فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوۡجًا غَيۡرَهُۥۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۗ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوۡمࣲ يَعۡلَمُونَ 230
قوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ﴾ [البقرة: 230، 231].
قال ابن عباس وغيره هذا ابتداء الطلقة الثالثة. فالتسريح التقدم هو ترك المراة حتى تتم عدتها من الثانية. وقوله: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ يعني بهذه الطلقة الثالثة. قال مجاهد: هذه الىيةبيان مايلزم المسرح والتسريح هو الطلقة الثالثة.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]
النكاح في اللغة حقيقة في الوطئ مجاز في العقد. وقال بعضهم: وإن كان هكذا فالذي يجب على مذهب أهل الأصول إذا ورد مثل هذا اللفظ أن يحمل على الحقيقة حتى يقوم الدليل على أنه مجاز والذي عندي في هذا اللفظ أنه مشترك، يطلق على العقد وعلى الوطء في كلام العرب ليس بمجاز في أحدهما. وأما على ما ذكره المبرد فيجيء أنه مشترك في العقد وأنه حقيقة فيه مجاز في الوطء. وقد قال الأعشى وأراد به العقد:
وأمتعت نفسي من الغانيا... ت إما نكاحًا وإما أزن
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: 49] فهذا أيضًا في العقد. ولهذا قال قوم: إن لفظ النكاح حيث وقع في القرآن المراد به العقد. وقال الشاعر في الجماع:
إذا زنيت فأجز نكاحًا... وأعمل الغدو والرواحا
وجمهور العلماء على أن المطلقة ثلاثًا لا تحل بمجرد العقد بل حتى تدخل وتوطأ. وحجة هذا القول ما قدمناه من قول من قال إن النكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد. فيجب على قوله أن يحمل قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أن المراد به الوطء وما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في تميمة بنت السموأل ارمأة رفاعة حين تزوجها عبد الرحمن بن الزبير وكان رفاعة قد طلقها ثلاثًا فقالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إني لا أريد البقاء مع عبد الرحمن ما معه إلا مثل الهدبة، فقال لها رسول الله صلى الله عليهو سلم: ((لعلك أردت الرجوع إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك)) وإن جعلنا لفظ النكاح حقيقة فيهما، فقد ورد في الآية مجملًا، وبين صلى الله عليه وسلم المراد به من ذلك بالحديث المتقدم.
وأيضًا فإن الأخذ بأكثر ما يقتضيه الاسم أولى، وإن قلنا إن النكاح حقيقة في العقد، فقد زادت في السنة على العقد شرطًا آخر وهو الوطء لحديث رفاعة المذكور. وقد اختلف في الزيادة هل هي نسخ أم لا؟ ومن جعلها من أصحاب أبي حيفة نسخًا عسر مأخذ هذه الآية من حيث أن القرآن لا ينسخ بأخبار الآحاد. وقد ذهب سعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي وقوم من التابعين إلى أنه في الآية العقد دون الوطء وأن ذلك يحلها للأول.
كما حكل في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22] على أن المراد به العقد دون الوطء، فإن كان اللفظ عندهم مشتركًا، فقد أخذوا بأقل ما يقع عليه الاسم. وإن كان حقيقة في العقد فلم يعتبروا الحديث إما لأن الحديث لم يبلغهم. وماقدمناه حجة عليهم والذين ذهبوا إلى أن المراد بقوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ﴾ الوطء، اختلفوا في الوطء هل يعتبر فيه الإنزال أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه لا يعتبر فيه جملة لقوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ على ظاهر من الوطء أنزل أو لم ينزل.
وذهب الحسن بن أبي الحسن إلى أنه لا يحل الوطء إلا مع الإنزال، وهو دون العسيلة.
واختلف في نكاح الرجل المرأة ليحلها لزوج كان طلقها ثلاثًا هل يحل ذلك أم لا؟ فذهب مالك رحمه الله إلى أن ذلك لا يحلها للزوج الأول إلا بشرط كان أة بغير شرط لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لعن الله المحلل والمحلل له)) وقوله: ((لا نكاح إلا نكاح رغبة لا نكاح دلسة ولا استهزاء بكتاب الله)) وقوله: ((ألأ أخبركم بالتيس المستعار)) قالوا: بلى يا رسول الله. قال: ((هو المحلل)) فاقتضى هذا كله فساد العقد، فلم ير قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ولم يخص نكاحًا من نكاح. وذهب بعض أصحاب مالك إلى أن ذلك إن كان بشرط لم يحل، وإن كان بنية دون شرط أحل والاعتبار في فساد العقد والقصد إنما هو النكاح دون المنكوحة لأنه يملك الطلاق وقصد التحليل من غير ملك الطلاق لا يضر كالأجنبي، وقال الحسن بن أبي الحسن إذا هم أحد الثلاثة بالتحليل لم تحل للأول. وهذا قول شاذ. ووطء الملك يحلها مثل أن يطأها سيدها إذا رجعت إليه إن كانت المطلقة أمة خلافًا لمن أجازه من الشافعية، وأجازه عثمان بن عفان -رضي الله عنه- وزيد بن ثابت. والدليل على فساد هذا القول قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ فالشرط في النكاح أن يكون زوجًا. وكذلك احتلف في المطلق ثلاثًا للأمة ثم اشتراها قبل أن تتزوج هل يجوز له وطؤها بالملك أم لا؟
فالجمهور على المنع من ذلك. وكان ابن عباس، وعطاء، وطاوس، والحسن يقولون: يحل له وطؤها بملك اليمين، لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 36] وجحة الجمهور أصح لقوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ فلم يجعلها حلالًا إلا بنكاح زوج لا بملك يمين. وقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3].
