سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِلۡ يَاسِينَ 130
شبهة: جمع اسم علم حيث يجب إفراده.
نص الشبهة
جاء في سورة الصافات: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الصافات: 123). ﴿سَلَامٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ (الصافات: 130) قال: (إِلْ يَاسِينَ) بالجمع عن إلياس المفرد.
وجاء في سورة التين: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ (التين: 2) قال: (سِينِينَ) بالجمع عن سيناء المفرد، فلماذا جاء بالجمع؟ ومن الخطأ لغويًا تغيير اسم العلم للسجع المتكلف.
والرد من وجوه:
الوجه الأول: إثبات القراءات الواردة في هذا الاسم.
قال قوله: (إلْ ياسين) قرأه نافعٌ وابنُ عامر بالمد في (إل) وفتح الهمزة وكسر اللام فتكون (آلِ)، وقرأ الباقون بغير مد وإسكان اللام وكسر الهمزة (إِلْ).
وحجة من مده وفتح الهمزة أنه لما رآها في المصحف منفصلة من (ياسين) استدل على أن (أل) كلمة و (ياسين) كلمة؛ أُضيف (أل) إلى (ياسين)، فـ (ياسين) اسم أُضيف إليه (أل) فهو اسم نبيّ، فسُلِّم على أهله لأجله، فهو داخل في السلام أي: من أجله سُلِّم على أهله، وأهله أهل دينه ومن اتبعه ومن آمن به، وكذلك آل محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وحجة من كسر الهمزة ولم يمدّ (إل) أنه جعله اسمًا واحدًا جمعًا منسوبًا إلى (إلياس) فيكون السلام واقعًا على من نسب إلى (إلياس) النبي -عليه السلام-، والسلام في القراءة الأولى واقع على النبي المرسل إليهم الذي اسمه (ياسين).
و(إلياس وإلياسين) بمعنًى، تأتي الأسماء الأعجمية بلفظين وأكثر؛ ومنه قوله: ﴿مِن طُورِ سَيْنَاءَ﴾ (المؤمنون: 20) وقال: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ (التين: 2)، فهو كما قال: ﴿مِيكَالَ﴾ (البقرة: 98) و (ميكائيل) فكان الأصل (سلام على إلياسين).
قال الشاطبي في منظومته:
وَمَاذَا تُرِى بِالضَّمِّ وَالْكَسْر (شَائِعٌ)... وإِلْيَاسَ حَذْفُ الْهَمْزِ بِالْخُلْفِ (مُـ) ـثِّلَا
قال أبو شامة المقدسي: وإلياس سرياني تكلمت به العرب على وجوه كما فعلوا في جبريل وميكال فقالوا: إلياسين كجبرائيل، وإلياس كإسحاق، ووصلوا همزته كأنه في الأصل ياس دخلته آلة التعريف، وموضع هذا الخلاف -وإن إلياس- وصل همزته ابن ذكوان وقطعها غيره.
وَغَيْرُ (صِحَابٍ) رَفْعُهُ اللَّه رَبَّكُمْ... وَرَبَّ وَإِلْياسِينَ بِالْكَسْرِ وُصِّلَا
وأما (سلام على إلياسين) فكسر همزتها وقصرها وأسكن كسر لامها من ذكره في قوله:
مَعَ الْقَصْرِ مَعْ إِسْكَانِ كَسْرٍ (دَ) نَ ا... (غِـ) ـنًى وَإِنّي وَذُو الثُّنْيَا وَأَنِّي اجْمِلَا
عنى بالقصر حذف المد بين الهمزة المفتوحة واللام المكسورة فقرأ مدلول قوله: دنا غنا على ما لفظ به في البيت السابق، وغنا في موضع نصب على التمييز أو الحال أي دنا غناه أو ذا غناء؛ لأن هذه القراءة استغنت بوضوحها عن تأويل القراءة الأخرى، لأن هذا لغة في اسم إلياس على ما سبق، وقرأه نافع وابن عامر -آل ياسين- كما جاء -آل عمران- وكتبت كذا مفصولة في المصحف كأن اسمه يس على وزن ميكال، فيكون اسمه جاء في القرآن بأربع لغات، وكذا سبق في قراءة اسم جبريل؛ وهي: إلياس بقطع الهمزة، ووصلها، وياسين، وإلياسين، وتكون القراءتان قد تضمنتا التسليم عليه وعلى آله...
الوجه الثاني: الجمع لم يقع للعلم في ذاته دون معنًى مقصود.
