وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡمَحِيضِۖ قُلۡ هُوَ أَذࣰى فَٱعۡتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلۡمَحِيضِ وَلَا تَقۡرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطۡهُرۡنَۖ فَإِذَا تَطَهَّرۡنَ فَأۡتُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ 222
قوله تعالى: ﴿يسألونك عن المحيض قل هو أذى﴾ إلى قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 222، 223].
اختلف في سبب هذه الآية، فقال قتادة، وغيره: إنما سألوا لأن العرب في المدينة. وما والاها كانوا قد استنوا بسنة بني إسرائيل في تجنب مؤاكلة الحائض ومساكنتها فنزلت الآية. وقال مجاهد: كانوا يجتنبون النساء في الحيض، ويأتونهن في أدبارهن فنزلت الآية. وذكر عن السدي أن السائل ثابت بن الدحداح. وقوله ﴿أَذًى﴾ لفظ جامع لأشياء تؤذي لأنه دم وقذر ومنتن ومن سبيل البول. وكذا قال المفسرون. وذكر الصفة على ما ذكره قبل الحكم تنبيه على أن تلك الصفة علة لذلك الحكم. وإذا كان ذلك علة فهم منه تحريم الإتيان في غير المأتي لأنها الأذى فيه دائمًا. ولا يجري في المستحاضة لأن ذلك عارض وليس بطبيعي، ولذ لك أجاز أكثر العلماء وطئ المستحاضة، ولم يجوزوه في مجرى الحيض، وإن كان قد كره وطأها النخعي، وابن سيرين وغيرهما. ورويت كراهة ذلك عن عائشة أيضًا. وقال ابن جبير لا يطأها إلا إن يطول ذلك بها والمحيض يحتمل أن يراد به الدم نفسه، ويحتمل أن يردي به موضع الدم كالمقيل والمبيت، إلا أن قوله تعالى: ﴿هُوَ أَذًى﴾ يدل على أنه أراد به الدم، وإن كان يحتمل أن يريد: قل هو موضع، أذى فحذف المضاف.
قوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222].
اختلفوا في كيفية الاعتزال المأمور به على ثلاثة أقوال:
أحدها: اعتزال جميع بدنها أن يباشره بشيء من بدنه على ظاهر قوله تعالى لأنه أمر باعتزالهن عمومًا ولم يخص شيئًا دون شيء. وهذت إنما ذهب إليه من اتبع ظاهر القرآن، وجهل ما ورد في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من الآثار، وقدم ظاهر القرآن على خبر الآحاد. وقد روي عن ابن عباس، وعبيدة السلماني نحو هذا أنه يجب أن يعتزل الرجل فراش زوجته إذا حاضت.
والثاني: إباحة ما فوق الأوزار واعتزال ما دونه لقوله -عليه الصلاة والسلام-: ((لتشد عليها إزارها، ثم شأنك بأعلاها)) وعلى هذا جمهور فقهاء الأمصار، وهو مذهب مالك، وجمهور أصحابه المتقدمين والمتأخرين من البغداديين وإليه ذهب أبو حنيفة اتباعًا لما فسر به النبي صلى الله عليه وسلم الآية من أن يشد الرجل إزار الحائض، ثم شأنه بأعلاها.
والثالث: إباحة كل شيء منها ما عدا الفرج [اتباعًا لعائشة -رضي الله عنها- لما سألها عن ذلك كل شيء له منها حلال ما عدا الفرج] وهو الصحيح من مذهب السافعي وإليه ذهب أصبغ. ورأى أن حديث النبي صلى الله عليه وسلم إنما جاء حماية للذرائع لئلا يجامعها في الفرج. وهو قول مجاهد. ويحتمل أن يتأول المحيض في الآية على أنه موضع المحيض، فيكون حجة لهذا القول. وحجة مالك ومن تابعه ظاهر الآية والحديث الصحيح.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222].
