لَّا جُنَاحَ عَلَيۡهِنَّ فِيٓ ءَابَآئِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآئِهِنَّ وَلَآ إِخۡوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآءِ إِخۡوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآءِ أَخَوَٰتِهِنَّ وَلَا نِسَآئِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّۗ وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدًا 55 إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا 56 إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابٗا مُّهِينٗا 57 وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا 58 يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ يُدۡنِينَ عَلَيۡهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يُعۡرَفۡنَ فَلَا يُؤۡذَيۡنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا 59 ۞ لَّئِن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا 60 مَّلۡعُونِينَۖ أَيۡنَمَا ثُقِفُوٓاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقۡتِيلٗا 61 سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا 62
الصفحة 426

شبهات حول الآية 57 من سورة الأحزاب والرد عليها

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابࣰا مُّهِينࣰا 57

شبهة: كيف يضع الرسول - صلى الله عليه وسلم - نفسه مع الله - عز وجل -.
نص الشبهة
ذكروا قول الله - عز وجل -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [الأحزاب: 57]، وقالوا: كيف يضع نفسه مع الله؟! وقالوا: إن المسيح كان يعفو عن المسيئين له ولم يلعنهم.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: التفسير الصحيح للآية، ومعنى الأذى.
الوجه الثاني: ذكر بعض الأمثلة من أذى المشركين للنبي وذكر عقوبتهم.
الوجه الثالث: رحمة النبي - صلى الله عليه وسلم - بأعدائه وبأمته، ورحمته في دعوته، وأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يتحمل الأذى إلا أن تنتهك حرمة من حرمات الله - عز وجل -.
الوجه الرابع: المسيح والمهتدون في الكتاب المقدس.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: التفسير الصحيح للآية، ومعنى الأذى.
قال - عز وجل -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [الأحزاب: 57].
أولًا: قال قتادة: يا سبحان الله، ما زال أناس من جهلة بني آدم حتى تعاطوا أذى ربهم، وأما أذاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو طعنهم عليه، وقوله: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أي: أبعدهم الله من رحمته في الدنيا، وأعد لهم في الآخرة عذابًا يهينهم فيه بالخلود فيه.
وقال قتادة قوله - عز وجل -: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ [الأحزاب: 58]، فإياكم وأذى المؤمنين فإن الله - عز وجل - يحوطه ويغضب له ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ زورًا وكذبًا وفرية شنيعة.
ومما روي في أذية الله - عز وجل -: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يقول الله - عز وجل -: يؤذيني ابن آدم؛ يسب الدهر، وأنا الدهر، أقلب ليله ونهاره".
قَوْله: (وَأنا الدَّهْر)
قَالَ الْخَطابِيُّ: مَعْنَاهُ: أَنا صَاحِب الدَّهْر، وَمُدَبِّر الْأُمُور الَّتِي يَنْسُبُونَهَا إِلَى الدَّهْر، فَمَنْ سَبَّ الدَّهْر مِنْ أَجْل أَنَّهُ فَاعِل هَذِهِ الْأُمُور عَادَ سَبّه إِلَى رَبّه الَّذِي هُوَ فَاعِلهَا، وإِنَّمَا الدَّهْر زَمَان جُعِلَ ظَرْفًا لِمَوَاقِع الْأُمُور. وَكَانَتْ عَادَتهمْ إِذَا أَصَابَهُمْ مَكْرُوه أَضَافُوهُ إِلَى الدَّهْر فَقَالُوا: بُؤْسًا لِلدَّهْرِ، وَتَبًّا لِلدَّهْرِ.
وقال ابن كثير: ومعنى هذا: أن الجاهلية كانوا يقولون: يا خيبة الدهر، فعل بنا كذا وكذا. فيسندون أفعال الله تعالى إلى الدهر، ويسبونه، وإنما الفاعل لذلك هو الله - عز وجل - فنهى عن ذلك. هكذا قرره الشافعي، وأبو عبيد، وغيرهما من العلماء، رحمهم الله.
