وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقࣰا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلࣲّ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةࣰ وَمِنۡهَاجࣰاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةࣰ وَٰحِدَةࣰ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعࣰا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ 48
قوله تعالى: ﴿سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ الآية:
اختلف في تفسير السحت فقيل: الرشاوي، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((السحت رشوة في الحكم))، وروي عن ابن مسعود أنه قال: السحت أن يقضي الرجل لأخيه حاجة فيهدي إليه هدية فيقبلها. وروي عن علي رضي الله تعالى عنه، قال: السحت الرشوة في الحكم ومهر البغي وعسيب الفحل وكسب الحجام وثمن الكلب وثمن الخمر وثمن الميتة وحلوان الكاهن والاستعجال في المعصية. وقال بعضهم: السحت هنا الحرام، وأصله في اللغة الاستئصال من قولهم: أسحته الله أي استأصله، وهو راجع إلى معنى الهلاك. وكذلك الحرام مهلك أهله، فأخذ الرشوة من هذا، وكذلك الهدية على الحكم، فإن الحاكم يجب عليه إظهار الحق، ففما أخذ عليه فهو رشوة، ومن أجل هذا منع الشافعي الصلح على الإنكار؛ لأن الذي ينكر إذا جعل القول قوله، فكأنه بما بذله من المال يدفع الظلم عن نفسه فهو كالرشوة في فعل واجب أو رفع ظلم. ومن هذا القبيل من يستشفع به إلى السلطان يتقي شره فيدفع إليه على ذلك رشوة، وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي.
[ - وقوله تعالى: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾]
اختلف في هذه الآية، هل هي محكمة أو منسوخة؟ فذهب قوم إلى أنها محكمة، وأن الإمام مخير في الحكم بينهم إذا تحاكموا إليه، وهو قول مالك والمشهور من قول الشافعي. وذهب قوم إلى أنها منسوخة وأنه يحرم ترك الحك بينهم، وأن الإمام لا يكون مخيرًا في ذلك. والناسخ قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾، وقوله: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 48]، وأنه لا يجوز للإمام ردهم إلى حكامهم إذا حكموه، وإنما كان ذلك التخيير في أول الإسلام ليكون ذلك أدعى لقلوبهم وأقرب، ثم نسح بما ذكرناه. وقد قال عمر بن عبد العزيز والزهري والشافعي في أحد قوليه في معنى قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]، إنه إن تجري عليهم أحكام المسلمين فيجب أن لا يردوا إلى حكامهم. وهذا القول في الآية بعيد؛ لأن النسخ حكم مبتدأ لا يكون معطوفًا على ما قبله، فعطف هاتين الآيتين على آية التخيير يدل على أنهما غير ناسختين لآية التخيير.
والذين ذهبوا إلى القول الأول اختلفوا في تأويل الآيتين اللتين ذكر أنهما ناسختان. فقيل: إن قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾، وقوله: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾، معناه: فيما يتظالمون به بينهم. وقيلك إن المراد أن احكم بينهم إن حكمت، فهي على ما توجبه الآية الأخرى من التخيير. وقيل: إن الآية الأولى تضمنت التخيير في الحكم، وأنه عليه الصلاة والسلام إن اختار الحكم حكم بينهم بحكم التوراة، وهو المراد بقوله: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 42]، وبقوله تعالى: ﴿وأن احكم