وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةٖ رِّزۡقٗا قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِي رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ وَلَهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَهُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 25 ۞ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ 26 ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ 27 كَيۡفَ تَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمۡ أَمۡوَٰتٗا فَأَحۡيَٰكُمۡۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ 28 هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ 29
الصفحة 5

مشكل الآية 29 من سورة البقرة ودفع ما يوهم التعارض

هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعࣰا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتࣲۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمࣱ 29

قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة/ 29].
هذه الآية تدل على أن خلق الأرض قبل خلق السماء، بدليل لفظة "ثم" التي هي للترتيب والانفصال، وكذلك آية حم السجدة تدل - أيضًا- على خلق الأرض قبل خلق السماء؛ لأنه قال فيها: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ إلى أن قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ الآية [فصلت/ 9 - 11]. مع أن آية النازعات تدل على أن دَحْوَ الأرض بعد خلق السماء؛ لأنه قال فيها: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات/ 27]، ثم قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات/ 30].
اعلم أولًا أن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- سئل عن الجمع بين آية السجدة وآية النازعات، فأجاب بأن اللَّه تعالى خلق الأرض أولًا قبل السماء غير مَدْحُوَّةٍ، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبعًا في يومين، ثم دحا الأرض بعد ذلك وجعل فيها الرواسي والأنهار وغير ذلك.
فأصل خلق الأرض قبل خلق السماء، ودحوها بجبالها وأشجارها ونحو ذلك بعد خلق السماء.
ويدل لهذا أنه قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا﴾ ولم يقل: خلقها، ثم فسر دحوه إياها بقوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ الآية [النازعات/ 31].
وهذا الجمع الذي جمع به ابن عباس بين هاتين الآيتين واضح لا إشكال فيه، مفهوم من ظاهر القرآن العظيم، إلا أنه يَرِدُ عليه إشكال من آية البقرة هذه، وإيضاحه: أن ابن عباس جمع بأن خلق الأرض قبل خلق السماء ودحوها بما فيها بعد خلق السماء، وفي هذه الآية التصريح بأن جميع ما في الأرض مخلوق قبل خلق السماء؛ لأنه قال فيها: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ﴾ الآية.
وقد مكثت زمنًا طويلًا أفكر في حل هذا الإشكال، حتى هداني اللَّه إليه ذات يوم ففهمته من القرآن العظيم، وإيضاحه: أن هذا الإشكال مرفوع من وجهين، كل منهما تدل عليه آية من القرآن:
الأول: أن المراد بخلق ما في الأرض جميعًا قبل خلق السماء: الخلق اللغوي الذي هو التقدير، لا الخلق بالفعل الذي هو الإبراز من العدم إلى الوجود. والعرب تسمي التقدير خلقًا، ومنه قول زهير:
ولأنت تفرى ما خلقت وبعـ... ـضُ القوم يخلقُ ثم لا يفري
والدليل على أن المراد بهذا الخلق التقدير: أنه تعالى نص على ذلك في سورة فصلت حيث قال: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾، ثم قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ الآية [فصلت/ 11].
الوجه الثاني: أنه لما خلق الأرض غير مدحوة، وهي أصل لكل ما فيها، كان كل ما فيها كأنه خلق بالفعل؛ لوجود أصله فعلًا.
والدليل من القرآن على أن وجود الأصل يمكن به إطلاق الخلق على الفرع وإن لم يكن موجودًا بالفعل قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾ الآية [الأعراف/ 7]، فقوله: ﴿خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف/ 11] أي: بخلقنا وتصويرنا لأبيكم آدم الذي هو أصلكم.
وجمع بعض العلماء بأن معنى قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا﴾ أي: مع ذلك. فلفظة "بعد" بمعنى "مع". ونظيره قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم/ 13]. وعليه فلا إشكال في الآية. ويستأنس لهذا القول بالقراءة الشاذة -وبها قرأ مجاهد-: (والأرض مع ذلك دحاها).
وجمع بعضهم بأوجه ضعيفة؛ لأنها مبنية على أن خلق السماء قبل الأرض، وهو خلاف التحقيق.
منها: أن "ثم" بمعنى الواو.
ومنها: أنها للترتيب الذكري، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [البلد/ 17].

