وَكَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَيۡنَ بِٱلۡعَيۡنِ وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ وَٱلۡأُذُنَ بِٱلۡأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصࣱۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةࣱ لَّهُۥۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ 45
وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية:
اختلف في قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، فقيل: هو ناسخ لآية البقرة، وقيل: بل هو مبين لها، ومفسر. وعلى اختلافهم في هاتين الآيتين يأتي اختلافهم في الرجل والمرأة هل بينهما قصاص ما لا؟ فأما في النفس، فالجمهور على أن القصاص بينهما واجب لعموم هذه الآية. وتأولوا آية البقرة على ما قد ذكرناه فيها. وذهب قوم إلى أنه لا قصاص بينهما إلا على صفة ما ذكرناها في سورة البقرة. وعلى ذلك تأولوا آيتها. ورأيت بعضهم قد حكى الخلاف في القصاص بينهما مطلقًا، فإن صح هذا القول فهو قول ثالث، وتعلقه إنما هو بظاهر آية البقرة. وأما القصاص بينهما فيما دون النفس، فالجمهور على وجوبه إلا أبا حنيفة، فإنه لم ير بينهما قصاصًا في الجراحات بوجه. وحجة الجمهور عموم قوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. ومن ذلك اختلافهم في الحر والعبد هل بينهما قصاص أم لا؟ فأما في النفس فثلاثة أقوال: المذهب كله على أنه لا يقتص من الحر للعبد كان العبد للحر قاتل أم لا. ومذهب أبي حنيفة أن القصاص من الحر لعبد الغير واجب؛ لعموم قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، ومذهب داود أن الحر يقتل بعبد غيره وعبد نفسه أيضًا لعموم الآية. وحجة القول الأول ما في آية البقرة من التخصيص الذي مقتضاه أنه لا يقتل الحر بالعبد؛ لأنه تعالى قال: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: 178]، والعام محمول على الخاص، فهذه الآية مفسرة لتلك. وأما فيما دون النفس، فقولان: الجمهور على أنه لا يقتص من الحر للعبد في ذلك، وحجة مالك في هذا أنه إذا لم يكن بينهما قصاص في النفس لما قدمناه من دليل آية البقرة، فأحرى أن يكون ذلك بينهما فيما دون النفس. وذهب النخعي والبتي إلى إيجاب القصاص بينهما في الجراحات. ومن حجة من يقول هذا عموم قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45]. ومن ذلك المسلم والكافر هل بينها قصاص أم لا؟ فأما في النفس فثلاثة أقوال، أحدها: أن يقتل المسلم بالكافر الذمي أو الحربي المستأمن، وهو قول أبي يوسف؛ لعموم قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. والثاني: أنه يقتل المسلم بالكافر الذمي خاصة، وهو قول أبي حنيفة لعموم الآية أيضًا. والثالث: أنه لا يقتل المسلم بالكافر بوجه، وهو قول مالك ومن تابعه، ووجه الحجة لذلك قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يقتل مسلم بكافر))، فهذا الحديث مخصص ومبين. وأما في الجراح، فقولان: الجمهور على أنه لا قصاص بينهما في ذلك.