قد خصص فيها المحرمات باتفاق كالأمهات والبنات والأخوات فكذلك سائر المحرمات. واختلف عندنا هل يحل بالوطء الفاسد في عقد نكاح صحيح؟ فقيل: تحل له لأنه يسمى نكاحًا، ولوجود اللذة فيه المنبه عليها في الحديث. وقيل: لا تحل لأن مجمل ظواهر الشرع وألفاظه على ما يصح في الشرع دون ما لا يصح، ولا تحل لمسلم بوطء كافر إذا كانت كافرة. وقال أشهب، وأبو حنيفة، والشافعي يحلها لقوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ والأول أصح لما في نكاح الكافر من الفساد. ولا تحل بوطء المراهق لأن وطأه لا يعتد به خلافًا للشافعي، وأبي حنيفة في قولهما إن ذلك يحلها، واسم الناكح يقع عليه فهو داخل تحت قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾.
واختلف في المجنون، والمجنونة على أربعة أقوال فذهب ابن القاسم إلى أن المراعي الزوجة، فإن كانت عاقلة حلت وإن أصابها في حال جنونه، وإن أصيبت في حال جنونها لم تحل وإن كان عاقلًا. وذهب أشهب إلى أن المراعي الزوج، فإن كان عاقلًا أحلها، وإن كان أصابها في حال جنونها، وإن كان مجنونًا لم يحلها، وإن كانت عاقلة. وقال عبد الملك: إذا صح العقد كان إحلالًا، وإن كانا في حال الإصابة مجنونين أو كان أحدهما كذلك. قال اللخمي: ولا أرى أن يحل إلا أن يكونا عاقلين. وقول اللخمي أحسن الأقوال لأن المراد بالآية نكاح العقلاء، وإليهم يدخل الخطاب، ومن لم يكن عاقلًا فكيف يدخل تحت الخطاب! وإذا لم يدخل تحت خطاب لم يكن لأفعاله حكم إلا ما خصصته الشريعة من ذلك، وهذا ليس منه.
واختلف إن راتد وقد طلقها البتة فهل تحل له دون زوج أم لا؟ فعلى قول ابن القاسم تحل له لأنها عنده بمنزلة من لم يتقدم له الإسلام، ولم يجز ذلك على قول غيره لأنهما يعودان لما كان عليه قبل الارتداد في الخطاب بالآية لهما، وعليهما. ويختلف إذا ارتد الزوج والزوجة نصرانية، فقال ابن القاسم: لا تحل له إذا راجع الإسلام إلا أن تنكح زوجًا غيره. وهذا يصح على القول بأنهم مخاطبون بفروع الشريعة. وقال بعضهم: والصحيح أنهم غير مخاطبين إلا بعد تقدم الإسلام، فتحل من غير زوج. وقد اختلف فيمن طلق زوجته طلقتين، ثم ردها، ثم فقد فأقامت زوجته الأربعة الأعوام، وعدة الوفاة، ثم تزوجت، ودخل بها زوجها، ووقع على الزوج طلقة ثالثة، بذلك هل يجعلها هذا النكاح الذي وقع به الطلاق الثالث لزوجها الذي كمل له بهذا النكاح في زوجه المذكورة ثلاث تطليقات أم لا؟ فروي عن أصبغ أنه يحلها. وفي ((السليمانية)) أنه لا يحلها، والذي رجحه أبو عمران الفاسي رحمه الله أنه [لا] يحلها استدلالًا بظاهر قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ورأى أن ظاهر الآية يقتضي أنه لا بد من ابتداء نكاح بعد النكاح الذي وقع به الطلاق.
وقوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا﴾ الآية [البقرة: 230].
معناها إن طلقها الزوج الثاني فلا جناح على الزوج الأول والمرأة أن يتراجعا.
وقوله: ﴿إِن ظَنَّا﴾ [البقرة: 230].