والظاهر أن الآية عامة في كل من آذاه بشيء، ومن آذاه فقد آذى الله، ومن أطاعه فقد أطاع الله.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو شعيرة".
وقال ابن حجر: وَقَوْله: "وَمَنْ ذَهَبَ" أَيْ: قَصَدَ، وَقَوْله: "يَخْلُق كَخَلْقِي" نَسَبَ الْخَلْق إِلَيْهِمْ عَلَى سَبِيل الِاسْتِهْزَاء أَوْ التَّشْبِيه فِي الصُّورَة فَقَطْ، وَقَوْله: "فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّة أَوْ شَعِيرَة" أَمْر بِمَعْنَى: التَّعْجِيز؛ وَهُوَ عَلَى سَبِيل التَّرَقِّي فِي الْحَقَارَة أَوْ التَّنَزُّل فِي الْإِلْزَام، وَالْمُرَاد بِالذَّرَّةِ إِنْ كَانَ النَّمْلَة فَهُوَ مِنْ تَعْذِيبهمْ وَتَعْجِيزهمْ بِخَلْقِ الْحَيَوَان تَارَة، وَبِخَلْقِ الْجَمَاد أُخْرَى، وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى: الْهَبَاء فَهُوَ بِخَلْقِ مَا لَيْسَ لَهُ جِرْم مَحْسُوس تَارَة، وَبِمَا لَهُ جِرْم أُخْرَى.
ثانيًا: وقال بعضهم: ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ أي: يؤذون أولياء الله كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي: أهل القرية.
وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "قال الله تعالى: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب".
قال البغوي: ومعنى الأذى: هو مخالفة أمر الله تعالى وارتكاب معاصيه، ذكره على ما يتعارفه الناس بينهم، والله - عز وجل - منزه عن أن يلحقه أذى من أحد. و (إيذاء الرسول) قال ابن عباس: هو أنه شج في وجهه وكسرت رباعيته، وقيل: شاعر، ساحر، معلَّم، مجنون.
ومعنى اللعنة: الطرد والإبعاد من رحمته، وجعل ذلك في الدنيا والآخرة لتشملهم فيهما بحيث لا يبقى وقت من الأوقات مماتهم ومحياهم إلا واللعنة واقعة عليهم ومصاحبة لهم، ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ﴾ مع ذلك اللعن ﴿عَذَابًا مُّهِينًا﴾ يصيرون به في الإهانة في الدار الآخرة لما يفيده معنى: الإعداد من كونه في الدار الآخرة.
وقال الرازي: وقوله: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ إشارة إلى بعدٍ لا رجاءَ للقربِ معه؛ لأن المبعد في الدنيا يرجو القربة في الآخرة، فإذا أبعد في الآخرة فقد خاب وخسر؛ لأن الله إذا أبعده وطرده فمن الذي يقربه يوم القيامة، ثم إنه تعالى لم يحصر جزاءه في الإبعاد؛ بل أوعده بالعذاب بقوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ فاللعن جزاء الله؛ لأن من آذى الملك يبعده عن بابه إذا كان لا يأمر بعذابه، والتعذيب جزاء إيذاء الرسول؛ لأن الملك إذا آذى بعض عبيده كبير يستوفي منه قصاصه، لا يقال: فعلى هذا من يؤذي الله ولا يؤذي الرسول لا يعذب؛ لأنا نقول: انفكاك أحدهما على هذا الوجه عن الآخر محال؛ لأن من آذى الله فقد آذى الرسول. وأما على الوجه الآخر وهو أن من يؤذي النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يؤذي الله كمن عصى من غير إشراك، كمن فسق أو فجر من غير ارتداد وكفر، فقد آذى النبي - صلى الله عليه وسلم - غير أن الله تعالى صبور غفور رحيم فيجزيه بالعذاب ولا يلعنه بكونه يبعده عن الباب.
