۞ تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۘ مِّنۡهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعۡضَهُمۡ دَرَجَٰتٖۚ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخۡتَلَفُواْ فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ وَمِنۡهُم مَّن كَفَرَۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُواْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ 253 يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خُلَّةٞ وَلَا شَفَٰعَةٞۗ وَٱلۡكَٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ 254 ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ 255 لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 256
الصفحة 42

مشكل الآية 256 من سورة البقرة ودفع ما يوهم التعارض

لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 256

قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة/ 256].
هذه الآية تدل بظاهرها على أنه لا يكره أحد على الدخول في الدين. ونظيرها قوله تعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس/ 99]، وقوله تعالى: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى/ 48].
وقد جاء في آيات كثيرة ما يدل على إكراه الكفار على الدخول في الإسلام بالسيف، كقوله تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح/ 16]، وقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة/ 193] أي: شرك، ويدل لهذا التفسير الحديثُ الصحيح: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه" الحديث.
والجواب عن هذا بأمرين:
الأول -وهو الأصح-: أن هذه الآية في خصوص أهل الكتاب. والمعنى: أنهم قبل نزول قتالهم لا يكرهون على الدين مطلقًا، وبعد نزول قتالهم لا يكرهون عليه إذا أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
والدليل على خصوصها بهم: ما رواه أبو داود وابن أبي حاتم والنسائي وابن حبان وابن جرير عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: كانت المرأة تكون مِقْلاتًا؛ فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوِّده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا. فأنزل اللَّه ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة/ 256] المِقْلات: التي لا يعيش لها ولد. وفي المثل: أحرُّ من دمع المِقْلات.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: نزلت: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له: الحصين، كان له ابنان نصرانيان وكان هو مسلمًا، فقال للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: ألا أستكرههما؛ فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل اللَّه الآية.
وروى ابن جرير أن سعيد بن جبير سأله أبو بشر عن هذه الآية، فقال: نزلت في الأنصار، فقال: خاصة؟ قال: خاصة.
وأخرج ابن جرير عن قتادة بإسنادين في قوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، قال: أكره عليه هذا الحي من العرب؛ لأنهم كانوا أمة أمية ليس لهم كتاب يعرفونه، فلم يقبل منهم غير الإسلام. ولا يكره عليه أهل الكتاب إذا أقروا بالجزية أو بالخراج، ولم يفتنوا عن دينهم، فيخلى سبيلهم.
وأخرج ابن جرير -أيضًا- عن الضحاك في قوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ و، قال: أُمِرَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يقاتل جزيرة العرب من أهل الأوثان، فلم يقبل منهم إلا لا إله إلا اللَّه أو السيف، ثم أُمِرَ في من سواهم أن يقبل منهم الجزية، فقال: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة/ 256].
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس -أيضًا- في قوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ قال: وذلك لما دخل الناس في الإسلام وأعطى أهل الكتاب الجزية.
فهذه النقول تدل على خصوصها بأهل الكتاب المعطين الجزية ومن في حكمهم. ولا يرد على هذا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ لأن التخصيص فيها عرف بالنقل عن علماء التفسير لا بمطلق خصوص السبب. ومما يدل للخصوص: أنه ثبت في الصحيح: "عَجِبَ ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل".
الأمر الثاني: أنها منسوخة بآيات القتال، كقوله: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [التوبة/ 5]. ومعلوم أن سورة البقرة من أول ما نزل بالمدينة، وسورة براءة من آخر ما نزل بها، والقول بالنسخ مروي عن ابن مسعود وزيد بن أسلم.
وعلى كل حالٍ فآيات السيف نزلت بعد نزول السورة التي فيها ﴿لَا إِكْرَاهَ﴾ الآية. والمتأخر أولى من المتقدم. والعلم عند اللَّه تعالى.
فهرس الكتاب