يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأۡتِ مِنكُنَّ بِفَٰحِشَةࣲ مُّبَيِّنَةࣲ يُضَٰعَفۡ لَهَا ٱلۡعَذَابُ ضِعۡفَيۡنِۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرࣰا 30
شبهة: مخاطبة الله - عز وجل - لنساء النبي - صلى الله عليه وسلم - في القرآن.
نص الشبهة
قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: 30] فيه اتهام لهن أنهن وقعن في الفاحشة، ولماذا يخاطبهن بهذا الكلام؟!
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: تفسير الآيات.
الوجه الثاني: لماذا يطلب الله - عز وجل - من نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل هذه الأمور.
الوجه الثالث: فضل نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - على سائر النساء، فهذه الأوامر في حقهن من باب أولى.
الوجه الرابع: أن الله - عز وجل - خصهن بهذه الأوامر زيادة في حجابهن وحيائهن.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: تفسير الآيات.
قال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: 30، 31].
قال ابن كثير: يقول تعالى واعظًا نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، واستقر أمرهن تحت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يخبرهن بحكمهن [وتخصيصهن] دون سائر النساء، بأن مَنْ يأت منهن بفاحشة مبينة، قال ابن عباس: وهي النشوز وسوء الخلق، وعلى كل تقدير فهو شرط، والشرط لا يقتضي الوقوع.
قال الطبري: يقول تعالى ذكره: ومن يطع الله ورسوله منكن، وتعمل بما أمر الله به ﴿نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ يقول: يعطها الله ثواب عملها، مثلي ثواب عمل غيرهن من سائر نساء الناس، ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ يقول: وأعتدنا لها في الآخرة عيشًا هنيئًا في الجنة.
وقال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: 33] أي: اِلْزَمْنَ بيوتكن، فلا تخرجن لغير الحاجة، ومن الحوائج الشرعية: الصلاة في المسجد بشرطه، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ الله مَسَاجِدَ الله، وَلَكِنْ لِيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلَاتٌ "، وفي رواية: "وبيوتهن خير لهن".
وفيه دليل على أنه لا يجوز للمرأة أن تتطيب في غير بيتها بطيب على حال من الأحوال، وإذا تطيبت في بيتها فلا تخرج، ولما كان الأصل ألا تخرج امرأة إلا تفلة، وكان الوقت المعروف لتطيب النساء للرجال، إنما هو بالليل؛ لأن الليل يجمع بين الرجل وامرأته لإقباله من مصرفه إلى بيته ليسكن إلى أهله في ليله فتطيب امرأته، قيل لهن: من تطيب منكن قبل شهود العشاء فلا تشهد العشاء.
والتفلة: هي غير المتطيبة؛ لأن التفل نتن الريح، يقال: امرأة تفلة إذا كانت متغيرة الريح بنتن أو ريح غير طيبة.
أما قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: 31] بَيَّنَ الله تَعَالَى أَنَّهُ كَمَا يُضَاعَفُ بِهَتْكِ الْحُرُمَاتِ الْعَذَابُ كَذَلِكَ يُضَاعَفُ بِصِيَانَتِهَا الثَّوَابُ، وقَوْلهُ: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: 32]، يَعْنِي: فِي الْفَضْلِ وَالشَّرَفِ فَإِنَّهُنَّ وَإِنْ كُنَّ مِنْ الْآدَمِيَّاتِ فَلَسْنَ كَإِحْدَاهُنَّ، كَمَا أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَإِنْ كَانَ مِنْ الْبَشَرِ جِبِلَّةً - فَلَيْسَ مِنْهُمْ فَضِيلَةً وَمَنْزِلَةً، وَشَرَفُ الْمَنْزِلَةِ لَا يَحْتَمِلُ الْعَثَرَاتِ، فَإِنَّ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ وَتُرْفَعُ مَنْزِلَتُهُ عَلَى الْمَنَازِلِ جَدِيرٌ بِأَنْ يَرْتَفِعَ فِعْلُهُ عَلَى الْأَفْعَالِ، وَيَرْبُوَ حَالُهُ عَلَى الْأَحْوَالِ. قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ أَمَرَهُنَّ الله تَعَالَى أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُنَّ جَزْلًا، وَكَلَامُهُنَّ فَصْلًا، وَلَا يَكُونُ عَلَى وَجْهٍ يُحْدِثُ فِي الْقَلْبِ عَلَاقَةً بِمَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ مِنْ اللِّينِ المُطْمِعِ لِلسَّامِعِ، وَأَخَذَ عَلَيْهِنَّ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُنَّ مَعْرُوفًا.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ﴾ [الأحزاب: 33] قَالَ الْقَاضِي: الَّذِي عِنْدِي أَنَّهَا جَاهِلِيَّةٌ وَاحِدَةٌ؛ وَهِيَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا وُصِفَتْ بِالْأُولَى؛ لِأَنَّهَا صِفَتُهَا الَّتِي لَيْسَ لَهَا نَعْتُ غَيْرِهَا، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ﴾ وَهَذِهِ حَقِيقَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَحْكُمُ إلَّا بِالْحَقِّ.
