سورة الأنبياءبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِٱقۡتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمۡ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ مُّعۡرِضُونَ 1 مَا يَأۡتِيهِم مِّن ذِكۡرٖ مِّن رَّبِّهِم مُّحۡدَثٍ إِلَّا ٱسۡتَمَعُوهُ وَهُمۡ يَلۡعَبُونَ 2 لَاهِيَةٗ قُلُوبُهُمۡۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلۡ هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡۖ أَفَتَأۡتُونَ ٱلسِّحۡرَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ 3 قَالَ رَبِّي يَعۡلَمُ ٱلۡقَوۡلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ 4 بَلۡ قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمِۭ بَلِ ٱفۡتَرَىٰهُ بَلۡ هُوَ شَاعِرٞ فَلۡيَأۡتِنَا بِـَٔايَةٖ كَمَآ أُرۡسِلَ ٱلۡأَوَّلُونَ 5 مَآ ءَامَنَتۡ قَبۡلَهُم مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَآۖ أَفَهُمۡ يُؤۡمِنُونَ 6 وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ 7 وَمَا جَعَلۡنَٰهُمۡ جَسَدٗا لَّا يَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَٰلِدِينَ 8 ثُمَّ صَدَقۡنَٰهُمُ ٱلۡوَعۡدَ فَأَنجَيۡنَٰهُمۡ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهۡلَكۡنَا ٱلۡمُسۡرِفِينَ 9 لَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ كِتَٰبٗا فِيهِ ذِكۡرُكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ 10
الصفحة 322

أحكام الآية 1 من سورة الأنبياء

ٱقۡتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمۡ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةࣲ مُّعۡرِضُونَ 1

هي مكية وفيها مواضع من الأحكام.
، - قوله تعالى: ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَعِلْمًا﴾:
تفسير ما جاء في هذه الآية أن داود عليه السلام كان من بني إسرائيل وكان يحكم بيت الناس، فوقعت بين يديه هذه النازلة، وكان ابنه سليمان إذ ذاك قد كبر، وكان يجلس على الباب الذي يخرج منه الخصوم، وكانوا يدخلون من باب ويخرجون من آخر. فتخاصم إلى داود عليه السلام رجلان: أحدهما له زرع وقيل له كرم ويقال لهما جميعًا حرث والآخر له غنم. وذكر صاحب الحرث أن غنم صاحبه دخلت حرثه فأفسدته عليه فرأى داود أن صاحب الغنم غنمه إلى صاحب الحرث. واختلف الناس هنا. فقال بعضهم على أن يبقى حرثه بيده. وقال آخرون بل دفع صاحب الغنم غنمه إلى صاحب الحرث ودفع صاحب الحرث حرثه إلى صاحب الغنم. فلما خرج الخصمان على سليمان تشكى صاحب الغنم.
فجاء سليمان إلى داود فقال: يا نبي الله إنك حكمت بكذا وكذا، وإني أرى ما هو أرفق بالجميع. فقال وما هو؟ قال: أن يدفع إلى صاحب الزرع الغنم ليصيب من ألبانها وأصوافها حتى يعود الزرع كما كان. وقيل إنه قال أن يأخذ صاحب الغنم الحرث يقوم عليه ويصلحه حتى يعود كما كان، ويأخذ صاحب الحرث لغنم في تلك لمدة ينتفع بمرافقها من لبن وصف ونسل وغير ذلك، وإذا عاد الحرث إلى هيئته صرف كل واحد مال صاحبه. فقال داود: وفقت يا بني. وقضى بينهما بذلك واختلف هل حكم كل واحد منهما باجتهاد أو بتوقيف ووحي. فذهب الجمهور إلى أن حكمهما إنما كان عن اجتهاد. قال بعضهم: اجتهد داود فلم يصب الأشبه وأصابه سليمان. وقال آخرون بل أخطأ خطأ مغفورًا له. وذهب قوم إلى