وقرئ ((يَطَّهَّرْنَ)) وفي مصحف أبي بن كعب ((يتطهرن)) وفي مصحف أنس: ((ولا تقربوا النساء في محيضهن واعتزلوهن حتى يطهرن)) وقد اختلف في الطهر الذي يحل الوظء فيه ما هو؟ فقال مالك والنخعي، والحسن، ومكحول، وسليمان بن يسار، وعكرمة، ومجاهد، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. والحجة لهذا القول في الآية قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ فأضاف الفعل إليهن، ولا يجوز أن يعود إلى انقطاع الدم لأنه فعلٌ لهن في قطعه فعلم أنه أراد التطهير بالماء، ألا ترى أنه تعالى أثنى على من فعل ذلك بقوله: ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222] والثناء لا يقع إلا على فعل يقع من جهتهم. فتقدير الآية: ولا تقربوهن حتى يتطهرن.
وهذا كقوله: لا تعط زيد شيئًا حتى يدخل الدار فإذا دخل الدار وقعد فأعطه، ويقتضي أن لا يستحق العطاء إلا بشرطين وهما الدخول والقعود.
وقد يقع التحريم بشيء، ولا يزول بزواله لعلة أخرى كقوله تعالى في المبتوتة: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [لبقرة: 230] وليس بنكاح الزوج تحل له ومعلوم أنه لا توطأ نفساء ولا حائض حتى تطهر فلم تكن ﴿حَتَّىٰ﴾ هاهنا مبيحة لما قام الدليل على حصره. كذا ذكره بعض المفسرين، وبهذه الحجة وفيها نظر لأن ذلك الإضمار لا يخرج الآية على الاحتمال لأن العرب تستعمل طهر وتطهر في المعنيين جميعًا. وإذا كان اللفظ محتملًا حمل على المعنى المتفق عليه أنه يقع الطهر به، وكذلك القراءة الأخرى ((لا يطهرن)) أو ((يتطهرن)) محتمل أيضًا لذلك. وقال بعضهم في الطهر المذكور في الآية، إنه وضوء كوضوء الصلاة ثم تحل للوطئ وحجة هذا القول حمل قوله: ﴿حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ﴾ على أنه الطهر الأصغر لا الطهر الأكبر. وقال قوم هو غسل الفرج، وذلك يحلها لزوجها وإن لم تغتسل من الحيضة، وهو قول الأوزاعي، وروي مثله عن عطاء، وطاوس، وقتادة، وحجة هذا القول قوله: ﴿حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ﴾ قالوا معناه حتى ينقطع دمهن فجعل تعالى تمام غاية منع قربها انقطاع دمها، قالوا: ومعنى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ إباحة ثانية، وابتداء كلام غير الأول، لأن الطهر شيء التطهير غيره، مثال ذلك لو أن رجلًا صائمًا قال لرجل لاتكلمني حتى أفطر، فإذا صليت المغرب كلمني. فإنما وقع التحريم في المخاطبة في وقت الصوم لأن غاية التحريم كانت إلى الإفطار ثم أباح أن يكلمه بعد وجوب الإفطار وبعد صلاة المغرب، كما أبيح وطء الحائض بعد الطهر. وبعد التطهير تأكيدًا، للتحليل غير أن قوله: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ دلالة على أن الذي يأتي زوجته بعد أن تتطهر، بالماء أحمد عند الله تعالى. وهذا الحمد منبه على أن الطهر يكون بغير غسل، والتطهير لا يكون إلا بغسل، وقد قدمت أنهما جميعًا محتملان في اللفظين، وإن كان الطبري قد رجح قراءة من قرأ ((حتى يطهرن)) بالتشديد قال: لأنه يعني حتى يغتسلن. قال: وقراءة التخفيف تعطي انقطاع الدم وإليه ذهب جماعة عدة. وقال أبو حنيفة وأصحابه إن انقطع دمها بعد عشرة أيام التي هي أكثر عدة الحيض جاز له ان يطأها قبل الغسل، وإن انقطع دمها قبل عشرة أيام لم يجز حتى تغتسل، أو يمر عليها الوقت وجبت عليها الصلاة، فعلم أن الحيض قد زال لأن الحائض لا تجب عليها الصلاة. وهذا قول ضعيف، وقال بعض الأصوليين من أصحاب أبي حنيفة: إنما يعمل بالقراءتين جميعًا، فتحمل القراءة المشددة من قوله: ((يتطهرن)) على انقطاع الدم فيما دون الأكثر من أمد الحيض فعند ذلك لا يحل الوطء قبل الغسل، والقراءة المخففة على انقطاع الدم على الأكثر. هذا النظر بعيد جدًا. وذهل قوم إلى أن طهرها انقطاع الدم ولم يذكروا غسلًا ولا غيره وقد يحتجون بالآية. فهذه خمسة أقوال في طهر الحائض الذي يصح وطؤها فيه ولكل بالآية تعلق وعن مالك في الكتابية تحت المسلم إذا حاضت هل تجبر على الاغتسال أم لا؟ روايتان: إحداهما: إجبارها والجحة له عموم قوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإن تطهرن﴾ ولم يخص مسلمة من غيرها.
