ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ 53 كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَۚ وَكُلّٞ كَانُواْ ظَٰلِمِينَ 54 إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ 55 ٱلَّذِينَ عَٰهَدتَّ مِنۡهُمۡ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهۡدَهُمۡ فِي كُلِّ مَرَّةٖ وَهُمۡ لَا يَتَّقُونَ 56 فَإِمَّا تَثۡقَفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡحَرۡبِ فَشَرِّدۡ بِهِم مَّنۡ خَلۡفَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ 57 وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوۡمٍ خِيَانَةٗ فَٱنۢبِذۡ إِلَيۡهِمۡ عَلَىٰ سَوَآءٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡخَآئِنِينَ 58 وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوٓاْۚ إِنَّهُمۡ لَا يُعۡجِزُونَ 59 وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ 60 ۞ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ 61
الصفحة 184

أحكام الآية 58 من سورة الأنفال

وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوۡمٍ خِيَانَةࣰ فَٱنۢبِذۡ إِلَيۡهِمۡ عَلَىٰ سَوَآءٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡخَآئِنِينَ 58

وقوله تعالى: ﴿عَلَىٰ سَوَاءٍ﴾: اختلف فيه فقيل أي حتى يكونوا في استشعار المحاربة سواء وقيل أي على معدلة، وقال الوليد بن مسلم معناه على مهل كما قال تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين * فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ الآية [التوبة: 1، 2]. وقال الفراء المعنى فانبذ إليهم على اعتدال أي بين لهم على قدر ما ظهر منهم لا تفرط ولا تعجل بحرب بل افعل بهم مثل ما فعلوا، فإن قيل قد غزا النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة قبل أن ينبذ إليهم عهدهم الذي كان بينه وبينهم، فالجواب أنه عليه الصلاة والسلام لم ينبذ إليهم عهودهم بل غزاهم ابتداء لأنهم كانوا قد نقضوا العهد بمعاونة هذيل على جرأتهم على حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك جاء أبو سفيان إلى المدينة يسأل تجديد العهد بينه وبين قريش فلم يجبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك، فمن أجل ذلك لم يحتج إلى النبذ إليهم إذ كانوا قد أظهروا نقض العهد بنصب الحرب لحلفاء النبي صلى الله عليه وسلم.
[ - وقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾]
أختلف في تفسيره فقيل القوة ذكور الخيل والرباط إناثها وهو قول عكرمة. وقيل القوة الرمي، ومن حجتهم حديث عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن القوة الرمي ثلاثًا)). وقيل القوة السلاح. وقيل القوة كل ما يتقوى به في الحرب فجمل على عمومه، ورباط الخيل على ما عدا القول الأول وربطها اعتدادها للحرب ذكورًا كان أو إناثًا. والخطاب في هذه الآية عام في الإعداد لمن هو في الثغور. وهذا لا يجوز ارتباط الخيل في غير الثغور.
[ - وقوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾]
اختلف في تفسيره فقيل الإشارة إلى بني قريظة وقيل إلى فارس وقيل إلى المنافقين وقيل بل إلى كل عدو للمسلمين غير الفرقة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يشرد بهم من خلفهم. وقيل الإشارة إلى الجن، ورجح الطبري هذا وأسند فيه إلى ما روي أن صهيل الخيل ينفر الجن وأن الشياطين لا تدخل دارًا فيه لحام للجهاد ونحو هذا.
[ - قوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾]
اختلف هل هو منسوخ أم محكم، والذين ذهبوا إلى أنه منسوخ اختلفوا في ناسخه وقال ابن زيد وغيره نسخها آية القتال من قوله تعالى: ﴿اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: 5]، قالوا ونسخت براءة كل موادعة حتى يقول لا إله إلا الله. وقال ابن عباس نسخها قوله تعالى: ﴿فلا تهنوا ولا تدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون﴾ [محمد: 35].
والذين ذهبوا إلى أنها غير منسوخة قالوا: أما آية القتال فليست بناسخة وإنما يعني بها من لا تجوز مصالحته مثل مشركي قريش ويعني بقوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ من تجوز مصالحته وإن كان قوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ عامًا في مشركي العرب وغيرهم بآية براءة مخصصة له ولا معنى لدخول النسخ في هذا. وأما قو ابن عباس فضعيف لأن الآيتين ليس بينهما تعارض. وعلى الاختلاف في هذه الآية اختلفوا في جواز مهادنة الكفار. فلم يجز ذلك طائفة ورأوا الآية منسوخة، وقالوا إنما هو القتال أو الإسلام أو الجزية. وأجازته طائفة أخرى وإن كان على ما يؤديه المسلمون إليهم واحتجوا بالآية ولم يروها منسوخة، وبما روي أنه عليه الصلاة والسلام قد كان صالح عيينة بن حصن وغيره يوم الأحزاب على نصف ثمار المدينة حتى شاور الأنصار قالوا: يا رسول الله أهو أمر أمرك الله تعالى به أم الري والمكيدة. قال: ((لا بل هو رأي لما رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة فأردت أن أدفعه عنكم إلى يوم)) فقال السعدان: سعد بن عبادة والسعد بن معاذ: والله يا رسول الله إنهم لم يطمعوا فيها منا إلا بشراء أو قرى ونحن كفار فكيف وقد أعزنا الله تعالى بالإسلام ولا نعطيهم إلا بالسيف، وشق الصحيفة