وذكر بعضهم: أن من الناس من يرى القصاص في الجراح بين الذمي والمسلم. ومن حجته عموم الآية قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، ومما يعضد قول مالك في نفي القصاص بين العبد والحر، والمسلم والكافر أن قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية، إنما أراد بها الأحرار المسلمين، أن الله تعالى لم يخاطبنا بها في شرعنا، وإنما أخبر تعالى أنه كتبها في التوراة على قوم موسى عله الصلاة والسلام، وهم أهل ملة واحدة، ولم تكن لهم ذمة ولا عبيد؛ لأن الاستعباد إنما أبيح للنبي صلى الله عليه وسلم وخص به هو وأمته من بين سائر الأمم، قال صلى الله عليه وسلم: ((أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: أحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأعطيت جوامع الكلم، وبعثت إلى الناس كافة))، لقوله: ﴿إني رسول الله إليكم﴾ [الأعراف: 158]، وقوله في الآية بعدها: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ [المائدة: 45] يدل على أن الآية إنما أريد بها الأحرار المسلمون؛ لأن العبد لا يتصدق بدمه، لأن الحق في ذلك لسيده. والكافر لا تكفر عنه صدقته، ولو كنا مخاطبين بها في شرعنا لوجب أن نخص من عمومها قتل الحر بالعبد والحرة بالأمة؛ لقوله عز وجل في سورة البقرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ﴾ [البقرة: 178]، ونخص أيضًا من عمومها قتل المسلم بالكافر؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يقتل المسلم بالكافر)). وناقض أبو حنيفة ومن تابعه في قوله: يقتل الحر بالعبد والمسلم بالكافر، لأنه يحتج بعموم قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ في قتل الحر بالعبد، وهو لا يقتل الحر بعبده، وفي قتل المسلم بالكافر وهو لا يقتل المسلم بالحربي المستأمن. وناقض أيضًا في الجراح، لأنه قال: إنه يقتل الحر والمسلم بالعبد والكافر، ولا قصاص بينهما في الجراح، فجعل على قوله هنا أول الآية عامًا وآخرها خاصًا. وهذه الآية إنما يحص التفقه فيها على قول من يرى شريعة من قبلنا لازمة لنا.
[ - وقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾]
عام في كل جرح في الرأس كان أو في الجسد، إلا أنه ليس على عمومه في العمد والخطأ؛ لقوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا فتحرير رقبة مؤمنة﴾ [النساء: 92] الآية، فأوجب الكفارة والدية دون القصاص. وهذا وإن كان في النفس، فما...................................
دون النفس أولى، فخرج بهذا الخطاب في الجراحات من عموم قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، فلا قصاص فيها في الخطأ، وبقي العمد كله تحت العموم. ثم تخصص من ذلك العموم في العمد أيضًا ما يخاف التلف منه بدليل رفعه عليه الصلاة والسلام القصاص في الجائفة والمنقلة والمأمومة، وكذلك كل ما كان في معناها من الجراح التي هي متالف مثل عظام الرقبة، والصلب والصدر، وكسر الفخذ ورض الأنثيين. وما أشبه ذلك، فخصص بهذا الدليل القصاص مما يخشى منه التلف من عموم الآية، ويخصص أيضًا من ذلك العموم القصاص مما لا يمكن القصاص منه مثل ذهاب بعض البصر والسمع والعقل، بدليل أن القصاص مأخوذ من قص الأثر أي اتباعه، قهو أن يتبع الجارح بمثل الجرح الذي جرح فيؤخذ منه دون زيادة ولا نقصان. وإذا لم يقدر على ذلك ارتفع التكليف؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، فخص من عموم الآية جراح الخطأ كلها، ومن جراح العمد ما كان مخوفًا منه على النفس، وما لا يمكن القصاص فيه. وبقيت الآية على حكمها فيمن أمكن القصاص منه من جراح العمد، ولم يخش التلف فيه.