والرواية الثانية: أنها لا تجبر لأنها غير معتقدة لذلك، فلا يصح منها نية، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: 228] وقال: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256] وهذا من الإكراه.
وقوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 222].
اختلف في معناه فقيل معناه من حيث أمركم الله تعالى باعتزالهن أو هو الفرج من الركبتين إلى السرة، إلى إلى جميع الجسد على ما تقدم من الاختلاف هذا قول واحد. وقال ابن عباس، وابن زيد: المعنى من قبل الطهر لا من قبل الحيض، وقال محمد بن الحنفية من قبل الحلال، لا من قبل الزنى، وقيل: من قبل الإباحة لا صائمات ولا محرمات.
وقوله تعالى: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222].
قيل المعنى المتطهرين بالماء، وهو قول عطاء وغيره. وقال مجاهد وغيره: المعنى من الذنوب. وقال مجاهد أيضًا المعنى من إتيان النساء في أدبارهن. وهذا ينظر لقوله حكاية عن قوم لوط: ﴿أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: 82]. واختلف في أقل الحيض على ستة أقوال:
أحدها: أنه لا حد من الأيام، وإن الدفعة واللمعة حيض، فإن كان قبلها طهر فاصل كان حيضة تعتد بها المطلقة من أقرائها وهو قول مالك رحمه الله.
والثاني: أن أقل الحيض ثلاثة أيام في العدة والاستبراء وما دونه فيكون حيضًا يمنع الوطء والصوم من غير أن يسقط وجوبه، ويمنع الصلاة ويسقط وجوبها. وهو قول مجاهده، وحكي عن مالك مثله.
والثالث: إن أقل الحيض خمسة، يريد في العدة والاستبراء.
والرابع: مذهب أهل العراق أن أقل الحيض ثلاثة أيام، وما دون الثلاثة أيام لا يحكم لها بحكم الحيض، فتقضي المرأة صلاة تلك الأيام.
والخامس: مذهب الشافعي أن أقل الحيض يوم وليلة. وروي عن علي -رضي الله عنه- أن أقل الحيض يومان. والحجة لقول مالك رحمه الله في الآية قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222] وفيه دليلان.
أحدهما: اقتضاؤه بالجواب عن سؤالهم عن الأخبار بأنه أذى، وذلك يقتضي أن كل أذى حيض، إلا ما قام عليه الدليل.
والآخر: أنه علل الأمر باعتزالهن بشرط كونهن حيضًا، فيجب أن كون هنا طريق يعلم به كون الدم حيضًا قبل تقدم وقته فيصح أن يكون هنا طريق يعلم به كون الدم حيضًا قبل تقدم وقته فيصح له الاعتزال في حيضهن. ولو كان لا يعلم مضي وقت ما كان الأمر باعتزالهن مشروطًا مما لا طريق إلى العلم بحصوله إلا بعد فراغه وتقضيه. وهذا باطل.
واختلف أيضًا في أكثر الحيض فذهب مالك، وأصحابه إلى أن أكثره خمسة عشر يومًا. وذهب أبو حنيفة إلى أن أكثره عشرة أيام. ودليل مالك قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ وذلك يوجب أن كل اذى خرج من الفرج حيض إلا ما قام الدليل على أنه ليس بحيض، ودليل مالك على أن ما زاد على الخمسة أيام ليس بحيض قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنكن ناقصات عقل ودين)) ثم سئل صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: ((تقعد إحداكن شطر دهرها لا تصلي)) ويأتي لمالك في أكثر الحيض قول آخر، وهو أن أكثر حيض كل امرأة أيامها المعتادة مع الاستظهار ما بينها وبين خمسة عشر يومًا فعلى هذا في المسألة ثلاثة أقوال.
