وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلࣰا طَيِّبࣰاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ 88
وقوله: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾:
﴿وَكُلُوا﴾ في هذه الآية عبارة عن تمتعوا بالأكل والشرب واللباس والركوب ونحو ذلك. وخص الأكل بالذكر لأنه أعظم المقصود وأخص المنافع بالإنسان. والرزق عند أهل السنة ما صح الانتفاع به. وقالت المعتزلة: كل ما صح تملكه والحرام ليس برزق، لأنه لا يصح تملكه، وكأنهم تأولوا ذلك على ظاهر هذه الآية، وليس كذلك بل دليل خطاب الآية أن الحرام رزق أيضًا؛ لأن تخصيصه الحلال من الرزق يدل على أن ثم منه حرامًا، فأمر تعالى بأكل الحلال، وسكت عن الحرام. وأقام بعضهم أن الحرام رزق من قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: 15]، قال: فذكر المغفرة مشيرًا إلى أن الرزق قد يكون حرامًا، وهذا استدلال ضعيف.
[ - وقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾]
قد بين تعالى في هذه الآية أن المؤاخذة المذكورة في آية البقرة هي المؤاخذة بالكفارة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: 89] الآية؛ لأنه تعالى إنما نفى اللغو ما أثبته لما عقدت به الأيمان. وقد اختلف العلماء في تحصيل اللغو وتحصيا ما عقدت به الأيمان اختلافًا كثيرًا، فروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: لما حرموا الطيبات من المآكل حلفوا على ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأبان أن الحلف لا يحرم شيئًا، فاللغو في الآية على هذا هو تحريم ما أحل الله تعالى، والمراد بقوله تعالى: ﴿بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ﴾، الأيمان التي حلفوا بها على ذلك التحريم، فجعل تعالى في الأيمان كفارة، ولم يجعل في التحريم شيئًا. وروي عن عطاء -وقد سئل عن اللغو في اليمين- فقال: قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((هو كلام الرجل في بيته: لا والله، بلى والله)). وروي أيضًا عن عائشة رضي الله عنها موقوفًا أنها قالت: لغو اليمين: لا والله، بلى والله. وروي مثله عن إسماعيل القاضي، فعلى هذا يكون معنى الآية: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾، أي: من أيمانكم، وتكون الأيمان على هذا منها ما يؤاخذ به ومنها ما لا يؤاخذ به في معنى الكفارة دون اعتبار الحلف على ماض أو مستقبل، وهو مذهب الشافعي. وذهب مالك وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى إلى أن الأيمان على ما مضى لا كفارة فيها، وأن الأيمان على ما يستقبل هي التي تتعلق بها الكفارة، فيكون معنى الآية على هذا: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾، أي بالكفارة في الأيمان على ما مضى ولكن يؤاخذكم بها في الأيمان المستقبلة، وتأولوا قوله تعالى: ﴿عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ﴾ أن المراد به كل ما يتصور عليه عقد العزم في الأفعال. وبهذا لا يصح إلا في الأفعال المستقبلة، وأما الماضية فلا يتصور عقد العزم عليها. قال بعضهم: وهذا ينتقض بالحلف على فعل الغير ونحوه، وفي هذا نظر. وقال بعضهم: اللغو أن يحلف على معصية أن يفعلها، فينبغي له ألا يفعلها ولا كفارة عليه بالحنث في ذلك. وروي عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليتركها، فأن تركها كفارتها))، وقد مر في سورة البقرة الكلام على سائر التأويلات في الآية.
وقوله: ﴿بما عقدت الأيمان﴾ فيه ثلاث قراءات: عقدتم الأيمان مخفف ومشدد، وعاقدتم. وأصله كله من عقد الحبل. والأيمان هنا جمع يمين على حذف الزائد. ولم يختلف أن المراد بالأيمان ها هنا الأيمان بالله تعالى، فأما اليمين بالطلاق فيلزم الحانث بها الطلاق. وكذلك اليمين بالمشي إلى مكة يلزم الحالف بها الحانث المشي. وكذلك اليمين بصدقة المال تلزم أيضًا إن حلف على اختلاف بينهم في مقدار ما يلزم الحانث، وكذلك اليمين بالعتق يلزم الحانث بها العتق.
وكذلك سائر أفعال البر، وليس فيها لغو ولا كفارة، وهو قول الجمهور ومالك ومن تبعه. وقيل: يكون في اليمين بالله تعالى وبالطلاق وبغير ذلك من أفعال البر العتق فما دونه، وليس على الحانث بها إلا كفارة يمين، وهو قول شاذ، فالأيمان بهذه الأشياء كلها على هذا القول داخلة تحت قوله تعالى: ﴿وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾، وقيل: اليمين بالله تعالى وبغيره من أفعال البر ما خلا العتق والطلاق ليس فيها إلا كفارة. فأما العتق والطلاق فيلزم الحانث بهما ما حلف عليه، فعلى هذا تكون الأيمان كلها داخلة تحت لفظ الآية ما عدا اليمين بالطلاق والعتاق. وقيل: بالله تعالى وبغير من أفعال البر العتق فمنا دونه ليس فيها إلا كفارة. وأما الطلاق فيلزم الحلاف به ما حلف عليه، فعلى هذا القول الأيمان كلها داخلة تحت لفظ الآية ما عدا الطلاق. وقد روي عن ابن القاسم في المشي إلى مكة أنه ليس على الحالف بها إلا كفارة، فهذا أيضًا هو قول من يرى في اليمين بالله تعالى والعتق والطلاق والصدقة ونحو ذلك لزمه أن يدخلها لغو اليمين أيضًا. ومن رآها خاصة لبعض الأيمان خص اللغو به أيضًا، والإجماع من المذهب على خلاف ذلك. وحجة من يجري الأيمان كلها أو أكثرها في الكفارة واللغو مجرى واحدًا عموم ألفاظ هذه الآية، ومن خصص شيئًا منها فبدليل قام له على ذلك من قياس أو غيره، فيتحصل من هذا أن اليمين بالله تعالى مرادة بالآية بلا خلاف، وما عدا ذلك من الأيمان، فمختلف فيه. وقد اختلف في الأيمان له لازمة فحنث ولا نية له، فمن رأى أن الأيمان بغير الله تعالى لا تنعقد لم يلزم شيئًا. ومن راعى عرف الشرع في الأيمان، ورأى أن إطلاق اليمين إنما تحمل على الحلف بالله تعالى، أو رأى اليمين بالله تعالى أو بسائر الأشياء سواء ألزم الحانث كفارة يمين، ومن جعل الأيمان على عمومها وراعى كل يمين ومقتضاها ألزمه الكفارة والطلاق والعتق والصدقة والمشي والظهار، وهو قول الجمهور، إلا أن هؤلاء اختلفوا في عدد الطلاق: فمنهم من احتاط وأخذ فيه بأكثر ما يقع عليه اللفظ وهو الثلاث. ومنهم من أخذ فيه بأقل ما يقع عليه اللفظ وهي الواحدة إلا أن هؤلاء اختلفوا هل تكون بائنة أو رجعية، وهذا الخلاف كله منصوص للمتأخرين، وممنوع في مذاهب المتقدمين فيه. والكفارة مأخوذة من كفر الذراع، وكفر الذراع فوق درعه، والكافر الليل، وهذا كله أصله الستر، وسميت بذلك لأنها تستر إثم الحانث وتغطيه.