الظن هنا على بابه في تغليب أحد الجائزين. وقال أبو عبيدة: المعنى أيقنا.
قال ابن عباس وغيره هذا ابتداء الطلقة الثالثة. فالتسريح التقدم هو ترك المراة حتى تتم عدتها من الثانية. وقوله: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ يعني بهذه الطلقة الثالثة. قال مجاهد: هذه الىيةبيان مايلزم المسرح والتسريح هو الطلقة الثالثة.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]
النكاح في اللغة حقيقة في الوطئ مجاز في العقد. وقال بعضهم: وإن كان هكذا فالذي يجب على مذهب أهل الأصول إذا ورد مثل هذا اللفظ أن يحمل على الحقيقة حتى يقوم الدليل على أنه مجاز والذي عندي في هذا اللفظ أنه مشترك، يطلق على العقد وعلى الوطء في كلام العرب ليس بمجاز في أحدهما. وأما على ما ذكره المبرد فيجيء أنه مشترك في العقد وأنه حقيقة فيه مجاز في الوطء. وقد قال الأعشى وأراد به العقد:
وأمتعت نفسي من الغانيا... ت إما نكاحًا وإما أزن
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: 49] فهذا أيضًا في العقد. ولهذا قال قوم: إن لفظ النكاح حيث وقع في القرآن المراد به العقد. وقال الشاعر في الجماع:
إذا زنيت فأجز نكاحًا... وأعمل الغدو والرواحا
وجمهور العلماء على أن المطلقة ثلاثًا لا تحل بمجرد العقد بل حتى تدخل وتوطأ. وحجة هذا القول ما قدمناه من قول من قال إن النكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد. فيجب على قوله أن يحمل قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أن المراد به الوطء وما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في تميمة بنت السموأل ارمأة رفاعة حين تزوجها عبد الرحمن بن الزبير وكان رفاعة قد طلقها ثلاثًا فقالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إني لا أريد البقاء مع عبد الرحمن ما معه إلا مثل الهدبة، فقال لها رسول الله صلى الله عليهو سلم: ((لعلك أردت الرجوع إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك)) وإن جعلنا لفظ النكاح حقيقة فيهما، فقد ورد في الآية مجملًا، وبين صلى الله عليه وسلم المراد به من ذلك بالحديث المتقدم.
وأيضًا فإن الأخذ بأكثر ما يقتضيه الاسم أولى، وإن قلنا إن النكاح حقيقة في العقد، فقد زادت في السنة على العقد شرطًا آخر وهو الوطء لحديث رفاعة المذكور. وقد اختلف في الزيادة هل هي نسخ أم لا؟ ومن جعلها من أصحاب أبي حيفة نسخًا عسر مأخذ هذه الآية من حيث أن القرآن لا ينسخ بأخبار الآحاد. وقد ذهب سعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي وقوم من التابعين إلى أنه في الآية العقد دون الوطء وأن ذلك يحلها للأول.
كما حكل في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22] على أن المراد به العقد دون الوطء، فإن كان اللفظ عندهم مشتركًا، فقد أخذوا بأقل ما يقع عليه الاسم. وإن كان حقيقة في العقد فلم يعتبروا الحديث إما لأن الحديث لم يبلغهم. وماقدمناه حجة عليهم والذين ذهبوا إلى أن المراد بقوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ﴾ الوطء، اختلفوا في الوطء هل يعتبر فيه الإنزال أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه لا يعتبر فيه جملة لقوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ على ظاهر من الوطء أنزل أو لم ينزل.
وذهب الحسن بن أبي الحسن إلى أنه لا يحل الوطء إلا مع الإنزال، وهو دون العسيلة.
واختلف في نكاح الرجل المرأة ليحلها لزوج كان طلقها ثلاثًا هل يحل ذلك أم لا؟ فذهب مالك رحمه الله إلى أن ذلك لا يحلها للزوج الأول إلا بشرط كان أة بغير شرط لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لعن الله المحلل والمحلل له)) وقوله: ((لا نكاح إلا نكاح رغبة لا نكاح دلسة ولا استهزاء بكتاب الله)) وقوله: ((ألأ أخبركم بالتيس المستعار)) قالوا: بلى يا رسول الله. قال: ((هو المحلل)) فاقتضى هذا كله فساد العقد، فلم ير قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ولم يخص نكاحًا من نكاح. وذهب بعض أصحاب مالك إلى أن ذلك إن كان بشرط لم يحل، وإن كان بنية دون شرط أحل والاعتبار في فساد العقد والقصد إنما هو النكاح دون المنكوحة لأنه يملك الطلاق وقصد التحليل من غير ملك الطلاق لا يضر كالأجنبي، وقال الحسن بن أبي الحسن إذا هم أحد الثلاثة بالتحليل لم تحل للأول. وهذا قول شاذ. ووطء الملك يحلها مثل أن يطأها سيدها إذا رجعت إليه إن كانت المطلقة أمة خلافًا لمن أجازه من الشافعية، وأجازه عثمان بن عفان -رضي الله عنه- وزيد بن ثابت. والدليل على فساد هذا القول قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ فالشرط في النكاح أن يكون زوجًا. وكذلك احتلف في المطلق ثلاثًا للأمة ثم اشتراها قبل أن تتزوج هل يجوز له وطؤها بالملك أم لا؟
فالجمهور على المنع من ذلك. وكان ابن عباس، وعطاء، وطاوس، والحسن يقولون: يحل له وطؤها بملك اليمين، لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 36] وجحة الجمهور أصح لقوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ فلم يجعلها حلالًا إلا بنكاح زوج لا بملك يمين. وقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3].