لما كان الله تعالى مصليًا على نبيه لم ينفك إيذاء الله عن إيذائه، فإن من آذى الله فقد آذى الرسول، فبين الله للمؤمنين أنكم إن أتيتم بما أمرتكم وصليتم على النبي كما صليت عليه لا ينفك إيذاؤكم عن إيذاء الرسول، فيأثم من يؤذيكم لكون إيذائكم إيذاء الرسول، كما أن إيذائي إيذاؤه، وبالجملة لما حصلت الصلاة من الله والملائكة والرسول والمؤمنين صار لا يكاد ينفك إيذاء أحد منهم عن إيذاء الآخر؛ كما يكون حال الأصدقاء الصادقين في الصداقة.
وقال أحمد بن يوسف: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: 57] أي: يقولون فيه ما صورته أذى، وإن كان سبحانه وتعالى لا يلحقه ضرر ذلك حيث وصفوه بما لا يليق بجلاله: من اتخاذ الأنداد، ونسبة الولد، والزوجة إليه، وأن يكون على حذف مضاف أي: أولياء الله، وقيل: أتى بالحالة تعظيمًا، والمراد: يؤذون رسولي.
والله - عز وجل - أثبت الأذية في القرآن، ونفى الضر عن نفسه سبحانه. نفى الله - عز وجل - عن نفسه أن يضره شيء، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 176]، وفي الحديث القدسي: "يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني".
وهذا ممكن، ألا ترى الرجل يتأذى برائحة البصل ونحوه، ولا يتضرر بها.
ومعنى: ﴿أذى الله﴾ أن الله سبحانه وتعالى يبغض ذلك ويكرهه؛ لأنه تنقص لله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى يتأذى ببعض أفعال عباده وأقوالهم التي فيها إساءة في حقه، ولكنه لا يتضرر بذلك، ولأن الله لا يضره شيء.
وكذلك من الأحاديث: عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من لكعب بن الأشرف؟ فإنه آذى الله ورسوله".
الوجه الثاني: ذكر بعض الأمثلة من أذية المشركين للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وذكر عقوبتهم.
تقولون: كيف يضع النبي - صلى الله عليه وسلم - نفسه مع الله في قوله - عز وجل -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾؟.
1 - هذا القرآن هو كلام الله سبحانه وتعالى، والذي وضع النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه المنزلة إنما هو الله سبحانه وتعالى، والله - عز وجل - لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.
2 - ثم إن الأنبياء - عليهم السلام - هم حاملوا رسالة ربهم رسالة التوحيد، فالله - عز وجل - هو الذي استأمنهم على ذلك، وكيف بعد ذلك لا يدافع عنهم؟! وكيف لا تكون أذيتهم من أذية الله - عز وجل -، أليسوا يبلغون دعوته؟!
3 - ثم إن الله - عز وجل - أخبرنا أنه يدافع عن كل من يدعو إليه، وكل من سار على نهج أنبيائه والمؤمنين، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج: 38]، ثم إن الله تبارك وتعالى بعد ذكره عقوبة من آذاه وآذى رسوله - صلى الله عليه وسلم - ثنى بذكر عقوبة من آذى المؤمنين فقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: 58].
ومن قبل هذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: 22]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَٰلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 63].
4 - ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أشرف الخلق وأفضل الأنبياء، فكيف لا تكون أذيته من أذية الله - عز وجل -؟
فالاجتراء على نبي من أنبياء الله - عز وجل - اجتراء على الله، وإيذاء النبي هو إيذاء لله - عز وجل -، يُنزل الله به غضبه ولعناته، وقال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115] , وقال - عز وجل -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىٰ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: 32]، وقال - عز وجل -: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: 94]، وقال - عز وجل -: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: 3]. ثم إن هذه الآية تخص الذين يؤذون النبي - صلى الله عليه وسلم - بالكفر به أو بسبه أو بضربه من المشركين، والكافرين، ومع ذلك فإن من فعل ذلك ثم آمن وتاب وعمل صالحًا فإن الله - عز وجل - يعفو عنه ويسامحه النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما سنبين إن شاء الله.
