الصفحة 2

تفسير سورة البقرة - الآية 1

الٓمٓ 1

بين يدي السورةختمنا الفاتحة بسؤال الهداية، ونقبل الآن على سورة تصف الكتاب في أولها بأنه «هدى للمتقين». وسترى فيها كيف يصير الإيمان عبادة ومعاملة، وكيف يمتحن المرء فيما يحب وفيما يكره، وكيف تضل أمة عندها كتاب حين تخالف ما تعلم. فاقرأ وأنت تسأل عن نصيبك من هذا الهدى، لا عن أخبار غيرك وحدهم.
سورة البقرة مدنية، وهي أطول سور القرآن، وعدد آياتها 286 آية في العد الذي عليه مصحفنا. نزلت أوائلها في أول العهد بالمدينة، وامتد نزولها، حتى كان فيها من أواخر ما نزل من القرآن آيات الربا. ومع تفرق النزول فإن ترتيب آيات السورة توقيفي، تلقاه الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم(1). فلا يحجب عنك طول السورة اتصال معانيها؛ فإن أخبارها وأحكامها ومواعظها يجمعها هدى يصلح به الفرد وتقوم به الجماعة.
وسميت «البقرة» لذكر قصة البقرة التي أمر الله بني إسرائيل بذبحها، في الآيات 67–73. وثبت اسمها في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الآتية، وجرى على ألسنة أصحابه؛ فرمى ابن مسعود رضي الله عنه جمرة العقبة من بطن الوادي، فلما قيل له إن أناسًا يرمونها من فوقها، قال: «هذا، والذي لا إله غيره، مقام الذي أُنزلت عليه سورة البقرة» [متفق عليه: البخاري 1747، ومسلم 1296، واللفظ له]. فالاسم يذكّرنا بقصة ستكشف كيف يثقل امتثال الأمر حين يكثر الجدل.
وقد رغّب النبي صلى الله عليه وسلم في قراءتها فقال: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة» [رواه مسلم: 780]. وقال: «اقرؤوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجان عن أصحابهما. اقرؤوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة» [رواه مسلم: 804]. والزهراوان: المنيرتان، والغيايتان: ما يظل من فوق، والفرقان: جماعتان من طير مصطفّ؛ فهي أمثال تقرّب ما يكون لأصحابهما يوم القيامة من الظل والدفاع عنهم. والبطلة: السحرة، كما جاء تفسيرها عن معاوية بن سلّام، أحد رواة الحديث. فهذه سورة نرجو بركتها، ونعمر بقراءتها بيوتنا، ونتعلم منها ما نعمل به.
ومن خبر أُسيد بن حُضير رضي الله عنه أنه كان يقرأ سورة البقرة ليلًا وفرسه مربوطة عنده، فجالت الفرس، أي تحركت واضطربت، فسكت فسكنت، ثم قرأ فعادت إلى حركتها. وكان ابنه يحيى قريبًا منها، فخشي أن تصيبه، ورفع رأسه فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح ترتفع حتى غابت عنه. فلما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم» [رواه البخاري تعليقًا: 5018، واللفظ له، ومسلم: 796، بنحوه]. ما أعظم فضل هذه التلاوة التي دنت الملائكة تستمع إليها! وإذا علمت ذلك لم تستكثر على القرآن وقتًا تخلو فيه بكتاب ربك.
وفي السورة آية الكرسي، أعظم آية في كتاب الله؛ سأل النبي صلى الله عليه وسلم أُبيّ بن كعب رضي الله عنه عن أعظم آية، فأجاب بها، فأقره وهنّأه بالعلم [رواه مسلم: 810]. وقال صلى الله عليه وسلم: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» [متفق عليه: البخاري 5009، ومسلم 807، واللفظ للبخاري]. وكان تعلم البقرة وآل عمران ذا منزلة عند الصحابة؛ قال أنس رضي الله عنه: «كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جدّ فينا»، أي: عظم قدره [رواه أحمد: 12215، وابن حبان: 744، واللفظ لأحمد، وصحح إسناده محققو المسند](2).
وقد أبرز سيد قطب ما لكل سورة من سمات تميزها، ورأى موضوعات البقرة متصلة بأمرين متلازمين: كشف موقف بني إسرائيل من الدعوة الإسلامية، وبناء الجماعة المسلمة لحمل أمانة الدين(3). فقد واجهت الدعوة في المدينة قومًا أوتوا الكتاب، وعرفوا الحق ثم كتموه ولبسوه بالباطل، وقصّت السورة نقض العهود والبغي على الرسل؛ وفي مقابل ذلك ربّت المؤمنين على الوفاء والطاعة، وحذرتهم العثرات التي وقع فيها من قبلهم. فلا تقرأ أخبارهم ثم تترك نفسك تفعل فعلهم؛ إنما تتعلم من الخبر كيف تستقيم على الأمر.