بينهم بالقسط﴾ [المائدة: 49]-أي في التوراة- إن حكمت، ثم نسخ ما فيها من الحكم بالتوراة يقوله عز وجل: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 48]، معناه: بما أنزل الله عليك في القرآن إن حكمت. قالوا: فالآية ناسخة للحكم بالتوراة لا للتخيير في الحكم؛ إذ قد أجمع أهل العلم على أنه لا يجوز الحكم بينهم إلا بما في القرآن. وقال أبو الحسن: يحتمل أن يكون آية الإعراض عنهم قبل ضرب الجزية عليهم؛ لأنهم لم يكونوا حينئذ داخلين في حكم الإسلام، وإنما كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم هدنة في أن لا يتعرض لهم ولا يؤخذون بشيء من أحكام الإسلام أمرنا بالحكم بينهم، فيكون حكم الآيتين جميعًا حكمًا ثابتًا غير منسوخ، ففرق بين أهل العهد والذمة. والأصح أنهما سواء، فيتحصل من هذا أن ما تظالموا فيه، متفق على أن الإمام يحكم بينهم فيه، وإن لم يحكموه، ويكف بعضهم عن بعض، ويكف غيرهم أيضًا عنهم؛ لأنهم إنما بذلوا الجزية على ذلك، فهو من الوفاء لهم، ولا خلاف في ذلك بين أحد من أهل العلم، وأن ما سوى ذلك من الأحكام إذا تحاكموا إلينا فيه، ففيه قولان، أحدهما: التخيير في الحكم. والثاني: إيجاب الحكم. وإذا لم يتحاكموا إلينا بدليل أنه لا يحكم علهم في الحدود شاؤوا أو أبوا وإن لم يحكمونا ولا رضوا بحكمنا، وهذا القول ترده آية التخيير على ما قدمنا. ففي الحدود التي يجب على الإمام أن يحكم فيها بين المسلمين، وإن لم يترافعوا إليه، ثلاثة أقوال في أهل اللغة، أحدها: أنه يجب على الإمام أن يحكم بينهم فيها وإن لم يحكموه، وهو قول ضعيف. والثاني: لا يجب عليه إلا أن يحكموه. وقد قمنا وجه رده. والثالث: أ، ذلك لا يجب عليه وإن حكموه، وهذا القول هو الذي تعضده آية التخيير. وفي البيوع والنكاح والمعاملات وما أشبه ذلك مما لا يجب على الإمام أن يحكم بين المسلمين فيه إلا أن يترافعوا إليه قولان، أحدهما: أنه يجب عليه أن يحكم بينهم فيها إذا ترافعوا إليه ورضوا بحكمه. والثاني: وهو مذهب مالك الذي تعقده الآية أن ذلك ليس بواجب عليه وله أن يحكم أو يترك، وإذا رضي أحد الخصمين منهم بحكم المسلمين وأبى الآخر فلا يحكم بينهم بحكم المسلمين؛ لأن الله تعالى إنما قال: ﴿فإن جاؤوك﴾ يريد الخصمين، إلا أنه اختلف في العتق والطلاق إذا أبى المعتق والمطلق من تنفيذ ذلك، وطلب العبد أو الزوجة التنفيذ فيه بحكم المسلمين، فحكى سحنون عن المغيرة أن السلطان يحكم بطلاق المرأة وعتق الغلام، ذكر ذلك قيمن حلف بذلك وحنث ورفعت الزوجة والعبد أمرهما إلى السلطان، وإذا تراضيا أن يحكم بينهما حاكم المسلمين في طلاق وقع، فإن كان ذلك على أن يحكم بينهما في ذلك لو كانا مسلمين حكم بصحة الطلاق، وإن كان ثلاثًا منعه منها إلا بعد زوج. وإن قالا: احكم بما يجب على النصراني عندكم إذا طلق، فالذي يحكم به بينهما أن ذلك ليس بطلاق، على مذهب الجمهور. وحكى ابن القصار عن ابن شهاب والأوزاعي والثوري أن طلاقهم طلاق واقع، وأنه إن طلق ثلاثًا ثم أسلم في الحال لم يقر معها، ولا تحل إلا بعد نكاح مستأنف، فإن قالا: احكم بيننا بما يجب في ديننا أو كانا يهوديين فقالا: احكم بما يجب في ذلك بالتوراة، لم يحكم بينهما؛ لأنا لا ندري هل ذلك مما غيروه أم لا، ولأن ذلك منسوخ بالقرآن. وقد قيل: إن حكم النبي عليه الصلاة والسلام بينهم إذ ذاك قبل أن تكون لهم ذمة.