[ - وقوله تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ الآية]
تضمنت هذه الآية أن كفارة تكون بأربعة أشياء: إطعام أو كسوة أو تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام، وهو فيما عدا مخير، وعلى ذلك حمل العلماء ((أو))، ولا يعلم بينهم في ذلك خلال، فأما الصيام فلا يجوز الرجوع إليه إلا بعد العجز عن أحد تلك الأشياء؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: 89]، فشرط جواز الصيام بعدم الوجد. وقد اختلف في صنف الطعام الذي أوجبه الله تعالى على الكفر، وفي قدره، فأم صنفه ففيه ثلاثة أقوال، وهذا الخلاف على القول بأن قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89]. أراد بالتوسط التوسط في الصنف لا في القدر، أو أراد به التوسط في الأمرين جميعًا. فقيل: يتجنب أدنى ما يأكل الناس في البلد وينحط عن الأعلى ويكفر بالمتوسط من ذلك. وقيل: يراعي في ذلك غالب عيش البلد، وهو الصنف الذي يكفر به، وهذا القول في كتاب ابن المواز، وكل يتأول قوله تعالى في الآية: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ على قوله. وأما القدر ففيه اختلاف كثير، وهذا الخلاف على القول بأن المراد التوسط في القدر لا في الصنف أو التوسط فيهما جميعًا. فقيل: يطعم المكفر كل مسكين مدًا من طعامه بمد النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان، وهو قول الشافعي والفقهاء السبعة وأحمد وإسحاق، وهو قول ابن القاسم. وذكر إسماعيل القاضي أنه قال: يطعم ما يكفي ليومه، وقيل: إن أطعم بالمدينة أطعم مدًا لكل مسكين؛ لأنه وسط عيشهم وإن أطعم في سائر الأمصار أطعم وسطًا من عيشهم، وهو قول مالك رحمه الله تعالى. وقال الحسن بن أبي الحسن: إن جمعهم إشباعة واحدة، وإن أعطاهم أعطاهم مكوكًا مكوكًا. وقيل: يطعم نصف صاع لكل مسكين، وهو قول الثوري وأبي حنيفة. وقيل: يطعم كل مسكين نصف صاع من حنطة، وإن أعطى تمرًا أو شعيرًا فصاعًا صاعًا، وهو قول الشعبي وسائر الكوفيين. وقال ابن القصار: ومن الحجة على هذه المقالة قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، وأوسط ما يطعم أهله ما غلب من العرف وهو ما يغدي ويعشي ويشبع، وليس في العرف أن يأخذ الواحد صاعًا من شعير أو تمر، الذي هو عندهم ثمانية أرطال، ولا نصف صاع من بر وهو أربعة أرطال. والحكم معلق على الغالب لا على النادر، ويجوز أن يغدي المساكين ويعشيهم عند مالك والكوفيين. وقال الشافعي: لا يعطيهم غير المكيلة دفعة واحدة. وقال ابن القصار الجميع عندنا لا يجوز؛ لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾، ولم يخص، فإن أطعم بالغداة والعشي فقد أطعم. وقال بعضهم: اختلف علماء السلف في التغدية والتعشية، ولذلك اختلف فيه الشافعي وأبو حنيفة. وظاهر قوله تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾، يدل على جواز التغدية والتعشية، على ما قاله أبو حنيفة. إلا أن الشافعي يقول: لما قال: ﴿إِطْعَامُ﴾ فمعناه: جعل المال طعمة لا أنه فعل الإطعام الذي يتعقبه التطعم. وقد قال ابن سيرين والأوزاعي: يجزيهم أكلة واحدة، ويتعلقون بلفظ الآية. واختلف هل يجوز أن يطعم الخبز نفارًا أم لا؟ ففي ((شرج ابن مزين)) أنه يجزئ، وهو الذي على أصل مالك رحمه الله تعالى. وعند ابن حبيب أنه لا يجزئ إلا بأدام وزيت أو لبن أو لحم ونحوه، فوجه القول بمراعاة الأدام قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. ولا بد في إطعام الأهلين من أدام، والقاضي يفرضه مع الخبز باتفاق. ووجه الترك لمراعاة ذلك قوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: 4]. وعمومه يقتضي ما كان مأدومًا وغير مأدوم، فيتحصل في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ ثلاثة أقوال، أحدها: أنه أراد بالتوسط الصنف، والثاني: أنه أراد القدر، والثالث: أنه أرادهما جميعًا وهو الأظهر.
