وَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ مِنكُمۡ طَوۡلًا أَن يَنكِحَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِكُمۚ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضࣲۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذۡنِ أَهۡلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ مُحۡصَنَٰتٍ غَيۡرَ مُسَٰفِحَٰتࣲ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخۡدَانࣲۚ فَإِذَآ أُحۡصِنَّ فَإِنۡ أَتَيۡنَ بِفَٰحِشَةࣲ فَعَلَيۡهِنَّ نِصۡفُ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ مِنَ ٱلۡعَذَابِۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَشِيَ ٱلۡعَنَتَ مِنكُمۡۚ وَأَن تَصۡبِرُواْ خَيۡرࣱ لَّكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورࣱ رَّحِيمࣱ 25
قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾:
اختلف في الطول ما هو؟ فقال ابن عباس وغيره ومالك وأصحابه: الطول هنا: السعة في المال، وقال ربيعة وإبراهيم النخعي: الطول هنا الجلد والصبر لمن تزوج أمة وهواها حتى صار لذلك لا يستطيع أن يتزوج غيرها، فإن له أن يتزوج الأمة إذا لم يملك هواها، وإن كان يجد سعة من المال لنكاح حرة. ثم قوله: ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ﴾ على هذا القول بيان في صفة عدم الجلد. وعلى القول الآخر يكون شرطًا زائدًا إلى الطول في تزوج الأمة، والمشهور عن مالك أن الحر لا يجوز له نكاح الأمة إلا مع عدم الطول وخوف العنت؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾. وهذا من مالك اعتبار بدليل الخطاب، ولو لم يقل هنا بدليل الخطاب لما ألزم أن يعتبر واحد من الشرطين. والمشهور عن ابن القاسم أن ذلك جائز مع وجود الطول والأمن من العنت، وهذا على القول بأن دليل الخطاب لا يعتبر. ويعضد ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: 32]، وقد روي عن مالك مثل قول ابن القاسم، وعن ابن القاسم مثل قول مالك، والعلة في المنع من ذلك إلا بشرطين عند من قال بدليل الخطاب الكراهية للحر أن ينكح نكاحًا يرق فيه ولده، فعلى هذا إذا تزوج الحرة أمة من يعتق عليه ولده منها أو كان لا يولد له جاز نكاحه مع عدم الشرطين. والذين ذهبوا إلى أن الطول في الآية السعو في المال، واختلفوا في تقديره، فقيل: هو أن يجد صداق الحرة ويقدر على نفقتها. وقيل: بل هو أن يجد صداقًا لها وإن عجز عن نفقتها، والأول أصح. واختلف في الحرة تكون تحت الرجل هل هي طول تمنعه من نكاح الأمة أم لا؟ على قولين: وظاهر القرآن المنع من وجود الحرة، ولذلك مالك يقول: لا يجوز نكاح الأمة على الحرة ويفسخ إن وقع ثم إنه رجع إلى أنه يجوز وتخير المرأة. والمنع من الآية أظهر؛ لأنه تعالى إنما شرط تزوج الأمة مع عدم القدرة على الحرة، فإذا تقدمت المقدرة عليها وكان متزوجها منع من نكاح الأمة.
واختلف أيضًا إذا كانت تحته أمة ثم تزوج حرة هل يفسخ نكاح الأمة أم لا؟ وقال مسروق: الأمة كالميتة تضطر إليها، فإذا أغناك الله عنها فاستغن. وأنكر غيره هذا القول، وقال: من شبه الأمة بالميتة فقد غلط؛ لأن الله عز وجل جعل الأمة لمتزوجها عند الإباحة حلالًا. والميتة حرام قبل الاضطرار وبعده عينها لا تنتقل عن التحريم. والمحصنات في هذا الموضع الحرائر يدل على التقسيم بينهن وبين الإماء، وقيل: معناه العفائف، وهذا ضعيف؛ لأن الإماء يقعن تحته. قال بعضهم: ولأنه يلزم من قال ذلك أن يحرم على الناس أن يتزوجوا غير عفيفة. وقوله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 3] الآية، منسوخ. وقد وصف الله تعالى المحصنات بالمؤمنات، فاختلف بسبه ذلك في الحرة الكتابية بعد القول بأن الحرة طول تمنع نكاح الأمة هل هي طول تمنع نكاح الامة أم لا؟ على قولين: فمن منع نكاح الإماء مع القدرة على نكاح الكتابية، فالمؤمنات عنده صفة غير مشترطة، وإنما جاءت لأنها مقصد النكاح، إذ الأمة مؤمنة وغاية ما في هذا ترك الأخذ بدليل الخطاب.