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ الآية [البقرة/ 29].
أفرد هنا تعالى لفظ ﴿السَّمَاءِ﴾، ورد عليه الضمير بصيغة الجمع في قوله: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾.
وللجمع بين ضمير الجمع ومفسره المفرد وجهان:
الأول: أن المراد بالسماء: جنسها الصادق بسبع سموات، وعليه فـ "أل" جنسية.
الثاني: أنه لا خلاف بين أهل اللسان العربي في وقوع إطلاق المفرد وإرادة الجمع، مع تعريف المفرد وتنكيره وإضافته، وهو كثير في القرآن العظيم وفي كلام العرب.
فمن أمثلته في القرآن واللفظ مُعَرَّفٌ: قوله تعالى: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران/ 119] أي: بالكتب كلها، بدليل قوله تعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ﴾ [البقرة/ 285]، وقوله: ﴿وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ﴾ [الشورى/ 15]. وقوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر/ 45] يعني: الأدبار، كما هو ظاهر. وقوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ [الفرقان/ 75] يعني الغُرَف، بدليل قوله تعالى: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر/ 20] وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ/ 37]. وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر/ 22] أي: الملائكة، بدليل قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة/ 210]. وقوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ الآية [النور/ 31] يعني: الأطفال الذين لم يظهروا. وقوله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ الآية [المنافقون/ 4] يعني: الأعداء.
ومن أمثلته واللفظ مُنَكَّرٌ: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [القمر/ 54] يعني: وأنهار، بدليل قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الآية [محمد/ 15]، وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان/ 74] يعني: أئمة، وقوله تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون/ 67] يعني: سامرين، وقوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج/ 5] يعني: أطفالًا، وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ [البقرة/ 136] أي: بينهم، وقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء/ 69] أي: رفقاء، وقوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة/ 6] أى: جُنبين أو أجنابًا، وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم/ 4] أي: مظاهرون؛ لدلالة السياق فيها كلها على الجمع. واستدل سيبويه لهذا بقوله: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء/ 4] أي: أنفسًا.
ومن أمثلته واللفظ مضافٌ: قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰؤُلَاءِ ضَيْفِي﴾ الآية [الحجر/ 68] يعني: أضيافي، وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ الآية [النور/ 63] أي: أوامره.
وأنشد سيبويه لإطلاق المفرد وإرادة الجمع قول الشاعر -وهو علقمة بن عبدة التميمي-:
بها جيف الحسرى فأما عظامها... فبيضٌ وأما جلدها فصليب
يعني: وأما جلودها فصليبة.
وأنشد له -أيضًا- قول الآخر:
كلوا في بعض بطنكم تعفوا... فإن زمانكم زمن خميص
يعني: في بعض بطونكم.
ومن شواهده قول عقيل بن عُلَّفة المري:
وكان بنو فزارة شر عمٍّ... وكنت لهم كشرِّ بني الأخينا
يعني: شر أعمام.
وقول العباس بن مرداس السلمي:
فقلنا أسلموا إنا أخوكم... وقد سلمت من الإحن الصدور
يعني: إنا إخوانكم.
وقول الآخر:
يا عاذلاتي لا تردن ملامة... إن العواذل ليس لي بأمير
يعني: لسن لي بأمراء.
وهذا في النعت بالمصدر مُطَّرِدٌ، كقول زهير:
متى يشتجر قومٌ يَقُلْ سرواتهم... همُ بيننا فهمُ رضًا وهمُ عَدْلُ
ولأجل مراعاة هذا لم يجمع في القرآن: السمع والطرف والضيف؛ لأن أصلها مصادر، كقوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة/ 7]، وقوله: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم/ 43]، وقوله تعالى: ﴿يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى/ 45]، وقوله: ﴿إِنَّ هَٰؤُلَاءِ ضَيْفِي﴾ [الحجر/ 68].
فهرس الكتاب