وعن عائشة - رضي الله عنها - زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - جَاءَهَا حِينَ أَمَرَهُ الله أَنْ يُخَيِّرَ أَزْوَاجَهُ، فَبَدَأَ بِي رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: "إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَسْتَعْجِلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ. وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أبوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الله قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ﴾ إِلَى تَمامِ الْآيَتَيْنِ. فَقُلْتُ لَهُ: فَفِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ، فَإِنِّي أُرِيدُ الله وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ".
وفي الحديث الذي بعده قالت عائشة - رضي الله عنها - ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِثْلَ مَا فَعَلْتُ.
وفي الحديث ملاطفة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأزواجه وحلمه عنهن، وصبره على ما كان يصدر منهن من إدلال وغيره مما يبثه عليهن الغيرة.
الوجه الثاني: لماذا يأمر الله زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذه الأمور؟
أولًا: الشرط لا يقتضي وقوع الفعل.
قال تعالى: ﴿مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ﴾ [الأحزاب: 30]، وهذا أسلوب شرط، والشرط لا يقتضي وقوع الفعل، كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: 65]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: 81]، وقوله: ﴿لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّاصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر: 4]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: 74، 75]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة: 44].
فهذه الصيغة التي وردت بها الآيات قضية شرطية والقضية الشرطية لا يلزم من صدقها صدق جزأيها، ألا ترى أن قولك: لو كانت الخمسة زوجًا لكانت منقسمة بمتساويين. قضية صادقة مع أن كل واحد من جزأيها غير صادق، قال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22]، ولم يلزم من هذا صدق القول بأن فيهما آلهة وبأنهما فسدتا.
ثانيًا: أن هذا على سبيل الفرض والمحالات يصح فرضها.
ثالثًا: هذا خطاب لهن والمراد به غيرهن.
أي: أن هذا من باب التعريض لغير نساء النبي - صلى الله عليه وسلم -، أي: أنه خطاب لنساء الأمة.
رابعًا: هذا الخطاب للتحذير والإنذار، والتحذير ليس معناه أَنْ وقع المخاطب في المحذور.
خامسًا: أن هذا الكلام من الله - عز وجل - أدب لهن، وتهديد لغيرهن من نساء الأمة.
سادسًا: خاطبهن الله - عز وجل - بذلك ليعرف من دونهن أن هذه الأعمال فيها مضاعفة للعذاب حتى لو وقعت من نساء النبي - صلى الله عليه وسلم -.
سابعًا: أنه كما أن طاعتهن أفضل من طاعات غيرهن، فكذلك القبائح التي تصدر عنهن، فإنها بتقدير الصدور تكون أقبح لقوله: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾.
واعلم أن الله لما قدم هذه المقدمات ذكر ما هو المقصود فقال: ﴿لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.
ثامنًا: أراد الله أن ينبه الأمة أن من فعل ذلك عذب وضوعف لها العذاب حتى ولو كان كريمًا عند الله.
الوجه الثالث: فضل نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - على سائر النساء.