وإن شئت ذهبت بـ (إل ياسين) إلى أن تجعله جمعًا، فتجعَل أصحابه داخلين في اسمه، كما تقول للقوم رئيسُهم المُهَلَّب: قد جاءتكم المهالبة والمهلَّبون، فيكون بمنزلة قوله:
الأشعرِين والسَّعْدِين، وشبهه قال الشاعر: أنا ابن سعدٍ سَيِّدِ السَّعْدِينا
وهو في الاثنين أكثر: أن يضمّ أحدهما إلى صَاحبه إذا كان أَشهر منه اسمًا؛ كقول الشاعر:
جزانى الزَّهدمان جزاء سَوءٍ... وكنتُ المرءَ يُجزَى بالكرامَهْ
واسم أحدهما زَهْدَم، وقال الآخر:
جزى اللَّه فيهَا الأعوَرَين ذَمَامَةً... وفروة ثَغْر الثورَةِ المتضَاجِم
واسم أحدهما أَعور.
فَجَمَعَ المنسوبَ إلى (إلياس) بالياء والنون، فوقع السلام على من نسب إليه من أمته المؤمنين، وهذه الياء تحذف كثيرًا من النسب في الجمع المُسلَّم والمُكسَّر؛ ولذلك قالوا: المهالبة والمسامعة وأحدهم: مِسمَعي ومُهلَّبي، وقالوا: الأعجمون والنُّميرون؛ والواحد أعجمي ونُميري، فحذفت ياء النسب في الجمعين استخفافًا لثقل الياء وثقل الجمع، فكذلك (إلياسين) في قراءة من كسر الهمزة إنما هو على النسب، وحذفت الياء من الجمع على ما ذكرنا، ولو لم يكن ذلك على النسب لكان كل واحد من أمة النبي اسمه (إلياس)؛ وليس كذلك، إنما (إلياس) اسم نبيهم فنسبوا إليه.
وإلياسين جمع فهو من باب قول الراجز:
(قدني من نصر الخبيبين قدني)، ورد هذا بأنه لو أريد لكان الوجه تعريفه فيقال: الإلياسين كقوله: الخبيبين، وقريء على إلياسين بوصل الهمزة؛ فهذا يمكن فيه ذلك لأن فيه آلة التعريف؟ وقيل: ياسين اسم أبي إلياس أضيف الآل إليه فدخل إلياس فيهم.
قال الأخفش: العرب تسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة على أنهم سموا كل رجل منهم بالمهلب، قال: فعلى هذا إنه سمى كل رجل منهم بإلياسين.
قال الفراء: يذهب بإلياسين إلى أن يجعله جمعًا، فيجعل أصحابه داخلين معه في اسمه.
قال أبو عليّ الفارسي: تقديره: إلياسيين، إلا أن الياءين للنسبة حذفتا كما حذفتا في الأشعرين والأعجمين. ورجح الفرّاء وأبو عبيدة قراءةَ الجمهور؛ قال: لأنه لم يقل في شيء من السور على آل فلان، إنما جاء بالاسم كذلك إلياسين لأنه إنما هو بمعنى: إلياس، أو بمعنى: إلياس وأتباعه. وقال الكلبي: المراد بآل ياسين: آل محمد، قال الواحدي: وهذا بعيد؛ لأن ما بعده من الكلام وما قبله لا يدلّ عليه.
الوجه الثالث: العرب تتصرف في الأسماء الأعجمية.
إن (آل ياسين) لغة في إلياس، وكثيرًا ما يتصرفون في الأسماء غير العربية، وفي الكشاف: لعل لزيادة الياء والنون معنى في اللغة السريانية.
ومن هذا الباب سيناء وسينين، واختار هذه اللغة هنا رعاية للفواصل.
قال ابن عاشور: وللعرب في النطق بالأسماء الأعجمية تصرفات كثيرة؛ لأنه ليس من لغتهم فهم يتصرفون في النطق به على ما يناسب أبنية كلامهم.
قال: ﴿سَلَامٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ فجعله بالنون، والعجميُّ من الأسْمَاء قد يَفعل به هذا العربُ، تقول: ميكالُ، وميكائِيل، وميكائل، وميكائين -بالنون-؛ وهي في بني أسَدٍ يقولونَ: هذا إسْمَاعِينُ قد جَاء -بالنون-، وسَائر العرب باللام، قال: وأنشدني بعض بني نُمَير لضبٍ صَاده بعضُهم:
يقول أهلُ السوق لما جينا... هذا وَربِّ البيت إسرائينا
وقد يَشهد عَلى صَوَاب هَذَا قوله: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ﴾ (المؤمنون: 20)، ثم قَالَ في موضع آخر: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ (التين: 2)، وهو معنًى واحد وموضع واحد، واللَّه أعلم.