وأجازته طائفة على غير مال يؤديه المسلمون إليهم وأما بمال فلا يجوز، وهو أحد قولي الشافعي وبه يقول الأوزاعي. وهذا الخلاف عندي إنما هو ما لم يخف على المسلمين أن يصطلحوا. فأما إذا خيف ذلك فجائز مصالحتهم على مال وعلى غير مال. فأما على أن يؤخذ من الكفار فلا خلاف في جوزاه وسيأتي الكلام عليه. وإنما الخلاف إذا كان على أن لا يأخذ منهم شيئًا أو على أن يعطيهم شيئًا، وهذا كله مع الذين يجوزون أخذ الجزية منهم. فأما من لا يجوز أخذ الجزية منهم باتفاق ككفار قريش فلا خلاف أنه لا تجوز مصالحتهم كيف كانت والذين ذهبوا إلى جواز الصلح في المسألة التي ذكرناها اختلفوا في المدة التي تجوز مصالحتهم إليها. فقيل لا يجوز أن يصالحوا أكثر من عشر سنين وما وراء هذا محظور، وهو قول الشافعي. وقيل لا يجوز أكثر من أربع سنين. وقيل لا يجوز أكثر من ثلاث سنين وهذه الثلاثة الأقوال مبنية على الاختلاف في المدة التي هادن عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية. وقيل تجوز مهادنتهم إلى مدة قصيرة أو طويلة على حسب ما يعطيه الاجتهاد والنظر في مصلحة المسلمين، ونحو هذا حكى ابن حبيب عن مالك فقال تجوز مهادنتهم السنة والسنتين والثلاث وإلى غير مدة. وهذا القول أليق بظاهر الآية إذا قلنا بأنها محكمة. واختلفوا هل يعقد الهدنة غير الإمام أم لا يعقدها إلى الإمام. والجمهور على أنه لا يعقدها إلا الإمام. وذهب الطبري إلى أنه يجوز أن يعقد بغير إذن الإمام. والدليل على فساد هذا القول أن هذا من مصالح المسلمين فلا بد من نظر الإمام فيه وقد قال تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ الآية، فلم يخاطب بذلك إلا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقصر تعالى الخطاب عليه إلا من أجل أن ذلك ليس لغيره وأن يعلم أن النظر في ذلك إنما هو للأئمة.
[ - - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾]
اختلف في قوله تعالى: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ هل هو منسوخ أم محكم. فذهب الجمهور إلى أنه منسوخ وقالوا قد كان واجبًا به ألا يفر المسلمون عن عشرة أمثالهم ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ فأجاز للمسلمين أن يفروا عن أكثر من ضعفهم.
وذهب قوم إلى أن هذا ليس بنسخ وقالوا لم يكن قط واجبًا أن لا يفر المسلمون من عسرة أمثالهم وإنما ذكر الله تعالى ذلك على جهة الندب للمسلمين أن يفعلوه ثم بين تعالى بالآية بعدها الواجب في ذلك، والآية الأولى إلى آخر الأبد مندوب إلى حكمها والقولان مرويان عن ابن عباس وقد اختلف الأصوليون هل يجوز نسخ الأثقل بالأخف أم لا. وهذه الآية حجة لمن أجازه على القول بالنسخ فيها.
[ - قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾]
اختلف في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة، والذين ذهبوا إلى أنها منسوخة قالوا إنها نزلت والمسلمون قليل فأمر الله فيها بالقتل وعاتب على الأسر وترك القتل، فلما كثر المسلمون واشتدت شوكتهم أنزل الله تعالى التخيير فقال: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: 4] وروي عن ابن عباس. وقال بعضهم كان الله تعالى قد أمر بإكثار القتل بقوله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: 12] فأبى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر إلا أسر بعضهم رغبة في الفداء فصار معصية منهم ومخالفة فنزلت الآية.
والذين ذهبوا إلى أنها محكمة اختلفوا فقالت جماعة الآية خبر، أخبر الله تعالى فيها أنه لا يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض، فلما أثخن في الأرض كان له أسرى، والأخبار لا تنسخ. وقيل إن سبب هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جمع أسارى بدر استشار فيهم أصحابه. فقال أبو بكر: يا رسول اله هم قرابتك ولعل الله تعالى أن يهديهم بعد للإسلام فادهم واستبقهم ويتقوى المسلمون بأموالهم. وقال عمر بن الخطاب: لا يا رسول الله بل تضرب أعناقهم فإنهم أئمة الكفر. وقال عبد الله بن رواحة: بل نجعلهم في واد كثير الحطب ثم نضرم عليهم نارًا. وقد كان سعد بن معاذ قال وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش وقد رأى أسارى قد كان الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال. فأخذ بقول أبي بكر فنزلت الآية تخير أن الأولى والأهيب على سائر الكفار كان القتل.
[ - قوله تعالى: ﴿لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ﴾]
يحتمل أن يكون هذا الوعيد على ما فعلوه من المفاداة وترك القتل. وروي أنهم لكا أسرعوا إلى الغنائم أنزلها الله تعالى. واختلف المفسرون في معنى كتاب من الله، فقيل المعنى لولا أن القرآن الذي صدقتم لما مسكم العذاب لأخذكم هذا الفداء. وقيل الكتاب السابق هو المغفرة لأهل بدر ما تقدم أو تأخر من ذنوبهم. وقيل هو ما كان الله تعالى قضاه في الأزل من إحلال الغنائم والفداء لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وكانت في سائر الأمم محرمة. وقيل هو أن الله تعالى قضى أن لا يعاقب أحد على ذنب أتاه بجهالة، وهذا قول ضعيف. وقيل هو أن لا يعذب أحد بذنب قبل النهي عنه. وقيل هو ما قضاه الله تعالى من محو الصغائر لا باجتناب الكبائر، وذهب الطبري إلى دخول هذه المعاني كلها تحت اللفظ ولم يخصصه بمعنى دون معنى.
فهرس الكتاب