قد خصص فيها المحرمات باتفاق كالأمهات والبنات والأخوات فكذلك سائر المحرمات. واختلف عندنا هل يحل بالوطء الفاسد في عقد نكاح صحيح؟ فقيل: تحل له لأنه يسمى نكاحًا، ولوجود اللذة فيه المنبه عليها في الحديث. وقيل: لا تحل لأن مجمل ظواهر الشرع وألفاظه على ما يصح في الشرع دون ما لا يصح، ولا تحل لمسلم بوطء كافر إذا كانت كافرة. وقال أشهب، وأبو حنيفة، والشافعي يحلها لقوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ والأول أصح لما في نكاح الكافر من الفساد. ولا تحل بوطء المراهق لأن وطأه لا يعتد به خلافًا للشافعي، وأبي حنيفة في قولهما إن ذلك يحلها، واسم الناكح يقع عليه فهو داخل تحت قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾.
واختلف في المجنون، والمجنونة على أربعة أقوال فذهب ابن القاسم إلى أن المراعي الزوجة، فإن كانت عاقلة حلت وإن أصابها في حال جنونه، وإن أصيبت في حال جنونها لم تحل وإن كان عاقلًا. وذهب أشهب إلى أن المراعي الزوج، فإن كان عاقلًا أحلها، وإن كان أصابها في حال جنونها، وإن كان مجنونًا لم يحلها، وإن كانت عاقلة. وقال عبد الملك: إذا صح العقد كان إحلالًا، وإن كانا في حال الإصابة مجنونين أو كان أحدهما كذلك. قال اللخمي: ولا أرى أن يحل إلا أن يكونا عاقلين. وقول اللخمي أحسن الأقوال لأن المراد بالآية نكاح العقلاء، وإليهم يدخل الخطاب، ومن لم يكن عاقلًا فكيف يدخل تحت الخطاب! وإذا لم يدخل تحت خطاب لم يكن لأفعاله حكم إلا ما خصصته الشريعة من ذلك، وهذا ليس منه.
واختلف إن راتد وقد طلقها البتة فهل تحل له دون زوج أم لا؟ فعلى قول ابن القاسم تحل له لأنها عنده بمنزلة من لم يتقدم له الإسلام، ولم يجز ذلك على قول غيره لأنهما يعودان لما كان عليه قبل الارتداد في الخطاب بالآية لهما، وعليهما. ويختلف إذا ارتد الزوج والزوجة نصرانية، فقال ابن القاسم: لا تحل له إذا راجع الإسلام إلا أن تنكح زوجًا غيره. وهذا يصح على القول بأنهم مخاطبون بفروع الشريعة. وقال بعضهم: والصحيح أنهم غير مخاطبين إلا بعد تقدم الإسلام، فتحل من غير زوج. وقد اختلف فيمن طلق زوجته طلقتين، ثم ردها، ثم فقد فأقامت زوجته الأربعة الأعوام، وعدة الوفاة، ثم تزوجت، ودخل بها زوجها، ووقع على الزوج طلقة ثالثة، بذلك هل يجعلها هذا النكاح الذي وقع به الطلاق الثالث لزوجها الذي كمل له بهذا النكاح في زوجه المذكورة ثلاث تطليقات أم لا؟ فروي عن أصبغ أنه يحلها. وفي ((السليمانية)) أنه لا يحلها، والذي رجحه أبو عمران الفاسي رحمه الله أنه [لا] يحلها استدلالًا بظاهر قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ورأى أن ظاهر الآية يقتضي أنه لا بد من ابتداء نكاح بعد النكاح الذي وقع به الطلاق.
وقوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا﴾ الآية [البقرة: 230].
معناها إن طلقها الزوج الثاني فلا جناح على الزوج الأول والمرأة أن يتراجعا.
وقوله: ﴿إِن ظَنَّا﴾ [البقرة: 230].
الظن هنا على بابه في تغليب أحد الجائزين. وقال أبو عبيدة: المعنى أيقنا.