۞ وَٱلۡوَٰلِدَٰتُ يُرۡضِعۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ حَوۡلَيۡنِ كَامِلَيۡنِۖ لِمَنۡ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَۚ وَعَلَى ٱلۡمَوۡلُودِ لَهُۥ رِزۡقُهُنَّ وَكِسۡوَتُهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ لَا تُكَلَّفُ نَفۡسٌ إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةُۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوۡلُودࣱ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦۚ وَعَلَى ٱلۡوَارِثِ مِثۡلُ ذَٰلِكَۗ فَإِنۡ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضࣲ مِّنۡهُمَا وَتَشَاوُرࣲ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَاۗ وَإِنۡ أَرَدتُّمۡ أَن تَسۡتَرۡضِعُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا سَلَّمۡتُم مَّآ ءَاتَيۡتُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرࣱ 233
قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾ [البقرة: 233].
قوله: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ خبر معناه الأمر. وقد اختلف فيما يلزم المرأة ذات الزوج من رضاع ولدها. فذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنه لا يلزمها ذلك على كل وجه، ويكون الأمر بالرضاعة في هذه الآية عندهما على الندب في جميع الوالدات. وذهب أبو ثور إلى أن ذلك يلزمها على كل وجه وذهب مالك رحمه الله إلى أن المرأة ما دامت في عصمة الزوج فالرضاع واجب عليها بقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ إلا أن تكون شريفة مثلها لا يرضع، فلا يلزمها ذلك، تخصيصًا لها من عموم الآية بما جاء في بعض الآثار من أن الشريفة لا ترضع ولدها. وإذا لم تكن الأم في عصمة الأب، فإن كان الأب قد مات فمذهب مالك المشهور أن الرضاع لازم للأم بخلاف النفقة أخذًا بظاهر عموم الآية. وقيل عنه رضاعه في بيت مال المسلمين وهذا القول مبني على مذهب مالك في المطلقة البائنة لأن حال الموت أشد من حال البينونة، فإذا كان الرضاع لا يلزمها هنالك ففي المرأة أحرى أن لا يلزمها، وأما إن كان طلقها وبانت منه فإن كان الزوج موسرًا فلا خلاف أعلمه أنه لا يلزمها الرضاع لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وإن كان معسرًا أو لا مال للابن لم يكن الابن يأتي غيرها فعن مالك فيه الروايتان إحداهما: أن الرضاع لازم لها.
والثانية: أنه لا يلزمها، وهو الأشهر عنه. وإذا طلبت الأم الرضاع بأجر مثلها، ووجد الرجل من يرضعه بغير أجر كان ذلك له. وقال الشافعي في أحد قوليه: الأم أولى أخذًا بظاهر قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ فلم يجعل لغير الوالدات حظًا في الرضاع. واختلف الناس في رضاع الكبير فجمهور العلماء على أنه لا يؤثر. وذهب داود، والليث بن سعد، وغيرهما إلى أنه يؤثر أخذًا منهم بحديث سهلة المشهور، وقد قال صلى الله عليه وسلم في سالم وهو رجل كبير: ((أرضعيه تحرمي عليه)) وحمل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم منعن أن يدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحد، وقلن لعائشة -رضي الله عنها- إنه خاص في رضاعة سالم وحده, وحجة الجمهور على من خالفهم قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ وتمامها بالحولين على ظاهر القرآن يمنع أن يكون حكم ما بين الحولين كحكم الحولين. وهذا ينفي رضاعة الكبير. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الرضاعة من المجاعة)). وروي عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا رضاع بعد الحولين)) فالذين لم يروا لرضاعة الكبير تأثيرًا اختلفوا في تقدير مدة رضاع الصبي ففي ((الموطأ)): ما كان بعد الحولين فإن قليله وكثيره لا يحرم شيئًا، إنما هو بمنزلة الطعام. وفي ((كتاب سحنون)) أن حكم الشهر والشهرين بعد الحولين كحكم الحولين. وروي عن مالك في ذلك الشهر، وروي عنه الثقات، وقيل: اليوم واليومان حكم الحولين في ذلك، وقيل: الأيام اليسيرة هذا كله في المذهب. وذهب زفر إلى أن مدة الرضاع فيها بعد الحولين حرم. فوجه القول الأول الذي في ((الموطأ)) قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ فدل على أن ما زاد عليها ليس من الرضاعة. ووجه سائر الأقوال التي في المذهب أن ما قارب الحولين حكمه حكم الحولين. وأما أبو حنيفة فيقول ما بعد الحولين يحرم فطم أو لم يفطم إلى ستة أشهر، وهو تقدير لا وجه له. قال أبو الحسن: أما الشافعي فرأى أن هذه الزيادة على الحولين كلها تحكما بلا مستند مثل تقدير أبي حنيفة في بلوغ الصبيان لثمان عشرة سنة. وقوله لا يدفع المال إلى الذي يؤنس رشده إلا لابن إحدى وعشرين سنة ونحو ذلك. واختلفوا إذا فضل من الحولين واستغنى عن الطعام هل يؤثر رضاعه بعد ذلك في الحولين أم لا؟ فذهب مالك إلى أنه لا يؤثر على ظاهر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا رضاع بعد فطام)) وفي حديث آخر ((بعد فصال)). وذهب أبو حنيفة والشافعي ومطرف، وابن الماجشون، إلى أنه يحرم ما كان في الحولين على ظاهر قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ فجعل الحولين أمدًا للإرضاع، والرضاع فيهما يؤثر استغنى الرضيع بالطعام أو لم يستغن.
وإنما وصف الله تعالى الحولين بكاملين لأنه لا يجوز أن يقال في حول وبعض آخر حولان، وفي يوم وبعض يوم آخر يومان، فنفى الله تعالى بقوله ﴿كَامِلَيْنِ﴾ ذلك الاحتمال.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233].
فالمعنى أن على الرجل المولود له رزق الوالدات وكسوتهن بالمعروف، ثم بين الله تعالى أن الإنفاق على قددر غنى الزوج ومنصبها لقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 233] والاعتبار عندنا في النفقة بحال الزوجين معًا فيفرض لها كفايتها على ما يرى من قدرها وقدر زوجها في العسر واليسر، وليست بمقدرة، خلافًا للشافعي في قوله إنها مقدرة ولا احتهاد للحاكم فيها. وتعتبر بحال الزوج فعلى الموسر مدان، وعلى المتوسط مد ونصف، وعلى المعسر مد. ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وذلك يقتضي مراعاة حالهما جميعًا. وقول النبي صلى الله عليه وسلم لهند امرأة أبي سفيان: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)) وهذه الآية تدل على أن المراد بالوالدات اللواتي في العصمة إلا أن تجعل هذه الجملة منقطعة من الأولى، لأن المراد بهذه الآية اللواتي لم يبن من أزواجهن، لأن النفقة والكسوة لا تجب إلا لمن لم تبنب بعد. وإذا كان الزوج حاضرًا مع زوجه فلا خلاف في وجوب النفقة لها عليه في أيام غيبته. فثبت عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم فأمرهم أن ينفقوا أو يطلقوا فبعثوا بنفقة ما مضى. وبذلك قال جماعة من أهل العلم.
وقال أبو حنيفة: نحن لا نقول ذلك بل نقول ليس لها شيء إلا أن يفرضه السلطان. واختلف في المذهب هل تطلق على الغائب بعدم النفقة أم لا؟
والدليل على وجوبها عليه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
وقد اختلف في العبد له زوجة هل تلزمه نفقتها أم لا؟ فقال ابن القاسم: عليه النفقة، وقال أبو مصعب: لا نفقة عليه. والقول الأول أظهر لعموم الآية.