واختلف في النصرانيين يرد أن التحاكم إلى حكم المسلمين ويأبى ذلك الأسقف، هل لحاكم المسلمين أن يحكم بينهما أم لا؟ فقال ابن القاسم: لا يحكم بينهما، وقال سحنون: له أن يحكم بينهما، وقول سحنون أجرى على ظاهر الآية؛ لأن قوله تعالى: ﴿فإن جاؤوك فاحكم بينهم﴾ إنما أراد به من يتحاكم إلينا منهم، ولم يذكر رضى أسقف ولا غيره. وهذه الآية قيل: إنها نزلت في المدينة بين بني قريظة وبني النضير وذلك أن بني النضير كان لهم شرف، فكانوا يؤدون الدية كاملة، وكان بنو قريظة يؤدون نصف الدية فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية فحملهم على التسوية في ذلك، لم يكن لقريظة والنضير ذمة أصلًا، وقد أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهل الذمة لا يجوز ذلك فيهم، وهذا القول مروي عن ابن عباس، وروي عنه أيضًا وعن الحسن ومجاهد والزهري: أنها نزلت في القصة المشهورة من تحكيم النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الزانيين، فحكم عليهم بالرجم. وقد اختلف في هل حكم النبي صلى الله عليه وسلم بينهما بحكم التوراة أم بحكم الإسلام؟ فذهب قوم إلى أنه إنما حكم بينهم بحكم التوراة؛ لأن حكم الإسلام في مثل هؤلاء أن لا حد عليهم، فحكم صلى الله عليه وسلم بينهم بالرجم الذي هو حكم التوراة؛ إذ لم تكن لهم ذمة، فكان دمهم مباحًا، فإنما حكم النبي صلى الله عليه وسلم بحكم الإسلام الذي هو القتل فيمن لم تكن له ذمة من الكفار، ووافق حكم التوراة، وإنما نزلت آية الجزية سنة تسع من الهجرة منصرف النبي صلى الله عليه وسلم من حنين، قالوا وقوله تعالى: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾، أي بالقتل الموافق لحكم التوراة، وإلى نحو هذا ذهب مالك. وقال بعضهم: حكم النبي صلى الله عليه وسلم بحكم التوراة الذي هو الرجم ولم يفرقوا بين أهل الذمة وغيرهم. ثم نسخ الحكم بما في التوراة، وأمر أن يحكم بما في القرآن، وقيل: حكم النبي صلى الله عليه وسلم بينهم بما في التوراة قبل أن تنزل آية الزنا، وأن هذا يقتضي الحكم بالتوراة فيما لم يجيء فيه عندنا حكم. وذهب قوم إلى أنه إنما حكم بينهم بحكم الإسلام؛ لأن الإسلام ليس بشرط في الإحصان، وأن اليهوديين والنصرانيين إذا زنيا حكم عليهما بالرجم إن كان ثيبيين، وبالجلد إذا كانا بكريين. قال الشافعي في أحد قوليه: إذا رضيا بحك المسلمين فعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾ لا يريد به التوراة. ورجح الطبري هذا القول، قد قيل في مثل هذه النازلة: أنهما يجلدان ولا يرجمان، وروي عن أبي حنيفة وعن المغيرة من أصحاب مالك. قال أبو الحسن: وهذه الآية أيضًا تدل على أن الخمر ليست بمال لأهل الذمة ولا بمضمونة على متلفها عليهم؛ لأن إيجاب ضمانها على متلفها حكم بموجب أهواء اليهود، وقد أمرنا بخلاف ذلك لهم، لا نتعرض لهم في خمورهم، ولا في مناكحاتهم الباطلة. وقد فتح عمر رضي الله تعالى عنه سواد العراق، وكان أهلها مجوسًا، ولم يتعرض لمناكحاتهم الكائنة من قبل على اخواتهم وبناتهم ولا فرق بينهم.