1 - قال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ يَعْنِي: فِي الْفَضْلِ وَالشَّرَفِ، فَإِنَّهُنَّ وَإِنْ كُنَّ مِنْ الْآدَمِيَّاتِ فَلَسْنَ كَإِحْدَاهُنَّ، كَمَا أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَإِنْ كَانَ مِنْ الْبَشَرِ جِبِلَّةً، فَلَيْسَ مِنْهُمْ فَضيلَةً وَمَنْزِلَةً، وَشَرَفُ الْمَنْزِلَةِ لَا يَحْتَمِلُ الْعَثَرَاتِ، فَإِن مَنْ يُقْتَدَى بِهِ، وَتُرْفَعُ مَنْزِلَتُهُ عَلَى الْمَنَازِلِ جَدِيرٌ بِأَنْ يَرْتَفِعَ فِعْلُهُ عَلَى الْأَفْعَالِ، وَيَرْبُوَ حَالُهُ عَلَى الْأَحْوَالِ.
قال ابن كثير: وقوله: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أي: في الحرمة، والاحترام، والإكرام، والتوقير، والإعظام، ولكن لا تجوز الخلوة بهن، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع، وإن سَمَّى بعضُ العلماء بناتهن أخوات المؤمنين، كما هو منصوص الشافعي في المختصر، وهو من باب إطلاق العبارة لا إثبات الحكم.
2 - وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، والله - عز وجل - قال هذا بعد الأوامر التي أمرهن بها والنواهي التي نهاهن عنها، وكأنه يقول: أنا ما آمركم ولا أنهاكم عن هذه الأمور إلا لأطهركن وأذهب عنكم الرجس.
وقال أيضًا: وهذا نص في دخول أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - في أهل البيت ها هنا؛ لأنهن سبب نزول هذه الآية، وسبب النزول داخل فيه قولًا واحدًا.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35].
وعن أم سلمة - رضي الله عنها - أنها قالت: (يغزو الرجال، ولا يغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾.
قال مجاهد: فأنزل فيها: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾، وكانت أم سلمة أول ظعينة قدمت المدينة مهاجرة).
وعن أم عمارة الأنصارية - رضي الله عنها - أنها أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: ما أرى كل شيء إلا للرجال، وما أرى النساء يذكرن بشيء؟ فنزلت.
ومن فضائل زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهن كن يؤثرن على أنفسهن، فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، وَكَانَ يَقْسِمُ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُن يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا، غَيْرَ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - تَبْتَغِي بِذَلِكَ رِضَا رَسُولِ الله".
الوجه الرابع: لماذا لم تخاطب زوجات الأنبياء من قبل بمثل هذه الأمور؟
فنقول: أولًا إن الأمر للتشريف لا للإهانة، فعندما يأمرهن الله - عز وجل - وينهاهن عن أشياء فهذا تشريف لهن ورفعة لمكانتهن، ثم إنه مَنْ قال: إن الله لم يخاطب النساء قبل ذلك بمثل هذه الأشياء؟ أليس قد قال لمريم: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: 43]، أليس قد ذم امرأة نوح وامرأة لوط لعدم استجابتهما لشرع الله فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم: 10].
فانظر لصنيع سودة - رضي الله عنها - وابتغائها رضا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإيثاره على نفسها وعلى ما فيه سعادتها. وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: في (حديث الإفك): "من يعذرنا في رجل بلغني أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت من أهل بيتي إلا خيرًا".
وبعدُ، فأي امرأة في الكتاب المقدس تشرفت بهذا الذكر بما تشرفت به نساء النبي - صلى الله عليه وسلم -، ونساء المؤمنين عامةً، ولكنك حينما تنظر في هذا الكتاب - المحرف - تجد فيه إهانةً للمرأة، وإذلالًا، واحتقارًا، وغير ذلك للأهمية.
انظر كيف كان عيسى يخاطب أمه في أكثر كلامه، كان يقول لأمه: (يا امرأة)، كما في إنجيل يوحنا (2/ 5: 3): (وَلمَّا فَرَغَتِ الْخَمْرُ، قَالَتْ أُمُّ يَسُوعَ لَهُ: لَيْسَ لَهُمْ خَمْرٌ. 4 قَالَ لَهَا يَسُوعُ: مَا لِي وَلَكِ يَا امْرَأَةُ؟ لَمْ تَأْتِ سَاعَتِي بَعْدُ. 5 قَالَتْ أُمُّهُ لِلْخُدَّامِ: مَهْمَا قَالَ لَكُمْ فَافْعَلُوهُ).