اختلف في سبب هذه الآية، فقال قتادة، وغيره: إنما سألوا لأن العرب في المدينة. وما والاها كانوا قد استنوا بسنة بني إسرائيل في تجنب مؤاكلة الحائض ومساكنتها فنزلت الآية. وقال مجاهد: كانوا يجتنبون النساء في الحيض، ويأتونهن في أدبارهن فنزلت الآية. وذكر عن السدي أن السائل ثابت بن الدحداح. وقوله ﴿أَذًى﴾ لفظ جامع لأشياء تؤذي لأنه دم وقذر ومنتن ومن سبيل البول. وكذا قال المفسرون. وذكر الصفة على ما ذكره قبل الحكم تنبيه على أن تلك الصفة علة لذلك الحكم. وإذا كان ذلك علة فهم منه تحريم الإتيان في غير المأتي لأنها الأذى فيه دائمًا. ولا يجري في المستحاضة لأن ذلك عارض وليس بطبيعي، ولذ لك أجاز أكثر العلماء وطئ المستحاضة، ولم يجوزوه في مجرى الحيض، وإن كان قد كره وطأها النخعي، وابن سيرين وغيرهما. ورويت كراهة ذلك عن عائشة أيضًا. وقال ابن جبير لا يطأها إلا إن يطول ذلك بها والمحيض يحتمل أن يراد به الدم نفسه، ويحتمل أن يردي به موضع الدم كالمقيل والمبيت، إلا أن قوله تعالى: ﴿هُوَ أَذًى﴾ يدل على أنه أراد به الدم، وإن كان يحتمل أن يريد: قل هو موضع، أذى فحذف المضاف.
قوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222].
اختلفوا في كيفية الاعتزال المأمور به على ثلاثة أقوال:
أحدها: اعتزال جميع بدنها أن يباشره بشيء من بدنه على ظاهر قوله تعالى لأنه أمر باعتزالهن عمومًا ولم يخص شيئًا دون شيء. وهذت إنما ذهب إليه من اتبع ظاهر القرآن، وجهل ما ورد في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من الآثار، وقدم ظاهر القرآن على خبر الآحاد. وقد روي عن ابن عباس، وعبيدة السلماني نحو هذا أنه يجب أن يعتزل الرجل فراش زوجته إذا حاضت.
والثاني: إباحة ما فوق الأوزار واعتزال ما دونه لقوله -عليه الصلاة والسلام-: ((لتشد عليها إزارها، ثم شأنك بأعلاها)) وعلى هذا جمهور فقهاء الأمصار، وهو مذهب مالك، وجمهور أصحابه المتقدمين والمتأخرين من البغداديين وإليه ذهب أبو حنيفة اتباعًا لما فسر به النبي صلى الله عليه وسلم الآية من أن يشد الرجل إزار الحائض، ثم شأنه بأعلاها.
والثالث: إباحة كل شيء منها ما عدا الفرج [اتباعًا لعائشة -رضي الله عنها- لما سألها عن ذلك كل شيء له منها حلال ما عدا الفرج] وهو الصحيح من مذهب السافعي وإليه ذهب أصبغ. ورأى أن حديث النبي صلى الله عليه وسلم إنما جاء حماية للذرائع لئلا يجامعها في الفرج. وهو قول مجاهد. ويحتمل أن يتأول المحيض في الآية على أنه موضع المحيض، فيكون حجة لهذا القول. وحجة مالك ومن تابعه ظاهر الآية والحديث الصحيح.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222].
وقرئ ((يَطَّهَّرْنَ)) وفي مصحف أبي بن كعب ((يتطهرن)) وفي مصحف أنس: ((ولا تقربوا النساء في محيضهن واعتزلوهن حتى يطهرن)) وقد اختلف في الطهر الذي يحل الوظء فيه ما هو؟ فقال مالك والنخعي، والحسن، ومكحول، وسليمان بن يسار، وعكرمة، ومجاهد، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. والحجة لهذا القول في الآية قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ فأضاف الفعل إليهن، ولا يجوز أن يعود إلى انقطاع الدم لأنه فعلٌ لهن في قطعه فعلم أنه أراد التطهير بالماء، ألا ترى أنه تعالى أثنى على من فعل ذلك بقوله: ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222] والثناء لا يقع إلا على فعل يقع من جهتهم. فتقدير الآية: ولا تقربوهن حتى يتطهرن.