ومن رأى أنه يتزوج الأمة وإن كان قادرًا على نكاح كتابية فصفة المؤمنات عنده مشترطة في المحصنات وغاية هذا الأخذ بدليل الخطاب.
[ - وقوله تعالى: ﴿فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾]
هذه المخاطبة ((بالكاف)) و ((الميم)) عامة أي منكم الناكحون وفيكم المالكون؛ لأن الرجل ينكح فتاة نفسه. ومثل هذا التوسع في الكلام كثير، وقد وصف الله تعالى الفتيات، وهن الإماء بالمؤمنات. وعلى الخلاف في دليل الخطاب اختلف في جواز نكاح الإماء غير المؤمنات، فمن قال بدليل الخطاب في الآية لم يجز نكاحهن، وهو قول مالك وجمهور أصحابه، وجعل المؤمنات هنا وصفًا مشترطًا. ومن لم يقل بدليل خطاب الآية أجاز نكاح الإماء غير المؤمنات، وهو قول أبي حنيفة وغيره في إماء أهل الكتاب وجعلوا ذكره تعالى: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إنما هو على الندب، واحتجوا أيضًا بالقياس على الحرائر، قالوا: لما لم يمنع قوله: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ في الحرائر من نكاح الكتابيات الإماء، وإذا قلنا بجواز نكاح الأمة للحر فله في قول مالك والزهري وأبي حنيفة وغيرهم نكاح أربع من الإماء، إذا خشي على نفسه العنت ولم يكفه أقل من أربع.
وقال قتادة والشافعي وغيرهما: لا ينكح أكثر من واحدة من الإماء. قول حماد بن أبي سليمان: لا يتزوج منهن أكثر من اثنتين. وإطلاق قوله: ﴿مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ يدل على صحة القول الأول والحر والعبد عند أكثر أهل المذهب في نكاح الإماء الكتابيات سواء خلافًا لأشهب في إجازته ذلك العبد. والحجة للقول الأول: أن الخطاب بالآية يعم الأحرار والعبيد، فمن فرق بينهما فعليه الدليل.
[ - وقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾]
يريد بإذن أربابهن المالكين لهن، وقد اختلف في من تزوج أمة بغير إذن سيدها هل للسيد أن يجيزه، فيجوز النكاح أم لا؟ على قولين وهما مرويان عن مالك. والمشهور منهما أنه لا يجوز وإن أجازه، بخلاف العبد المشهور فيه أنه إذا تزوج بغير إذن سيده أن يجوز إن أجازه السيد. وفي مذهب مالك قول آخر أنه لا يجوز وإن أجازه السيد. والحجة للمشهور من القولين في الأمة الآية، فلم يجز تعالى نكاحهن إلا بإذن أربابهن فمن تزوج أمة بغير إذن سيدها فنكاحه فاسد لخلوه من الشرط الصحيح الذي شرطه الله تعالى فيهن.
وقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: يريد مهورهن و ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: معناه بالشرع والسنة. وهذا يقتضي أنهن أحق بمهورهن من السادة، وهو قول مالك خلافًا لغيره من أن للسيد أن يأخذ صداقها إلا قدر ما تحل به، ولسحنون نحوه. وحكي عن بعض أهل العراق أنه قال: لا بأس أن يزوج الرجل عبده أمته بغير صداق، وهذا القول مخالف لكتاب الله تعالى؛ لأنه قال: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، فوجب أن تكون الأجور لهن حرائر كن أو إماء ولو كان السيد أن يزوج عبده أمته بغير صداق، أو كان الصداق إنما هو له، فله أن يوجبه وله أن يبطله للزم أن يزوج أمته من غير عبده أو من حر على أن لا صداق، فيصل إلى أن يهب الفرج، وهذا مما لا يجوز لأحد إذ خص به النبي صلى الله عليه وسلم في الحرائر.
- وقوله تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾:
معناه: عفيفات أو مسلمات، والعامل في هذه الحال فانكحوهن، ويحتمل أن يكون العامل فيها فأتوهن، ويكون معنى: محصنات مزوجات والمسافحات الزواني المبتذلات اللواتي هن سوق للزنا، ومتخذات الأخدان هن المستترات اللواتي يصحبن واحدًا واحدًا ويزنين خفية. وهذان كانا نوعين من زنا الجاهلية، قاله ابن عباس وغيره.
- وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾:
اختلف فيما هو الإحصان فقال الجمهور: هو الإسلام، فإذا زنت الأمة المسلمة حدت نصف حد الحرة، وعلى هذا يكون حد الأمة إذا زنت قبل التزويج لحر فإذا زنت الأمة المسلمة التي لم تتزوج فلا حد عليها، قاله سعيد بن جبير والحسن وقتادة. وقالت فرقة: الإحصان في الآية التزوج إلا أن الحد الواجب على الأمة المسلمة غير المتزوجة بالسنة، وهو ما جاء في ((الموطأ)) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة؟ إذا زنت ولم تحصن، فقال: ((إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها)). وقال الزهري: فالمتزوجة محدودة بالقرآن والمسلمة غير المتزوجة محدودة بالحديث. ومما يعضد قول من رأى أ، الإحصان في الآية التزوج، أن الصفة لهن بالإيمان قد تقدمت من قوله تعالى: ﴿مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، فذلك يغني عن ذكر الإسلام هنا، فإن يكون معنى التزوج أولى. والفاحشة هنا الزنا بقرينة إلزام الحد كما قال بعضهم، وعندي فاحشة هنا تعم الزنا والقذف وكل ما يمكن أن يتبعض من الحدود والمحصنات هنا الحرائر المسلمات الأبكار لا الحرائر المتزوجات؛ لأن حد الحرائر المتزوجات الرجم وهو لا يتبعض وسمى الأبكار محصنات، لأن الإحصان يكون بهن، وقد ذهب قوم إلى أن العبد المحصن. والأمة المحصنة يرجمان كالأحرار، ولفظ الآية كما قدمنا يرد ذلك؟ لأن الرجم ليس بمحدود معلم، فيتصف وإنما أراد تعالى ما يمكن فيه التصنيف، فمن قال ذلك فقد خالف الآية، وحد الحرائر المسلمات غير المتزوجات وهن الأبكار جلد مائة وتغريب عندنا. وعند الشافعي أنها تغريب، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام))، فإن قلنا: إن الحد دون تغريب فالذي يلزم المرأة من الإماء بنص القرآن نصف ذلك، وهو خمسون جلدة وهو قول مالك وجميع أصحابه وأحد قولي الشافعي وقول ابن عباس وغيره. وإذا قلنا: إن حد الحرة المسلمة مائة وتغريب عام، فالذي يلزم المرأة من الإماء بنص القرآن ذلك وهو خمسون جلدة وتغريب ستة أشهر، وهو أحد قولي الشافعي والعبد بمنزلة الأمة، فيما ذكرنا لا فرق بينهما. خلافًا لمن لا يرى على العبد حدًا أصلًا أحصن أو لم يحصن؛ لأنه يرى أن سورة النساء في الإماء خاصة، وآية النور في الأحرار خاصة، ولم يأت للعبد ذكر، ولم ير القياس بقي أن يكون على العبد حد في الزنا، وهو قول ظاهر الفساد وخلافًا لأهل الظاهر من إيجابهم على العبد في الزنا مائة جلدة كالحرة احتجاجًا بقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2]، ويخصصون الإناث من ذلك بعموم قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾، ونحن نرى العبد لاحقًا بالأمة، فيتخصص بذلك هو والأمة من عموم آية النور وإلحاق العبد بالأمة من هذا ونحو أو الأمة بالعبد في نحو قوله عليه الصلاة والسلام: ((من أعتق شركًا له في عبد)) مختلف في تسميته قياسًا والأصح أنه ليس بقياس وعلى حد الزنا قياس مالك عده الإماء وإطلاق العبيد.
- وقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ﴾:
ذلك إشارة إلى نكاح الأمة، واختلف في تفسير العنت، فقيل: هو: المشقة، وقيل: هو الزنا، وقيل: الإثم، وقيل: الحد.
- وقوله تعالى: ﴿وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾:
ندب منه تعالى إلى الترك وعليت ما يؤدي إليه نكاح الإماء من استرقاق الولد ومهنتهن.
[ - - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم﴾ الآية، إلى قوله: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾]
قال عكرمة: في هذه الآية نهى بعضهم عن أكل طعام بعض، ثم نسخ بقوله: ﴿وَلَا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ الآية [النور: 61]، وهذا الذي ذكره عكرمة إنما هو تخصيص. وأما تسميته نسخًا ففيه خلاف ولا يصح في النظر، ولأجل هذا القول قال بعض الناس: إن الهبات والصدقات من أكل الأموال بالباطل، وأنها داخلة تحت النهي، إلا أنه نسخ بالإجماع أو بالآية المتقدمة، وهو قول ابن عباس. والأظهر أن الآية لا تفهم التحريم الهبات التي يبتغي بها الأغراض الصحيحة، وإنما حرم الله تعالى مثل أكل المال بالقمار والخمر والإغرار مثل أثمان البيوع الفاسدة.
وانظر على هذا مسألة النهبة التي تنثر على رؤوس الصبيان، ومسألة من أتى بطعام وأتى أصحابه بطعام واجتمعوا للأكل هل لهما تعلق بهذه الآية.
وقوله: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ أباح الله تعالى في هذه الآية التجارات وهي اسم واقع على عقود المعاوضات المقصود بها طلب الأرباح ويؤخذ منه جواز طلب القوت بها. وفي هذا دليل على فساد قول من ينكر طلي الأقوات بالصناعات والتجارات من المتصوفة الجهلة؛ لأن الله تعالى حرم أكل الأموال بالباطل وأحلها بالتجارة وفي إحلاله تعالى ذلك إباحة ان يشتري الإنسان سلعة من آخر بدرهم وهي تساوي مائة. وهذا إذا كان البائع عارفًا بالقيمة، فما أحسب أن فيه خلافًا أما إن لم يكن عارفًا بالقيمة، فالمشهور إمضاء البيع لما قدمناه من دليل الآية.
وهذا هو الذي يسمى بيع الغبن. وحكى ابن القصار أنه يجب الرد بالغبن إذا كان أكثر من الثلث. وذكره بعضهم عن ابن وهب ومن ذلك أن يشتري الرجل ياقوتة. فالمشهور أن لا رجوع لأحدهما على صاحبه؛ لأن هذا ليس من أكل أموال الناس بالباطل، بل هو أكل الأموال بالتجارة؛ كما أباحه في قوله: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾. وقد قيل:
إنه يرجع بذلك، وهو ظاهر ما وقع لمالك في غير كتاب. وهذا يسمى بيع الغلط، وهاتان البيعتان، بيعة الغلط وبيعة الغبن، إنما يكون القول فيهما على ما ذكرناه، إذا كانتا في بيع المكايسة. وأما بيع الاستماتة، وذلك أن يأتي الرجل بالسلعة وهو لا يعرف ما تساوي ويستمين في معرفة ذلك إلى المشتري فيشتريها منه ثم يظهر أنها تساوي أكثر ذلك، فهذا خلاف فيه أنه من أكل أموال الناس بالباطل. واختلف في اللقطة هل لملتقطها استنفاقها بعد السنة على وجه التملك أم لا؟ على أربعة أقوال: أحدها: أن ذلك لا يجوز إلا أن يكون له وفاء. والثاني: أن ذلك لا يجو إلا أن يكون ملتقطها محتجًا، وهو قول أبي حنيفة. والثالث: أن ذلك جائز له على كل حال، وهو قول الشافعي. والرابع: أن ذلك لا يجوز على حال بل هو مكروه، وهو قول مالك وهو الصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ فإن أكلها بعد التعريف فعليها غرمها. وذهب داود إلى أن لا غرامة عليه. والصحيح ما قدمناه؛ لأن هنا من أكل أموال الناس بالباطل.
واختلف في الرجل يمر بجنان غيره أو بغنمه هل له أن يأكل من الفاكهة ويشرب من اللبن إذا لم يكن محتاجًا إليه؛ لأن المحتاج لا خلاف أن له أن يأكل. فقيل: جائز له أن يأكل ويشرب لصديق كان ذلك أو لغير صديق، وقيل: أن كان لصديق كان له أن يأكل وإن لم يكن لصديق لم يكن له ذلك. قال بعضهم: وهذا أعدل الأقوال، وأولاها بالصواب، وهو قول الليث. وقيل: أن ذلك ممنوع، لصديق كان أو لغير صديق؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾. وهذا من أكل المال بالباطل، وهو قول مالك، وقال بعضهم: وهذا في ثمر الحائط دون لبن الماشية؛ لحديث ابن عمر في لبن الماشية. وقيل: بل ذلك في ثمر الحائط ولبن الماشية سواء؛ لحديث سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه به، فإن أذن له فليحلب وليشرب، وإن لم يكن فيها أحد فليصوت ثلاث، فإن لم يجب أحد فليحلب وليشرب))، ولا يحتمل وإن كان على تلك الغنم أو الحائط أجير وأخبره الأجير أنه أذن له في أن يطعم أو يسقى فهل يصدقه في ذلك. روايتان عن مالك. والأظهر أن لا يصدقه في ذلك؛ لأنه بذلك متعد على مال الغير، لأن صدقه لا يعلم فيكون من أكل المال بالباطل.
