وَإِنۡ أَرَدتُّمُ ٱسۡتِبۡدَالَ زَوۡجٖ مَّكَانَ زَوۡجٖ وَءَاتَيۡتُمۡ إِحۡدَىٰهُنَّ قِنطَارٗا فَلَا تَأۡخُذُواْ مِنۡهُ شَيۡـًٔاۚ أَتَأۡخُذُونَهُۥ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا 20 وَكَيۡفَ تَأۡخُذُونَهُۥ وَقَدۡ أَفۡضَىٰ بَعۡضُكُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ وَأَخَذۡنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا 21 وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدۡ سَلَفَۚ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَمَقۡتٗا وَسَآءَ سَبِيلًا 22 حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمۡ أُمَّهَٰتُكُمۡ وَبَنَاتُكُمۡ وَأَخَوَٰتُكُمۡ وَعَمَّٰتُكُمۡ وَخَٰلَٰتُكُمۡ وَبَنَاتُ ٱلۡأَخِ وَبَنَاتُ ٱلۡأُخۡتِ وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِيٓ أَرۡضَعۡنَكُمۡ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمۡ وَرَبَٰٓئِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِي دَخَلۡتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمۡ تَكُونُواْ دَخَلۡتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ وَحَلَٰٓئِلُ أَبۡنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنۡ أَصۡلَٰبِكُمۡ وَأَن تَجۡمَعُواْ بَيۡنَ ٱلۡأُخۡتَيۡنِ إِلَّا مَا قَدۡ سَلَفَۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا 23
الصفحة 81

أحكام الآية 22 من سورة النساء

وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدۡ سَلَفَۚ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةࣰ وَمَقۡتࣰا وَسَآءَ سَبِيلًا 22

وقوله تعالى: ﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾: اختلف في تأويله، فقالت فرقة: يراد به النساء، أي لا تنكحوا النساء اللواتي نكح أباؤكم، فـ ((ما)) على هذا القول واقعة على من يعقل، وإنما جاز ذلك لأنه إنما أريد به نوع من النساء، و ((ما)) تقع على الأنواع مما يعقل. والذين ذهبوا إلى هذا القول مختلفون في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، فقيل: معناه إلا ما قد سلف فدعوه. وقيل: لكن ما سلف فهو معفو عنه لمن كان واقعه، فكأنه قال: ولا تفعلوا حاشى ما قد سلف، وهذا استثناء منقطع. قال أبو الحسن: في هذه الآية دلالة ظاهرة للشافعي في أن من تزوج امرأة أبيه ثم وطئها مع العلم بالنهي والتحريم أنه زان؛ لأنه تعالى قال: ﴿كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾، فذكر في نكاح امرأة الأب مثل ذلك. وقال ابن زيد: المعنى إلا ما سلف من الآباء في الجاهلية من الزنا بالنساء لا على وجه المناكحة، فذلك جائز لكم زواجهن في الإسلام؛ لأن ذلك الزنا كان فاحشة ومقتًا، فالاستثناء على هذا متصل.
وقالت فرقة: ما نكح يراد به نكاح الآباء أي نكاحًا مثل نكاحهم أو لا تنكحوا كما نكح آباؤكم من عقودهم الفاسدة. واختلف أيضًا في تأويل الاستثناء، فقيل: معناه إلا ما تقدم منكم من تلك العقود الفاسدة، فباح لكم الإقامة عليها في الإسلام إذا كان مما يقر الإسلام عليه من جهة القرابة ويجوزه الشرع إن لو ابتدئ نكاحه في الإسلام على سنته. وقيل: المعنى إلا ما قد سلف فهو معفو عنكم.

قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ غير نص في مقصوده أراد أن يستدل بالنص، فاستدل حديث فيروز ونحوه. وإذا وقع في الإسلام الجمع بين الأختين بالنكاح، فإن كان تزوجهما واحدة بعد واحدة، فنكاح الثانية باطل لأنه أوقع الجمع، وإن وقع نكاحهما في عقد واحد فسخ نكاحهما جميعًا. ووجه الفسخ لما فسخ من ذلك التعلق بمقتضى الآية من النهي عن الجمع. وأما مسألة من تزوج رضيعتين أرضعتهما امرأة أجنبية فهي وزان مسألة الكافر يسلم عن أختين، فتدبر ذلك.
[ - قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾]
اختلف في تأويله، فقال فيه ابن عباس والزهري وغيرهما: المحصنات ذات الأزواج وما ملكت الأيمان السبيا ذوات الأزواج. وروى أبو سعيد أن سبب الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشًا إلى أوطاس، فلقوا عدوًا وأصابوا سبيًا من أزواج المشركين، فتأثم المسلمون من غشيانهن، فنزلت الآية مرخصة. وبهذا القول في الآية يحتج من يرى أن السبي يهدم النكاح، سبيًا جميعًا أو متفرقين، وهو قول ابن القاسم وأشهب. وكذلك على مذهبهما إذا سبى أحدهما قبل صاحبه، ثم أتى الآخر بأمان. وأما إذا أتى أحدهما أولًا بأمان ثم سبى الثاني فلا ينهدم النكاح، وفي المسألة أربعة أقوال: أحدها: ما ذكرته ويعضده تأويل الآية كما قدمته. والثاني: أن السبي مبيح فسخ النكاح إلا أن يقدم أحدهما قبل صاحبه بأمان، وإلى هذا ذهب ابن حبيب، وعليه تأتي رواية عيسى عن ابن القاسم. والثالث: أن السبي لا يهدم النكاح، سبيًا جميعًا أو متفرقين، وهو قول ابن المواز. والرابع: الفرق بين أن تسبى هي قبله، أو يسبى هو قبلها أو معها فيستحي، وهو قول ابن بكير في ((الأحكام)). وقال ابن عباس أيضًا وابن مسعود وغيرهما: المحصنات ذوات الأزواج من السبيا وغيرهن، وأنهن إذا ملكن حل وطئهن. فرأوا أن بيع الأمة عامة، ولم ينظروا إلى خصوص السبب الذي وردت فيه. وجمهور العلماء على أن انتقال الملك في الأمة لا يكون طلاقًا، وقصروا الآية على سببها في سبيا أهل الحرب، وأن لا طلاق لها إلا الطلاق. وقال عمر وأبو العالية وغيرهما، وروي نحوه عن ابن عباس: المحصنات العفائف أي كل النساء حرام وألبسن اسم الإحصان إذ الشرائع في أنفسها تقتضي ذلك. وما ملكت الأيمان معناه: بنكاح أو شراء وعلى هذا تأول بعضهم قول مالك في ((الموطأ))، وهن ذوات الأزواج، وهو تأويل بعيد، وهذا القول يرجع إلى تحريم الزنا. وقال غيره: فيما ذكر الطبري عنه: المحصنات الحرائر، وما ملكت الأيمان معناه بنكاح منهن والاستثناء متصل، وإن أريد الإماء فيكون الاستثناء منقطعًا، وقال بعضهم: وحرم عليكم المحصنات إلا ما ملكت أيمانكم، يعني: الأزواج، فحرم ما فوق الأربعة، فهذه خمسة أقوال في الآية.
والإحصان في القرآن أن يكون إما بالإسلام وإما بالجزية، وإما بالعفاف وإما بالتزويج، وأصله المنع وهو يكون بالوجوه الأربعة. ويروى أن رجلًا قال لسعيد بن جبير: أما رأيت ابن عباس حين سئل عن هذه الآية فلم يقل فيها شيئًا. قال سعيد بن جبير: كان ابن عباس لا يعلمها. وذكر عن مجاهد أنه قال: ((لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل))، قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ إلى قوله: ﴿حَكِيمٌ﴾.
- قوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾:
قال عبيدة السلماني وغيره: هذه إشارة إلى ما ثبت في القرآن من قوله: ﴿مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، وفي هذا بعد. وقيل: هذا يرجع إلى جميع المحرمات المذكورات قبل، والأظهر أنه إشارة إلى التحريم الحاجز بين الناس وبين ما كانت العرب تفعله.
- وقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ﴾:
اختلف في تأويله، فقال السدي: المعنى: وأحل لكم ما وراء من حرم من سائر القرابة، فهن حلال لكم تزويجهن. وقال قتادة: المعنى: وأحل لكم ما وراء ذلكم من الإماء، وقال بعضهم: لفظ الآية يعم جميع الأقوال ويجوز الجمع بين المرأة وبين امرأة أبيها، خلافًا لبعضهم في كراهة ذلك، ولابن أبي ليلى في منعه؛ لأن الله تعالى ذكر جميع المحرمات ولم يذكر منهن، من وقع الكلام فيه. ثم قال: ﴿وأحل لكم ما رواء ذلكم﴾، فالجمع بينهما مباح بظاهر القرآن؛ إلا أن يأتي في السنة ما يخصصه ولم يأت ذلك. ومن لم يجز ذلك، تعلق بالمعنى الذي ذكر من تحريم الجمع بين الأختين، وأن معناه: الجمع بين كل امرأتين لو كانت إحداهما ذكرًا لم يجز له نكاح الأخرى، قال: فكذلك المرأة وامرأة أبيها، وقد انفصل من علل بذلك عن هذا الاعتراض بانفصالي، فحكى عن سفيان أنه قال: معنى ذلك عندنا أن يكونا من نسب. وقال بعض المتأخرين: إنما جاز الجمع بين المرأة وامرأة أبيها، وقد أجمعوا أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج ما ولدت امرأة أبيه. واختلفوا هل يجوز له أن يتزوج ما ولدت بعد أبيه على ثلاثة أقوال، أحدها: أن ذلك جائز، وهو قول مالك وإحدى الروايتين عن ابن القاسم. والثاني: أن ذلك لا يحل، وهو قول ابن القاسم الآخر. والثالث: أن ذلك مكروه، وهو قول طاوس. والحجة لجواز ذلك قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ﴾.
- وقوله تعالى: ﴿أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم﴾:
لفظ يجمع التزوج والشراء، ومقتضاه أن يبتغي أن يصدق كل واحد بمال نفسه، وقد ظن بعضهم أن المراد بذلك أن كل واحد يبتغي أن يصدق ما يسمى مالًا. وظاهره يقتضي أكثر من العشرة، فيكون على هذا أقل الصداق عشرة دراهم، وهو تأويل بعيد واستدلال ضعيف، كيف وقد قال تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 237]، وذلك يقتضي إيجاب نصف المفروض قليلًا كان أو كثيرًا، قال أبو الحسن: قوله تعالى: ﴿أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم﴾ يقتضي منع عتق الأمة أن يكون صداقًا لها، خلافًا لأحمد بن حنبل لدلالة الآية على كون المهر مالًا، وليس في العتق تسليم مال، وإنما فيه إسقاط الملك من غير أن تستحق هي تسليم مال إليها. وجوز الشافعي جعل منفعة الحر صداقًا خلافًا لمن لم يجوزه. ولا خلاف عنده في منفعة العبد؛ لأن المنفعة عنده مال. وقد وردت في ذلك أخبار نصوص. والذي جاء في الحديث، من أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل عتق صفية صداقها، لا يعارض استدلالنا بالقرآن؛ لاحتمال كون ذلك مخصوصًا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإن النكاح بلا مهر كان له صلى الله عليه وسلم جائزًا؛ وكذلك قوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4] الآية، يدل على أن العتق لا يكون صداقًا. وقد استدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم﴾ الآية على أن الصداق إذا كان خمرًا أو حنزيرًا فسخ النكاح قبل الدخول وبعده، قال: لأن الخمر والحنزير ليسا من أموالنا، خلافًا للرواية الأخرى عن مالك أنه يفسخ قبل ولا يفسخ بعد، وخلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: إن النكاح لا يفسخ قبل ولا بعد، ويثبت بصداق المثل.
- وقوله تعالى: ﴿مُّحْصِنِينَ﴾:
معناه: متعففين، غير مسافحين أي غير زناة. قال بعضهم: فيحتمل أن يريد: ((اطلبوا منافع البضع على وجه النكاح لا على وجه السفاح))، ويحتمل أن يريد بقوله: ﴿مُّحْصِنِينَ﴾ أي تزوجوهن على شرط الإحصان.
