أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوۡمࣰا نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ وَهَمُّواْ بِإِخۡرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٍۚ أَتَخۡشَوۡنَهُمۡۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَوۡهُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ 13
﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونََ﴾ [التوبة: 13-16]
(1) قوله تعالى: ﴿ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم، وهموا بإخراج الرسول، وهم بدأوكم أول مرة، أتخشونهم؟ فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين﴾. نزلت هذه الآية في كفار مكة، وفيها ترغيب في القتال من خلال التحضيض عليه ببيان الأسباب التي توجب على المؤمنين قتال الكافرين وهي أنهم نكثوا عقد صلح الحديبية حيث أعانوا بني بكر حلفاءهم على بني خزاعة حلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنهم أعانوا على إخراج الرسول من مكة فأرغموه على الهجرة إلى المدينة، وأنهم هم الذين بدأوا القتال. وفيه ترغيب في القتال من خلال البيان بأن المؤمن لا يخشى إلا الله وأن الخشية من الكافرين تتنافى مع الإيمان. ومن خلال هذه الآية وغيرها من الآيات في نفس الموضوع نلمح التربية الإلهية للمؤمنين على القتال والحياة العسكرية التي بقيت محرمة عليهم ثلاث عشرة سنة، فاحتاج هذا الترغيب إلى مناقشة دوافعه ومحرضاته كما أحتاج هذا الترغيب إلى مناقشة العوائق والمثبطات ومحاولة تجاوزها. قال الرازي في المدلول التربوي لهذه الآية: «اعلم أنه تعالى لما قال: (قاتلوا أئمة الكفر) في الآية السابقة أتبعه بذكر السبب الذي يبعثهم على مقاتلتهم فقال: ﴿ألا تقاتلون قوما﴾. واعلم أنه تعالى ذكر ثلاثة أسباب كل واحد منها يوجب مقاتلتهم لو انفرد، فكيف بها حال الاجتماع: (أحدها) قوله: (نكثوا أيمانهم) وكل المفسرين حمله على نقض العهد. قال ابن عباس والسُدِّي والكلبي: نزلت في كفار مكة نكثوا أيمانهم بعد عهد الحديبية، وأعانوا بني بكر على خزاعة. وهذه الآية تدل على أن قتال الناكثين أولى من قتال غيرهم من الكفار ليكون ذلك زجرا لغيرهم. (وثانيها) قوله: ﴿وهموا بإخراج الرسول﴾ فإن هذا من أوكد ما يجب القتال لأجله، واختلفوا فيه فقال بعضهم: المراد إخراجه من مكة حين هاجر، وقال بعضهم: بل المراد من المدينة لما أقدموا عليه من المشورة والاجتماع على قصده بالقتل، وقال آخرون: بل هموا بإخراجه من حيث أقدموا على ما يدعوه إلى الخروج وهو نقض العهد، وإعانة أعدائه، فأضيف الإخراج إليهم توسعا لما وقع منهم من الأمور الداعية إليه. (وثالثها) قوله: (وهم بدأوكم أول مرة) يعني بالقتال يوم بدر، لأنهم حين سلم العير قالوا: لا ننصرف حتى نستأصل محمدا ومن معه. وقيل: أراد أنهم قاتلوا حلفاء خزاعة فبدأوا بنقض العهد، وهذا قول الأكثرين، وإنما قال: (بدأوكم) تنبيها على أن البادئ أظلم. ولما شرح تعالى هذه الموجبات الثلاثة زاد فيها، فقال: ﴿أتخشونهم؟ فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين﴾ وهذا الكلام يقوي داعية القتال من وجوه: (الأول) أن تعديد الموجبات القوية وتفصيلها مما يقوي هذه الداعية. (والثاني) أنك إذا قلت للرجل: أتخشى خصمك، كان ذلك تحريكا منه لأن يستنكف أن ينسب إلى كونه خائفا من خصمه. (والثالث) أن قوله: ﴿فالله أحق أن تخشوه﴾ يفيد ذلك، كأنه قيل: إن كنت تخشى أحدا فالله أحق أن تخشاه لكونه في غاية القدرة والكبرياء والجلالة، والضرر المتوقع منهم غايته القتل، أما المتوقع من الله فالعقاب الشديد في القيامة، والذم اللازم في الدنيا. (والرابع) أن قوله: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ معناه: أنكم إن كنتم مؤمنين بالإيمان وجب عليكم أن تقدموا على هذه المقاتلة، ومعناه أنكم إن لم تقدموا عليها وجب أن لا تكونوا مؤمنين، فثبت أن هذا كلام مشتمل على سبعة أنواع من الأمور التي تحملهم على مقاتلة أولئك الكفار الناقضين للعهد».