ومن أمثلة أذى المشركين للنبي - صلى الله عليه وسلم -:
1 - عن عَبْدَ الله بْنَ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قَالَ: "بينما النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ وَأَبو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض: أيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ، فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ فَجَاءَ بِهِ فَنَظَرَ حَتَّى سَجَدَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -وضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ لَا أُغْنِي شَيْئًا، لَوْ كَانَ لِي مَنَعَةٌ، قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَرَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَفَع رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: "اللهمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ، قَالَ: وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الدَّعْوَةَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ مُسْتَجَابَةٌ، ثُمَّ سَمَّى: "اللهمَّ، عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ، وَعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ"، وَعَدَّ السَّابِعَ فَلَمْ يَحْفَظْ، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ عَدَّ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - صَرْعَى فِي الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ".
وقال ابن حجر: وقول: "عليك بقريش" أي: بإهلاك قريش، والمراد الكفار منهم أو من سمى منهم، فهو عام أريد به الخصوص.
وقوله: "صرعى في القليب" وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَمامِ الدُّعَاءِ الْمَاضِي فَيَكُونُ فِيهِ عَلَمٌ عَظِيم مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بَعْدَ أَنْ أُلْقُوا فِي الْقَلِيبِ وَزَاد شُعْبَةُ فِي رِوَايتهِ: (إِلَّا أُمَيَّة فَإِنَّهُ تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ) زَادَ: (لِأَنَّهُ كَانَ بَادِنًا). قَالَ الْعُلَمَاء: وَإِنَّمَا أَمَرَ بِإِلْقَائِهِمْ فِيهِ لِئَلَّا يَتَأَذَّى النَّاس بِرِيحِهِمْ وَإِلَّا فَالْحَرْبِيّ لَا يَجِبُ دَفْنه، وَالظَّاهِر أَنَّ الْبِئْرَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَاءٌ مَعِينٌ.
وَفِي الْحَدِيثِ: تَعْظِيم الدُّعَاء بِمَكَّةَ عِنْدَ الْكُفَّارِ، وَمَا اِزْدَادَتْ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا تَعْظيمًا.
وَفِيهِ مَعْرِفَة الْكُفَّار بِصِدْقِهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ لِخَوْفِهِمْ مِنْ دُعَائِهِ، وَلَكِنْ حَمَلَهُمْ الْحَسَد عَلَى تَرْك الِانْقِيَاد لَهُ.
وَفِيهِ حِلْمُهُ - صلى الله عليه وسلم - عَمَّنْ آذَاهُ؛ فَفِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيّ، عَنْ شُعْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ اِبْن مَسْعُود قَالَ: (لَمْ أَرَهُ دَعَا عَلَيْهِمْ إِلَّا يَوْمَئِذٍ) وَإِنَّمَا اِسْتَحَقُّوا الدُّعَاءَ حِينَئِذٍ لِمَا أَقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ بِهِ - صلى الله عليه وسلم - حَالَ عِبَادَة رَبِّهِ.
وَفِيهِ اِسْتِحْبَابُ الدُّعَاءِ ثَلَاثًا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ اِسْتِحْبَاب السَّلَامِ ثَلَاثًا وَغَيْر ذَلِكَ.
وَفِيهِ جَوَازُ الدُّعَاءِ عَلَى الظَّالِمِ لَكِنْ قَالَ بَعْضهمْ: مَحَلُّهُ مَا إِذَا كَانَ كَافِرًا، فَأَمَّا المُسْلِمُ فَيُسْتَحَبُّ الِاسْتِغْفَارُ لَهُ وَالدُّعَاءُ بِالتَّوْبَةِ.
