الصفحة 2

مشكل الآية 2 من سورة البقرة ودفع ما يوهم التعارض

ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدࣰى لِّلۡمُتَّقِينَ 2

قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ هذه نكرة في سياق النفي رُكِّبَتْ مع "لا"، فبنيت على الفتح. والنكرة إذا كانت كذلك فهي نص في العموم، كما تقرر في علم الأصول.
و"لا" هذه التي هي نص في العموم هي المعروفة عند النحويين: "لا" التي لنفي الجنس، أما "لا" العاملة عمل "ليس" فهي ظاهرة في العموم لا نصٌّ فيه.
وعليه فالآية نصٌّ في نفي كل فرد من أفراد الريب عن هذا القرآن العظيم.
وقد جاء في آيات أخر ما يدل على وجود الريب فيه لبعض من الناس، كالكفار الشاكِّين، كقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا﴾ [البقرة/ 23]، وكقوله: ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة/ 45]، وكقوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان/ 9].
ووجه الجمع في ذلك: أن القرآن بالغ من وضوح الأدلة وظهور المعجزة ما ينفي تطرق أي ريب إليه، وريب الكفارة فيه إنما هو لعمى بصائرهم، كما بينه بقوله تعالى: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ﴾ [الرعد/ 19]، فصرح بأن من لا يعلم أنه الحق أن ذلك إنما جاءه مِنْ قِبَلِ عماه. ومعلوم أن عدم رؤية الأعمى للشمس لا ينافي كونها لا ريب فيها لظهورها.
إذا لم يكن للمرء عين صحيحة... فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر
وأجاب بعض العلماء بأن قوله ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ خبر أريد به الإنشاء. أي: لا ترتابوا فيه. وعليه فلا إشكال.

قوله تعالى: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة/ 2].
خصص في هذه الآية هدى هذا الكتاب بالمتقين، وقد جاء في آية أخرى ما يدل على أن هداه عام لجميع الناس، وهي قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ [البقرة/ 185].
ووجه الجمع بينهما: أن الهدى يستعمل في القرآن استعمالين:
أحدهما عام، والثاني خاص.
أما الهدى العام فمعناه: إبانة طريق الحق وإيضاح المحجة، سواء سلكها المبيَّن له أم لا.
ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت/ 17] أي: بينا لهم طريق الحق على لسان نبينا صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، مع أنهم لم يسلكوها، بدليل قوله عز وجل: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ﴾.
ومنه -أيضًا- قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان/ 3]، أي بينا له طريق الخير والشر، بدليل قوله: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾.
وأما الهدى الخاص: فهو تفضل اللَّه بالتوفيق على العبد.
ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [الأنعام/ 90]، وقوله: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام/ 125].
فإذا علمت ذلك فاعلم أن الهدى الخاص بالمتقين هو الهدى الخاص، وهو التفضل بالتوفيق عليهم. والهدى العام للناس هو الهدى العام، وهو إبانة الطريق وإيضاح المحجة.
وبهذا يرتفع الإشكال أيضًا بين قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص/ 56] مع قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى/ 52]؛ لأن الهدى المنفي عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- هو الهدى الخاص، لأن التوفيق بيد اللَّه وحده، ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة/ 41]، والهدى المثبت له هو الهدى العام الذي هو إبانة الطريق، وقد بينها -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى تركها محجة بيضاء ليلها كنهارها، ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [يونس/ 25].
فهرس الكتاب