(2و3) قوله تعالى: ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم، ويخزهم، وينصركم عليهم، ويشف صدور قوم مؤمنين. ويذهب غيظ قلوبهم، ويتوب الله على من يشاء، والله عليم حكيم﴾. وفي هاتين الآيتين ترغيب للمؤمنين في قتال الكافرين من خلال ذكر الفوائد التي تحصل للمؤمنين من هذا القتال، فذكر أن قتال الكافرين هو تعذيب لهم وإهانة وهزيمة، وفيه شفاء لقلوب المؤمنين وهمود لقلوب الكافرين، وفيه توبة من الله للمؤمنين ولمن يتوب من الكافرين، وقبل كل ذلك فإن الأمر بالقتال من الله إنما لأنه عليم بأن في هذا الأمر صلاح النظام الدنيوي ولأنه تعالى يأمر بذلك عن حكمة تزن الأمور بالموازين الصحيحة وتضعها في أماكنها المناسبة. قال الرازي في المدلولات التربوية لهاتين الآيتين: «اعلم أنه تعالى لما قال في الآية الأولى: ﴿ألا تقاتلون قوما﴾ ذكر عقيبه سبعة أشياء كل واحد منها يوجب إقدامهم على القتال. ثم إنه تعالى في هذه الآية أعاد الأمر بالقتال وذكر في ذلك القتال خمسة أنواع من الفوائد، كل واحد منها يعظم موقعه إذا انفرد فكيف بها إذا اجتمعت؟ (فأولها) قوله تعالى: ﴿يعذبهم الله بأيديكم﴾ فالله تعالى سمى ذلك عذابا وهو حق، فإنه تعالى يعذب الكافرين فإن شاء عجله في الدنيا وإن شاء أخره إلى الآخرة، والمراد من هذا التعذيب القتل تارة والأسر أخرى واغتنام الأموال ثالثا، فيدخل فيه كل ما ذكرناه. (وثانيها) قوله تعالى: (ويخزهم) ومعناه ما ينزل بهم من الذل والهوان حيث شاهدوا أنفسهم مقهورين في أيدي المؤمنين ذليلين مهينين. (وثالثها) قوله تعالى: (وينصركم عليهم) والمعنى أنه لما حصل الخزي لهم بسبب كونهم مقهورين فقد حصل النصر للمسلمين بسبب كونهم قاهرين. (ورابعها) قوله تعالى: ﴿ويشف صدور قوم مؤمنين﴾ وقد ذكرنا أن خزاعة أسلموا، فأعانت قريش بني بكر عليهم حتى نكلوا بهم، فشفى الله صدورهم من بني بكر، ومن المعلوم أن من طال تأذيه من خصمه، ثم مكنه الله منه على أحسن الوجوه فإنه يعظم سروره به، ويصير ذلك سببا لقوة النفس، وثبات العزيمة. (وخامسها) قوله تعالى: ﴿ويذهب غيظ قلوبهم﴾. فهذه هي المنافع الخمسة التي ذكرها الله تعالى في هذا القتال، وكلها ترجع إلى تسكين الدواعي الناشئة من القوة الغضبية، وهي التشفي ودرك الثأر وإزالة الغيظ، ولم يذكر تعالى فيها وجدان الأموال والفوز بالمطاعم والمشارب وذلك لأن العرب قوم جبلوا على الحمية والأنفة، فرغبهم في هذه المعاني لكونها لائقة بطباعهم. وهذه الآية دالة على المعجزة لأنه تعالى أخبر عن حصول هذه الأحوال، وقد وقعت موافقة لهذه الأخبار فيكون ذلك إخباراً عن الغيب، والإخبار عن الغيب معجز. وهذه الآية تدل على كون الصحابة مؤمنين في علم الله تعالى إيماناً حقيقيا، لأنها تدل على أن قلوبهم كانت مملوءة من الغضب ومن الحمية لأجل الدين، ومن الرغبة الشديدة في علو دين الإسلام، وهذه الأحوال لا تحصل إلا في قلوب المؤمنين. ثم قال: ﴿ويتوب الله على من يشاء﴾ لأن حصول المقاتلة يفضي إلى المنافع الخمسة المذكورة وتلك المنافع حصولها يوجب التوبة، فكانت التوبة متعلقة بتلك المقاتلة. ثم قال: (والله عليم) أي بكل ما يعمل ويفعل في ملكه وملكوته، (حكيم) مصيب في أحكامه وأفعاله».