خريطة السورة: تنتقل بنا من بيان مواقف الناس من الهدى إلى التحذير من مخالفة الوحي، ثم تربية المؤمنين على طاعته في حياتهم، وتجمع ذلك خاتمتها بالإيمان والدعاء. وهذه خريطة اجتهادية لأبرز محطاتها:• الآيات 1–20: استقبال الناس للهدى؛ صفات المتقين والكافرين والمنافقين.• الآيات 21–39: الدعوة إلى عبادة الله، والتحدي بالقرآن، وخلق آدم وعداوة الشيطان، ووعد متبعي الهدى.• الآيات 40–123: تذكير بني إسرائيل بالنعم والعهود، وكشف ما وقعوا فيه من مخالفة الوحي.• الآيات 124–152: إبراهيم وبناء البيت ودعوته، ثم تحويل القبلة وتمييز وجهة الأمة المسلمة.• الآيات 153–242: تربية المؤمنين على الصبر والتقوى، وبيان أحكام القصاص والصيام والحج والقتال والأسرة.• الآيات 243–260: قصص القتال والبعث، ومنها طالوت وجالوت، وبينها آية الكرسي وبيان ولاية الله للمؤمنين.• الآيات 261–283: الإنفاق وآدابه، وتحريم الربا، وتوثيق الديون وحفظ الحقوق.• الآيات 284–286: ملك الله وحسابه، وإيمان الرسول والمؤمنين، والسمع والطاعة والدعاء؛ فيلتقي ختام السورة بافتتاحها في صفات أهل الإيمان.هذه معان نحتاجها في البيت والسوق، وعند الخوف والطمع، وفي الوفاء بما عاهدنا الله عليه. فمن طلب بركة السورة فليقبل على قراءتها وتدبرها؛ ولا يمر بتحريم الربا ثم يهوّن أمره، ولا يقرأ ذم كتمان الحق ثم يكتم ما علم. سنمضي مع آياتها، نستقبل بشارتها ونصغي إلى تحذيرها، ونتعلم كيف يكون قولنا «سمعنا وأطعنا» عملًا في حياتنا.﴿الم﴾ [البقرة: 1]نقرأ هذه الحروف كما علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نستقبل بعدها بيان الكتاب وهداه. وفيها يظهر الفرق بين ما نعلمه، وما نستدل عليه، وما نقف فيه عند حدود الدليل.
«الم»؛ ثلاثة أحرف تُقرأ بأسمائها: ألف، لام، ميم، لا كلمةً واحدة. يعرف القارئ حروفها، ثم يسأل عن المراد بها، فيجد للعلماء أقوالًا: فمنهم من جعلها أسماءً للسور، ومنهم من توقف في تفسيرها، ومنهم من التمس لها غير ذلك من المعاني. فلا يحملنّك اشتهار قول على أن تحسبه إجماعًا؛ جاء في تفسير ابن كثير: «ولم يجمع العلماء فيها على شيء معين، وإنما اختلفوا، فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه، وإلا فالوقف حتى يتبين»(4). وهذا من أمانة العلم: أن تتبع الحجة حيث ظهرت، وأن تقول فيما لم يتبين لك: الله أعلم بمراده.
والسؤال عن معنى الحروف غير السؤال عن حكمة افتتاح السور بها. فقد استنبط جماعة من المفسرين أنها تنبّه إلى إعجاز القرآن: هذه الحروف التي تعرفونها، وتؤلفون منها كلامكم، جاءكم بها كتاب عجزتم عن الإتيان بمثله. ذكر هذا الوجه ابن الجوزي، واختاره ابن عاشور وسيد قطب رحمهم الله(5)؛ فالاشتراك في حروف اللغة لا يجعل كلام البشر مثل كلام الله. وليست هذه الحكمة تفسيرًا قاطعًا لمعنى الألف وحدها أو اللام أو الميم؛ فقد يُستدل على حكمة الافتتاح، ويبقى تعيين المراد بالحروف موضع خلاف.