نص الشبهة
قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: 30] فيه اتهام لهن أنهن وقعن في الفاحشة، ولماذا يخاطبهن بهذا الكلام؟!
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: تفسير الآيات.
الوجه الثاني: لماذا يطلب الله - عز وجل - من نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل هذه الأمور.
الوجه الثالث: فضل نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - على سائر النساء، فهذه الأوامر في حقهن من باب أولى.
الوجه الرابع: أن الله - عز وجل - خصهن بهذه الأوامر زيادة في حجابهن وحيائهن.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: تفسير الآيات.
قال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: 30، 31].
قال ابن كثير: يقول تعالى واعظًا نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، واستقر أمرهن تحت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يخبرهن بحكمهن [وتخصيصهن] دون سائر النساء، بأن مَنْ يأت منهن بفاحشة مبينة، قال ابن عباس: وهي النشوز وسوء الخلق، وعلى كل تقدير فهو شرط، والشرط لا يقتضي الوقوع.
قال الطبري: يقول تعالى ذكره: ومن يطع الله ورسوله منكن، وتعمل بما أمر الله به ﴿نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ يقول: يعطها الله ثواب عملها، مثلي ثواب عمل غيرهن من سائر نساء الناس، ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ يقول: وأعتدنا لها في الآخرة عيشًا هنيئًا في الجنة.
وقال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: 33] أي: اِلْزَمْنَ بيوتكن، فلا تخرجن لغير الحاجة، ومن الحوائج الشرعية: الصلاة في المسجد بشرطه، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ الله مَسَاجِدَ الله، وَلَكِنْ لِيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلَاتٌ "، وفي رواية: "وبيوتهن خير لهن".
وفيه دليل على أنه لا يجوز للمرأة أن تتطيب في غير بيتها بطيب على حال من الأحوال، وإذا تطيبت في بيتها فلا تخرج، ولما كان الأصل ألا تخرج امرأة إلا تفلة، وكان الوقت المعروف لتطيب النساء للرجال، إنما هو بالليل؛ لأن الليل يجمع بين الرجل وامرأته لإقباله من مصرفه إلى بيته ليسكن إلى أهله في ليله فتطيب امرأته، قيل لهن: من تطيب منكن قبل شهود العشاء فلا تشهد العشاء.
والتفلة: هي غير المتطيبة؛ لأن التفل نتن الريح، يقال: امرأة تفلة إذا كانت متغيرة الريح بنتن أو ريح غير طيبة.
أما قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: 31] بَيَّنَ الله تَعَالَى أَنَّهُ كَمَا يُضَاعَفُ بِهَتْكِ الْحُرُمَاتِ الْعَذَابُ كَذَلِكَ يُضَاعَفُ بِصِيَانَتِهَا الثَّوَابُ، وقَوْلهُ: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: 32]، يَعْنِي: فِي الْفَضْلِ وَالشَّرَفِ فَإِنَّهُنَّ وَإِنْ كُنَّ مِنْ الْآدَمِيَّاتِ فَلَسْنَ كَإِحْدَاهُنَّ، كَمَا أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَإِنْ كَانَ مِنْ الْبَشَرِ جِبِلَّةً - فَلَيْسَ مِنْهُمْ فَضِيلَةً وَمَنْزِلَةً، وَشَرَفُ الْمَنْزِلَةِ لَا يَحْتَمِلُ الْعَثَرَاتِ، فَإِنَّ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ وَتُرْفَعُ مَنْزِلَتُهُ عَلَى الْمَنَازِلِ جَدِيرٌ بِأَنْ يَرْتَفِعَ فِعْلُهُ عَلَى الْأَفْعَالِ، وَيَرْبُوَ حَالُهُ عَلَى الْأَحْوَالِ. قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ أَمَرَهُنَّ الله تَعَالَى أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُنَّ جَزْلًا، وَكَلَامُهُنَّ فَصْلًا، وَلَا يَكُونُ عَلَى وَجْهٍ يُحْدِثُ فِي الْقَلْبِ عَلَاقَةً بِمَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ مِنْ اللِّينِ المُطْمِعِ لِلسَّامِعِ، وَأَخَذَ عَلَيْهِنَّ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُنَّ مَعْرُوفًا.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ﴾ [الأحزاب: 33] قَالَ الْقَاضِي: الَّذِي عِنْدِي أَنَّهَا جَاهِلِيَّةٌ وَاحِدَةٌ؛ وَهِيَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا وُصِفَتْ بِالْأُولَى؛ لِأَنَّهَا صِفَتُهَا الَّتِي لَيْسَ لَهَا نَعْتُ غَيْرِهَا، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ﴾ وَهَذِهِ حَقِيقَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَحْكُمُ إلَّا بِالْحَقِّ.