واختلف في الرجل لا يقدر على أكثر من الشعير، وأهل البلد يأكلون القمح، فقيل: ليس له أن يعطيها الشعير، وهو قول مالك في ((سماع يحيى)). وقيل: له أن يعطيها ذلك، وليس لها أن تمتنع منه، وهو ظاهر رواية أشهب عن مالك, ووجه الأول يدل عليه قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، إذ قد علم أن الرجل لا يطعم أهله إلا ما يجد ويقدر عليه. واختلف في قدر الكسوة التي تلزم المكفر، فقيل: الكسوة ثوب واحد لكل مسكين، تجوز فيه الصلاة، وهو قول الحسن ومجاهد. وقيل: لا يجزئ الثوب الواحد إلا إذا كان جامعًا مما قد يتزيا به كالكساء والملحفة. وقيل: الكسوة ثوبان لكل مسكين، وهو قول الحسن أيضًا وابن سيرين وأبي موسى الأشعري، وروي عن ابن عمر وجابر بن زيد والزهري. وقيل: الكسوة إزار وقميص ورداء، وقيل: يجزئ أقل ما يقع عليه اسم كسوة على الوسط، فكما يطعم الوسط كذلك يكسو الوسط، وهو قول أبي حنيفة. وقال قوم: يجزئ أقل ما يقع عليه اسم كسوة وهو أحد قولي الشافعي، وقد نسب إلى أبي حنيفة. وقال الشافعي: يجزئ خرقة أو قلنسوة أو تكة وما أشبه ذلك. وقال سفيان: إن يكسو ثوبًا أو قميصًا أو ملحفة أو إزارًا أو عمامة. وروي عن مجاهد أنه يجزئ كل شيء، إلا التبان. وروي عن سلمان أنه قال: نعم الثوب التبان. وحجة هذا القول الأخذ بنفس اللفظ خاصة. وقال إسماعيل القاضي في قول الشافعي: هذا قول لم يسبقه إليه أحد من الصحابة ولا من التابعين، فلو قال في الإطعام لكل مسكين لقمة لمر قوله على نظام، ولكنه قال: من الطعام ما يكفي ليومه، ومن الكسوة ما لا تطلق العرب أن فاعله كاس ولا أن لابسه كاس، فيلزمه التناقض. وقال مالك رحمه الله تعالى: أقل ما يجزئ من الكسوة ما تجوز فيه الصلاة، وذلك ثوب للرجل ودرع وخمار للمرأة، وهذا أحسن ما تأولت عليه الآية؛ لأن إطلاق اللفظ بالكسوة يقتضي التقدير فيها، هذا هو الظاهر منه. وإذا كان مقدرًا فما راعاه مالك في ذلك أولى. وإن كسا الصغار جاز، ولا يكسوهم إلا كما يكسو الكبار. وقال ابن المواز -من رأيه- بل كسوة رجل كبير وإلا لم يجز. وقال أشهب وابن الماجشون: يعطي الأنثى إذا لم تبلغ الصلاة ثوب رجل ويجزئ. والحجة على ابن المواز قوله تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ فعم المساكين ولم يخص صغيرًا من كبير. ولا يجوز عندنا أن يخرج القيمة في شيء من الكفارات، وجوزها أبو حنيفة. والحجة عليه قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ الآية، وإذا أخرج فلم يأت بما حد الله تعالى في الكفارة، وهو الاقتصار على الإطعام أو الكسوة أو العتق. وقال بعض الشافعية: لما ذكر الله تعالى الطعام والكسوة والتحرير دل ذلك على منع إخراج القيمة؛ لأنه لو جاز ذلك لكان التقدير في الآية حصول هذا القدر للمساكين ولو كان ذلك مقصودًا ما خير بين هذه الثلاثة الأشياء لتقارب قيمتها في الغالب من الأحوال، وهذا مثل احتجاجهم أيضًا في منع القيم في الزكاة بإيجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجيران شاتين أو عشرين درهمًا مع التقارب غالبًا، وإيجاب الصاع في زكاة الفطر من التمر والزبيب والبر والشعير مع تفاوت قيمتها غالبًا، فهذه أقوى الحجج على إبطال القيمة. واختلفوا في عدد المساكين هل هو شرط في الإطعام أم لا؟ فعندنا أنه شرط لا بد من عشرة مساكين. وقال أبو حنيفة: إن شاء صرفه إلى هذا العدد، وإن شاء أعطاه مسكينًا واحدًا في عشرة أيام. وقال الأوزاعي: إن شاء صرفه إلى هذا العدد وإن شاء أعطاه مسكينًا واحدًا في وقت واحد. ودليلنا أنه تعالى جعل لكل مسكين جزء من الطعام، فلم يجز أن يسند واحد بجميعه. واختلفوا في كسوة بعض العشرة المساكين وإطعام بعضهم أيجزئ أم لا؟ فعندنا أنه لا يجزئ. وقال الثوري: يجزئ. والحجة للقول الأول ظاهر الآية؛ لأنه تعالى إنما حد إطعام عشرة مساكين أو كسوة عشرة مساكين. وظاهر هذا إما أن ينفرد بالإطعام ولا يكسو، وإما أن ينفرد بالكسوة ولا يطعم، وأما أن يجمع بينهما فلا، ومن أجاز ذلك فهو مخالف لظاهر الآية. واختلف في العشرة المساكين الذين يطعمون أو يكسون هل يشترط فيهم الإسلام والحرية أم لا؟ فعندنا أن ذلك مشترط فيهم. وقال أبو حنيفة: ليس بشرط، وجائز أن يطعموا أو يكسوا. وحجته عموم الآية، وإن أطعم في الكفارة غنيًا وجهل غناه، فعن مالك أنه لا يجزئ. وعنه أيضًا أنه يجزئ. ولحجة للقول الأول قوله تعالى: ﴿عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾، فلم يجعل للأغنياء فيها حظًا، فلا يجزئ إطعامهم.