ويؤيد هذا الوجه أن الله أتبع الحروف هنا بقوله: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]، ثم جاء التحدي في السورة نفسها: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: 23]. وقد نبّه ابن عاشور إلى مناسبة وضع هذه الحروف في فواتح السور، وكل سورة يصلح أن يقع بها التحدي. فذكرُ الكتاب بعدها قرينة يستأنس بها المفسر، وآية التحدي تبيّن المطلوب: سورة من مثله. فمن قال: أستطيع أن أنطق «ألف، لام، ميم»، فقد قدر على نطق الحروف، ولم يأت بسورة! وكذلك جمع الحروف بالحاسوب أو محاكاة بعض الأساليب بالذكاء الاصطناعي لا يثبت الإتيان بمثل القرآن؛ فالمطلوب مماثلة السورة في بيانها ومعانيها وهدايتها، لا التشابه في بعض ألفاظها.
وقد يعترض معترض: كيف يكون القرآن ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: 195]، وفيه ما اختلف العلماء في معناه؟ والجواب أن أسماء هذه الحروف عربية معلومة، والاختلاف في المراد بافتتاح السور بها لا يجعلها لغة مجهولة، ولا يسلب ما بعدها بيانه. وقد فرّق الشيخ ابن عثيمين بين حروف الهجاء التي لا تدل مفردةً على معنى كدلالة الكلمات، وبين الحكمة من ذكرها في هذا الموضع(6). ثم إن بيان القرآن لا يستلزم أن يحيط كل قارئ بكل ما فيه؛ فقد يخفى عليه وجه، وتقوم أمامه حجج الكتاب وأوامره ونواهيه واضحة. فلا يصح أن يُجعل موضع اختلف العلماء فيه ذريعة إلى إنكار ما بيّنه الله لعباده.
ولا يبيح هذا الخلاف أن يجعل أحدٌ الحروف رموزًا يستخرج منها تواريخ الحوادث وأخبار الغيب، ثم ينسب ظنونه إلى الله. فهذه دعوى تحتاج إلى دليل، ولا تتحول الحسابات إلى وحي بكثرة الأرقام. وقد ردّ الحافظ ابن كثير على من زعم أنه يستخرج منها مواعيد حوادث المستقبل، وقال: «فقد ادعى ما ليس له، وطار في غير مطاره»(7)؛ أي: تكلم فيما لا علم له به. والتوقف حيث يغيب الدليل علمٌ وأدب، والتخمين في مراد الله جرأةٌ وإن لبس صاحبه ثوب الباحث.
وزعم أحد المستشرقين أن هذه الحروف ليست من القرآن الذي تلاه النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها علامات لأصحاب الصحف التي جُمع منها المصحف؛ ثم رجع عنه. ويكفي في رده أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا السور المفتتحة بها على العرب قبل أن يُجمع مصحف، فلم ينكروا ذلك، كما قال القاضي أبو بكر ابن العربي، «مع تشوفهم إلى عثرة وحرصهم على زلة»(8)؛ وأنه عدّها حروفًا من كتاب الله في الحديث الآتي.
ومع اختلاف المفسرين في معناها، فإن فضل تلاوتها ثابت؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف» [رواه الترمذي: 2910، وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه]. فعدم إحاطتك بمرادها لا يحرمك أجر قراءتها، ولا يمنعك أن تمضي إلى تدبر ما بعدها.فيا من يفتح المصحف طالبًا الهدى، تعلّم واسأل، واتبع الدليل، ولا تتكلف جوابًا لكل ما خفي عليك. واحذر أن يشغلك الجدل فيما اختلف فيه عن العمل بما لا يختلف في وضوحه؛ فإن من حسن إقبالك على كلام الله أن تصدق خبره، وتمتثل أمره، وتقف بعلمك عند حدّه.(1) الإتقان في علوم القرآن (1/ 211)، وفيه حكاية الإجماع على توقيف ترتيب الآيات.(2) مسند أحمد (19/ 247-248)، وقال محققوه: «إسناده صحيح على شرط الشيخين».(3) في ظلال القرآن، مقدمة سورة البقرة.(4) تفسير ابن كثير (1/ 160).(5) زاد المسير (1/ 25)، والتحرير والتنوير (1/ 212-213)، وفي ظلال القرآن، تفسير سورة البقرة، الآية 1.(6) تفسير الفاتحة والبقرة لابن عثيمين (1/ 22-24).(7) تفسير ابن كثير (1/ 161).(8) نقله ابن عاشور في التحرير والتنوير (1/ 210).
فهرس الكتاب