أنه عن توقيف ووحي، منهم ابن فورك، وحمل قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ أي فهمناه القضاء الفاصل الذي أراد الله تعالى أن يستقر في النازلة. وعلى هذا يكون حكم سليمان ناسخًا لحكم داود على حقيقة النسخ. وهذا تأويل بعيد، بل الأولى أن يحمل على ظاهره من أنه فهمها الله تعالى سليمان فحكم فيها برأيه. وعلى هذا الاختلاف يأتي اختلاف الأصوليين في جواز تعبد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالاجتهاد. فمنهم من أجازه ومنهم من منعه وأما الوقوع فاختلفوا فيه على ثلاثة أقوال: قال به قوم وعلى ذلك يحملون الآية، ونفاه آخرون وتأولوا الآية على مذهبهم، وتوقف قوم إذ لم يثبت فيه قاطع. واختلف الأصوليون هل كل مجتهد في المسائل الضمنية مصيب أم لا اختلافًا كثيرًا. فذهب قوم إلى أن كل مجتهد مصيب وأنه ليس في الواقعة حكم معين يطلب بالظن بل الحكم يتعين بالظن. وإليه ذهب القاضي. وذهب قوم إلى أن كل مجتهد مصيب إلا أنهم رأوا في النازلة المحكوم فيها حكمًا معينًا يتوجه إليه الطلب إذ لا بد للطلب من مطلوب، لكن لم يكلف المجتهد إصابته فبذلك كان مصيبًا وإن أخطأ ذلك الحكم المعين، بمعنى أنه أدى ما كلف وأصاب ما عليه. وذهب قوم إلى أن المصيب واحد وأن الواقعة حكمًا معينًا. واختلف الذين ذهبوا إلى هذا القول بعد ذلك في الدليل على ذلك الحكم اختلافًا كثيرًا ليس هذا بموضع ذكره، ومن أبين ما يحتجون به هذه الآية لأنه تعالى قال: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾، قالوا يدل على اختصاص سليمان بإدراك الحق وأن الحق واحد. فأجابت المصوبة عن هذا بأجوبة لا يتبين الانفصال بها منها، وإن قال بل الآية على نقيض مذهبكم أدل لأنه تعالى قال: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾، والباطل والخطأ لا يكون حكمًا. ومن قضى بخلاف حكم الله تعالى لا يوصف بأنه حكم الله سبحانه وأنه الحكم والعلم الذي أنزل الله عز وجل لا سيما في معرض المدح والثناء. فإن قيل فما معنى قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ فالجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما: أن يقال لا يلزمنا ذكر ذلك بعد أن أبطلنا نسبة الخطأ إلى داود. والثاني أن يقال معناه أنه فهم الحكم الذي هو أرجح في النازلة. ومنها أنه يحتمل أنهما كانا مأذونًا لهما في الحكم باجتهادهما فحكما وهما محقان. ثم نزل الوحي على وفق اجتهاد سليمان، فصار حكم ذلك حقًا متعينًا بنزول الوحي على سليمان بخلافها لكن لنزوله على سليمان أضيف إليه. ويتعين تنزيل ذلك على الوحي إذ قد نقل المفسرون أن سليمان حكم بأن تسلم الماشية إلى صاحب الزرع حتى ينتفع بدرها ونسلها وصوفها حولًا كاملًا. وهذا إنما يكون حقًا وعدلًا إذا علم أن الحاصل منه في جميع السنة ما تلف على صاحب الزرع، وذلك لا يدركه علام الغيوب ولا يدرك بالاجتهاد. ويتعلق بهذه الآية رجوع الحاكم بعض قضائه إلى اجتهاد آخر أرجح منه، فإن داود عليه السلام قد فعل ذلك في هذه النازلة. وقد اختلف في ذلك، فقال ابن مطرف وابن الماجشون ذلك له ما دام في ولايته، وهو ظاهر قول مالك. وقال سحنون وابن عبد الحكم ليس له ذلك إذا وافق قولًا. وقال أشهب إن كان ذلك في مال فله نقض الأول إن كان في نكاح أو طلاق أو عتق فليس له نقضه. وحجة القول الأول الآية، وما كان من داود من الرجوع.
