وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ 65 وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيۡنِ فَرۡثٖ وَدَمٖ لَّبَنًا خَالِصٗا سَآئِغٗا لِّلشَّٰرِبِينَ 66 وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلۡأَعۡنَٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنۡهُ سَكَرٗا وَرِزۡقًا حَسَنًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ 67 وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعۡرِشُونَ 68 ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسۡلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلٗاۚ يَخۡرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٞ لِّلنَّاسِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ 69 وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمۡۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡ لَا يَعۡلَمَ بَعۡدَ عِلۡمٖ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٞ قَدِيرٞ 70 وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلرِّزۡقِۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزۡقِهِمۡ عَلَىٰ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَهُمۡ فِيهِ سَوَآءٌۚ أَفَبِنِعۡمَةِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ 71 وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةٗ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِۚ أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ يُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ هُمۡ يَكۡفُرُونَ 72
الصفحة 274

مشكل الآية 67 من سورة النحل ودفع ما يوهم التعارض

وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلۡأَعۡنَٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنۡهُ سَكَرࣰا وَرِزۡقًا حَسَنًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةࣰ لِّقَوۡمࣲ يَعۡقِلُونَ 67

قوله تعالى: ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ الآية [النحل/ 67].
هذه الآية الكريمة يفهم منها أن السَّكَرَ المتخذ من ثمرات النخيل والأعناب لا بأس به؛ لأن اللَّه امتنَّ به على عباده في سورة الامتنان التي هي سورة النحل.
وقد حرَّم اللَّه تعالى الخمر بقوله: ﴿رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ الآية [المائدة/ 90]؛ لأنه وصفها بأنها رجس، وأنها من عمل الشيطان، وأمر باجتنابها، ورتب عليه رجاء الفلاح. ويفهم منه أن من لم يجتنبها لم يفلح، وهو كذلك. وقد بيَّن -صلى اللَّه عليه وسلم- أن كل ما خامر العقل فهو خمر، وأن كل مسكر حرام، وأن ما أسكر كثيره فقليله حرام.
والجواب ظاهر، وهو: أن آية تحريم الخمر ناسخة لقوله: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ الآية. ونسخها له هو التحقيق، خلافًا لما يزعمه كثير من الأصوليين أن تحريم الخمر ليس نسخًا لإباحتها الأولى؛ لأن إباحتها الأولى إباحة عقلية، وهي المعروفة عند الأصوليين بالبراءة الأصلية، وتسمى استصحاب العلم الأصلي، والإباحة العقلية ليست من الأحكام الشرعية حتى يكون رفعها نسخًا، ولو كان رفعها نسخًا لكان كل تكليف في الشرع ناسخًا للبراءة الأصلية من التكليف به.
وإلى كون الإباحة العقلية ليست من الأحكام الشرعية أشار في "مراقي السعود" بقوله:
وما من الإباحة العقلية... قد أخذت فليست الشرعية
كما أشار إلى أن تحريم الخمر ليس نسخًا لإباحتها؛ لأنها إباحة عقلية، وليست من الأحكام الشرعية حتى يكون رفعها نسخًا، بقوله:
أباحها في أول الإِسلام... براءة ليست من الأحكام
وإنما قلنا: إن التحقيق هو كون تحريم الخمر ناسخًا لإباحتها؛ لأن قوله: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ يدل على إباحة الخمر شرعًا، فرفع هذه الإباحة المدلول عليها بالقرآن رفع حكم شرعي؛ فهو نسخ بلا شك، ولا يمكن أن تكون إباحتها عقلية إلا قبل نزول هذه الآية كما هو ظاهر.
ومعلوم عند العلماء أن الخمر نزلت في شأنها أربع آيات من كتاب اللَّه:
الأولى: هذه الآية الدالة على إباحتها.
الثانية: الآية التي ذكر فيها بعض معائبها، وأن فيها منافع، وصرحت بأن إثمها أكبر من نفعها، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة/ 219]، فشربها بعد نزولها قومٌ للمنافع المذكورة، وتركها آخرون للإثم الذي هو أكبر من المنافع.
الثالثة: الآية التي دلت على تحريمها في أوقات الصلاة دون غيرها، وهي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ الآية [النساء/ 43].
الرابعة: الآية التي حرمتها تحريمًا باتًا مطلقًا، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة/ 90 - 91].
والعلم عند اللَّه تعالى.
وأما على قول من زعم أن السَّكَر الطعمُ -كما اختاره ابن جرير وأبو عبيدة- أو أنه النحل، فلا إشكال في الآية.
فهرس الكتاب