2 - عَنْ أَنَسٍ- رضي الله عنه - قَالَ: "كان رجل نصرانيًا فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران، فكان يكتب للنبي - صلى الله عليه وسلم - فعاد نصرانيًا، فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له فأماته الله فدفنوه، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه لما هرب منهم نبشوا عن صاحبنا فألقوه، فحفروا له فأعمقوا، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه نبشوا عن صاحبنا لما هرب منهم فألقوه، فحفروا له وأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا، فأصبح وقد لفظته الأرض فعلموا أنه ليس من الناس فألقوه".
3 - عن عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - زَوْجَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قَالَ: "لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ الله قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِما شِئْتَ فِيهِمْ. فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ: ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ؛ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ. فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ الله مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ الله وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا".
فانظر لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لقد لقيت من قومك" كلمة تحمل الكثير مما عاناه النبي - صلى الله عليه وسلم - وكابده مع هؤلاء المشركين.
4 - عن عروة بن الزبير - رضي الله عنه - قال: سألت عبد الله بن عمرو عن أشد ما صنع المشركون برسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي فوضع رداءه في عنقه فخنقه به خنقًا شديدًا، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه، فقال: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم.
فمما ذكرنا تبين أنه قد اشتد الأذى بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وسُبَّ، وخُنق، وسال الدم منه - صلى الله عليه وسلم -، وأوذي أشد الإيذاء، أفلا يكون من المعقول أن يدافع الله - عز وجل - عنه ويهدد الذين يؤذونه، ويجعل سبحانه أذية رسوله - صلى الله عليه وسلم - من أذيته - عز وجل -؟.
بلى، إن الله يدافع عن الذين آمنوا، لذلك قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [الأحزاب: 57].
الوجه الثالث: رحمة النبي - صلى الله عليه وسلم - بأعدائه وبأمته ورحمته في دعوته وأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يتحمل الأذى إلا أن تنتهك حرمة من حرمات الله - عز وجل -.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، فهو رحمته المهداة لعباده، فالمؤمنون به قبلوا هذه الرحمة وشكروها، وقاموا بها، وغيرهم كفرها، وبدلوا نعمة الله كفرًا، وأبوا رحمة الله ونعمته.
وشملت رحمة النبي - صلى الله عليه وسلم - العالمين، والعالمين تشمل الكافر والمؤمن؛ فهو رحمة للبر والفاجر، فمن آمن به أمن من عذاب الله في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن به أمن من عذاب الله في الدنيا وأجلت له العقوبة في الآخرة، مصدقًا لقول الله - عز وجل -: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: 33]، وسنبين بإذن الله - عز وجل - الآن رحمته - صلى الله عليه وسلم - بأعدائه، ثم رحمته بأمته، ثم رحمته - صلى الله عليه وسلم - في دعوته.
رحمته - صلى الله عليه وسلم - بأعدائه
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: (قيل يا رسول الله: ادع على المشركين قال: "إني لم أبعث لعانًا وإنما بعثت رحمة".
وفي حديث عائشة - رضي الله عنها - السابق لما جاءه ملك الجبال وقال له: "إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال: "لا، بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا".
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "بَعَثَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بني حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمامَةِ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سواري الْمَسْجِدِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: "مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ"؟ فَقَالَ: عندي يَا مُحَمَّدُ خَيْرٌ، إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وإنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَتَرَكَهُ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - حتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ فَقَالَ: "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمامَةُ"؟ فقَالَ: عندي مَا قُلْتُ لَكَ، إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ وإنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ وإنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَتَرَكَهُ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى كَانَ مِنَ الْغَدِ فَقَالَ: "مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمامَةُ"؟ فَقَالَ: عِنْدِى مَا قُلْتُ لَكَ، إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وإنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ". فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، يَا مُحَمَّدُ: وَالله، مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَىَّ مِنْ وَجْهِكَ فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَىَّ، وَالله مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَىَّ مِنْ دِينِكَ فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَىَّ، وَالله مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَىَّ مِنْ بَلَدِكَ فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ كُلِّهَا إِلَىَّ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أخذتني وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: أَصَبَوْتَ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِّى أَسْلَمْتُ مَعَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وَلَا وَالله لَا يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -".