[ - وقوله تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾]
قد مر الكلام على طرف من أحكامه في سورة النساء، فلا معنى لإعادته، وعندنا أنه لا يجزئ في هذه الرقبة أعمى ولا أبرص ولا مجنون، وهو قول جماعة من أهل العلم. وفي الأعور قولان في المذهب، وكذلك في الأصم والخصي، ومن العلماء من رأى أن جميع هذا يجزئ لعموم الآية عنده. وجوز النخعي عتق من يعمل اشتغاله وخدمته ومنع عتق من لا يعمل، كالأعمى والمقعد والأشل اليدين والأعجمي يجزئ من قصر النفقة، قال مالك وغيره أحب إلي. قال سحنون: يريد بعد أن يجيب على الإسلام، فإن كان لم يجب إلا أنه ممن يجبر على الإسلام كالكبير من المجوس والصغير من الحربيين الكتابيين. فقال ابن القاسم: يجزئ عتقه وإن لم يسلم. وقال أشهب: لا يجزئ حتى يسلم. وحجة من أجاز عتقه عموم الآية، وإلا أن يقول من يشترط الإسلام أن الله تعالى قد شرط في عتق الرقبة في كفارة القتل الأيمان، وأطلقها هنا في كفارة اليمين، فيحمل المطلق على المقيد، فلا يجوز إلا عتق من آمن. وقد تقدم الكلام على هذا المعنى، وفي هذه الآية لمن يقول من الأصوليين: بأن الواجب يكون معينًا ويكون مبهمًا خلافًا لمن يقول منهم: لا يكون الواجب مبهمًا، لأنه تعالى قد أوجب على الحانث أحد هذه الثلاث ولم يعين واحدًا منها للوجوب، فالواجب منها واحد بغير عينه فهو مبهم.
- قوله تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾:
اختلف في عدم الوجد الذي يجوز معه الصيام ما هو؟ فقيل: إذا لم يجد بعد قوته وقوت عياله يومًا وليلة ما يطعم منه عشرة مساكين أو يكسوهم أو يعتق رقبة فهو من أهل الصيام، وهذا قول مالك والشافعي وغيرهما. وقال ابن القاسم: من يفضل له نفقة يوم فإنه لا يصوم. وقال سعيد ين جبير: إن لم يكن له ثلاثة دراهم أطعم. وقال آخرون: جائز لمن تكن عنده مائتا درهم أن يصوم وهو ممن لم يجد. وقال آخرون: جائز لمن لم يكن عنده فضل على رأس ماله الذي يتصرف به في معاشه أن يصوم. وقال عطاء الخراساني: إن كانت عنده عشرون درهمًا أطعم، فإن كانت دون العشرين صام. وقال الشافعي: من له أن يأخذ من الصدقة له أن يصوم، والقول الأول أليق بألفاظ الآية على مفهومها.
- وقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾:
اختلف هل هي متتابعة أم لا؟ فعند مالك أن تفرقتها جائز. وعن أبي حنيفة أنه لا يجوز تفرقتها. وهذا أحد قولي الشافعي. وحجة مالك أن الله تعالى ذكر صيامها ولم يشترط التتابع، واحتج من خالفه بقراءة ابن مسعود: فصيام ثلاثة أيام متتابعات. واختلف في العبد يحنث في يمين، إن أذن له السيد في الإطعام والكسوة والعتق، بعد اتفاقهم على أنه لا يجب عليه إلا الصوم لأنه ممن لم يحد، إذ ماله أنما هو لسيده، فقال الشافعي: لا يجزيه إلى الصوم؛ لأن الإذن عنده لم يقع إلا وقد وجب الصوم للآية، فلم ينتقل ذلك بانتقال حاله. وقال أبو ثور: إنه يجزيه أن يطعم أو يكسو أو يعتق، إذا أذن له السيد؛ لأنه عنده ممن يجد فدخل تحت عموم الآية، ولم يراع حاله يوم حنث. وقال مالك رحمه الله تعالى: إن أطعم أو كسا بإذن السيد جاز، وفي القلب منه شيء، ولا يجزيه العتق لأن الولاء لغيره.
- وقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية:
إشارة إلى ما ذكرنا من الأشياء الأربعة. واختلف في الكفارة بماذا تجب؟ فعندنا أنه تجب بالحنث. وعن سعيد بن جبير أنها تجب بنفس الحلف، قال: لأن الله تعالى علقها بنفس الحلف لا بالحنث، فقال: ﴿ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾، وليس هذا كما تأوله. المعنى: إذا حلفتم وأردتم الحنث أو حنثتم على القولين. ويبعد هذا التأويل قوله عليه الصلاة والسلام: ((فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه))، وروي فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه. وذلك ينفي وجوبها بنفس الحلف، فإن قيل: قد جاء عنه صلى الله عليه وسلم: ((من حلف على يمين فرأى خيرًا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير))، فقدم التكفير على الحنث. فهذا يدل على أنها تتعلق بالحلف لا بالحنث. قيل له: المعنى في ذلك فليكفر عن يمينه إذا أراد الحنث، فيتحصل في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ ثلاثة أقوال، أحدها: أنه ليس في الآية إضمار، وأن المعنى إذا حلفتم فقد تعينت عليكم الكفارة، وهذا قول سعيد بن جبير. والثاني: أن في الآية إضمارًا، وكأنه قال: إذا حلفتم وأردتم الحنث. والثالث: أن التقدير: إذا حلفتم وحنثتم.
وبسبب الاختلاف في تأويل الآية اختلف العلماء في جواز تقديم الكفارة على الحنث على ثلاثة أقوال، فعن مالك روايتان، أحدهما: الجواز والأخرى المنع، وهو قول أبي حنيفة. الثالث: أنه جائز إلا في الصيام في الكفارات، فلا يجوز تقديمه على الحنث، لأنه عمل بدن فلا يقدم قبل وقته، وهو قول الشافعي، ووجه الروايتين عن مالك ما قدمناه في تأويل الآية، وأما قول الشافعي فضعيف.
