وَيۡلࣱ يَوۡمَئِذࣲ لِّلۡمُكَذِّبِينَ 15
قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ للسائل أن يسأل عن هذه الآية، لِم كررت عشر مراّت؟ وتخصيص ما بعد كل منها بما قرن إليها، والفائدة في تقديم ما بعد الأولى على ما بعد الثانية؟ ثم السؤال في الجميع على هذه الطريقة؟
الجواب أن يقال: إنّ هذه السورة مقصورة على إثبات ما أنكره الكفاّر من البعث والإحياء بعد الموت، والحساب، والثواب والعقاب، وتخويف المكذبين به، ليرجعوا عنه، ويتمسّكوا بالحقّ دونه، فأقسم- تعالى- في أول السورة. بما أقسم: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾ في يوم الفصل بين المسيء والمحسن، والعاصي والمطيع.
ْواحتجّ على المكذبين فيما بين ثلاثة من المتكررات بما يحجبهم بعد قوله: ﴿وما أدراك ما يوم الفصل ويل يومئذ للمكذِّبين﴾
أي: ويل لمن كذب بيوم القيامة، وهو اليوم الذي يفصل. فيه بين المحسن والمسىء بأعظم المثوبة وأشدّ العقوبة، وبدأ بعد إيجاب الويل في الآخرة لمن كذب بها بذكرِ مَن أهلك من أمم الأنبياء الأوّلين كقوم نوح وعاد وثمودَ، ثم أتبعهم الآخرين الذين أهلكوا من بعدهم، قوم إبراهيم وقوم لوط وأصحاب مدين وال فرعون وملئه، ثم توعد المجرمين من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ﴿وأنهم يلحقون بأمثالهم إذا استمرّوا في التكذيب على مثالهم، فكان ذلكْ زجرا بالغا بما صحّ عندهم من أخبارهم كما قال تعالى: أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾
فحذرهم نكالا يقع بهم كما يقع فى بمن عمل مثل أعمالهم فقال بعد ذلك: (ويل يومئد للمكذِّبين)، أي: لمن كذّب بالآخرة بعد أن احتجّ عليه في هذه الآية بإهلاك الأمة بعد الأمة، وأنهم على إثرهم فى الهلاك إن أقاموا على الإشراك.
ئم احتج عليهم في الثانية بقوله: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ﴾
أي جعلنا أشرف من تشاهدون من أقلّ ما تعرفون، وهو النطفة التي أقرّها في الرحم، ونقلها حالا بعد حال حتى بلغ حدّ التمام والكمال استواء جوارح، ووصل مفاصل، وأجرى هذا التقدير في جميع ما يولد من الحيوان، وخلق فيهم مجاري أغذيتهم ومشاربِ القوة المستفادة من أكلهم، فدلّ بما نبّه عليه من النشأة في الابتداء على النشأة الثانية للانتهاء فقال: ويل لمن كذب بها بعد لزوم الحجة.
ثم احتجّ عليهم في الثالثة بقوله: ﴿ألم نجعلِ الأرضَ كِفاتاً أحياء وأمواتا﴾، أي: جعلناها تضمّ أحياءهم وموتاهم، بما تخرج من أقواتها، وتواري من أمواتها، كما قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ﴾، هذا مع ما أقام فيها من الجبال الثوابت الرفيعة التي هي أوتاد الأرض وما أجري فيها للحيوان من الماء العذب، وفي كلّ ذلك دليل على أنه قادر عليم، وصانع حكيم لم يخلق الناس عبثا، ويتركهم سدى، وهو كما يبدي يعيد لِيحقّ منه الوعد والوعيد.
ثم قصرت ثلاثة على ما يكون من تبكيتهم على ما كذّبوا به عند مشاهدتهم له، وهي: ﴿انطَلِقُوا إِلَىٰ مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾، أي: يقال لهم يوم القيامة ذلك، والثاني من هذه الثلاثة: ﴿هَٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ﴾، والثالث: ﴿هَٰذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾، فأمروا أوّلا بالانطلاق إلى ما كذّبوا به، وفي الثاني معناه: أمضوا إليها فلا عذر لكم ولا حجّة فقد أعذر إليكم في الدار الأولى مَن مكثكم، وفي الثالث: ﴿هذا يوم الفصل، ومعناه معنى قوله تعالى: وامتازوا اليومَ أيها المجرمون ْ﴾، لأثّكم جمعتم في يوم يفصل فيه بين المطيع والعاصي، والمحق والمبطل. ومعنى قوله: ﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾، أي: كنتم تغتاظون وتسخطون لمخالفة ما أمركم به، واليومَ قد عجزتم عن أنفسكم، فإنْ قدرتم على ما كنتم تفعلونه قبل ما فعلوا، كما قال: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾
وبقيت أربعة بعد أولها وصف أهل الجنة أنهم يجازون بأعمالهم ويصيرون إلى ثمرات أفعالهم.