وكذلك اختلفوا في الحر له زوجة أمة لم تُبَوَّأْ معه بيتًا. فقال ابن القاسم: لها النفقة لأنها من الأزواج. يريد أنها داخلة في عموم الآية. وفي ((كتاب محمد)) لا نفقة لها عليه، كذلك يختلف إذا كان الزوجان عبدين.
والقول بوجوب النفقة في هذه المسائل أظهر لعموم الآية. ويؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ أن الأم أحق بالحضانة لأن جاجة الولد إلى من يحضنه، كحاجته إلى من يرضعه، لأن الأم أرفق به، وآمن عليه، إلا أنه اختلف هل هي من حق الولد؟ أو من حق الأم؟ أو من خقوقهما جميعًا؟.
وقد اختلف في نفقتها للصبي، أجرة رضاعه إذا مات أبوه وله مال. فقال الجمهور ذلك من مال الصبي اعتقادًا منهم أن مقتضى الآية أن النفقة على الأب ما دام حيًا، وأن ذلك ليس بدين ثابت في الذمة. وروي عن حماد بن سلمة أنه قال: يخرج رضاع الصبي من جميع المال، ثم يقسم له نصيبه مما بقي. جعله بمنزلة الدين. وروي عن النخعي أنه قال: إن كان المال قليلًا فمن نصيبه، وإن كان كثيرًا فمن جميع المال.
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ﴾ [البقرة: 233].
اختلف فيها هل هي منسوخة أم محكمة؟ فروي عن مالك أن الآية تضمنت أن الرزق والكسوة على الوارث، ثم نسخ ذلك ولم يذكر ما نسخها. فيحتمل أن يكون سمي التخصيص نسخًا، وذلك أن الآية تضمنت الرضاع والنفقة والكسوة، وأن لا مضارة. ثم قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ﴾ فتخصص عند مالك رحمه الله تعالى بالأدلة من عموم قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ﴾ الرضاع، والنفقة، والكسوة، وبقي نفي المضارة تحت لفظ العموم. ويحتمل أن يكون نسخًا حقيقة على ما قال النحاس قال: يشبه أن يكون الناسخ لها أنه لما أوجب للمتوفى عنها زوجها من مال المتوفي في نفقة حولٍ والسكنى، ثم نسخ ذلك ورفع نسخ ذلك أيضًا عن الوارث. والذين ذهبوا إلى أنها محكمة اختلفوا في تأويلها اختلافًا كثيرًا، فروي عن مالك رحمه الله وجميع أصحابه وجماعة من العلماء غيرهم أن المراد بقوله ﴿مِثْلُ ذَٰلِكَ﴾ أن لا يضار، وأما الرزق الكسوة فلا شيء عليه. وقال قبيصة، والضحاك وغيرهما: الوارث هو الصبي نفسه أي عليه في ماله إذا ورث أباه نفقة نفسه. وكأن محمد بن جرير يختار هذا القول. وقال النحاس: وهو إن كان قولًا غريبًا فالحجة فيه ظاهرة لأن ماله أولى به. وقد أجمع الفقهاء إلا من شذ منهم أن رجلًا لو كان له ولد طفل وللولد مال والأب موسر فإنه لا يجب على الأب نفقة ولا رضاع، وإنما ذلك من مال الصبي. وقيل: معناه أن ولي الصبي سماه وارثًا لأنه ورث ولايته عليه من نفقة مال الصبي مثلما كان على الأب. وهذان القولان لمن حمل الآية على عمومها وتأولها على المذهب، ولم ير فيها نسخًا، ومن أهل العلم من حملها على العموم في النفقة وغيرها. ولم ير فيها نسخًا، وتعلق بظاهرها إلا أنهم اختلفوا في الوارث الذي تلزمه النفقة من هو؟ فذكر عن عمر بن الخطاب والحسن بن أبي الحسن أن وارث الأب عليه نفقة الصبي وكسوته. وقال بعضهم من الرجال دون النساء، وذهب زيد بن ثابت إلى أن وارث الصبي عليه نفقته وكسوته وإن كثروا فعلى قدر مواريثهم منه. وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إلى أنه الباقي من والد وأم. وذهب الشافعي إلى أنه الأب والجد وما علا وابن الابن وما سفل خاصة. فالإجماع منعقد على أن الوارث لا يضار.
