وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ 190
قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ الآية [البقرة/ 190].
هذه الآية تدل بظاهرها على أنهم لم يؤمروا بقتال الكفار إلا إذا قاتلوهم.
وقد جاءت آيات أُخر تدل على وجوب قتال الكفار مطلقًا قاتلوا أم لا، كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة/ 193]، وقوله: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة/ 5]، وكقوله تعالى:
﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح/ 16].
والجواب عن هذا بأمور:
الأول -وهو أحسنها وأقربها-: أن المراد بقوله: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ تهييج المسلمين وتحريضهم على قتال الكفار، فكأنه يقول لهم: هؤلاء الذين أمرتكم بقتالهم هم خصومكم وأعداؤكم الذين يقاتلونكم. ويدل لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة/ 36]، وخير ما يفسر به القرآن القرآن.
الوجه الثاني: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة/ 5]، وهذا من جهة النظر ظاهر حسن جدًا.
وإيضاح ذلك: أن من حكمة اللَّه البالغة في التشريع أنه إذا أراد تشريع أمر عظيم على النفوس ربما يشرعه تدريجيًا لتخف صعوبته بالتدريج، فالخمر -مثلًا- لما كان تركها شاقًّا على النفوس التي اعتادتها، ذكر أولًا بعض معائبها بقوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة/ 219]، ثم بعد ذلك حرمها في وقت دون وقت، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ﴾ الآية [النساء/ 43]، ثم لما استأنست النفوس بتحريمها في الجملة حرَّمها تحريمًا باتًا بقوله: ﴿رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة/ 90].
وكذلك الصوم لما كان شاقًّا على النفوس شرعه أولًا على سبيل التخيير بينه وبين الإطعام، ثم رغب في الصوم مع التخيير بقوله: ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة/ 184]، ثم لما استأنست به النفوس أوجبه إيجابًا حتمًا بقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
وكذلك القتال على هذا القول، لمَّا كان شاقًّا على النفوس أَذنَ فيه أولًا من غير إيجاب بقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ الآية [الحج/ 39]، ثم أوجب عليهم قتال من قاتلهم دون من لم يقاتلهم بقوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة/ 190]، ثم لمَّا استأنست نفوسهم بالقتال أوجبه عليهم إيجابًا عامًّا بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ الآية [التوبة/ 5].
الوجه الثالث -وهو اختيار ابن جرير، ويظهر لي أن الصواب-: أن الآية محكمة، وأن معناها: قاتلوا الذين يقاتلونكم، أي: من شأنهم أن يقاتلوكم. أما الكافر الذي ليس من شأنه القتال، كالنساء والذراري والشيوخ الفانية والرهبان وأصحاب الصوامع ومن ألقى إليكم السَّلَم فلا تعتدوا بقتالهم؛ لأنهم لا يقاتلونكم، ويدل لهذا الأحاديثُ المصرحة بالنهي عن قتل الصبي وأصحاب الصوامع والمرأة والشيخ الهرم إذا لم يستعن برأيه، أما صاحب الرأي فيقتل، كدريد بن الصِّمَّة.
وقد فسر هذه الآية بهذا المعنى عمر بن عبد العزيز -رضي اللَّه عنه- وابن عباس والحسن البصري.
هذه الآية تدل بظاهرها على أنهم لم يؤمروا بقتال الكفار إلا إذا قاتلوهم.
وقد جاءت آيات أُخر تدل على وجوب قتال الكفار مطلقًا قاتلوا أم لا، كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة/ 193]، وقوله: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة/ 5]، وكقوله تعالى:
﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح/ 16].
والجواب عن هذا بأمور:
الأول -وهو أحسنها وأقربها-: أن المراد بقوله: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ تهييج المسلمين وتحريضهم على قتال الكفار، فكأنه يقول لهم: هؤلاء الذين أمرتكم بقتالهم هم خصومكم وأعداؤكم الذين يقاتلونكم. ويدل لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة/ 36]، وخير ما يفسر به القرآن القرآن.
الوجه الثاني: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة/ 5]، وهذا من جهة النظر ظاهر حسن جدًا.
وإيضاح ذلك: أن من حكمة اللَّه البالغة في التشريع أنه إذا أراد تشريع أمر عظيم على النفوس ربما يشرعه تدريجيًا لتخف صعوبته بالتدريج، فالخمر -مثلًا- لما كان تركها شاقًّا على النفوس التي اعتادتها، ذكر أولًا بعض معائبها بقوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة/ 219]، ثم بعد ذلك حرمها في وقت دون وقت، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ﴾ الآية [النساء/ 43]، ثم لما استأنست النفوس بتحريمها في الجملة حرَّمها تحريمًا باتًا بقوله: ﴿رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة/ 90].
وكذلك الصوم لما كان شاقًّا على النفوس شرعه أولًا على سبيل التخيير بينه وبين الإطعام، ثم رغب في الصوم مع التخيير بقوله: ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة/ 184]، ثم لما استأنست به النفوس أوجبه إيجابًا حتمًا بقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
وكذلك القتال على هذا القول، لمَّا كان شاقًّا على النفوس أَذنَ فيه أولًا من غير إيجاب بقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ الآية [الحج/ 39]، ثم أوجب عليهم قتال من قاتلهم دون من لم يقاتلهم بقوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة/ 190]، ثم لمَّا استأنست نفوسهم بالقتال أوجبه عليهم إيجابًا عامًّا بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ الآية [التوبة/ 5].
الوجه الثالث -وهو اختيار ابن جرير، ويظهر لي أن الصواب-: أن الآية محكمة، وأن معناها: قاتلوا الذين يقاتلونكم، أي: من شأنهم أن يقاتلوكم. أما الكافر الذي ليس من شأنه القتال، كالنساء والذراري والشيوخ الفانية والرهبان وأصحاب الصوامع ومن ألقى إليكم السَّلَم فلا تعتدوا بقتالهم؛ لأنهم لا يقاتلونكم، ويدل لهذا الأحاديثُ المصرحة بالنهي عن قتل الصبي وأصحاب الصوامع والمرأة والشيخ الهرم إذا لم يستعن برأيه، أما صاحب الرأي فيقتل، كدريد بن الصِّمَّة.
وقد فسر هذه الآية بهذا المعنى عمر بن عبد العزيز -رضي اللَّه عنه- وابن عباس والحسن البصري.