وبعد الثاني: خطاب لمن في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - ومبالغة في زجرهم، وأنهم في إيثارعم العاجلة الفانية على الآجلة الباقية من جملة المجرمين الذين قال فيهم عند مفتتح هذه الآي: كذلك نفعل بالمجرمين)، فرجع عجُزُ الكلام إلى صدره. بقوله: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ﴾.
وبعد الثالث: خبر عنهم بأنهم يَكرهون التجبية كما حكي عن هند بنت عتبة رضى الله عنها لما قال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (يوم الفتح: يا هند هل ترين بالاسلام بأسا؟ قالت: بأبي وأمّي، ما أحسنه، لولا ثلاث خصال. قال: ما هن؟ قالت: التجبية والخمار ورقيّ هذا العبد الأسود فوق الكعبة. قال - صلى الله عليه وسلم -: أماّ التجبية فإنه لا صلاة إلا بركوع، وأماّ قولكِ: الخمار فلا شيء أحسن منه، وأستر من الخمار، وأماّ قولكِ: ورقي هذا العبد الأسود فوق الكعبة، فنعم عبد الله هو).
يقال: جبّى الرجل يجبّي تجبية، إذا ركع، ومنه قوله:
كأنّ خُصْيَيْه إذا ماجُبا دَجاجَتانِ يلقطانِ حَباّ فكراهتهم للتجبية من أجل ما يحكى عن أحدهم أنه قال: أكره أن تعلوني اِسْتي. ومعنى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾
إذا دعوا إلى الصلاة لم يصلّوها لا بحجة ولا بشبهة، ولكن بباطل، هو ما حكيناه، وقيل: لم يصلّوا لجهلهم بما في الصلاة من المنافع لصاحبها، وقيل: لم يصلّوا لتكذيبهم بوجوبها.
وبعد الرابع قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾
أي: إذا كذّبوا بالقرآن المتضمن لوجوب الصلاة، وبذل غاية الخضوع بالسجود والركوع لمن له غايات الإحسان، فلم يصدقوا أنه من عند الله تعالى مع ما قارنه من واضح البرهان، فبأيّ كلام يَسْمَحون بعده بالإيمان. ومعنى قوله: (اركعوا) أي صلّوا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ أي: مصلّون.
وإذا كان قوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ رِدْفَ كلام يدل على ما يجب تصديقه، وترك التكذيب به، وكانت المعاني مختلفة، سلم من التكرار 7". وعلى الترتيب الذي بينا يتبين ما يختص بالتقديم مما يختص بالتأخير.
الجواب أن يقال: إنّ هذه السورة مقصورة على إثبات ما أنكره الكفاّر من البعث والإحياء بعد الموت، والحساب، والثواب والعقاب، وتخويف المكذبين به، ليرجعوا عنه، ويتمسّكوا بالحقّ دونه، فأقسم- تعالى- في أول السورة. بما أقسم: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾ في يوم الفصل بين المسيء والمحسن، والعاصي والمطيع.
ْواحتجّ على المكذبين فيما بين ثلاثة من المتكررات بما يحجبهم بعد قوله: ﴿وما أدراك ما يوم الفصل ويل يومئذ للمكذِّبين﴾
أي: ويل لمن كذب بيوم القيامة، وهو اليوم الذي يفصل. فيه بين المحسن والمسىء بأعظم المثوبة وأشدّ العقوبة، وبدأ بعد إيجاب الويل في الآخرة لمن كذب بها بذكرِ مَن أهلك من أمم الأنبياء الأوّلين كقوم نوح وعاد وثمودَ، ثم أتبعهم الآخرين الذين أهلكوا من بعدهم، قوم إبراهيم وقوم لوط وأصحاب مدين وال فرعون وملئه، ثم توعد المجرمين من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ﴿وأنهم يلحقون بأمثالهم إذا استمرّوا في التكذيب على مثالهم، فكان ذلكْ زجرا بالغا بما صحّ عندهم من أخبارهم كما قال تعالى: أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾
فحذرهم نكالا يقع بهم كما يقع فى بمن عمل مثل أعمالهم فقال بعد ذلك: (ويل يومئد للمكذِّبين)، أي: لمن كذّب بالآخرة بعد أن احتجّ عليه في هذه الآية بإهلاك الأمة بعد الأمة، وأنهم على إثرهم فى الهلاك إن أقاموا على الإشراك.
ئم احتج عليهم في الثانية بقوله: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ﴾
أي جعلنا أشرف من تشاهدون من أقلّ ما تعرفون، وهو النطفة التي أقرّها في الرحم، ونقلها حالا بعد حال حتى بلغ حدّ التمام والكمال استواء جوارح، ووصل مفاصل، وأجرى هذا التقدير في جميع ما يولد من الحيوان، وخلق فيهم مجاري أغذيتهم ومشاربِ القوة المستفادة من أكلهم، فدلّ بما نبّه عليه من النشأة في الابتداء على النشأة الثانية للانتهاء فقال: ويل لمن كذب بها بعد لزوم الحجة.