﴿وَكُلُوا﴾ في هذه الآية عبارة عن تمتعوا بالأكل والشرب واللباس والركوب ونحو ذلك. وخص الأكل بالذكر لأنه أعظم المقصود وأخص المنافع بالإنسان. والرزق عند أهل السنة ما صح الانتفاع به. وقالت المعتزلة: كل ما صح تملكه والحرام ليس برزق، لأنه لا يصح تملكه، وكأنهم تأولوا ذلك على ظاهر هذه الآية، وليس كذلك بل دليل خطاب الآية أن الحرام رزق أيضًا؛ لأن تخصيصه الحلال من الرزق يدل على أن ثم منه حرامًا، فأمر تعالى بأكل الحلال، وسكت عن الحرام. وأقام بعضهم أن الحرام رزق من قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: 15]، قال: فذكر المغفرة مشيرًا إلى أن الرزق قد يكون حرامًا، وهذا استدلال ضعيف.
[ - وقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾]
قد بين تعالى في هذه الآية أن المؤاخذة المذكورة في آية البقرة هي المؤاخذة بالكفارة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: 89] الآية؛ لأنه تعالى إنما نفى اللغو ما أثبته لما عقدت به الأيمان. وقد اختلف العلماء في تحصيل اللغو وتحصيا ما عقدت به الأيمان اختلافًا كثيرًا، فروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: لما حرموا الطيبات من المآكل حلفوا على ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأبان أن الحلف لا يحرم شيئًا، فاللغو في الآية على هذا هو تحريم ما أحل الله تعالى، والمراد بقوله تعالى: ﴿بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ﴾، الأيمان التي حلفوا بها على ذلك التحريم، فجعل تعالى في الأيمان كفارة، ولم يجعل في التحريم شيئًا. وروي عن عطاء -وقد سئل عن اللغو في اليمين- فقال: قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((هو كلام الرجل في بيته: لا والله، بلى والله)). وروي أيضًا عن عائشة رضي الله عنها موقوفًا أنها قالت: لغو اليمين: لا والله، بلى والله. وروي مثله عن إسماعيل القاضي، فعلى هذا يكون معنى الآية: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾، أي: من أيمانكم، وتكون الأيمان على هذا منها ما يؤاخذ به ومنها ما لا يؤاخذ به في معنى الكفارة دون اعتبار الحلف على ماض أو مستقبل، وهو مذهب الشافعي. وذهب مالك وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى إلى أن الأيمان على ما مضى لا كفارة فيها، وأن الأيمان على ما يستقبل هي التي تتعلق بها الكفارة، فيكون معنى الآية على هذا: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾، أي بالكفارة في الأيمان على ما مضى ولكن يؤاخذكم بها في الأيمان المستقبلة، وتأولوا قوله تعالى: ﴿عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ﴾ أن المراد به كل ما يتصور عليه عقد العزم في الأفعال. وبهذا لا يصح إلا في الأفعال المستقبلة، وأما الماضية فلا يتصور عقد العزم عليها. قال بعضهم: وهذا ينتقض بالحلف على فعل الغير ونحوه، وفي هذا نظر. وقال بعضهم: اللغو أن يحلف على معصية أن يفعلها، فينبغي له ألا يفعلها ولا كفارة عليه بالحنث في ذلك. وروي عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليتركها، فأن تركها كفارتها))، وقد مر في سورة البقرة الكلام على سائر التأويلات في الآية.
وقوله: ﴿بما عقدت الأيمان﴾ فيه ثلاث قراءات: عقدتم الأيمان مخفف ومشدد، وعاقدتم. وأصله كله من عقد الحبل. والأيمان هنا جمع يمين على حذف الزائد. ولم يختلف أن المراد بالأيمان ها هنا الأيمان بالله تعالى، فأما اليمين بالطلاق فيلزم الحانث بها الطلاق. وكذلك اليمين بالمشي إلى مكة يلزم الحالف بها الحانث المشي. وكذلك اليمين بصدقة المال تلزم أيضًا إن حلف على اختلاف بينهم في مقدار ما يلزم الحانث، وكذلك اليمين بالعتق يلزم الحانث بها العتق.
وكذلك سائر أفعال البر، وليس فيها لغو ولا كفارة، وهو قول الجمهور ومالك ومن تبعه. وقيل: يكون في اليمين بالله تعالى وبالطلاق وبغير ذلك من أفعال البر العتق فما دونه، وليس على الحانث بها إلا كفارة يمين، وهو قول شاذ، فالأيمان بهذه الأشياء كلها على هذا القول داخلة تحت قوله تعالى: ﴿وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾، وقيل: اليمين بالله تعالى وبغيره من أفعال البر ما خلا العتق والطلاق ليس فيها إلا كفارة. فأما العتق والطلاق فيلزم الحانث بهما ما حلف عليه، فعلى هذا تكون الأيمان كلها داخلة تحت لفظ الآية ما عدا اليمين بالطلاق والعتاق. وقيل: بالله تعالى وبغير من أفعال البر العتق فمنا دونه ليس فيها إلا كفارة. وأما الطلاق فيلزم الحلاف به ما حلف عليه، فعلى هذا القول الأيمان كلها داخلة تحت لفظ الآية ما عدا الطلاق. وقد روي عن ابن القاسم في المشي إلى مكة أنه ليس على الحالف بها إلا كفارة، فهذا أيضًا هو قول من يرى في اليمين بالله تعالى والعتق والطلاق والصدقة ونحو ذلك لزمه أن يدخلها لغو اليمين أيضًا. ومن رآها خاصة لبعض الأيمان خص اللغو به أيضًا، والإجماع من المذهب على خلاف ذلك. وحجة من يجري الأيمان كلها أو أكثرها في الكفارة واللغو مجرى واحدًا عموم ألفاظ هذه الآية، ومن خصص شيئًا منها فبدليل قام له على ذلك من قياس أو غيره، فيتحصل من هذا أن اليمين بالله تعالى مرادة بالآية بلا خلاف، وما عدا ذلك من الأيمان، فمختلف فيه. وقد اختلف في الأيمان له لازمة فحنث ولا نية له، فمن رأى أن الأيمان بغير الله تعالى لا تنعقد لم يلزم شيئًا. ومن راعى عرف الشرع في الأيمان، ورأى أن إطلاق اليمين إنما تحمل على الحلف بالله تعالى، أو رأى اليمين بالله تعالى أو بسائر الأشياء سواء ألزم الحانث كفارة يمين، ومن جعل الأيمان على عمومها وراعى كل يمين ومقتضاها ألزمه الكفارة والطلاق والعتق والصدقة والمشي والظهار، وهو قول الجمهور، إلا أن هؤلاء اختلفوا في عدد الطلاق: فمنهم من احتاط وأخذ فيه بأكثر ما يقع عليه اللفظ وهو الثلاث. ومنهم من أخذ فيه بأقل ما يقع عليه اللفظ وهي الواحدة إلا أن هؤلاء اختلفوا هل تكون بائنة أو رجعية، وهذا الخلاف كله منصوص للمتأخرين، وممنوع في مذاهب المتقدمين فيه. والكفارة مأخوذة من كفر الذراع، وكفر الذراع فوق درعه، والكافر الليل، وهذا كله أصله الستر، وسميت بذلك لأنها تستر إثم الحانث وتغطيه.