اختلف في الطول ما هو؟ فقال ابن عباس وغيره ومالك وأصحابه: الطول هنا: السعة في المال، وقال ربيعة وإبراهيم النخعي: الطول هنا الجلد والصبر لمن تزوج أمة وهواها حتى صار لذلك لا يستطيع أن يتزوج غيرها، فإن له أن يتزوج الأمة إذا لم يملك هواها، وإن كان يجد سعة من المال لنكاح حرة. ثم قوله: ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ﴾ على هذا القول بيان في صفة عدم الجلد. وعلى القول الآخر يكون شرطًا زائدًا إلى الطول في تزوج الأمة، والمشهور عن مالك أن الحر لا يجوز له نكاح الأمة إلا مع عدم الطول وخوف العنت؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾. وهذا من مالك اعتبار بدليل الخطاب، ولو لم يقل هنا بدليل الخطاب لما ألزم أن يعتبر واحد من الشرطين. والمشهور عن ابن القاسم أن ذلك جائز مع وجود الطول والأمن من العنت، وهذا على القول بأن دليل الخطاب لا يعتبر. ويعضد ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: 32]، وقد روي عن مالك مثل قول ابن القاسم، وعن ابن القاسم مثل قول مالك، والعلة في المنع من ذلك إلا بشرطين عند من قال بدليل الخطاب الكراهية للحر أن ينكح نكاحًا يرق فيه ولده، فعلى هذا إذا تزوج الحرة أمة من يعتق عليه ولده منها أو كان لا يولد له جاز نكاحه مع عدم الشرطين. والذين ذهبوا إلى أن الطول في الآية السعو في المال، واختلفوا في تقديره، فقيل: هو أن يجد صداق الحرة ويقدر على نفقتها. وقيل: بل هو أن يجد صداقًا لها وإن عجز عن نفقتها، والأول أصح. واختلف في الحرة تكون تحت الرجل هل هي طول تمنعه من نكاح الأمة أم لا؟ على قولين: وظاهر القرآن المنع من وجود الحرة، ولذلك مالك يقول: لا يجوز نكاح الأمة على الحرة ويفسخ إن وقع ثم إنه رجع إلى أنه يجوز وتخير المرأة. والمنع من الآية أظهر؛ لأنه تعالى إنما شرط تزوج الأمة مع عدم القدرة على الحرة، فإذا تقدمت المقدرة عليها وكان متزوجها منع من نكاح الأمة.
واختلف أيضًا إذا كانت تحته أمة ثم تزوج حرة هل يفسخ نكاح الأمة أم لا؟ وقال مسروق: الأمة كالميتة تضطر إليها، فإذا أغناك الله عنها فاستغن. وأنكر غيره هذا القول، وقال: من شبه الأمة بالميتة فقد غلط؛ لأن الله عز وجل جعل الأمة لمتزوجها عند الإباحة حلالًا. والميتة حرام قبل الاضطرار وبعده عينها لا تنتقل عن التحريم. والمحصنات في هذا الموضع الحرائر يدل على التقسيم بينهن وبين الإماء، وقيل: معناه العفائف، وهذا ضعيف؛ لأن الإماء يقعن تحته. قال بعضهم: ولأنه يلزم من قال ذلك أن يحرم على الناس أن يتزوجوا غير عفيفة. وقوله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 3] الآية، منسوخ. وقد وصف الله تعالى المحصنات بالمؤمنات، فاختلف بسبه ذلك في الحرة الكتابية بعد القول بأن الحرة طول تمنع نكاح الأمة هل هي طول تمنع نكاح الامة أم لا؟ على قولين: فمن منع نكاح الإماء مع القدرة على نكاح الكتابية، فالمؤمنات عنده صفة غير مشترطة، وإنما جاءت لأنها مقصد النكاح، إذ الأمة مؤمنة وغاية ما في هذا ترك الأخذ بدليل الخطاب.
ومن رأى أنه يتزوج الأمة وإن كان قادرًا على نكاح كتابية فصفة المؤمنات عنده مشترطة في المحصنات وغاية هذا الأخذ بدليل الخطاب.