وقوله: (تقتل ذا دم) أي: صَاحِب دَم؛ لِدَمِهِ مَوْقِعٌ يَشْتَفِي بِقَتْلِهِ قَاتِله، وَيُدْرِك قَاتِله بِهِ ثَأْره، أَيْ: لِرِيَاسَتِهِ وَفَضِيلَته. (وهذا تهديد واضح كما ترى).
قال النووي: وَكَرَّرَ ذَلِكَ ثَلَاثَة أيَّام؛ هَذَا مِنْ تَأْلِيف الْقُلُوب وَمُلَاطَفَة لِمَنْ يُرْجَى إِسْلَامه مِنْ الْأَشْرَاف الَّذِينَ يَتْبَعهُمْ عَلَى إِسْلَامهمْ خَلْق كَثِير.
وقال ابن حجر: تَعْظِيم أَمْر الْعَفْو عَنْ المُسِيء؛ لِأَنَّ ثُمامَة أَقْسَمَ أَنَّ بُغضه اِنْقَلَبَ حُبًّا فِي سَاعَة وَاحِدَة لِمَا أَسَدَاهُ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَيْهِ مِنْ الْعَفْو وَالْمَنّ بِغَيْرِ مُقَابِل، وفيه أَنَّ الْإِحْسَان يُزِيل الْبُغْض وَيُثْبِت الْحُبّ.
رحمته - صلى الله عليه وسلم - بأمته
قال - تعالى -: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128].
قال السعدي: يمتن - تعالى - على عباده المؤمنين بما بعث فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمي الذي من أنفسهم، يعرفون حاله، ويتمكنون من الأخذ عنه، ولا يأنفون عن الانقياد له، وهو - صلى الله عليه وسلم - في غاية النصح لهم، والسعي في مصالحهم.
﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾ أي: يشق عليه الأمر الذي يشق عليكم ويعنتكم.
﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم﴾ فيحب لكم الخير، ويسعى جهده في إيصاله إليكم، ويحرص على هدايتكم إلى الإيمان، ويكره لكم الشر، ويسعى جهده في تنفيركم عنه.
﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: شديد الرأفة والرحمة بهم، أرحم بهم من والديهم.
وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْن الْعَاصِ - رضي الله عنه - أَنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - تَلَا قَوْلَ الله - عز وجل - في إِبْرَاهِيمَ - صلى الله عليه وسلم -: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ الآيَةَ.
وَقَالَ عِيسَى - عليه السلام -: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: "اللهمَّ أُمَّتِى أُمَّتِى وَبَكَى. فَقَالَ الله - عز وجل -: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ - وَرَبُّكَ أَعْلَمُ - فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ - عليه السلام - فَسَأَلَهُ؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بِمَا قَالَ - وَهُوَ أَعْلَمُ -. فَقَالَ الله: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ في أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ".
وقال النووي: وفيه كَمَال شَفَقَة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى أُمَّته وَاعْتِنَائِهِ بِمَصَالحِهِمْ، وَاهْتِمَامه بِأَمْرِهِمْ، عِظَم مَنْزِلَة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - عِنْد الله - عز وجل -.
وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ" فَكَبَّرْنَا. فَقَالَ: "أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ" فَكَبَّرْنَا. فَقَالَ: "أَرْجُو أَنْ تكُونوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ" فَكَبَّرْنَا. فَقَالَ: "مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلَّا كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ أَوْ كَشَعَرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ".
رحمة النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعوته
قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159].