اختلف في تفسير السحت فقيل: الرشاوي، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((السحت رشوة في الحكم))، وروي عن ابن مسعود أنه قال: السحت أن يقضي الرجل لأخيه حاجة فيهدي إليه هدية فيقبلها. وروي عن علي رضي الله تعالى عنه، قال: السحت الرشوة في الحكم ومهر البغي وعسيب الفحل وكسب الحجام وثمن الكلب وثمن الخمر وثمن الميتة وحلوان الكاهن والاستعجال في المعصية. وقال بعضهم: السحت هنا الحرام، وأصله في اللغة الاستئصال من قولهم: أسحته الله أي استأصله، وهو راجع إلى معنى الهلاك. وكذلك الحرام مهلك أهله، فأخذ الرشوة من هذا، وكذلك الهدية على الحكم، فإن الحاكم يجب عليه إظهار الحق، ففما أخذ عليه فهو رشوة، ومن أجل هذا منع الشافعي الصلح على الإنكار؛ لأن الذي ينكر إذا جعل القول قوله، فكأنه بما بذله من المال يدفع الظلم عن نفسه فهو كالرشوة في فعل واجب أو رفع ظلم. ومن هذا القبيل من يستشفع به إلى السلطان يتقي شره فيدفع إليه على ذلك رشوة، وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي.
[ - وقوله تعالى: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾]
اختلف في هذه الآية، هل هي محكمة أو منسوخة؟ فذهب قوم إلى أنها محكمة، وأن الإمام مخير في الحكم بينهم إذا تحاكموا إليه، وهو قول مالك والمشهور من قول الشافعي. وذهب قوم إلى أنها منسوخة وأنه يحرم ترك الحك بينهم، وأن الإمام لا يكون مخيرًا في ذلك. والناسخ قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾، وقوله: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 48]، وأنه لا يجوز للإمام ردهم إلى حكامهم إذا حكموه، وإنما كان ذلك التخيير في أول الإسلام ليكون ذلك أدعى لقلوبهم وأقرب، ثم نسح بما ذكرناه. وقد قال عمر بن عبد العزيز والزهري والشافعي في أحد قوليه في معنى قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]، إنه إن تجري عليهم أحكام المسلمين فيجب أن لا يردوا إلى حكامهم. وهذا القول في الآية بعيد؛ لأن النسخ حكم مبتدأ لا يكون معطوفًا على ما قبله، فعطف هاتين الآيتين على آية التخيير يدل على أنهما غير ناسختين لآية التخيير.
والذين ذهبوا إلى القول الأول اختلفوا في تأويل الآيتين اللتين ذكر أنهما ناسختان. فقيل: إن قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾، وقوله: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾، معناه: فيما يتظالمون به بينهم. وقيلك إن المراد أن احكم بينهم إن حكمت، فهي على ما توجبه الآية الأخرى من التخيير. وقيل: إن الآية الأولى تضمنت التخيير في الحكم، وأنه عليه الصلاة والسلام إن اختار الحكم حكم بينهم بحكم التوراة، وهو المراد بقوله: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 42]، وبقوله تعالى: ﴿وأن احكم بينهم بالقسط﴾ [المائدة: 49]-أي في التوراة- إن حكمت، ثم نسخ ما فيها من الحكم بالتوراة يقوله عز وجل: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 48]، معناه: بما أنزل الله عليك في القرآن إن حكمت. قالوا: فالآية