وهذا كقوله: لا تعط زيد شيئًا حتى يدخل الدار فإذا دخل الدار وقعد فأعطه، ويقتضي أن لا يستحق العطاء إلا بشرطين وهما الدخول والقعود.
وقد يقع التحريم بشيء، ولا يزول بزواله لعلة أخرى كقوله تعالى في المبتوتة: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [لبقرة: 230] وليس بنكاح الزوج تحل له ومعلوم أنه لا توطأ نفساء ولا حائض حتى تطهر فلم تكن ﴿حَتَّىٰ﴾ هاهنا مبيحة لما قام الدليل على حصره. كذا ذكره بعض المفسرين، وبهذه الحجة وفيها نظر لأن ذلك الإضمار لا يخرج الآية على الاحتمال لأن العرب تستعمل طهر وتطهر في المعنيين جميعًا. وإذا كان اللفظ محتملًا حمل على المعنى المتفق عليه أنه يقع الطهر به، وكذلك القراءة الأخرى ((لا يطهرن)) أو ((يتطهرن)) محتمل أيضًا لذلك. وقال بعضهم في الطهر المذكور في الآية، إنه وضوء كوضوء الصلاة ثم تحل للوطئ وحجة هذا القول حمل قوله: ﴿حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ﴾ على أنه الطهر الأصغر لا الطهر الأكبر. وقال قوم هو غسل الفرج، وذلك يحلها لزوجها وإن لم تغتسل من الحيضة، وهو قول الأوزاعي، وروي مثله عن عطاء، وطاوس، وقتادة، وحجة هذا القول قوله: ﴿حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ﴾ قالوا معناه حتى ينقطع دمهن فجعل تعالى تمام غاية منع قربها انقطاع دمها، قالوا: ومعنى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ إباحة ثانية، وابتداء كلام غير الأول، لأن الطهر شيء التطهير غيره، مثال ذلك لو أن رجلًا صائمًا قال لرجل لاتكلمني حتى أفطر، فإذا صليت المغرب كلمني. فإنما وقع التحريم في المخاطبة في وقت الصوم لأن غاية التحريم كانت إلى الإفطار ثم أباح أن يكلمه بعد وجوب الإفطار وبعد صلاة المغرب، كما أبيح وطء الحائض بعد الطهر. وبعد التطهير تأكيدًا، للتحليل غير أن قوله: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ دلالة على أن الذي يأتي زوجته بعد أن تتطهر، بالماء أحمد عند الله تعالى. وهذا الحمد منبه على أن الطهر يكون بغير غسل، والتطهير لا يكون إلا بغسل، وقد قدمت أنهما جميعًا محتملان في اللفظين، وإن كان الطبري قد رجح قراءة من قرأ ((حتى يطهرن)) بالتشديد قال: لأنه يعني حتى يغتسلن. قال: وقراءة التخفيف تعطي انقطاع الدم وإليه ذهب جماعة عدة. وقال أبو حنيفة وأصحابه إن انقطع دمها بعد عشرة أيام التي هي أكثر عدة الحيض جاز له ان يطأها قبل الغسل، وإن انقطع دمها قبل عشرة أيام لم يجز حتى تغتسل، أو يمر عليها الوقت وجبت عليها الصلاة، فعلم أن الحيض قد زال لأن الحائض لا تجب عليها الصلاة. وهذا قول ضعيف، وقال بعض الأصوليين من أصحاب أبي حنيفة: إنما يعمل بالقراءتين جميعًا، فتحمل القراءة المشددة من قوله: ((يتطهرن)) على انقطاع الدم فيما دون الأكثر من أمد الحيض فعند ذلك لا يحل الوطء قبل الغسل، والقراءة المخففة على انقطاع الدم على الأكثر. هذا النظر بعيد جدًا. وذهل قوم إلى أن طهرها انقطاع الدم ولم يذكروا غسلًا ولا غيره وقد يحتجون بالآية. فهذه خمسة أقوال في طهر الحائض الذي يصح وطؤها فيه ولكل بالآية تعلق وعن مالك في الكتابية تحت المسلم إذا حاضت هل تجبر على الاغتسال أم لا؟ روايتان: إحداهما: إجبارها والجحة له عموم قوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإن تطهرن﴾ ولم يخص مسلمة من غيرها.