- قوله تعالى: ﴿فما استمتعتم به منهن﴾ الآية:
اختلف في تأويلها، فقال ابن عباس ومجاهد غيرهما: المعنى فإذا استمتعتم بالزوجة ووقع الوطئ ولو مرة قد وجب إعطاء الأجر وهو المهر كله. ولفظة ((ما)) تعطي أن يسير الوطئ يجب إيتاء الأجر. وهذا التفسير يرد قول أبي حنيفة وأصحابه: أن الخلوة الصحيحة توجب المهر كله وطئ أو لم يطأ، أدته المراة أو لم تدعه؛ لأن الخلوة دون وطئ ليس باستمتاع. وظاهر الآية على هذا التفسير أن المهر لا يجب إلا بالوطئ، وهو قول مالك وجميع أصحابه. وقد اختلف فيمن دخل بالزوجة وتلذذ بها ولم يطأها هل يجب لها جميع الصداق أو نصفه؟ ومن حجة من يوجب لها جميعه ظاهر هذه الآية؛ لأن ذلك استمتاع بها فأخذ بأقل ما يقع عليه اسم الاستمتاع. واختلف أيضًا في الوطئ في الدبر هل هو كالوطئ في الفرج في استحقاق جميع الصداق أم لا؟ وكذلك اختلف في البكر إذا أذهب الرجل عذريتها بأصبعه ولم يطأها، هل هو كالوطئ في وجوب الصداق أم لا؟ وكذلك اختلف في المجبوب والحصور وما أشبه ذلك ممن لا يصل إلى الجماع هل يجب عليه الصداق إذا لم تطل مدة إقامته أم لا؟ ولم ير في ذلك كله إلا نصف الصداق وحمل هذه الآية على الوطئ. ونص قوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237]، يدل على أنه إنما لها النصف. وقد استدل بعضهم بهذه الآية على أن الصداق إنما يجب جميعه بالدخول، خلافًا لمن يقول: يجب بالعقد وجوبًا غير مستقر، ولمن يقول: يجب بالعقد ونصفه بالطلاق قبل الدخول، ولمن يقول: يجب نصفه بالعقد ونصفه الثاني بالدخول والاستمتاع، وقال أبو إسحاق الزجاج: معنى قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ﴾ أي ما نكحتموه منهن فأتوهن مهورهن، فإن استمتع بالدخول بها أعطي المهر كله، وإن استمتع بعقد النكاح أعطى نصف المهر. والمتاع في اللغة ما انتفع به، فعلى هذا القول الاستمتاع يقع على الوطئ والعقد. وقال ابن عباس ومجاهد أيضًا وغيرهما: أن المراد بآية المتعة التي كانت مباحة في أول الإسلام. وقرأ ابن عباس وأبي، وابن جبير: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ﴾ إلى أجل مسمى فأتوهن أجورهن، وقال ابن عباس لأبي لبصرة: هكذا أنزلها الله عز وجل. والذين ذهبوا إلى التأويل اختلفوا في الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ فذهب قوم أكثرهم الشيعة إلى أنها حكمة وأن نكاح المتعة جائز، وروي ذلك عن ابن عباس. وقال علي: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنا إلا شقي. وذهب الجمهور إلى أن الآية منسوخة على ذلك التأويل، وأن نكاح المتعة اليوم باطل، وروي عن ابن عباس الرجوع عنه. وروي عنه أنه لما بلغه قول الشاعر:
قال المحدث لما طال مجلسنا... يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس
في بضة رخصة الأطراف ناعمة... تكون مثواك حتى مرجع الناس
قام على زمزم، فقال: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا ابن عباس، ألا إن المتعة حرام كالميتة والدم ولحم الخنزير.
واختلفوا في الناسخ لها على أربعة أقوال: فذهب قوم إلى أن الناسخ لها السنة بالخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريمها، وذهب قوم إلى أن الناسخ لها القرآن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]، وروي هذا عن ابن عباس. وذهب قوم إلى أن الذي نسخها من القرآن آية الميراث؛ لأن المتعة لا ميراث فيها. وقال قوم: نسخها من القرآن قوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم﴾ الآية [المؤمنون: 5 - 6]، قالوا: ولا زوجة مع الأجل. قال ابن مسعود: نسخ المتعة الطلاق والعدة والميراث.
واختلف في المتعة كيف كانت؟ قيل: أن يتزوج الرجل المرأة بشهيدين وإذن الولي إلى أجل مسمى، وعلى أن لا ميراث بينهما ويعطيها ما اتفقا عليه، فإن انقضت المدة فليس له عليها سبيل ويستبرئ رحمها؛ لأن الولد لاحق به فإن لم تحمل حلت لغيره، وفي كتاب ابن النحاس ما يوهم أن الولد كان لا يلحق في نكاح المتعة وهو خطأ. وقيل: إن نكاح المتعة نكاح إلى أجل لا ميراث فيه، والفرقة تقع فيه عند انقضاء الأجل من غير طلاق، والاستبراء فيه حيضة. قال ابن عباس: واختلف إذا تزوجها بغير شرط أجل إلا أن نية الزوج أن يحبسها شهرًا ثم يطلقها هل هي متعة أم لا؟ فالجمهور على أنه لا بأس بذلك وليس متعة. وقال الأوزاعي: هي متعة ولا خير فيه، وقراءة من قرأ إلى أجل مسمى يرد هذا القول.
فهرس الكتاب