واختلف هل عليه رزق كسوة ونفقة أم لا؟ وقرأ يحيى بن يعمر، ((وعلى الورثة مثل ذلك)) بالجمع.
قوله تعالى: ﴿فإن أرادوا فصالًا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما﴾ [البقرة: 233].
الضمير في ﴿أَرَادَا﴾ للأبوين و ﴿فِصَالًا﴾ معناه فطامًا، ويحتمل أن يريد، فإن أرادا فصالًا قبل الحولين، وإن يرد بعدهما، لأن الفاء تقتضي التعقيب. ومن هنا نشأ النظر في رضاعة الكبير. والاحتمال الأول أظهر.
ولا يقع التشاور والتراضي إلا بما لا ضرر فيه على المولود فإن لم يكن عليه في ذلك قبل الحولين ضرر فلا جناح عليهما في فضله. ومن دعا عليه منهما إلى كمال الحولين فذلك له، وروي عن ابن عباس أنه قال ذلك في الولد الذي مكث في البطن ستة أشهر، فإن مكث سبعة أشهر فرضاعه ثلاثة وعشرون شهرًا، وإن مكث ثمانية أشهر فرضاعه اثنان وعشرون شهرًا، وإن مكث تسعة أشهر فرضاعه إحدى وعشرون شهرًا. وهذا القول مبني على هاتين الآيتين قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ وقوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 15] وسيأتي الكلام على هذه الآية في موضعها مستوعبًا إن شاء الله تعالى. وأما بعد تمام الحولين فمن دعا إلى الفصل فذلك له إلا أن يكون على الصبي من ذلك ضرر.
وفي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ دليل على جواز الاجتهاد في الأحكام بغالب الظنون، وروي عن قتادة قال: كان الرضاع واجبًا في الحولين، وكان يحرم الفطام قبله، ثم خفف فأبيح الرضاع أقل من هذه المدة بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾ الآية. أي لا جناح عليهما لأنه تعالى قال: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ فقد أعطى بقوله معنى جواز الفطام، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾ فالنسخ بعيد جدًا.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا﴾ الآية [البقرة: 233].
هي محاطبة لجميع الآباء والأمهات أي لكم اتخاذ الظئر مع الاتفاق على ذلك. ولا خلاف أنه يجوز إجازة الظئر بشيء معلوم. واختلفوا إذا استؤجرت بكسوتها وطعامها، هل يجوز أم لا؟ فأجازه مالك وأبو حنيفة، ومنعه الشافعي. ودليل الجواز قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 9] وقوله: ﴿إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] مخاطبة الرجال خاصة. وهذا على قراءة الأكثر ﴿مَّا آتَيْتُم﴾ على المد وأما قراءة ابن كثير بالقصر فتحتمل تأويلين:
أحدهما: لا يكون الخطاب معه إلا للرجال خاصة، والآخر: يكون معه للرجال والنساء وذلك ((إن أتيتم)) بمعنى جئتم قال زهير:
وما كان من خير أتوه فإنما... توارثه آباء آبائهم قبل
و﴿آتَيْتُم﴾ بمعنى أعطيتم. فإذا كان بمعنى أعطيتم فالمخاطبة للرجال لأنهم الذين يعطون أجرة الرضاع. وأما ((ما آتيتم)) بالقصر فيحتمل أن يريد نقده وإعطاءه أو نحو ذلك، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ثم حذف الضمير من الصلة وإلى هذا ذهب أبو علي، ثم قال: ويحتمل أن تكون ما مصدرية أي إذا سلمتم الإتيان، والمعنى كالأول لكن يستغنى عن الصفة، فمن حذف المضاف، ثم حذف الضمير فعلى تأويل أبي علي، والخطاب للرجال خاصة لأنهم الذين يأتون إعطاء أجرة الرضاع، وتحتمل اللفظة معنى آخر قاله قتادة، وهو إذا سلمتم من إرادة الاسترضاع أي سلم كل واحد من الأبوين ورضي وكان ذلك على اتفاق بينعهما، وقصد خير وإرادة معروف من الأمر على هذا الاحتمال فيدخل في الخطاب تسليم الرجال والنساء.