[ - وقوله تعالى: ﴿فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾]
هذه المخاطبة ((بالكاف)) و ((الميم)) عامة أي منكم الناكحون وفيكم المالكون؛ لأن الرجل ينكح فتاة نفسه. ومثل هذا التوسع في الكلام كثير، وقد وصف الله تعالى الفتيات، وهن الإماء بالمؤمنات. وعلى الخلاف في دليل الخطاب اختلف في جواز نكاح الإماء غير المؤمنات، فمن قال بدليل الخطاب في الآية لم يجز نكاحهن، وهو قول مالك وجمهور أصحابه، وجعل المؤمنات هنا وصفًا مشترطًا. ومن لم يقل بدليل خطاب الآية أجاز نكاح الإماء غير المؤمنات، وهو قول أبي حنيفة وغيره في إماء أهل الكتاب وجعلوا ذكره تعالى: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إنما هو على الندب، واحتجوا أيضًا بالقياس على الحرائر، قالوا: لما لم يمنع قوله: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ في الحرائر من نكاح الكتابيات الإماء، وإذا قلنا بجواز نكاح الأمة للحر فله في قول مالك والزهري وأبي حنيفة وغيرهم نكاح أربع من الإماء، إذا خشي على نفسه العنت ولم يكفه أقل من أربع.
وقال قتادة والشافعي وغيرهما: لا ينكح أكثر من واحدة من الإماء. قول حماد بن أبي سليمان: لا يتزوج منهن أكثر من اثنتين. وإطلاق قوله: ﴿مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ يدل على صحة القول الأول والحر والعبد عند أكثر أهل المذهب في نكاح الإماء الكتابيات سواء خلافًا لأشهب في إجازته ذلك العبد. والحجة للقول الأول: أن الخطاب بالآية يعم الأحرار والعبيد، فمن فرق بينهما فعليه الدليل.
[ - وقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾]
يريد بإذن أربابهن المالكين لهن، وقد اختلف في من تزوج أمة بغير إذن سيدها هل للسيد أن يجيزه، فيجوز النكاح أم لا؟ على قولين وهما مرويان عن مالك. والمشهور منهما أنه لا يجوز وإن أجازه، بخلاف العبد المشهور فيه أنه إذا تزوج بغير إذن سيده أن يجوز إن أجازه السيد. وفي مذهب مالك قول آخر أنه لا يجوز وإن أجازه السيد. والحجة للمشهور من القولين في الأمة الآية، فلم يجز تعالى نكاحهن إلا بإذن أربابهن فمن تزوج أمة بغير إذن سيدها فنكاحه فاسد لخلوه من الشرط الصحيح الذي شرطه الله تعالى فيهن.
وقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: يريد مهورهن و ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: معناه بالشرع والسنة. وهذا يقتضي أنهن أحق بمهورهن من السادة، وهو قول مالك خلافًا لغيره من أن للسيد أن يأخذ صداقها إلا قدر ما تحل به، ولسحنون نحوه. وحكي عن بعض أهل العراق أنه قال: لا بأس أن يزوج الرجل عبده أمته بغير صداق، وهذا القول مخالف لكتاب الله تعالى؛ لأنه قال: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، فوجب أن تكون الأجور لهن حرائر كن أو إماء ولو كان السيد أن يزوج عبده أمته بغير صداق، أو كان الصداق إنما هو له، فله أن يوجبه وله أن يبطله للزم أن يزوج أمته من غير عبده أو من حر على أن لا صداق، فيصل إلى أن يهب الفرج، وهذا مما لا يجوز لأحد إذ خص به النبي صلى الله عليه وسلم في الحرائر.
- وقوله تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾:
معناه: عفيفات أو مسلمات، والعامل في هذه الحال فانكحوهن، ويحتمل أن يكون العامل فيها فأتوهن، ويكون معنى: محصنات مزوجات والمسافحات الزواني المبتذلات اللواتي هن سوق للزنا، ومتخذات الأخدان هن المستترات اللواتي يصحبن واحدًا واحدًا ويزنين خفية. وهذان كانا نوعين من زنا الجاهلية، قاله ابن عباس وغيره.
- وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾:
اختلف فيما هو الإحصان فقال الجمهور: هو الإسلام، فإذا زنت الأمة المسلمة حدت نصف حد الحرة، وعلى هذا يكون حد الأمة إذا زنت قبل التزويج لحر فإذا زنت الأمة المسلمة التي لم تتزوج فلا حد عليها، قاله سعيد بن جبير والحسن وقتادة. وقالت فرقة: الإحصان في الآية التزوج إلا أن الحد الواجب على الأمة المسلمة غير المتزوجة بالسنة، وهو ما جاء في ((الموطأ)) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة؟ إذا زنت ولم تحصن، فقال: ((إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها)). وقال الزهري: فالمتزوجة محدودة بالقرآن والمسلمة غير المتزوجة محدودة بالحديث. ومما يعضد قول من رأى أ، الإحصان في الآية التزوج، أن الصفة لهن بالإيمان قد تقدمت من قوله تعالى: ﴿مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، فذلك يغني عن ذكر الإسلام هنا، فإن يكون معنى التزوج أولى. والفاحشة هنا الزنا بقرينة إلزام الحد كما قال بعضهم، وعندي فاحشة هنا تعم الزنا والقذف وكل ما يمكن أن يتبعض من الحدود والمحصنات هنا الحرائر المسلمات الأبكار لا الحرائر المتزوجات؛ لأن حد الحرائر المتزوجات الرجم وهو لا يتبعض وسمى الأبكار محصنات، لأن الإحصان يكون بهن، وقد ذهب قوم إلى أن العبد المحصن. والأمة المحصنة يرجمان كالأحرار، ولفظ الآية كما قدمنا يرد ذلك؟ لأن الرجم ليس بمحدود معلم، فيتصف وإنما أراد تعالى ما يمكن فيه التصنيف، فمن قال ذلك فقد خالف الآية، وحد الحرائر المسلمات غير المتزوجات وهن الأبكار جلد مائة وتغريب عندنا. وعند الشافعي أنها تغريب، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام))، فإن قلنا: إن الحد دون تغريب فالذي يلزم المرأة من الإماء بنص القرآن نصف ذلك، وهو خمسون جلدة وهو قول مالك وجميع أصحابه وأحد قولي الشافعي وقول ابن عباس وغيره. وإذا قلنا: إن حد الحرة المسلمة مائة وتغريب عام، فالذي يلزم المرأة من الإماء بنص القرآن ذلك وهو خمسون جلدة وتغريب ستة أشهر، وهو أحد قولي الشافعي والعبد بمنزلة الأمة، فيما ذكرنا لا فرق بينهما. خلافًا لمن لا يرى على العبد حدًا أصلًا أحصن أو لم يحصن؛ لأنه يرى أن سورة النساء في الإماء خاصة، وآية النور في الأحرار خاصة، ولم يأت للعبد ذكر، ولم ير القياس بقي أن يكون على العبد حد في الزنا، وهو قول ظاهر الفساد وخلافًا لأهل الظاهر من إيجابهم على العبد في الزنا مائة جلدة كالحرة احتجاجًا بقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2]، ويخصصون الإناث من ذلك بعموم قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾، ونحن نرى العبد لاحقًا بالأمة، فيتخصص بذلك هو والأمة من عموم آية النور وإلحاق العبد بالأمة من هذا ونحو أو الأمة بالعبد في نحو قوله عليه الصلاة والسلام: ((من أعتق شركًا له في عبد)) مختلف في تسميته قياسًا والأصح أنه ليس بقياس وعلى حد الزنا قياس مالك عده الإماء وإطلاق العبيد.
- وقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ﴾:
ذلك إشارة إلى نكاح الأمة، واختلف في تفسير العنت، فقيل: هو: المشقة، وقيل: هو الزنا، وقيل: الإثم، وقيل: الحد.
- وقوله تعالى: ﴿وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾:
ندب منه تعالى إلى الترك وعليت ما يؤدي إليه نكاح الإماء من استرقاق الولد ومهنتهن.
[ - - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم﴾ الآية، إلى قوله: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾]
قال عكرمة: في هذه الآية نهى بعضهم عن أكل طعام بعض، ثم نسخ بقوله: ﴿وَلَا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ الآية [النور: 61]، وهذا الذي ذكره عكرمة إنما هو تخصيص. وأما تسميته نسخًا ففيه خلاف ولا يصح في النظر، ولأجل هذا القول قال بعض الناس: إن الهبات والصدقات من أكل الأموال بالباطل، وأنها داخلة تحت النهي، إلا أنه نسخ بالإجماع أو بالآية المتقدمة، وهو قول ابن عباس. والأظهر أن الآية لا تفهم التحريم الهبات التي يبتغي بها الأغراض الصحيحة، وإنما حرم الله تعالى مثل أكل المال بالقمار والخمر والإغرار مثل أثمان البيوع الفاسدة.