[ - وقوله تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ الآية]
تضمنت هذه الآية أن كفارة تكون بأربعة أشياء: إطعام أو كسوة أو تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام، وهو فيما عدا مخير، وعلى ذلك حمل العلماء ((أو))، ولا يعلم بينهم في ذلك خلال، فأما الصيام فلا يجوز الرجوع إليه إلا بعد العجز عن أحد تلك الأشياء؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: 89]، فشرط جواز الصيام بعدم الوجد. وقد اختلف في صنف الطعام الذي أوجبه الله تعالى على الكفر، وفي قدره، فأم صنفه ففيه ثلاثة أقوال، وهذا الخلاف على القول بأن قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89]. أراد بالتوسط التوسط في الصنف لا في القدر، أو أراد به التوسط في الأمرين جميعًا. فقيل: يتجنب أدنى ما يأكل الناس في البلد وينحط عن الأعلى ويكفر بالمتوسط من ذلك. وقيل: يراعي في ذلك غالب عيش البلد، وهو الصنف الذي يكفر به، وهذا القول في كتاب ابن المواز، وكل يتأول قوله تعالى في الآية: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ على قوله. وأما القدر ففيه اختلاف كثير، وهذا الخلاف على القول بأن المراد التوسط في القدر لا في الصنف أو التوسط فيهما جميعًا. فقيل: يطعم المكفر كل مسكين مدًا من طعامه بمد النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان، وهو قول الشافعي والفقهاء السبعة وأحمد وإسحاق، وهو قول ابن القاسم. وذكر إسماعيل القاضي أنه قال: يطعم ما يكفي ليومه، وقيل: إن أطعم بالمدينة أطعم مدًا لكل مسكين؛ لأنه وسط عيشهم وإن أطعم في سائر الأمصار أطعم وسطًا من عيشهم، وهو قول مالك رحمه الله تعالى. وقال الحسن بن أبي الحسن: إن جمعهم إشباعة واحدة، وإن أعطاهم أعطاهم مكوكًا مكوكًا. وقيل: يطعم نصف صاع لكل مسكين، وهو قول الثوري وأبي حنيفة. وقيل: يطعم كل مسكين نصف صاع من حنطة، وإن أعطى تمرًا أو شعيرًا فصاعًا صاعًا، وهو قول الشعبي وسائر الكوفيين. وقال ابن القصار: ومن الحجة على هذه المقالة قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، وأوسط ما يطعم أهله ما غلب من العرف وهو ما يغدي ويعشي ويشبع، وليس في العرف أن يأخذ الواحد صاعًا من شعير أو تمر، الذي هو عندهم ثمانية أرطال، ولا نصف صاع من بر وهو أربعة أرطال. والحكم معلق على الغالب لا على النادر، ويجوز أن يغدي المساكين ويعشيهم عند مالك والكوفيين. وقال الشافعي: لا يعطيهم غير المكيلة دفعة واحدة. وقال ابن القصار الجميع عندنا لا يجوز؛ لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾، ولم يخص، فإن أطعم بالغداة والعشي فقد أطعم. وقال بعضهم: اختلف علماء السلف في التغدية والتعشية، ولذلك اختلف فيه الشافعي وأبو حنيفة. وظاهر قوله تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾، يدل على جواز التغدية والتعشية، على ما قاله أبو حنيفة. إلا أن الشافعي يقول: لما قال: ﴿إِطْعَامُ﴾ فمعناه: جعل المال طعمة لا أنه فعل الإطعام الذي يتعقبه التطعم. وقد قال ابن سيرين والأوزاعي: يجزيهم أكلة واحدة، ويتعلقون بلفظ الآية. واختلف هل يجوز أن يطعم الخبز نفارًا أم لا؟ ففي ((شرج ابن مزين)) أنه يجزئ، وهو الذي على أصل مالك رحمه الله تعالى. وعند ابن حبيب أنه لا يجزئ إلا بأدام وزيت أو لبن أو لحم ونحوه، فوجه القول بمراعاة الأدام قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. ولا بد في إطعام الأهلين من أدام، والقاضي يفرضه مع الخبز باتفاق. ووجه الترك لمراعاة ذلك قوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: 4]. وعمومه يقتضي ما كان مأدومًا وغير مأدوم، فيتحصل في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ ثلاثة أقوال، أحدها: أنه أراد بالتوسط الصنف، والثاني: أنه أراد القدر، والثالث: أنه أرادهما جميعًا وهو الأظهر.