ناسخة للحكم بالتوراة لا للتخيير في الحكم؛ إذ قد أجمع أهل العلم على أنه لا يجوز الحكم بينهم إلا بما في القرآن. وقال أبو الحسن: يحتمل أن يكون آية الإعراض عنهم قبل ضرب الجزية عليهم؛ لأنهم لم يكونوا حينئذ داخلين في حكم الإسلام، وإنما كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم هدنة في أن لا يتعرض لهم ولا يؤخذون بشيء من أحكام الإسلام أمرنا بالحكم بينهم، فيكون حكم الآيتين جميعًا حكمًا ثابتًا غير منسوخ، ففرق بين أهل العهد والذمة. والأصح أنهما سواء، فيتحصل من هذا أن ما تظالموا فيه، متفق على أن الإمام يحكم بينهم فيه، وإن لم يحكموه، ويكف بعضهم عن بعض، ويكف غيرهم أيضًا عنهم؛ لأنهم إنما بذلوا الجزية على ذلك، فهو من الوفاء لهم، ولا خلاف في ذلك بين أحد من أهل العلم، وأن ما سوى ذلك من الأحكام إذا تحاكموا إلينا فيه، ففيه قولان، أحدهما: التخيير في الحكم. والثاني: إيجاب الحكم. وإذا لم يتحاكموا إلينا بدليل أنه لا يحكم علهم في الحدود شاؤوا أو أبوا وإن لم يحكمونا ولا رضوا بحكمنا، وهذا القول ترده آية التخيير على ما قدمنا. ففي الحدود التي يجب على الإمام أن يحكم فيها بين المسلمين، وإن لم يترافعوا إليه، ثلاثة أقوال في أهل اللغة، أحدها: أنه يجب على الإمام أن يحكم بينهم فيها وإن لم يحكموه، وهو قول ضعيف. والثاني: لا يجب عليه إلا أن يحكموه. وقد قمنا وجه رده. والثالث: أ، ذلك لا يجب عليه وإن حكموه، وهذا القول هو الذي تعضده آية التخيير. وفي البيوع والنكاح والمعاملات وما أشبه ذلك مما لا يجب على الإمام أن يحكم بين المسلمين فيه إلا أن يترافعوا إليه قولان، أحدهما: أنه يجب عليه أن يحكم بينهم فيها إذا ترافعوا إليه ورضوا بحكمه. والثاني: وهو مذهب مالك الذي تعقده الآية أن ذلك ليس بواجب عليه وله أن يحكم أو يترك، وإذا رضي أحد الخصمين منهم بحكم المسلمين وأبى الآخر فلا يحكم بينهم بحكم المسلمين؛ لأن الله تعالى إنما قال: ﴿فإن جاؤوك﴾ يريد الخصمين، إلا أنه اختلف في العتق والطلاق إذا أبى المعتق والمطلق من تنفيذ ذلك، وطلب العبد أو الزوجة التنفيذ فيه بحكم المسلمين، فحكى سحنون عن المغيرة أن السلطان يحكم بطلاق المرأة وعتق الغلام، ذكر ذلك قيمن حلف بذلك وحنث ورفعت الزوجة والعبد أمرهما إلى السلطان، وإذا تراضيا أن يحكم بينهما حاكم المسلمين في طلاق وقع، فإن كان ذلك على أن يحكم بينهما في ذلك لو كانا مسلمين حكم بصحة الطلاق، وإن كان ثلاثًا منعه منها إلا بعد زوج. وإن قالا: احكم بما يجب على النصراني عندكم إذا طلق، فالذي يحكم به بينهما أن ذلك ليس بطلاق، على مذهب الجمهور. وحكى ابن القصار عن ابن شهاب والأوزاعي والثوري أن طلاقهم طلاق واقع، وأنه إن طلق ثلاثًا ثم أسلم في الحال لم يقر معها، ولا تحل إلا بعد نكاح مستأنف، فإن قالا: احكم بيننا بما يجب في ديننا أو كانا يهوديين فقالا: احكم بما يجب في ذلك بالتوراة، لم يحكم بينهما؛ لأنا لا ندري هل ذلك مما غيروه أم لا، ولأن ذلك منسوخ بالقرآن. وقد قيل: إن حكم النبي عليه الصلاة والسلام بينهم إذ ذاك قبل أن تكون لهم ذمة.