قوله: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ خبر معناه الأمر. وقد اختلف فيما يلزم المرأة ذات الزوج من رضاع ولدها. فذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنه لا يلزمها ذلك على كل وجه، ويكون الأمر بالرضاعة في هذه الآية عندهما على الندب في جميع الوالدات. وذهب أبو ثور إلى أن ذلك يلزمها على كل وجه وذهب مالك رحمه الله إلى أن المرأة ما دامت في عصمة الزوج فالرضاع واجب عليها بقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ إلا أن تكون شريفة مثلها لا يرضع، فلا يلزمها ذلك، تخصيصًا لها من عموم الآية بما جاء في بعض الآثار من أن الشريفة لا ترضع ولدها. وإذا لم تكن الأم في عصمة الأب، فإن كان الأب قد مات فمذهب مالك المشهور أن الرضاع لازم للأم بخلاف النفقة أخذًا بظاهر عموم الآية. وقيل عنه رضاعه في بيت مال المسلمين وهذا القول مبني على مذهب مالك في المطلقة البائنة لأن حال الموت أشد من حال البينونة، فإذا كان الرضاع لا يلزمها هنالك ففي المرأة أحرى أن لا يلزمها، وأما إن كان طلقها وبانت منه فإن كان الزوج موسرًا فلا خلاف أعلمه أنه لا يلزمها الرضاع لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وإن كان معسرًا أو لا مال للابن لم يكن الابن يأتي غيرها فعن مالك فيه الروايتان إحداهما: أن الرضاع لازم لها.
والثانية: أنه لا يلزمها، وهو الأشهر عنه. وإذا طلبت الأم الرضاع بأجر مثلها، ووجد الرجل من يرضعه بغير أجر كان ذلك له. وقال الشافعي في أحد قوليه: الأم أولى أخذًا بظاهر قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ فلم يجعل لغير الوالدات حظًا في الرضاع. واختلف الناس في رضاع الكبير فجمهور العلماء على أنه لا يؤثر. وذهب داود، والليث بن سعد، وغيرهما إلى أنه يؤثر أخذًا منهم بحديث سهلة المشهور، وقد قال صلى الله عليه وسلم في سالم وهو رجل كبير: ((أرضعيه تحرمي عليه)) وحمل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم منعن أن يدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحد، وقلن لعائشة -رضي الله عنها- إنه خاص في رضاعة سالم وحده, وحجة الجمهور على من خالفهم قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ وتمامها بالحولين على ظاهر القرآن يمنع أن يكون حكم ما بين الحولين كحكم الحولين. وهذا ينفي رضاعة الكبير. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الرضاعة من المجاعة)). وروي عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا رضاع بعد الحولين)) فالذين لم يروا لرضاعة الكبير تأثيرًا اختلفوا في تقدير مدة رضاع الصبي ففي ((الموطأ)): ما كان بعد الحولين فإن قليله وكثيره لا يحرم شيئًا، إنما هو بمنزلة الطعام. وفي ((كتاب سحنون)) أن حكم الشهر والشهرين بعد الحولين كحكم الحولين. وروي عن مالك في ذلك الشهر، وروي عنه الثقات، وقيل: اليوم واليومان حكم الحولين في ذلك، وقيل: الأيام اليسيرة هذا كله في المذهب. وذهب زفر إلى أن مدة الرضاع فيها بعد الحولين حرم. فوجه القول الأول الذي في ((الموطأ)) قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ فدل على أن ما زاد عليها ليس من الرضاعة. ووجه سائر الأقوال التي في المذهب أن ما قارب الحولين حكمه حكم الحولين. وأما أبو حنيفة فيقول ما بعد الحولين يحرم فطم أو لم يفطم إلى ستة أشهر، وهو تقدير لا وجه له. قال أبو الحسن: أما الشافعي فرأى أن هذه الزيادة على الحولين كلها تحكما بلا مستند مثل تقدير أبي حنيفة في بلوغ الصبيان لثمان عشرة سنة. وقوله لا يدفع المال إلى الذي يؤنس رشده إلا لابن إحدى وعشرين سنة ونحو ذلك. واختلفوا إذا فضل من الحولين واستغنى عن الطعام هل يؤثر رضاعه بعد ذلك في الحولين أم لا؟ فذهب مالك إلى أنه لا يؤثر على ظاهر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا رضاع بعد فطام)) وفي حديث آخر ((بعد فصال)). وذهب أبو حنيفة والشافعي ومطرف، وابن الماجشون، إلى أنه يحرم ما كان في الحولين على ظاهر قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ فجعل الحولين أمدًا للإرضاع، والرضاع فيهما يؤثر استغنى الرضيع بالطعام أو لم يستغن.
وإنما وصف الله تعالى الحولين بكاملين لأنه لا يجوز أن يقال في حول وبعض آخر حولان، وفي يوم وبعض يوم آخر يومان، فنفى الله تعالى بقوله ﴿كَامِلَيْنِ﴾ ذلك الاحتمال.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233].
فالمعنى أن على الرجل المولود له رزق الوالدات وكسوتهن بالمعروف، ثم بين الله تعالى أن الإنفاق على قددر غنى الزوج ومنصبها لقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 233] والاعتبار عندنا في النفقة بحال الزوجين معًا فيفرض لها كفايتها على ما يرى من قدرها وقدر زوجها في العسر واليسر، وليست بمقدرة، خلافًا للشافعي في قوله إنها مقدرة ولا احتهاد للحاكم فيها. وتعتبر بحال الزوج فعلى الموسر مدان، وعلى المتوسط مد ونصف، وعلى المعسر مد. ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وذلك يقتضي مراعاة حالهما جميعًا. وقول النبي صلى الله عليه وسلم لهند امرأة أبي سفيان: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)) وهذه الآية تدل على أن المراد بالوالدات اللواتي في العصمة إلا أن تجعل هذه الجملة منقطعة من الأولى، لأن المراد بهذه الآية اللواتي لم يبن من أزواجهن، لأن النفقة والكسوة لا تجب إلا لمن لم تبنب بعد. وإذا كان الزوج حاضرًا مع زوجه فلا خلاف في وجوب النفقة لها عليه في أيام غيبته. فثبت عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم فأمرهم أن ينفقوا أو يطلقوا فبعثوا بنفقة ما مضى. وبذلك قال جماعة من أهل العلم.
وقال أبو حنيفة: نحن لا نقول ذلك بل نقول ليس لها شيء إلا أن يفرضه السلطان. واختلف في المذهب هل تطلق على الغائب بعدم النفقة أم لا؟
والدليل على وجوبها عليه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
وقد اختلف في العبد له زوجة هل تلزمه نفقتها أم لا؟ فقال ابن القاسم: عليه النفقة، وقال أبو مصعب: لا نفقة عليه. والقول الأول أظهر لعموم الآية.
وكذلك اختلفوا في الحر له زوجة أمة لم تُبَوَّأْ معه بيتًا. فقال ابن القاسم: لها النفقة لأنها من الأزواج. يريد أنها داخلة في عموم الآية. وفي ((كتاب محمد)) لا نفقة لها عليه، كذلك يختلف إذا كان الزوجان عبدين.
والقول بوجوب النفقة في هذه المسائل أظهر لعموم الآية. ويؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ أن الأم أحق بالحضانة لأن جاجة الولد إلى من يحضنه، كحاجته إلى من يرضعه، لأن الأم أرفق به، وآمن عليه، إلا أنه اختلف هل هي من حق الولد؟ أو من حق الأم؟ أو من خقوقهما جميعًا؟.