واختلف في هذا العموم المخصص هل هو باقٍ على عمومه أم مجمل؟ والأصح أنه باقٍ على عمومه. واختلف في الشجاج بين الناس، واضطراب في ترتيبها. والذي نقول: إنها عشرة، أولها: الخارصة، وهي التي تقشر الجلد قليلًا، وهي الدامية. ثم الدامغة، وهي التي يسيل منها دم. وقيل: هي والدامية سواء. ثم الباضعة، وهي التي تشق اللحم شقًا خفيفًا. ثم المتلاحمة، وهي التي أخذت في اللحم. ثم السمحاق، وهي التي لم يبق بينها وبين العظم إلا قشرة رقيقة، وهي أيضًا الملطا والملطاة، وقد قيل: إن السمحاق هي الخارصة. ثم الموضحة، وهي التي توشح عن العظم. ثم الهاشمة، وهي التي تهشمه. ثم المنقلة، وهي التي تكشر العظم فنتقل منه العظام. ثم المأمومة، وهي أيضًا الآمة وهي التي تبلغ أم الرأس، وهي الدماغ، فذهب قوم إلى أنه يقتص من المأمومة، وشبهة هذا القول عموم الآية. وذهب قوم إلى أنه لا قصاص فيها كلها، وهو قول أبي عبيد، وهذا قول ضعيف يرده عموم الآية. وذهب مالك في المشهور عنه إلى أنه يقتص من الموضحة فمنا دونها، لعموم الآية، ولا يقتص مما فوقها؛ لأنه مخصص من العموم بالدليل الذي قدمناه. وذهب أشهب إلى أنه يقتص من الهاشمة فمنا دونها، وذهب مالك في إحدى الروايتين عنه إلى أنه يقتص من المنقلة فما دونها، قال: ولا أرى هاشمة تكون في الرأس إلا كانت منقلة، فلم يعرف الهاشمة. وحجته في هذا أن المنقلة أكثر ما فيها رض العظم، وذلك لا يوجب التلف غالبًا، فليست كالمأمومة، وهذه الشجاج التي ذكرنا هي التي تكون في الرأس. وقد اختلف في الجائفة، وهي من جراح البدن، ما وصل إلى الجوف ولو بدخل إبرة، فلا تكون إلا في الظهر والبطن. فذهب الجمهور إلى أنه لا قصاص فيها، وأنها مخصصة من عموم الآية بدليل الذي قدمناه. وقال عثمان البتي: كل جرح أستطيع القود منه كالجائفة، ففيه القود، ومن حجته عموم الآية، وقد ذكر ما يبطل هذا العموم، ويضعف قول البتي. وقد اختلف في القصاص من العظام التي ليس بمتالف كالذراعين والعضدين والقدمين والكعبين والساقين والأصابع والسن. فذهب الشافعي إلى أنه لا قصاص في شيء من ذلك، حتى في السن. وهذا يرده نص قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: 45]، وظاهر قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45]. وذهب أبو حنيفة والشافعي في المشهور عنه إلى أنه لا قصاص في شيء من ذلك إلا في السن؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾، وهذا أيضًا يرده عموم قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. وذهب مالك رحمه الله تعالى إلى إيجاب القصاص في كل ذلك لعموم الآية، ولقوله: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: 194]، وبنحو ذلك من الآيات. وأما العظام المتالف كالفخذ والعنق والصلب والصدر فلا أذكر فيها نص خلاف، إلا أن يتخرج على قول البتي، وهو قول ضعيف. واختلف في القود من اللسان، فالجمهور على أنه لا يقاد منه لأنه مخوف. وذهب الليث بن سعد إلى أنه يقاد منه، وحجته عموم الآية. واختلف في الذي يقطع من رجل عضوًا وليس في بدن القاطع ذلك العضو بعينه، هل يتعدى إلى مثله أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه لا قصاص في ذلك. وذهب ابن شبرمة إلى أنه تفقأ العين اليمنى باليسر إذا لم يوجد اليسرى، واليسرى باليمنى إذا لم توجد اليمنى، وكذلك الأسنان والأضراس والأيدي. وحجة الجمهور قوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ [المائدة: 45] الآية، فمفهوم هذه المماثلة فمن صرفه إلى غير المماثلة فعليه الدليل. واختلفوا في نتف شعر من رأس رجل أو لحيته أو حاجبه أو أشفار عينيه، فالجمهور على أنه لا يقتص منه. وذهب الليث بت سعد إلى أنه يقتص. وحجة الجمهور قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، وهذا ليس بجرح، فلا قصاص فيه. ومن جعله جرحًا فعليه الدليل. واختلف في ولي المقتول إذا قام للقصاص فضرب، فقطع من القاتل عضوًا، فالجمهور على أنه لا قصاص في ذلك. وذهب مالك رحمه الله تعالى إلى أن القصاص فيه واجب، وحجته عموم الآية. واختلف إذا كانت يد القاطع ناقصة أصبع، وقد قطع يد آخر، فقيل: لا شيء للمقطوع إلا القصاص. وقيل: له أن يقتص، ويأخذ دية أصبع. وحجة القول الأول ظاهر قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: 126] الآية. واختلف في اليد الصحيحة باليد الشلاء، فالجمهور على أنه لا تقطع الصحيحة بالشلاء. وذهب داود إلى أنها تقطع بها. ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ومفهومه المماثلة، وليس هنا ما يماثل فيقطع. وعندنا أن على الجارح مع القصاص الأدب، وهو قول مالك رحمه الله تعالى. وقال عطاء: ﴿الجروح قصاص﴾ ليس للإمام أن يضربه ولا يسجنه، إنما هو القصاص ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64]، ولو شاء لأمر بالضرب والسجن، واختلف في الأعور يفقأ عين الصحيح، فيل: لا قود عليه، وعليه الدية كاملة. وقيل: عليه القود، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة. وقال مالك رحمه الله تعالى: إن شاء اقتص، وإن شاء أخذ الدية كاملة. وحجة من يرى القصاص قوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: 45]. واختلف في الأنف الذي يشم بالأنف الذي لا يشم، وأذن السميع بأذن الأصم، فقيل: يقاد منه لعموم الآية، وقيل: لا يقاد؛ لأن المماثلة معدومة. واختلف فيمن قطع إصبعًا فذهب بسببها أصبع أخرى أو يد كلها، فذهب مالك إلى أنه يقتص من أصبع الجاني ويترك، فإن ذهبت كفه أو أكثر لم يكن له غير ذلك، وإن اندملت أصبعه وجبت عليه دية ما بقي، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا قود عليه في الأصبع، وإنما عليه ديتها. ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] الآية، وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: 126].
[ - وقوله تعالى: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾]
فيه ثلاث معان، أحدها: أن يكون قوله: ((من)) للمجروح أو لولي القتيل، والضمير في ((له)) عائد على المجروح أو القتيل، أي من فعل ذلك من جريح أو ولي جريح، فإن الله تعالى يكفر بذلك ذنوبه، ويعظم أجره. والثاني: أن يكون ((من)) للمجروح أو ولي القتيل أيضًا، والضمير في ((له)) عائد على الجارح أو القاتل وإن لم يتقدم لهما ذكر؛ والضمير في ((له)) عائد على الجارح أو القاتل وإن لم يتقدم لهما ذكر؛ لأن المعنى يقتضيه، أي من تصدق من جريح أو ولي قتيل بطلبه على الجارح أو القاتل فصفح عنه، فصنعه ذلك كفارة للجارح أو القاتل من ذلك الذنب مثل القصاص. والثالث: أن يكون ((من)) للجارح أو القاتل والضمير في ((له)) عائد عليه أيضًا، أي إذا جنى جان فخفي أمره فتصدق به بأن عرف بذلك ومكن الحق من نفسه، فذلك كفارة لذنبه. وتصدق على هذا التأويل يحتمل أن يكون من الصدق، ويحتمل أن يكون من الصدقة. وذكر بعضهم: أن قومًا تأولوا الآية على أن المعنى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، فمن أعطى دية الجرح وتصدق به فهو كفارة له إذا رضيت منه قبلت.
[، - قوله تعالى: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، وقوله بعد: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله إليك ولا تتبع أهواءهم﴾]
قد قيل في الآيتين: أنهما ناسختان لقوله تعالى: ﴿فإن جاؤوك فاحكم أو أعرض عنهم﴾ [المائدة: 42]، وقيل: هما مثلها في المعنى على ما ذكرناه فيما تقدم. وقيل: بل هما ناسختان للحكم بما في التوراة لا التخيير في الحكم، ويحتمل أن يقال: هما ناسختان لتخيير ولحكم بما في التوراة ولا خلاف أن الحكم بما في التوراة لا يجوز.
[ - وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾]
يدل على بطلان قول من قال بتقويم الخمر إذا استهلكت للذمي لأن ذلك من أهواء الكفار، ولا يصح الاستدلال به، على أن الكفار لا يخلفون في بيعهم، ويقال: إن ذلك من أهوائهم؛ لأن اتباع أهوائهم إنما هو فيما ينفعهم، وهذا التحليف يضرهم فهو ضد اتباع أهوائهم.