قال السعدي: أي: برحمة الله لك ولأصحابك مَنَّ الله عليك أن ألنت لهم جانبك، وخفضت لهم جناحك، وترفقت عليهم، وحسنت لهم خلقك، فاجتمعوا عليك وأحبوك، وامتثلوا أمرك، ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا﴾ أي: سيئ الخلق ﴿غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ أي: قاسيه ﴿لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ لأن هذا ينفرهم ويبغضهم لمن قام به هذا الخلق السيئ.
وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125].
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن أعرابيًا بال في المسجد، فثار إليه الناس ليقعوا به فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "دعوه وأهريقوا على بوله ذنوبًا من ماء أو سجلًا من ماء فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين".
فانظر إلى رحمته - صلى الله عليه وسلم - بهذا الأعرابي حتى علمه وبين له خطأ ما فعل، بعدما انتهى من بوله، وبين له المساجد لا تصلح لهذا.
وعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السلمي - رضي الله عنه - قَالَ: "بَيْنَا أَنَا أُصَلِّى مَعَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ الله، فرماني الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ! مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَىَّ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِى لَكِنِّى سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فبأبي هُوَ وأمي؛ مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ؟ فَوَالله، مَا كَهَرَنِي، وَلَا ضربني، وَلَا شتمني؛ قَالَ: "إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شيء مِنْ كَلَامِ النَّاسِ؛ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ" أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -".
قال النووي: فِيهِ: بَيَان مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - مِنْ عَظِيم الْخُلُق الَّذِي شَهِدَ الله تَعَالَى لَهُ بِهِ، وَرِفْقه بِالْجَاهِلِ، وَرَأْفَته بِأُمَّتِهِ، وَشَفَقَته عَلَيْهِمْ.
وعن معاذ بن جبل وأبي بردة - رضي الله عنهم - قال لهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لما بعثهما إلى اليمن: "يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا".
وعن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: "ما خُير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما؛ ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم بها لله".
قال ابن حجر: قَوْله: (بَيْن أَمْرَيْنِ) أَيْ: مِنْ أُمُور الدُّنْيَا، يَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله: (مَا لَمْ يَكُنْ إِثمًا)؛ لِأَنَّ أُمُور الدِّين لَا إِثْم فِيهَا، وَقَوْله: (مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا) أَيْ: مَا لَمْ يَكُنْ الْأَسْهَل مُقْتَضِيًا لِلْإِثْمِ؛ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَخْتَار الْأَشَدّ، وقَوْله: (وَمَا اِنْتَقَمَ لِنَفْسِهِ) أَيْ: خَاصَّة، فَلَا يَرِد أَمْره بِقَتْلِ عُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْط وَعَبْد الله بْن خَطَل وَغَيْرهمَا مِمَّنْ كَانَ يُؤْذِيه؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مع ذلِكَ يَنْتَهِكُونَ حُرُمَات الله، وَقِيلَ: أَرَادَتْ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِم إِذَا أُوذِيَ فِي غَيْر السَّبَب الَّذِي يُخْرِج إِلَى الْكُفْر، كَمَا عَفَا عَنْ الْأَعْرَابِيّ الَّذِي جَفَا فِي رَفْع صَوْته عَلَيْهِ، وَعَنْ الْآخَر الَّذِي جَبَذَ بِرِدَائِهِ حَتَّى أثَّرَ فِي كَتِفه.
وعَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: "كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ أثَّرَتْ بِهِ حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَذْبَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: مُرْ لِي مِنْ مَال الله الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ".
وقال النووي: فِيهِ اِحْتِمَال الْجَاهِلِينَ وَالْإِعْرَاض عَنْ مُقَابَلَتهمْ، وَدَفعْ السَّيِّئَة بِالْحَسَنَةِ، وَإِعْطَاء مَنْ يُتَأَلَّف قَلْبُهُ، وَالْعَفْو عَنْ مُرْتَكِب كَبِيرَة لَا حَدّ فِيهَا بِجَهْلِهِ، وَإِبَاحَة الضَّحِك عِنْد الْأُمُور الَّتِي يُتَعَجَّب مِنْهَا فِي الْعَادَة، وَفِيهِ كَمَالُ خُلُق رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وَحِلْمه وَصَفْحه الْجَمِيل.