وعن عائشة - رضي الله عنها - زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - جَاءَهَا حِينَ أَمَرَهُ الله أَنْ يُخَيِّرَ أَزْوَاجَهُ، فَبَدَأَ بِي رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: "إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَسْتَعْجِلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ. وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أبوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الله قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ﴾ إِلَى تَمامِ الْآيَتَيْنِ. فَقُلْتُ لَهُ: فَفِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ، فَإِنِّي أُرِيدُ الله وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ".
وفي الحديث الذي بعده قالت عائشة - رضي الله عنها - ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِثْلَ مَا فَعَلْتُ.
وفي الحديث ملاطفة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأزواجه وحلمه عنهن، وصبره على ما كان يصدر منهن من إدلال وغيره مما يبثه عليهن الغيرة.
الوجه الثاني: لماذا يأمر الله زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذه الأمور؟
أولًا: الشرط لا يقتضي وقوع الفعل.
قال تعالى: ﴿مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ﴾ [الأحزاب: 30]، وهذا أسلوب شرط، والشرط لا يقتضي وقوع الفعل، كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: 65]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: 81]، وقوله: ﴿لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّاصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر: 4]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: 74، 75]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة: 44].
فهذه الصيغة التي وردت بها الآيات قضية شرطية والقضية الشرطية لا يلزم من صدقها صدق جزأيها، ألا ترى أن قولك: لو كانت الخمسة زوجًا لكانت منقسمة بمتساويين. قضية صادقة مع أن كل واحد من جزأيها غير صادق، قال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22]، ولم يلزم من هذا صدق القول بأن فيهما آلهة وبأنهما فسدتا.
ثانيًا: أن هذا على سبيل الفرض والمحالات يصح فرضها.
ثالثًا: هذا خطاب لهن والمراد به غيرهن.
أي: أن هذا من باب التعريض لغير نساء النبي - صلى الله عليه وسلم -، أي: أنه خطاب لنساء الأمة.
رابعًا: هذا الخطاب للتحذير والإنذار، والتحذير ليس معناه أَنْ وقع المخاطب في المحذور.
خامسًا: أن هذا الكلام من الله - عز وجل - أدب لهن، وتهديد لغيرهن من نساء الأمة.
سادسًا: خاطبهن الله - عز وجل - بذلك ليعرف من دونهن أن هذه الأعمال فيها مضاعفة للعذاب حتى لو وقعت من نساء النبي - صلى الله عليه وسلم -.
سابعًا: أنه كما أن طاعتهن أفضل من طاعات غيرهن، فكذلك القبائح التي تصدر عنهن، فإنها بتقدير الصدور تكون أقبح لقوله: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾.
واعلم أن الله لما قدم هذه المقدمات ذكر ما هو المقصود فقال: ﴿لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.
ثامنًا: أراد الله أن ينبه الأمة أن من فعل ذلك عذب وضوعف لها العذاب حتى ولو كان كريمًا عند الله.
الوجه الثالث: فضل نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - على سائر النساء.