اختلف في قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، فقيل: هو ناسخ لآية البقرة، وقيل: بل هو مبين لها، ومفسر. وعلى اختلافهم في هاتين الآيتين يأتي اختلافهم في الرجل والمرأة هل بينهما قصاص ما لا؟ فأما في النفس، فالجمهور على أن القصاص بينهما واجب لعموم هذه الآية. وتأولوا آية البقرة على ما قد ذكرناه فيها. وذهب قوم إلى أنه لا قصاص بينهما إلا على صفة ما ذكرناها في سورة البقرة. وعلى ذلك تأولوا آيتها. ورأيت بعضهم قد حكى الخلاف في القصاص بينهما مطلقًا، فإن صح هذا القول فهو قول ثالث، وتعلقه إنما هو بظاهر آية البقرة. وأما القصاص بينهما فيما دون النفس، فالجمهور على وجوبه إلا أبا حنيفة، فإنه لم ير بينهما قصاصًا في الجراحات بوجه. وحجة الجمهور عموم قوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. ومن ذلك اختلافهم في الحر والعبد هل بينهما قصاص أم لا؟ فأما في النفس فثلاثة أقوال: المذهب كله على أنه لا يقتص من الحر للعبد كان العبد للحر قاتل أم لا. ومذهب أبي حنيفة أن القصاص من الحر لعبد الغير واجب؛ لعموم قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، ومذهب داود أن الحر يقتل بعبد غيره وعبد نفسه أيضًا لعموم الآية. وحجة القول الأول ما في آية البقرة من التخصيص الذي مقتضاه أنه لا يقتل الحر بالعبد؛ لأنه تعالى قال: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: 178]، والعام محمول على الخاص، فهذه الآية مفسرة لتلك. وأما فيما دون النفس، فقولان: الجمهور على أنه لا يقتص من الحر للعبد في ذلك، وحجة مالك في هذا أنه إذا لم يكن بينهما قصاص في النفس لما قدمناه من دليل آية البقرة، فأحرى أن يكون ذلك بينهما فيما دون النفس. وذهب النخعي والبتي إلى إيجاب القصاص بينهما في الجراحات. ومن حجة من يقول هذا عموم قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45]. ومن ذلك المسلم والكافر هل بينها قصاص أم لا؟ فأما في النفس فثلاثة أقوال، أحدها: أن يقتل المسلم بالكافر الذمي أو الحربي المستأمن، وهو قول أبي يوسف؛ لعموم قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. والثاني: أنه يقتل المسلم بالكافر الذمي خاصة، وهو قول أبي حنيفة لعموم الآية أيضًا. والثالث: أنه لا يقتل المسلم بالكافر بوجه، وهو قول مالك ومن تابعه، ووجه الحجة لذلك قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يقتل مسلم بكافر))، فهذا الحديث مخصص ومبين. وأما في الجراح، فقولان: الجمهور على أنه لا قصاص بينهما في ذلك.