(4) قوله تعالى: ﴿أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون﴾. معنى هذه الآية: أم حسبتم أن تتركوا من غير أن تبتلوا بما يظهر به المؤمن والمنافق الظهور الذي يستحق به الثواب والعقاب. فدل ذلك على عدله تعالى في محاسبة الناس فلا يحاسبهم على أمر إلا بعد حصوله فعلا وخروجه من حيز الإمكان إلى حيز الفعل. وفيها نهي شديد عن موالاة غير المؤمنين من خلال تسمية هذه الموالاة وليجة، ومعنى وليجة: بطانة، ومداخلة من الولوج وهو الدخول، قال أبو عبيدة: «كل شئ أدخلته في شئ ليس منه فهو وليجة، والرجل يكون في القوم وليس منهم وليجة». وقال عبد الرحمن بن زيد: «الوليجة الدخيلة، والولجاء الدخلاء، فوليجة الرجل من يختص بدخلة أمره دون الناس». وقال الواحدي: «هو وليجتي وهم وليجتي، الواحد والجمع فيه سواء». وقال الفراء: «وليجة: بطانة من المشركين يتخذونهم ويفشون إليهم أسرارهم ويعلمونهم أمورهم». والمقصود من الآية البيان بأن المكلف في لا يتخلص من العقاب إلا عند حصول أمرين: (الأول) أن يعلم الله جهاده علما ظاهرا إلى الوجود من الغيب أي علم الشهادة مقارنة بعلم الغيب فالله تعالى عالم الغيب والشهادة. (والثاني) أن يكون جهاده مخلصا فيه لله ليس فيه شيء من الرياء من خلال موالاة الكافرين واتخاذهم بطانة من دون المؤمنين. فكأنه تعالى يقول لنا ليس الغرض من إيجاب القتال نفس القتال فقط، بل الغرض أن يؤتى به انقيادا لأمر الله عز وجل ولحكمه وتكليفه، ليظهر به بذل النفس والمال في طلب رضوان الله تعالى. وأما قوله تعالى: ﴿والله خبير بما تعملون﴾ فمعناه أنه عالم بالنيات والأغراض مطلع عليها لا يخفى عليه شيء، فعلى الإنسان أن يبالغ في أمر النية ورعاية القلب وإخلاص الأعمال لله تعالى.
(1) قوله تعالى: ﴿ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم، وهموا بإخراج الرسول، وهم بدأوكم أول مرة، أتخشونهم؟ فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين﴾. نزلت هذه الآية في كفار مكة، وفيها ترغيب في القتال من خلال التحضيض عليه ببيان الأسباب التي توجب على المؤمنين قتال الكافرين وهي أنهم نكثوا عقد صلح الحديبية حيث أعانوا بني بكر حلفاءهم على بني خزاعة حلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنهم أعانوا على إخراج الرسول من مكة فأرغموه على الهجرة إلى المدينة، وأنهم هم الذين بدأوا القتال. وفيه ترغيب في القتال من خلال البيان بأن المؤمن لا يخشى إلا الله وأن الخشية من الكافرين تتنافى مع الإيمان. ومن خلال هذه الآية وغيرها من الآيات في نفس الموضوع نلمح التربية الإلهية للمؤمنين على القتال والحياة العسكرية التي بقيت محرمة عليهم ثلاث عشرة سنة، فاحتاج هذا الترغيب إلى مناقشة دوافعه ومحرضاته كما أحتاج هذا الترغيب إلى مناقشة العوائق والمثبطات ومحاولة تجاوزها. قال الرازي في المدلول التربوي لهذه الآية: «اعلم أنه تعالى لما قال: (قاتلوا أئمة الكفر) في الآية السابقة أتبعه بذكر السبب الذي يبعثهم على مقاتلتهم فقال: ﴿ألا تقاتلون قوما﴾. واعلم أنه تعالى ذكر ثلاثة أسباب كل واحد منها يوجب مقاتلتهم لو انفرد، فكيف بها حال الاجتماع: (أحدها) قوله: (نكثوا أيمانهم) وكل المفسرين حمله على نقض العهد. قال ابن عباس والسُدِّي والكلبي: نزلت في كفار مكة نكثوا أيمانهم بعد عهد الحديبية، وأعانوا بني بكر على خزاعة. وهذه الآية تدل على أن قتال الناكثين