1 - قال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ يَعْنِي: فِي الْفَضْلِ وَالشَّرَفِ، فَإِنَّهُنَّ وَإِنْ كُنَّ مِنْ الْآدَمِيَّاتِ فَلَسْنَ كَإِحْدَاهُنَّ، كَمَا أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَإِنْ كَانَ مِنْ الْبَشَرِ جِبِلَّةً، فَلَيْسَ مِنْهُمْ فَضيلَةً وَمَنْزِلَةً، وَشَرَفُ الْمَنْزِلَةِ لَا يَحْتَمِلُ الْعَثَرَاتِ، فَإِن مَنْ يُقْتَدَى بِهِ، وَتُرْفَعُ مَنْزِلَتُهُ عَلَى الْمَنَازِلِ جَدِيرٌ بِأَنْ يَرْتَفِعَ فِعْلُهُ عَلَى الْأَفْعَالِ، وَيَرْبُوَ حَالُهُ عَلَى الْأَحْوَالِ.
قال ابن كثير: وقوله: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أي: في الحرمة، والاحترام، والإكرام، والتوقير، والإعظام، ولكن لا تجوز الخلوة بهن، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع، وإن سَمَّى بعضُ العلماء بناتهن أخوات المؤمنين، كما هو منصوص الشافعي في المختصر، وهو من باب إطلاق العبارة لا إثبات الحكم.
2 - وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، والله - عز وجل - قال هذا بعد الأوامر التي أمرهن بها والنواهي التي نهاهن عنها، وكأنه يقول: أنا ما آمركم ولا أنهاكم عن هذه الأمور إلا لأطهركن وأذهب عنكم الرجس.
وقال أيضًا: وهذا نص في دخول أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - في أهل البيت ها هنا؛ لأنهن سبب نزول هذه الآية، وسبب النزول داخل فيه قولًا واحدًا.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35].
وعن أم سلمة - رضي الله عنها - أنها قالت: (يغزو الرجال، ولا يغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾.
قال مجاهد: فأنزل فيها: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾، وكانت أم سلمة أول ظعينة قدمت المدينة مهاجرة).
وعن أم عمارة الأنصارية - رضي الله عنها - أنها أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: ما أرى كل شيء إلا للرجال، وما أرى النساء يذكرن بشيء؟ فنزلت.
ومن فضائل زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهن كن يؤثرن على أنفسهن، فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، وَكَانَ يَقْسِمُ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُن يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا، غَيْرَ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - تَبْتَغِي بِذَلِكَ رِضَا رَسُولِ الله".
الوجه الرابع: لماذا لم تخاطب زوجات الأنبياء من قبل بمثل هذه الأمور؟
فنقول: أولًا إن الأمر للتشريف لا للإهانة، فعندما يأمرهن الله - عز وجل - وينهاهن عن أشياء فهذا تشريف لهن ورفعة لمكانتهن، ثم إنه مَنْ قال: إن الله لم يخاطب النساء قبل ذلك بمثل هذه الأشياء؟ أليس قد قال لمريم: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: 43]، أليس قد ذم امرأة نوح وامرأة لوط لعدم استجابتهما لشرع الله فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم: 10].
فانظر لصنيع سودة - رضي الله عنها - وابتغائها رضا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإيثاره على نفسها وعلى ما فيه سعادتها. وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: في (حديث الإفك): "من يعذرنا في رجل بلغني أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت من أهل بيتي إلا خيرًا".
وبعدُ، فأي امرأة في الكتاب المقدس تشرفت بهذا الذكر بما تشرفت به نساء النبي - صلى الله عليه وسلم -، ونساء المؤمنين عامةً، ولكنك حينما تنظر في هذا الكتاب - المحرف - تجد فيه إهانةً للمرأة، وإذلالًا، واحتقارًا، وغير ذلك للأهمية.
انظر كيف كان عيسى يخاطب أمه في أكثر كلامه، كان يقول لأمه: (يا امرأة)، كما في إنجيل يوحنا (2/ 5: 3): (وَلمَّا فَرَغَتِ الْخَمْرُ، قَالَتْ أُمُّ يَسُوعَ لَهُ: لَيْسَ لَهُمْ خَمْرٌ. 4 قَالَ لَهَا يَسُوعُ: مَا لِي وَلَكِ يَا امْرَأَةُ؟ لَمْ تَأْتِ سَاعَتِي بَعْدُ. 5 قَالَتْ أُمُّهُ لِلْخُدَّامِ: مَهْمَا قَالَ لَكُمْ فَافْعَلُوهُ).