وذكر بعضهم: أن من الناس من يرى القصاص في الجراح بين الذمي والمسلم. ومن حجته عموم الآية قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، ومما يعضد قول مالك في نفي القصاص بين العبد والحر، والمسلم والكافر أن قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية، إنما أراد بها الأحرار المسلمين، أن الله تعالى لم يخاطبنا بها في شرعنا، وإنما أخبر تعالى أنه كتبها في التوراة على قوم موسى عله الصلاة والسلام، وهم أهل ملة واحدة، ولم تكن لهم ذمة ولا عبيد؛ لأن الاستعباد إنما أبيح للنبي صلى الله عليه وسلم وخص به هو وأمته من بين سائر الأمم، قال صلى الله عليه وسلم: ((أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: أحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأعطيت جوامع الكلم، وبعثت إلى الناس كافة))، لقوله: ﴿إني رسول الله إليكم﴾ [الأعراف: 158]، وقوله في الآية بعدها: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ [المائدة: 45] يدل على أن الآية إنما أريد بها الأحرار المسلمون؛ لأن العبد لا يتصدق بدمه، لأن الحق في ذلك لسيده. والكافر لا تكفر عنه صدقته، ولو كنا مخاطبين بها في شرعنا لوجب أن نخص من عمومها قتل الحر بالعبد والحرة بالأمة؛ لقوله عز وجل في سورة البقرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ﴾ [البقرة: 178]، ونخص أيضًا من عمومها قتل المسلم بالكافر؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يقتل المسلم بالكافر)). وناقض أبو حنيفة ومن تابعه في قوله: يقتل الحر بالعبد والمسلم بالكافر، لأنه يحتج بعموم قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ في قتل الحر بالعبد، وهو لا يقتل الحر بعبده، وفي قتل المسلم بالكافر وهو لا يقتل المسلم بالحربي المستأمن. وناقض أيضًا في الجراح، لأنه قال: إنه يقتل الحر والمسلم بالعبد والكافر، ولا قصاص بينهما في الجراح، فجعل على قوله هنا أول الآية عامًا وآخرها خاصًا. وهذه الآية إنما يحص التفقه فيها على قول من يرى شريعة من قبلنا لازمة لنا.
[ - وقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾]
عام في كل جرح في الرأس كان أو في الجسد، إلا أنه ليس على عمومه في العمد والخطأ؛ لقوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا فتحرير رقبة مؤمنة﴾ [النساء: 92] الآية، فأوجب الكفارة والدية دون القصاص. وهذا وإن كان في النفس، فما...................................
دون النفس أولى، فخرج بهذا الخطاب في الجراحات من عموم قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، فلا قصاص فيها في الخطأ، وبقي العمد كله تحت العموم. ثم تخصص من ذلك العموم في العمد أيضًا ما يخاف التلف منه بدليل رفعه عليه الصلاة والسلام القصاص في الجائفة والمنقلة والمأمومة، وكذلك كل ما كان في معناها من الجراح التي هي متالف مثل عظام الرقبة، والصلب والصدر، وكسر الفخذ ورض الأنثيين. وما أشبه ذلك، فخصص بهذا الدليل القصاص مما يخشى منه التلف من عموم الآية، ويخصص أيضًا من ذلك العموم القصاص مما لا يمكن القصاص منه مثل ذهاب بعض البصر والسمع والعقل، بدليل أن القصاص مأخوذ من قص الأثر أي اتباعه، قهو أن يتبع الجارح بمثل الجرح الذي جرح فيؤخذ منه دون زيادة ولا نقصان. وإذا لم يقدر على ذلك ارتفع التكليف؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، فخص من عموم الآية جراح الخطأ كلها، ومن جراح العمد ما كان مخوفًا منه على النفس، وما لا يمكن القصاص فيه. وبقيت الآية على حكمها فيمن أمكن القصاص منه من جراح العمد، ولم يخش التلف فيه.