وقد اختلف في نفقتها للصبي، أجرة رضاعه إذا مات أبوه وله مال. فقال الجمهور ذلك من مال الصبي اعتقادًا منهم أن مقتضى الآية أن النفقة على الأب ما دام حيًا، وأن ذلك ليس بدين ثابت في الذمة. وروي عن حماد بن سلمة أنه قال: يخرج رضاع الصبي من جميع المال، ثم يقسم له نصيبه مما بقي. جعله بمنزلة الدين. وروي عن النخعي أنه قال: إن كان المال قليلًا فمن نصيبه، وإن كان كثيرًا فمن جميع المال.
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ﴾ [البقرة: 233].
اختلف فيها هل هي منسوخة أم محكمة؟ فروي عن مالك أن الآية تضمنت أن الرزق والكسوة على الوارث، ثم نسخ ذلك ولم يذكر ما نسخها. فيحتمل أن يكون سمي التخصيص نسخًا، وذلك أن الآية تضمنت الرضاع والنفقة والكسوة، وأن لا مضارة. ثم قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ﴾ فتخصص عند مالك رحمه الله تعالى بالأدلة من عموم قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ﴾ الرضاع، والنفقة، والكسوة، وبقي نفي المضارة تحت لفظ العموم. ويحتمل أن يكون نسخًا حقيقة على ما قال النحاس قال: يشبه أن يكون الناسخ لها أنه لما أوجب للمتوفى عنها زوجها من مال المتوفي في نفقة حولٍ والسكنى، ثم نسخ ذلك ورفع نسخ ذلك أيضًا عن الوارث. والذين ذهبوا إلى أنها محكمة اختلفوا في تأويلها اختلافًا كثيرًا، فروي عن مالك رحمه الله وجميع أصحابه وجماعة من العلماء غيرهم أن المراد بقوله ﴿مِثْلُ ذَٰلِكَ﴾ أن لا يضار، وأما الرزق الكسوة فلا شيء عليه. وقال قبيصة، والضحاك وغيرهما: الوارث هو الصبي نفسه أي عليه في ماله إذا ورث أباه نفقة نفسه. وكأن محمد بن جرير يختار هذا القول. وقال النحاس: وهو إن كان قولًا غريبًا فالحجة فيه ظاهرة لأن ماله أولى به. وقد أجمع الفقهاء إلا من شذ منهم أن رجلًا لو كان له ولد طفل وللولد مال والأب موسر فإنه لا يجب على الأب نفقة ولا رضاع، وإنما ذلك من مال الصبي. وقيل: معناه أن ولي الصبي سماه وارثًا لأنه ورث ولايته عليه من نفقة مال الصبي مثلما كان على الأب. وهذان القولان لمن حمل الآية على عمومها وتأولها على المذهب، ولم ير فيها نسخًا، ومن أهل العلم من حملها على العموم في النفقة وغيرها. ولم ير فيها نسخًا، وتعلق بظاهرها إلا أنهم اختلفوا في الوارث الذي تلزمه النفقة من هو؟ فذكر عن عمر بن الخطاب والحسن بن أبي الحسن أن وارث الأب عليه نفقة الصبي وكسوته. وقال بعضهم من الرجال دون النساء، وذهب زيد بن ثابت إلى أن وارث الصبي عليه نفقته وكسوته وإن كثروا فعلى قدر مواريثهم منه. وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إلى أنه الباقي من والد وأم. وذهب الشافعي إلى أنه الأب والجد وما علا وابن الابن وما سفل خاصة. فالإجماع منعقد على أن الوارث لا يضار.
واختلف هل عليه رزق كسوة ونفقة أم لا؟ وقرأ يحيى بن يعمر، ((وعلى الورثة مثل ذلك)) بالجمع.
