأكيد كيدا) يعني: أجازيهم جزاء كيدهم من جنس عملهم، وقيل: كيد الله: استدراجهم من حيث لا يعلمون، وقيل: هو من المشاكلة اللفظية. (فمهل الكافرين) يعني: أخرهم، ولا تسأل الله تعجيل إهلاكهم، وارض بما يدبره في أمورهم (أمهلهم) تأكيد (رويدا) يعني: قريبا، وقيل: قليلا، والتقدير: أمهلهم إمهالا قليلا غير مستعجل لهم العذاب. والحمد لله رب العالمين.
فهرس الكتاب