واختلف في النصرانيين يرد أن التحاكم إلى حكم المسلمين ويأبى ذلك الأسقف، هل لحاكم المسلمين أن يحكم بينهما أم لا؟ فقال ابن القاسم: لا يحكم بينهما، وقال سحنون: له أن يحكم بينهما، وقول سحنون أجرى على ظاهر الآية؛ لأن قوله تعالى: ﴿فإن جاؤوك فاحكم بينهم﴾ إنما أراد به من يتحاكم إلينا منهم، ولم يذكر رضى أسقف ولا غيره. وهذه الآية قيل: إنها نزلت في المدينة بين بني قريظة وبني النضير وذلك أن بني النضير كان لهم شرف، فكانوا يؤدون الدية كاملة، وكان بنو قريظة يؤدون نصف الدية فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية فحملهم على التسوية في ذلك، لم يكن لقريظة والنضير ذمة أصلًا، وقد أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهل الذمة لا يجوز ذلك فيهم، وهذا القول مروي عن ابن عباس، وروي عنه أيضًا وعن الحسن ومجاهد والزهري: أنها نزلت في القصة المشهورة من تحكيم النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الزانيين، فحكم عليهم بالرجم. وقد اختلف في هل حكم النبي صلى الله عليه وسلم بينهما بحكم التوراة أم بحكم الإسلام؟ فذهب قوم إلى أنه إنما حكم بينهم بحكم التوراة؛ لأن حكم الإسلام في مثل هؤلاء أن لا حد عليهم، فحكم صلى الله عليه وسلم بينهم بالرجم الذي هو حكم التوراة؛ إذ لم تكن لهم ذمة، فكان دمهم مباحًا، فإنما حكم النبي صلى الله عليه وسلم بحكم الإسلام الذي هو القتل فيمن لم تكن له ذمة من الكفار، ووافق حكم التوراة، وإنما نزلت آية الجزية سنة تسع من الهجرة منصرف النبي صلى الله عليه وسلم من حنين، قالوا وقوله تعالى: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾، أي بالقتل الموافق لحكم التوراة، وإلى نحو هذا ذهب مالك. وقال بعضهم: حكم النبي صلى الله عليه وسلم بحكم التوراة الذي هو الرجم ولم يفرقوا بين أهل الذمة وغيرهم. ثم نسخ الحكم بما في التوراة، وأمر أن يحكم بما في القرآن، وقيل: حكم النبي صلى الله عليه وسلم بينهم بما في التوراة قبل أن تنزل آية الزنا، وأن هذا يقتضي الحكم بالتوراة فيما لم يجيء فيه عندنا حكم. وذهب قوم إلى أنه إنما حكم بينهم بحكم الإسلام؛ لأن الإسلام ليس بشرط في الإحصان، وأن اليهوديين والنصرانيين إذا زنيا حكم عليهما بالرجم إن كان ثيبيين، وبالجلد إذا كانا بكريين. قال الشافعي في أحد قوليه: إذا رضيا بحك المسلمين فعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾ لا يريد به التوراة. ورجح الطبري هذا القول، قد قيل في مثل هذه النازلة: أنهما يجلدان ولا يرجمان، وروي عن أبي حنيفة وعن المغيرة من أصحاب مالك. قال أبو الحسن: وهذه الآية أيضًا تدل على أن الخمر ليست بمال لأهل الذمة ولا بمضمونة على متلفها عليهم؛ لأن إيجاب ضمانها على متلفها حكم بموجب أهواء اليهود، وقد أمرنا بخلاف ذلك لهم، لا نتعرض لهم في خمورهم، ولا في مناكحاتهم الباطلة. وقد فتح عمر رضي الله تعالى عنه سواد العراق، وكان أهلها مجوسًا، ولم يتعرض لمناكحاتهم الكائنة من قبل على اخواتهم وبناتهم ولا فرق بينهم.