قوله تعالى: ﴿فإن أرادوا فصالًا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما﴾ [البقرة: 233].
الضمير في ﴿أَرَادَا﴾ للأبوين و ﴿فِصَالًا﴾ معناه فطامًا، ويحتمل أن يريد، فإن أرادا فصالًا قبل الحولين، وإن يرد بعدهما، لأن الفاء تقتضي التعقيب. ومن هنا نشأ النظر في رضاعة الكبير. والاحتمال الأول أظهر.
ولا يقع التشاور والتراضي إلا بما لا ضرر فيه على المولود فإن لم يكن عليه في ذلك قبل الحولين ضرر فلا جناح عليهما في فضله. ومن دعا عليه منهما إلى كمال الحولين فذلك له، وروي عن ابن عباس أنه قال ذلك في الولد الذي مكث في البطن ستة أشهر، فإن مكث سبعة أشهر فرضاعه ثلاثة وعشرون شهرًا، وإن مكث ثمانية أشهر فرضاعه اثنان وعشرون شهرًا، وإن مكث تسعة أشهر فرضاعه إحدى وعشرون شهرًا. وهذا القول مبني على هاتين الآيتين قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ وقوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 15] وسيأتي الكلام على هذه الآية في موضعها مستوعبًا إن شاء الله تعالى. وأما بعد تمام الحولين فمن دعا إلى الفصل فذلك له إلا أن يكون على الصبي من ذلك ضرر.
وفي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ دليل على جواز الاجتهاد في الأحكام بغالب الظنون، وروي عن قتادة قال: كان الرضاع واجبًا في الحولين، وكان يحرم الفطام قبله، ثم خفف فأبيح الرضاع أقل من هذه المدة بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾ الآية. أي لا جناح عليهما لأنه تعالى قال: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ فقد أعطى بقوله معنى جواز الفطام، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾ فالنسخ بعيد جدًا.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا﴾ الآية [البقرة: 233].
هي محاطبة لجميع الآباء والأمهات أي لكم اتخاذ الظئر مع الاتفاق على ذلك. ولا خلاف أنه يجوز إجازة الظئر بشيء معلوم. واختلفوا إذا استؤجرت بكسوتها وطعامها، هل يجوز أم لا؟ فأجازه مالك وأبو حنيفة، ومنعه الشافعي. ودليل الجواز قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 9] وقوله: ﴿إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] مخاطبة الرجال خاصة. وهذا على قراءة الأكثر ﴿مَّا آتَيْتُم﴾ على المد وأما قراءة ابن كثير بالقصر فتحتمل تأويلين:
أحدهما: لا يكون الخطاب معه إلا للرجال خاصة، والآخر: يكون معه للرجال والنساء وذلك ((إن أتيتم)) بمعنى جئتم قال زهير:
وما كان من خير أتوه فإنما... توارثه آباء آبائهم قبل
و﴿آتَيْتُم﴾ بمعنى أعطيتم. فإذا كان بمعنى أعطيتم فالمخاطبة للرجال لأنهم الذين يعطون أجرة الرضاع. وأما ((ما آتيتم)) بالقصر فيحتمل أن يريد نقده وإعطاءه أو نحو ذلك، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ثم حذف الضمير من الصلة وإلى هذا ذهب أبو علي، ثم قال: ويحتمل أن تكون ما مصدرية أي إذا سلمتم الإتيان، والمعنى كالأول لكن يستغنى عن الصفة، فمن حذف المضاف، ثم حذف الضمير فعلى تأويل أبي علي، والخطاب للرجال خاصة لأنهم الذين يأتون إعطاء أجرة الرضاع، وتحتمل اللفظة معنى آخر قاله قتادة، وهو إذا سلمتم من إرادة الاسترضاع أي سلم كل واحد من الأبوين ورضي وكان ذلك على اتفاق بينعهما، وقصد خير وإرادة معروف من الأمر على هذا الاحتمال فيدخل في الخطاب تسليم الرجال والنساء.