فبذلك نكون قد بينا رحمة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبينا أذية المشركين له - صلى الله عليه وسلم -، وذكرنا عقوبات من آذاه - صلى الله عليه وسلم -، وأنه - صلى الله عليه وسلم - ما كان ينتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمة من حرمات الله - عز وجل - فينتقم لله.
وأما قولهم: إن المسيح - عليه السلام - حصل معه إهانات، وإساءات كان يقابلها بالعفو والغفران فنحن قد بينا حلم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعفوه لمن آذاه؛ طالما أن هذا الأذى بعيد عن حرمات الله - عز وجل -.
ولم يخلق من لدن آدم إلى قيام الساعة مَنْ هو أرحم من النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا أحلم منه صلوات ربي وسلامه عليه.
الوجه الرابع: المسيح - عليه السلام - والمهتدون في الكتاب المقدس.
يقولون: المسيح ملعون، والناموس لعنة، وكل من لا يعمل بجميع الناموس فهو ملعون، لذلك فالجميع ملعونون: (الْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ؛ إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: (مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ)) (رسالة بولس إلى أهل غلاطية 3/ 13).
(لأَنَّ جَمِيعَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَعْمَالِ النَّامُوسِ هُمْ تَحْتَ لَعْنَةٍ؛ لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: (مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ لَا يَثْبُتُ فِي جَمِيعِ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ النَّامُوسِ لِيَعْمَلَ بِهِ)) (رسالة بولس إلى أهل غلاطية 3/ 10).
(كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: (أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلَا وَاحِدٌ، لَيْسَ مَنْ يَفْهَمُ، لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ الله، الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا، لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلَاحًا لَيْسَ وَلَا وَاحِدٌ)) (رسالة بولس إلى أهل رومية 3/ 12: 10).
ونجد أيضًا أن الكتاب المقدس به سب صريح لمن يريد أن يدعوهم للهداية: (أَيُّهَا الْغَلَاطِيُّونَ الأَغْبِيَاءُ...) (رسالة بولس إلى أهل غلاطية 3/ 1)
ونجد أيضًا أن المسيح يضع نفسه مع الله كهيكلٍ واحد للمدينة: (وَلَمْ أَرَ فِيهَا هَيْكَلًا، لأَنَّ الرَّبّ الله الْقَادِرَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، هُوَ وَالْخَرُوفُ هَيْكَلُهَا) (رؤيا يوحنا اللاهوتي 1/ 22).
(لأَنَّ الْخَرُوفَ الَّذِي فِي وَسَطِ الْعَرْشِ يَرْعَاهُمْ، وَيَقْتَادُهُمْ إِلَى يَنَابِيعِ مَاءٍ حَيَّةٍ، وَيَمْسَحُ الله كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ) (رؤيا يوحنا اللاهوتي 7/ 17).
(وَكُلُّ خَلِيقَةٍ مِمَّا فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ وَتَحْتَ الأَرْضِ، وَمَا عَلَى الْبَحْرِ، كُلُّ مَا فِيهَا، سَمِعْتُهَا قَائِلَةً: (لِلْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَلِلْخَرُوفِ الْبَرَكَةُ وَالْكَرَامَةُ، وَالْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ)) (يوحنا اللاهوتي 5/ 13).
ثم من العجب إنكارهم وضع النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - بجوار رب العالمين في الآية، وهم في المقابل يقولون بأن عيسى هو الله، وقد حلّ الإله فيه، والتحم الناسوت باللاهوت، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: 116]
فهرس الكتاب