وانظر على هذا مسألة النهبة التي تنثر على رؤوس الصبيان، ومسألة من أتى بطعام وأتى أصحابه بطعام واجتمعوا للأكل هل لهما تعلق بهذه الآية.
وقوله: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ أباح الله تعالى في هذه الآية التجارات وهي اسم واقع على عقود المعاوضات المقصود بها طلب الأرباح ويؤخذ منه جواز طلب القوت بها. وفي هذا دليل على فساد قول من ينكر طلي الأقوات بالصناعات والتجارات من المتصوفة الجهلة؛ لأن الله تعالى حرم أكل الأموال بالباطل وأحلها بالتجارة وفي إحلاله تعالى ذلك إباحة ان يشتري الإنسان سلعة من آخر بدرهم وهي تساوي مائة. وهذا إذا كان البائع عارفًا بالقيمة، فما أحسب أن فيه خلافًا أما إن لم يكن عارفًا بالقيمة، فالمشهور إمضاء البيع لما قدمناه من دليل الآية.
وهذا هو الذي يسمى بيع الغبن. وحكى ابن القصار أنه يجب الرد بالغبن إذا كان أكثر من الثلث. وذكره بعضهم عن ابن وهب ومن ذلك أن يشتري الرجل ياقوتة. فالمشهور أن لا رجوع لأحدهما على صاحبه؛ لأن هذا ليس من أكل أموال الناس بالباطل، بل هو أكل الأموال بالتجارة؛ كما أباحه في قوله: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾. وقد قيل:
إنه يرجع بذلك، وهو ظاهر ما وقع لمالك في غير كتاب. وهذا يسمى بيع الغلط، وهاتان البيعتان، بيعة الغلط وبيعة الغبن، إنما يكون القول فيهما على ما ذكرناه، إذا كانتا في بيع المكايسة. وأما بيع الاستماتة، وذلك أن يأتي الرجل بالسلعة وهو لا يعرف ما تساوي ويستمين في معرفة ذلك إلى المشتري فيشتريها منه ثم يظهر أنها تساوي أكثر ذلك، فهذا خلاف فيه أنه من أكل أموال الناس بالباطل. واختلف في اللقطة هل لملتقطها استنفاقها بعد السنة على وجه التملك أم لا؟ على أربعة أقوال: أحدها: أن ذلك لا يجوز إلا أن يكون له وفاء. والثاني: أن ذلك لا يجو إلا أن يكون ملتقطها محتجًا، وهو قول أبي حنيفة. والثالث: أن ذلك جائز له على كل حال، وهو قول الشافعي. والرابع: أن ذلك لا يجوز على حال بل هو مكروه، وهو قول مالك وهو الصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ فإن أكلها بعد التعريف فعليها غرمها. وذهب داود إلى أن لا غرامة عليه. والصحيح ما قدمناه؛ لأن هنا من أكل أموال الناس بالباطل.
واختلف في الرجل يمر بجنان غيره أو بغنمه هل له أن يأكل من الفاكهة ويشرب من اللبن إذا لم يكن محتاجًا إليه؛ لأن المحتاج لا خلاف أن له أن يأكل. فقيل: جائز له أن يأكل ويشرب لصديق كان ذلك أو لغير صديق، وقيل: أن كان لصديق كان له أن يأكل وإن لم يكن لصديق لم يكن له ذلك. قال بعضهم: وهذا أعدل الأقوال، وأولاها بالصواب، وهو قول الليث. وقيل: أن ذلك ممنوع، لصديق كان أو لغير صديق؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾. وهذا من أكل المال بالباطل، وهو قول مالك، وقال بعضهم: وهذا في ثمر الحائط دون لبن الماشية؛ لحديث ابن عمر في لبن الماشية. وقيل: بل ذلك في ثمر الحائط ولبن الماشية سواء؛ لحديث سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه به، فإن أذن له فليحلب وليشرب، وإن لم يكن فيها أحد فليصوت ثلاث، فإن لم يجب أحد فليحلب وليشرب))، ولا يحتمل وإن كان على تلك الغنم أو الحائط أجير وأخبره الأجير أنه أذن له في أن يطعم أو يسقى فهل يصدقه في ذلك. روايتان عن مالك. والأظهر أن لا يصدقه في ذلك؛ لأنه بذلك متعد على مال الغير، لأن صدقه لا يعلم فيكون من أكل المال بالباطل.