واختلف في الرجل لا يقدر على أكثر من الشعير، وأهل البلد يأكلون القمح، فقيل: ليس له أن يعطيها الشعير، وهو قول مالك في ((سماع يحيى)). وقيل: له أن يعطيها ذلك، وليس لها أن تمتنع منه، وهو ظاهر رواية أشهب عن مالك, ووجه الأول يدل عليه قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، إذ قد علم أن الرجل لا يطعم أهله إلا ما يجد ويقدر عليه. واختلف في قدر الكسوة التي تلزم المكفر، فقيل: الكسوة ثوب واحد لكل مسكين، تجوز فيه الصلاة، وهو قول الحسن ومجاهد. وقيل: لا يجزئ الثوب الواحد إلا إذا كان جامعًا مما قد يتزيا به كالكساء والملحفة. وقيل: الكسوة ثوبان لكل مسكين، وهو قول الحسن أيضًا وابن سيرين وأبي موسى الأشعري، وروي عن ابن عمر وجابر بن زيد والزهري. وقيل: الكسوة إزار وقميص ورداء، وقيل: يجزئ أقل ما يقع عليه اسم كسوة على الوسط، فكما يطعم الوسط كذلك يكسو الوسط، وهو قول أبي حنيفة. وقال قوم: يجزئ أقل ما يقع عليه اسم كسوة وهو أحد قولي الشافعي، وقد نسب إلى أبي حنيفة. وقال الشافعي: يجزئ خرقة أو قلنسوة أو تكة وما أشبه ذلك. وقال سفيان: إن يكسو ثوبًا أو قميصًا أو ملحفة أو إزارًا أو عمامة. وروي عن مجاهد أنه يجزئ كل شيء، إلا التبان. وروي عن سلمان أنه قال: نعم الثوب التبان. وحجة هذا القول الأخذ بنفس اللفظ خاصة. وقال إسماعيل القاضي في قول الشافعي: هذا قول لم يسبقه إليه أحد من الصحابة ولا من التابعين، فلو قال في الإطعام لكل مسكين لقمة لمر قوله على نظام، ولكنه قال: من الطعام ما يكفي ليومه، ومن الكسوة ما لا تطلق العرب أن فاعله كاس ولا أن لابسه كاس، فيلزمه التناقض. وقال مالك رحمه الله تعالى: أقل ما يجزئ من الكسوة ما تجوز فيه الصلاة، وذلك ثوب للرجل ودرع وخمار للمرأة، وهذا أحسن ما تأولت عليه الآية؛ لأن إطلاق اللفظ بالكسوة يقتضي التقدير فيها، هذا هو الظاهر منه. وإذا كان مقدرًا فما راعاه مالك في ذلك أولى. وإن كسا الصغار جاز، ولا يكسوهم إلا كما يكسو الكبار. وقال ابن المواز -من رأيه- بل كسوة رجل كبير وإلا لم يجز. وقال أشهب وابن الماجشون: يعطي الأنثى إذا لم تبلغ الصلاة ثوب رجل ويجزئ. والحجة على ابن المواز قوله تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ فعم المساكين ولم يخص صغيرًا من كبير. ولا يجوز عندنا أن يخرج القيمة في شيء من الكفارات، وجوزها أبو حنيفة. والحجة عليه قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ الآية، وإذا أخرج فلم يأت بما حد الله تعالى في الكفارة، وهو الاقتصار على الإطعام أو الكسوة أو العتق. وقال بعض الشافعية: لما ذكر الله تعالى الطعام والكسوة والتحرير دل ذلك على منع إخراج القيمة؛ لأنه لو جاز ذلك لكان التقدير في الآية حصول هذا القدر للمساكين ولو كان ذلك مقصودًا ما خير بين هذه الثلاثة الأشياء لتقارب قيمتها في الغالب من الأحوال، وهذا مثل احتجاجهم أيضًا في منع القيم في الزكاة بإيجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجيران شاتين أو عشرين درهمًا مع التقارب غالبًا، وإيجاب الصاع في زكاة الفطر من التمر والزبيب والبر والشعير مع تفاوت قيمتها غالبًا، فهذه أقوى الحجج على إبطال القيمة. واختلفوا في عدد المساكين هل هو شرط في الإطعام أم لا؟ فعندنا أنه شرط لا بد من عشرة مساكين. وقال أبو حنيفة: إن شاء صرفه إلى هذا العدد، وإن شاء أعطاه مسكينًا واحدًا في عشرة أيام. وقال الأوزاعي: إن شاء صرفه إلى هذا العدد وإن شاء أعطاه مسكينًا واحدًا في وقت واحد. ودليلنا أنه تعالى جعل لكل مسكين جزء من الطعام، فلم يجز أن يسند واحد بجميعه. واختلفوا في كسوة بعض العشرة المساكين وإطعام بعضهم أيجزئ أم لا؟ فعندنا أنه لا يجزئ. وقال الثوري: يجزئ. والحجة للقول الأول ظاهر الآية؛ لأنه تعالى إنما حد إطعام عشرة مساكين أو كسوة عشرة مساكين. وظاهر هذا إما أن ينفرد بالإطعام ولا يكسو، وإما أن ينفرد بالكسوة ولا يطعم، وأما أن يجمع بينهما فلا، ومن أجاز ذلك فهو مخالف لظاهر الآية. واختلف في العشرة المساكين الذين يطعمون أو يكسون هل يشترط فيهم الإسلام والحرية أم لا؟ فعندنا أن ذلك مشترط فيهم. وقال أبو حنيفة: ليس بشرط، وجائز أن يطعموا أو يكسوا. وحجته عموم الآية، وإن أطعم في الكفارة غنيًا وجهل غناه، فعن مالك أنه لا يجزئ. وعنه أيضًا أنه يجزئ. ولحجة للقول الأول قوله تعالى: ﴿عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾، فلم يجعل للأغنياء فيها حظًا، فلا يجزئ إطعامهم.