ثم احتجّ عليهم في الثالثة بقوله: ﴿ألم نجعلِ الأرضَ كِفاتاً أحياء وأمواتا﴾، أي: جعلناها تضمّ أحياءهم وموتاهم، بما تخرج من أقواتها، وتواري من أمواتها، كما قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ﴾، هذا مع ما أقام فيها من الجبال الثوابت الرفيعة التي هي أوتاد الأرض وما أجري فيها للحيوان من الماء العذب، وفي كلّ ذلك دليل على أنه قادر عليم، وصانع حكيم لم يخلق الناس عبثا، ويتركهم سدى، وهو كما يبدي يعيد لِيحقّ منه الوعد والوعيد.
ثم قصرت ثلاثة على ما يكون من تبكيتهم على ما كذّبوا به عند مشاهدتهم له، وهي: ﴿انطَلِقُوا إِلَىٰ مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾، أي: يقال لهم يوم القيامة ذلك، والثاني من هذه الثلاثة: ﴿هَٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ﴾، والثالث: ﴿هَٰذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾، فأمروا أوّلا بالانطلاق إلى ما كذّبوا به، وفي الثاني معناه: أمضوا إليها فلا عذر لكم ولا حجّة فقد أعذر إليكم في الدار الأولى مَن مكثكم، وفي الثالث: ﴿هذا يوم الفصل، ومعناه معنى قوله تعالى: وامتازوا اليومَ أيها المجرمون ْ﴾، لأثّكم جمعتم في يوم يفصل فيه بين المطيع والعاصي، والمحق والمبطل. ومعنى قوله: ﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾، أي: كنتم تغتاظون وتسخطون لمخالفة ما أمركم به، واليومَ قد عجزتم عن أنفسكم، فإنْ قدرتم على ما كنتم تفعلونه قبل ما فعلوا، كما قال: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾
وبقيت أربعة بعد أولها وصف أهل الجنة أنهم يجازون بأعمالهم ويصيرون إلى ثمرات أفعالهم.
وبعد الثاني: خطاب لمن في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - ومبالغة في زجرهم، وأنهم في إيثارعم العاجلة الفانية على الآجلة الباقية من جملة المجرمين الذين قال فيهم عند مفتتح هذه الآي: كذلك نفعل بالمجرمين)، فرجع عجُزُ الكلام إلى صدره. بقوله: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ﴾.
وبعد الثالث: خبر عنهم بأنهم يَكرهون التجبية كما حكي عن هند بنت عتبة رضى الله عنها لما قال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (يوم الفتح: يا هند هل ترين بالاسلام بأسا؟ قالت: بأبي وأمّي، ما أحسنه، لولا ثلاث خصال. قال: ما هن؟ قالت: التجبية والخمار ورقيّ هذا العبد الأسود فوق الكعبة. قال - صلى الله عليه وسلم -: أماّ التجبية فإنه لا صلاة إلا بركوع، وأماّ قولكِ: الخمار فلا شيء أحسن منه، وأستر من الخمار، وأماّ قولكِ: ورقي هذا العبد الأسود فوق الكعبة، فنعم عبد الله هو).
يقال: جبّى الرجل يجبّي تجبية، إذا ركع، ومنه قوله:
كأنّ خُصْيَيْه إذا ماجُبا دَجاجَتانِ يلقطانِ حَباّ فكراهتهم للتجبية من أجل ما يحكى عن أحدهم أنه قال: أكره أن تعلوني اِسْتي. ومعنى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾
إذا دعوا إلى الصلاة لم يصلّوها لا بحجة ولا بشبهة، ولكن بباطل، هو ما حكيناه، وقيل: لم يصلّوا لجهلهم بما في الصلاة من المنافع لصاحبها، وقيل: لم يصلّوا لتكذيبهم بوجوبها.
وبعد الرابع قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾
أي: إذا كذّبوا بالقرآن المتضمن لوجوب الصلاة، وبذل غاية الخضوع بالسجود والركوع لمن له غايات الإحسان، فلم يصدقوا أنه من عند الله تعالى مع ما قارنه من واضح البرهان، فبأيّ كلام يَسْمَحون بعده بالإيمان. ومعنى قوله: (اركعوا) أي صلّوا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ أي: مصلّون.
وإذا كان قوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ رِدْفَ كلام يدل على ما يجب تصديقه، وترك التكذيب به، وكانت المعاني مختلفة، سلم من التكرار 7". وعلى الترتيب الذي بينا يتبين ما يختص بالتقديم مما يختص بالتأخير.