[ - قوله تعالى: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾]
النفش بالليل، والهمل بالنهار وقيل في الليل والنهار. وقد رأى بعضهم أن هذه الآية اقتضت تضمين أرباب المواشي ما أفسدت بالليل دون النهار وكذلك سائر الدواب. قال لأن النفش لا يكون إلا بالليل. وهذه مسألة قد اختلف فيها عندنا على أقوال: أحدها: أن كل دابة مرسلة فاحبها ضامن ليلًا كان أو نهارًا يضمن قيمة ما أفسدت كائنًا ما كان، وإلى نحو هذا ذهب عطاء. والثاني: أن صاحبها ضامن ليلًا كان أو نهارًا ولا يضمن بأكثر من قيمة الدابة وهو قول الليث بن سعد. والثالث: أنه ضامن لما أصابت بالليل ما عدا الدماء ولا يضمن ما أصابت بالنهار وهو قول مالك والشافعي. والرابع: أنه غير ضامن ما أصابت ليلًا كان أو نهارَا وهو قول أبي حنيفة في أحد قوليه. والخامس: أنه يضمن بالليل دون النهار في الحيطان المخطرة، وأما غير المخطرة فيضمن أرباب الغنم ما أفسد من ليل أو نهار، وهذا القول في كتاب ابن سحنون. والسادس: الفرق بين الأموال والدماء. وضعف أبو الوليد الباجي الحجة بالآية على تضمين أرباب المواشي بالليل، قال: لأنه لو كان في الآية التصريح بالحكم أنه ضمن أهل الماشية التي نفشت لم يكن نفي الحكم بذلك في الراعية بالنهار إلا من دليل الخطاب وليس عندي ذلك دليل صحيح، فكيف والآية لم تتضمن تفسير الحكم ولا ثبوته وإنما فشر ذلك أقوال تفسير ولا حجة فيها. وحجة مالك في التضمين بالليل دون النهار الآية. وقد جاء في الحديث ما يعضدها وذلك أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائط قوم فأفسدت فيه، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الحائط حفظها بالنهار وإنما ما أفسدت المواشي بالليل مضمون على أهلها. وعن الزهري أن شاة وقعت في كرى حائط فاختصموا إلى شريح، فقال الشعبي: انظروا ليلًا وقعت فيه أو نهارًا، فإن كان بالليل ضمن صاحبها وإن كان بالنهار لم يضمن ثم قرأ: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾، فالآية على هذا في التضمين لما أفسدت الماشية بالليل محكمة جاريًا على أحكام شرعنا. واحتج من لم ير التضمين ليلًا كان أو نهارًا بقوله عليه الصلاة والسلام: ((جرح العجماء جُبار)) وحملوه على العموم ورأوه ناسخًا للآية. وهذا القول ضعيف من أوجه: أحدها: أنه لا يصح النسخ إلا على القول بأن شريعة من قبلنا لازمة لنا. والثاني: أنه لا يصح النسخ إلا على القول بجواز نسخ القرآن بالسنة المتواترة، ومن يسلم أن هذا الحديث متواتر. والثالث: أنه يمكن الجمع بين الآية والحديث فلم يضطر إلى النسخ وذلك أن الحديث عام يحتمل الخصوص، فيحتمل أن يريد بذلك فيما ليس على صاحب العجماء حفظها منه. فأما ما على صاحبها حفظها منه ثم أصابته فليس بجبار. وأما صفة التضمين الذي جاء في قصص الآية فمنها ما يحتمل أن يخرج على شرعنا وذلك ما قضى به داود من أن الغنم لصاحب الزرع، فيحتمل أن تكون قيمة الزرع على الرجاء والخوف مثل قيمة الغنم أو أكثر ولا مال لصاحب الغنم غيرها، فلذلك قضى بها لصاحب الزرع. وأما تضمين سليمان فليس بخارج عن مألوف شرعنا. وحكا أبو الحسن أن الحسن صار إلى مثل ما حكم به سليمان من أن تدفع الغنم إلى صاحب الزرع ليصيب من ألبانها وأصوافها حتى يعود الزرع كما كان. قال وإنما صار إلى ذلك إذ لم ير في شرعنا ناسخًا مقطوعًا به عنده.
فهرس الكتاب