واختلف في هذا العموم المخصص هل هو باقٍ على عمومه أم مجمل؟ والأصح أنه باقٍ على عمومه. واختلف في الشجاج بين الناس، واضطراب في ترتيبها. والذي نقول: إنها عشرة، أولها: الخارصة، وهي التي تقشر الجلد قليلًا، وهي الدامية. ثم الدامغة، وهي التي يسيل منها دم. وقيل: هي والدامية سواء. ثم الباضعة، وهي التي تشق اللحم شقًا خفيفًا. ثم المتلاحمة، وهي التي أخذت في اللحم. ثم السمحاق، وهي التي لم يبق بينها وبين العظم إلا قشرة رقيقة، وهي أيضًا الملطا والملطاة، وقد قيل: إن السمحاق هي الخارصة. ثم الموضحة، وهي التي توشح عن العظم. ثم الهاشمة، وهي التي تهشمه. ثم المنقلة، وهي التي تكشر العظم فنتقل منه العظام. ثم المأمومة، وهي أيضًا الآمة وهي التي تبلغ أم الرأس، وهي الدماغ، فذهب قوم إلى أنه يقتص من المأمومة، وشبهة هذا القول عموم الآية. وذهب قوم إلى أنه لا قصاص فيها كلها، وهو قول أبي عبيد، وهذا قول ضعيف يرده عموم الآية. وذهب مالك في المشهور عنه إلى أنه يقتص من الموضحة فمنا دونها، لعموم الآية، ولا يقتص مما فوقها؛ لأنه مخصص من العموم بالدليل الذي قدمناه. وذهب أشهب إلى أنه يقتص من الهاشمة فمنا دونها، وذهب مالك في إحدى الروايتين عنه إلى أنه يقتص من المنقلة فما دونها، قال: ولا أرى هاشمة تكون في الرأس إلا كانت منقلة، فلم يعرف الهاشمة. وحجته في هذا أن المنقلة أكثر ما فيها رض العظم، وذلك لا يوجب التلف غالبًا، فليست كالمأمومة، وهذه الشجاج التي ذكرنا هي التي تكون في الرأس. وقد اختلف في الجائفة، وهي من جراح البدن، ما وصل إلى الجوف ولو بدخل إبرة، فلا تكون إلا في الظهر والبطن. فذهب الجمهور إلى أنه لا قصاص فيها، وأنها مخصصة من عموم الآية بدليل الذي قدمناه. وقال عثمان البتي: كل جرح أستطيع القود منه كالجائفة، ففيه القود، ومن حجته عموم الآية، وقد ذكر ما يبطل هذا العموم، ويضعف قول البتي. وقد اختلف في القصاص من العظام التي ليس بمتالف كالذراعين والعضدين والقدمين والكعبين والساقين والأصابع والسن. فذهب الشافعي إلى أنه لا قصاص في شيء من ذلك، حتى في السن. وهذا يرده نص قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: 45]، وظاهر قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45]. وذهب أبو حنيفة والشافعي في المشهور عنه إلى أنه لا قصاص في شيء من ذلك إلا في السن؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾، وهذا أيضًا يرده عموم قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. وذهب مالك رحمه الله تعالى إلى إيجاب القصاص في كل ذلك لعموم الآية، ولقوله: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: 194]، وبنحو ذلك من الآيات. وأما العظام المتالف كالفخذ والعنق والصلب والصدر فلا أذكر فيها نص خلاف، إلا أن يتخرج على قول البتي، وهو قول ضعيف. واختلف في القود من اللسان، فالجمهور على أنه لا يقاد منه لأنه مخوف. وذهب الليث بن سعد إلى أنه يقاد منه، وحجته عموم الآية. واختلف في الذي يقطع من رجل عضوًا وليس في بدن القاطع ذلك العضو بعينه، هل يتعدى إلى مثله أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه لا قصاص في ذلك. وذهب ابن شبرمة إلى أنه تفقأ العين اليمنى باليسر إذا لم يوجد اليسرى، واليسرى باليمنى إذا لم توجد اليمنى، وكذلك الأسنان والأضراس والأيدي. وحجة الجمهور قوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ [المائدة: 45] الآية، فمفهوم هذه المماثلة فمن صرفه إلى غير المماثلة فعليه الدليل. واختلفوا في نتف شعر من رأس رجل أو لحيته أو حاجبه أو أشفار عينيه، فالجمهور على أنه لا يقتص منه. وذهب الليث بت سعد إلى أنه يقتص. وحجة الجمهور قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، وهذا ليس بجرح، فلا قصاص فيه. ومن جعله جرحًا فعليه الدليل. واختلف في ولي المقتول إذا قام للقصاص فضرب، فقطع من القاتل عضوًا، فالجمهور على أنه لا قصاص في ذلك. وذهب مالك رحمه الله تعالى إلى أن القصاص فيه واجب، وحجته عموم الآية. واختلف إذا كانت يد القاطع ناقصة أصبع، وقد قطع يد آخر، فقيل: لا شيء للمقطوع إلا القصاص. وقيل: له أن يقتص، ويأخذ دية أصبع. وحجة القول الأول ظاهر قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: 126] الآية. واختلف في اليد الصحيحة باليد الشلاء، فالجمهور على أنه لا تقطع الصحيحة بالشلاء. وذهب داود إلى أنها تقطع بها. ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ومفهومه المماثلة، وليس هنا ما يماثل فيقطع. وعندنا أن على الجارح مع القصاص الأدب، وهو قول مالك رحمه الله تعالى. وقال عطاء: ﴿الجروح قصاص﴾ ليس للإمام أن يضربه ولا يسجنه، إنما هو القصاص ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64]، ولو شاء لأمر بالضرب والسجن، واختلف في الأعور يفقأ عين الصحيح، فيل: لا قود عليه، وعليه الدية كاملة. وقيل: عليه القود، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة. وقال مالك رحمه الله تعالى: إن شاء اقتص، وإن شاء أخذ الدية كاملة. وحجة من يرى القصاص قوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: 45]. واختلف في الأنف الذي يشم بالأنف الذي لا يشم، وأذن السميع بأذن الأصم، فقيل: يقاد منه لعموم الآية، وقيل: لا يقاد؛ لأن المماثلة معدومة. واختلف فيمن قطع إصبعًا فذهب بسببها أصبع أخرى أو يد كلها، فذهب مالك إلى أنه يقتص من أصبع الجاني ويترك، فإن ذهبت كفه أو أكثر لم يكن له غير ذلك، وإن اندملت أصبعه وجبت عليه دية ما بقي، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا قود عليه في الأصبع، وإنما عليه ديتها. ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] الآية، وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: 126].
[ - وقوله تعالى: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾]
فيه ثلاث معان، أحدها: أن يكون قوله: ((من)) للمجروح أو لولي القتيل، والضمير في ((له)) عائد على المجروح أو القتيل، أي من فعل ذلك من جريح أو ولي جريح، فإن الله تعالى يكفر بذلك ذنوبه، ويعظم أجره. والثاني: أن يكون ((من)) للمجروح أو ولي القتيل أيضًا، والضمير في ((له)) عائد على الجارح أو القاتل وإن لم يتقدم لهما ذكر؛ والضمير في ((له)) عائد على الجارح أو القاتل وإن لم يتقدم لهما ذكر؛ لأن المعنى يقتضيه، أي من تصدق من جريح أو ولي قتيل بطلبه على الجارح أو القاتل فصفح عنه، فصنعه ذلك كفارة للجارح أو القاتل من ذلك الذنب مثل القصاص. والثالث: أن يكون ((من)) للجارح أو القاتل والضمير في ((له)) عائد عليه أيضًا، أي إذا جنى جان فخفي أمره فتصدق به بأن عرف بذلك ومكن الحق من نفسه، فذلك كفارة لذنبه. وتصدق على هذا التأويل يحتمل أن يكون من الصدق، ويحتمل أن يكون من الصدقة. وذكر بعضهم: أن قومًا تأولوا الآية على أن المعنى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، فمن أعطى دية الجرح وتصدق به فهو كفارة له إذا رضيت منه قبلت.
[، - قوله تعالى: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، وقوله بعد: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله إليك ولا تتبع أهواءهم﴾]
قد قيل في الآيتين: أنهما ناسختان لقوله تعالى: ﴿فإن جاؤوك فاحكم أو أعرض عنهم﴾ [المائدة: 42]، وقيل: هما مثلها في المعنى على ما ذكرناه فيما تقدم. وقيل: بل هما ناسختان للحكم بما في التوراة لا التخيير في الحكم، ويحتمل أن يقال: هما ناسختان لتخيير ولحكم بما في التوراة ولا خلاف أن الحكم بما في التوراة لا يجوز.
[ - وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾]
يدل على بطلان قول من قال بتقويم الخمر إذا استهلكت للذمي لأن ذلك من أهواء الكفار، ولا يصح الاستدلال به، على أن الكفار لا يخلفون في بيعهم، ويقال: إن ذلك من أهوائهم؛ لأن اتباع أهوائهم إنما هو فيما ينفعهم، وهذا التحليف يضرهم فهو ضد اتباع أهوائهم.