[ - وقوله تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾]
قد مر الكلام على طرف من أحكامه في سورة النساء، فلا معنى لإعادته، وعندنا أنه لا يجزئ في هذه الرقبة أعمى ولا أبرص ولا مجنون، وهو قول جماعة من أهل العلم. وفي الأعور قولان في المذهب، وكذلك في الأصم والخصي، ومن العلماء من رأى أن جميع هذا يجزئ لعموم الآية عنده. وجوز النخعي عتق من يعمل اشتغاله وخدمته ومنع عتق من لا يعمل، كالأعمى والمقعد والأشل اليدين والأعجمي يجزئ من قصر النفقة، قال مالك وغيره أحب إلي. قال سحنون: يريد بعد أن يجيب على الإسلام، فإن كان لم يجب إلا أنه ممن يجبر على الإسلام كالكبير من المجوس والصغير من الحربيين الكتابيين. فقال ابن القاسم: يجزئ عتقه وإن لم يسلم. وقال أشهب: لا يجزئ حتى يسلم. وحجة من أجاز عتقه عموم الآية، وإلا أن يقول من يشترط الإسلام أن الله تعالى قد شرط في عتق الرقبة في كفارة القتل الأيمان، وأطلقها هنا في كفارة اليمين، فيحمل المطلق على المقيد، فلا يجوز إلا عتق من آمن. وقد تقدم الكلام على هذا المعنى، وفي هذه الآية لمن يقول من الأصوليين: بأن الواجب يكون معينًا ويكون مبهمًا خلافًا لمن يقول منهم: لا يكون الواجب مبهمًا، لأنه تعالى قد أوجب على الحانث أحد هذه الثلاث ولم يعين واحدًا منها للوجوب، فالواجب منها واحد بغير عينه فهو مبهم.
- قوله تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾:
اختلف في عدم الوجد الذي يجوز معه الصيام ما هو؟ فقيل: إذا لم يجد بعد قوته وقوت عياله يومًا وليلة ما يطعم منه عشرة مساكين أو يكسوهم أو يعتق رقبة فهو من أهل الصيام، وهذا قول مالك والشافعي وغيرهما. وقال ابن القاسم: من يفضل له نفقة يوم فإنه لا يصوم. وقال سعيد ين جبير: إن لم يكن له ثلاثة دراهم أطعم. وقال آخرون: جائز لمن تكن عنده مائتا درهم أن يصوم وهو ممن لم يجد. وقال آخرون: جائز لمن لم يكن عنده فضل على رأس ماله الذي يتصرف به في معاشه أن يصوم. وقال عطاء الخراساني: إن كانت عنده عشرون درهمًا أطعم، فإن كانت دون العشرين صام. وقال الشافعي: من له أن يأخذ من الصدقة له أن يصوم، والقول الأول أليق بألفاظ الآية على مفهومها.
- وقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾:
اختلف هل هي متتابعة أم لا؟ فعند مالك أن تفرقتها جائز. وعن أبي حنيفة أنه لا يجوز تفرقتها. وهذا أحد قولي الشافعي. وحجة مالك أن الله تعالى ذكر صيامها ولم يشترط التتابع، واحتج من خالفه بقراءة ابن مسعود: فصيام ثلاثة أيام متتابعات. واختلف في العبد يحنث في يمين، إن أذن له السيد في الإطعام والكسوة والعتق، بعد اتفاقهم على أنه لا يجب عليه إلا الصوم لأنه ممن لم يحد، إذ ماله أنما هو لسيده، فقال الشافعي: لا يجزيه إلى الصوم؛ لأن الإذن عنده لم يقع إلا وقد وجب الصوم للآية، فلم ينتقل ذلك بانتقال حاله. وقال أبو ثور: إنه يجزيه أن يطعم أو يكسو أو يعتق، إذا أذن له السيد؛ لأنه عنده ممن يجد فدخل تحت عموم الآية، ولم يراع حاله يوم حنث. وقال مالك رحمه الله تعالى: إن أطعم أو كسا بإذن السيد جاز، وفي القلب منه شيء، ولا يجزيه العتق لأن الولاء لغيره.
- وقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية:
إشارة إلى ما ذكرنا من الأشياء الأربعة. واختلف في الكفارة بماذا تجب؟ فعندنا أنه تجب بالحنث. وعن سعيد بن جبير أنها تجب بنفس الحلف، قال: لأن الله تعالى علقها بنفس الحلف لا بالحنث، فقال: ﴿ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾، وليس هذا كما تأوله. المعنى: إذا حلفتم وأردتم الحنث أو حنثتم على القولين. ويبعد هذا التأويل قوله عليه الصلاة والسلام: ((فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه))، وروي فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه. وذلك ينفي وجوبها بنفس الحلف، فإن قيل: قد جاء عنه صلى الله عليه وسلم: ((من حلف على يمين فرأى خيرًا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير))، فقدم التكفير على الحنث. فهذا يدل على أنها تتعلق بالحلف لا بالحنث. قيل له: المعنى في ذلك فليكفر عن يمينه إذا أراد الحنث، فيتحصل في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ ثلاثة أقوال، أحدها: أنه ليس في الآية إضمار، وأن المعنى إذا حلفتم فقد تعينت عليكم الكفارة، وهذا قول سعيد بن جبير. والثاني: أن في الآية إضمارًا، وكأنه قال: إذا حلفتم وأردتم الحنث. والثالث: أن التقدير: إذا حلفتم وحنثتم.
وبسبب الاختلاف في تأويل الآية اختلف العلماء في جواز تقديم الكفارة على الحنث على ثلاثة أقوال، فعن مالك روايتان، أحدهما: الجواز والأخرى المنع، وهو قول أبي حنيفة. الثالث: أنه جائز إلا في الصيام في الكفارات، فلا يجوز تقديمه على الحنث، لأنه عمل بدن فلا يقدم قبل وقته، وهو قول الشافعي، ووجه الروايتين عن مالك ما قدمناه في تأويل الآية، وأما قول الشافعي فضعيف.