والرواية الثانية: أنها لا تجبر لأنها غير معتقدة لذلك، فلا يصح منها نية، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: 228] وقال: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256] وهذا من الإكراه.
وقوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 222].
اختلف في معناه فقيل معناه من حيث أمركم الله تعالى باعتزالهن أو هو الفرج من الركبتين إلى السرة، إلى إلى جميع الجسد على ما تقدم من الاختلاف هذا قول واحد. وقال ابن عباس، وابن زيد: المعنى من قبل الطهر لا من قبل الحيض، وقال محمد بن الحنفية من قبل الحلال، لا من قبل الزنى، وقيل: من قبل الإباحة لا صائمات ولا محرمات.
وقوله تعالى: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222].
قيل المعنى المتطهرين بالماء، وهو قول عطاء وغيره. وقال مجاهد وغيره: المعنى من الذنوب. وقال مجاهد أيضًا المعنى من إتيان النساء في أدبارهن. وهذا ينظر لقوله حكاية عن قوم لوط: ﴿أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: 82]. واختلف في أقل الحيض على ستة أقوال:
أحدها: أنه لا حد من الأيام، وإن الدفعة واللمعة حيض، فإن كان قبلها طهر فاصل كان حيضة تعتد بها المطلقة من أقرائها وهو قول مالك رحمه الله.
والثاني: أن أقل الحيض ثلاثة أيام في العدة والاستبراء وما دونه فيكون حيضًا يمنع الوطء والصوم من غير أن يسقط وجوبه، ويمنع الصلاة ويسقط وجوبها. وهو قول مجاهده، وحكي عن مالك مثله.
والثالث: إن أقل الحيض خمسة، يريد في العدة والاستبراء.
والرابع: مذهب أهل العراق أن أقل الحيض ثلاثة أيام، وما دون الثلاثة أيام لا يحكم لها بحكم الحيض، فتقضي المرأة صلاة تلك الأيام.
والخامس: مذهب الشافعي أن أقل الحيض يوم وليلة. وروي عن علي -رضي الله عنه- أن أقل الحيض يومان. والحجة لقول مالك رحمه الله في الآية قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222] وفيه دليلان.
أحدهما: اقتضاؤه بالجواب عن سؤالهم عن الأخبار بأنه أذى، وذلك يقتضي أن كل أذى حيض، إلا ما قام عليه الدليل.
والآخر: أنه علل الأمر باعتزالهن بشرط كونهن حيضًا، فيجب أن كون هنا طريق يعلم به كون الدم حيضًا قبل تقدم وقته فيصح أن يكون هنا طريق يعلم به كون الدم حيضًا قبل تقدم وقته فيصح له الاعتزال في حيضهن. ولو كان لا يعلم مضي وقت ما كان الأمر باعتزالهن مشروطًا مما لا طريق إلى العلم بحصوله إلا بعد فراغه وتقضيه. وهذا باطل.
واختلف أيضًا في أكثر الحيض فذهب مالك، وأصحابه إلى أن أكثره خمسة عشر يومًا. وذهب أبو حنيفة إلى أن أكثره عشرة أيام. ودليل مالك قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ وذلك يوجب أن كل اذى خرج من الفرج حيض إلا ما قام الدليل على أنه ليس بحيض، ودليل مالك على أن ما زاد على الخمسة أيام ليس بحيض قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنكن ناقصات عقل ودين)) ثم سئل صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: ((تقعد إحداكن شطر دهرها لا تصلي)) ويأتي لمالك في أكثر الحيض قول آخر، وهو أن أكثر حيض كل امرأة أيامها المعتادة مع الاستظهار ما بينها وبين خمسة عشر يومًا فعلى هذا في المسألة ثلاثة أقوال.