أولى من قتال غيرهم من الكفار ليكون ذلك زجرا لغيرهم. (وثانيها) قوله: ﴿وهموا بإخراج الرسول﴾ فإن هذا من أوكد ما يجب القتال لأجله، واختلفوا فيه فقال بعضهم: المراد إخراجه من مكة حين هاجر، وقال بعضهم: بل المراد من المدينة لما أقدموا عليه من المشورة والاجتماع على قصده بالقتل، وقال آخرون: بل هموا بإخراجه من حيث أقدموا على ما يدعوه إلى الخروج وهو نقض العهد، وإعانة أعدائه، فأضيف الإخراج إليهم توسعا لما وقع منهم من الأمور الداعية إليه. (وثالثها) قوله: (وهم بدأوكم أول مرة) يعني بالقتال يوم بدر، لأنهم حين سلم العير قالوا: لا ننصرف حتى نستأصل محمدا ومن معه. وقيل: أراد أنهم قاتلوا حلفاء خزاعة فبدأوا بنقض العهد، وهذا قول الأكثرين، وإنما قال: (بدأوكم) تنبيها على أن البادئ أظلم. ولما شرح تعالى هذه الموجبات الثلاثة زاد فيها، فقال: ﴿أتخشونهم؟ فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين﴾ وهذا الكلام يقوي داعية القتال من وجوه: (الأول) أن تعديد الموجبات القوية وتفصيلها مما يقوي هذه الداعية. (والثاني) أنك إذا قلت للرجل: أتخشى خصمك، كان ذلك تحريكا منه لأن يستنكف أن ينسب إلى كونه خائفا من خصمه. (والثالث) أن قوله: ﴿فالله أحق أن تخشوه﴾ يفيد ذلك، كأنه قيل: إن كنت تخشى أحدا فالله أحق أن تخشاه لكونه في غاية القدرة والكبرياء والجلالة، والضرر المتوقع منهم غايته القتل، أما المتوقع من الله فالعقاب الشديد في القيامة، والذم اللازم في الدنيا. (والرابع) أن قوله: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ معناه: أنكم إن كنتم مؤمنين بالإيمان وجب عليكم أن تقدموا على هذه المقاتلة، ومعناه أنكم إن لم تقدموا عليها وجب أن لا تكونوا مؤمنين، فثبت أن هذا كلام مشتمل على سبعة أنواع من الأمور التي تحملهم على مقاتلة أولئك الكفار الناقضين للعهد».
(2و3) قوله تعالى: ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم، ويخزهم، وينصركم عليهم، ويشف صدور قوم مؤمنين. ويذهب غيظ قلوبهم، ويتوب الله على من يشاء، والله عليم حكيم﴾. وفي هاتين الآيتين ترغيب للمؤمنين في قتال الكافرين من خلال ذكر الفوائد التي تحصل للمؤمنين من هذا القتال، فذكر أن قتال الكافرين هو تعذيب لهم وإهانة وهزيمة، وفيه شفاء لقلوب المؤمنين وهمود لقلوب الكافرين، وفيه توبة من الله للمؤمنين ولمن يتوب من الكافرين، وقبل كل ذلك فإن الأمر بالقتال من الله إنما لأنه عليم بأن في هذا الأمر صلاح النظام الدنيوي ولأنه تعالى يأمر بذلك عن حكمة تزن الأمور بالموازين الصحيحة وتضعها في أماكنها المناسبة. قال الرازي في المدلولات التربوية لهاتين الآيتين: «اعلم أنه تعالى لما قال في الآية الأولى: ﴿ألا تقاتلون قوما﴾ ذكر عقيبه سبعة أشياء كل واحد منها يوجب إقدامهم على القتال. ثم إنه تعالى في هذه الآية أعاد الأمر بالقتال وذكر في ذلك القتال خمسة أنواع من الفوائد، كل واحد منها يعظم موقعه إذا انفرد فكيف بها إذا اجتمعت؟ (فأولها) قوله تعالى: ﴿يعذبهم الله بأيديكم﴾ فالله تعالى سمى ذلك عذابا وهو حق، فإنه تعالى يعذب الكافرين فإن شاء عجله في الدنيا وإن شاء أخره إلى الآخرة، والمراد من هذا التعذيب القتل تارة والأسر أخرى واغتنام الأموال ثالثا، فيدخل فيه كل ما ذكرناه. (وثانيها) قوله تعالى: (ويخزهم) ومعناه ما ينزل بهم من الذل والهوان حيث شاهدوا أنفسهم مقهورين في أيدي المؤمنين ذليلين مهينين. (وثالثها) قوله تعالى: (وينصركم عليهم) والمعنى أنه لما حصل الخزي لهم بسبب كونهم مقهورين فقد حصل النصر للمسلمين بسبب كونهم قاهرين. (ورابعها) قوله تعالى: ﴿ويشف صدور قوم مؤمنين﴾ وقد ذكرنا أن خزاعة أسلموا، فأعانت قريش بني بكر عليهم حتى نكلوا بهم، فشفى الله صدورهم من بني بكر، ومن المعلوم أن من طال تأذيه من خصمه، ثم مكنه الله منه على أحسن الوجوه فإنه يعظم سروره به، ويصير ذلك سببا لقوة النفس، وثبات العزيمة. (وخامسها) قوله تعالى: ﴿ويذهب غيظ قلوبهم﴾. فهذه هي المنافع الخمسة التي ذكرها الله تعالى في هذا القتال، وكلها ترجع إلى تسكين الدواعي الناشئة من القوة الغضبية، وهي التشفي ودرك الثأر وإزالة الغيظ، ولم يذكر تعالى فيها وجدان الأموال والفوز بالمطاعم والمشارب وذلك لأن العرب قوم جبلوا على الحمية والأنفة، فرغبهم في هذه المعاني لكونها لائقة بطباعهم. وهذه الآية دالة على المعجزة لأنه تعالى أخبر عن حصول هذه الأحوال، وقد وقعت موافقة لهذه الأخبار فيكون ذلك إخباراً عن الغيب، والإخبار عن الغيب معجز. وهذه الآية تدل على كون الصحابة مؤمنين في علم الله تعالى إيماناً حقيقيا، لأنها تدل على أن قلوبهم كانت مملوءة من الغضب ومن الحمية لأجل الدين، ومن الرغبة الشديدة في علو دين الإسلام، وهذه الأحوال لا تحصل إلا في قلوب المؤمنين. ثم قال: ﴿ويتوب الله على من يشاء﴾ لأن حصول المقاتلة يفضي إلى المنافع الخمسة المذكورة وتلك المنافع حصولها يوجب التوبة، فكانت التوبة متعلقة بتلك المقاتلة. ثم قال: (والله عليم) أي بكل ما يعمل ويفعل في ملكه وملكوته، (حكيم) مصيب في أحكامه وأفعاله».
(4) قوله تعالى: ﴿أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون﴾. معنى هذه الآية: أم حسبتم أن تتركوا من غير أن تبتلوا بما يظهر به المؤمن والمنافق الظهور الذي يستحق به الثواب والعقاب. فدل ذلك على عدله تعالى في محاسبة الناس فلا يحاسبهم على أمر إلا بعد حصوله فعلا وخروجه من حيز الإمكان إلى حيز الفعل. وفيها نهي شديد عن موالاة غير المؤمنين من خلال تسمية هذه الموالاة وليجة، ومعنى وليجة: بطانة، ومداخلة من الولوج وهو الدخول، قال أبو عبيدة: «كل شئ أدخلته في شئ ليس منه فهو وليجة، والرجل يكون في القوم وليس منهم وليجة». وقال عبد الرحمن بن زيد: «الوليجة الدخيلة، والولجاء الدخلاء، فوليجة الرجل من يختص بدخلة أمره دون الناس». وقال الواحدي: «هو وليجتي وهم وليجتي، الواحد والجمع فيه سواء». وقال الفراء: «وليجة: بطانة من المشركين يتخذونهم ويفشون إليهم أسرارهم ويعلمونهم أمورهم». والمقصود من الآية البيان بأن المكلف في لا يتخلص من العقاب إلا عند حصول أمرين: (الأول) أن يعلم الله جهاده علما ظاهرا إلى الوجود من الغيب أي علم الشهادة مقارنة بعلم الغيب فالله تعالى عالم الغيب والشهادة. (والثاني) أن يكون جهاده مخلصا فيه لله ليس فيه شيء من الرياء من خلال موالاة الكافرين واتخاذهم بطانة من دون المؤمنين. فكأنه تعالى يقول لنا ليس الغرض من إيجاب القتال نفس القتال فقط، بل الغرض أن يؤتى به انقيادا لأمر الله عز وجل ولحكمه وتكليفه، ليظهر به بذل النفس والمال في طلب رضوان الله تعالى. وأما قوله تعالى: ﴿والله خبير بما تعملون﴾ فمعناه أنه عالم بالنيات والأغراض مطلع عليها لا يخفى عليه شيء، فعلى الإنسان أن يبالغ في أمر النية ورعاية القلب وإخلاص الأعمال لله تعالى.