قال ابن جني: العرب تتلاعب بالأسماء الأعجمية تلاعبًا؛ فياسين، وإلياس، وإلياسين شيء واحد.
إلياس اسم أعجمي والأسماء الأعجمية إذا وقعت إلى العرب غيرتها بضروب من التغيير فيقولون: إبراهيم، وإبراهم، وإبرهام، هكذا أيضًا: سيناء وسينين، وإلياس، وإلياسين، ويس، وفي قراءة "سَلَامٌ عَلَى آلِ يَاسِينَ" بمعنى واحد.
الوجه الرابع: طريقة العرب في التعريب.
كان العرب إذا عرّبوا كلمة صاغوها على غرار الأوزان التي تعرَّفوا عليها إلا ما ندر، وننقل هنا نصًا لصاحب المعرب أبي منصور الجواليقي يوضح مذهب العرب في النطق بالألفاظ الأجنبية يقول: اعلم أنهم كثيرًا ما يجترئون على تغيير الأسماء الأعجمية إذا استعملوها، فيبدلون الحروف التي ليست من حروفهم إلى أقربها مخرجًا، وربما أبدلوا ما بَعُدَ مخرجُه أيضًا، وربما غيروا البناء من الكلام الفارسي إلى أبنية العرب؛ وهذا التغيير بإبدال حرف من حرف، أو زيادة حرف، أو نقصان حرف، أو إبدال حركة بحركة، أو إسكان محرك، أو تحريك ساكن، وربما تركوا الحرف على حاله ولم يغيروه، أي: إن العرب لنفورهم من العجمة واستثقالهم لها كانوا يتصرفون في اللفظ الأجنبي بأي طريق ليبعدوه بذلك عن أصل لغته ويلبسوه ثوبا جديدًا.
والصواب -واللَّه أعلم- في ذلك أن أصل الكلمة آل ياسين كآل إبراهيم، فحذفت الألف واللام من أوله لاجتماع الأمثال ودلالة الاسم على موضع المحذوف، وهذا كثير في كلامهم إذا اجتمعت الأمثال كرهوا النطق بها كلها فحذفوا منها ما لا إلباس في حذفه، وإن كانوا لا يحذفونه في موضع لا تجتمع فيه الأمثال؛ ولهذا لا يحذفون النون من إني وأني وكأني ولكني ولا يحذفونها من ليتني، ولما كانت اللام في لعل شبيهة بالنون حذفوا النون معها، ولاسيما عادة العرب في استعمالها للاسم الأعجمي وتغييرها له فيقولون مرة: إلياسين، ومرة: إلياس، ومرة: ياسين، وربما قالوا: ياس، ويكون على إحدى القراءتين قد وقع على المُسلم عليه وعلى القراءة الأخرى على آله، وعلى هذا ففصل النزاع بين أصحاب القولين في الآل - أن الآل إن أُفرد دخل فيه المضاف إليه كقوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (غافر: 46)؛ ولا ريب في دخوله في آله هنا، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ (الأعراف: 130)، ونظائره، وقول النبي: اللهم صل على آل أبي أوفى، ولا ريب في دخول أبي أوفى نفسِهِ في ذلك، وقوله: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، هذه أكثر روايات البخاري، وإبراهيم هنا داخل في آله، ولعل هذا مراد من قال: آل الرجل نَفْسُهُ، وأما إِنْ ذُكر الرجل ثم ذكر آله لم يدخل فيهم، ففرق بين المجرد والمقرون؛ فإذا قلت: أعط لزيد وآل زيد لم يكن زيد هنا داخلًا في آله: وإذا قلت: أعطه لآل زيد تناول زيدًا وآله. اهـ.
جملة القول
أن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وكان لابد أن يوافق سَنَنَ العرب؛ لأنه يخاطبهم، والعرب عندما يستخدمون الكلمات الأعجمية يضعون عليها طابعًا عربيًا لتصير معربة، وللعرب طُرق ولغات معلومة في استخدام الأسماء الأعجمية، وقد اختار القرآن أحد هذه اللغات والتي وافقت الفواصل للآيات، فجمعت هذه الكلمةُ حسنَ الانتقاء إلى حسنِ التناسب.
نص الشبهة
جاء في سورة الصافات: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الصافات: 123). ﴿سَلَامٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ (الصافات: 130) قال: (إِلْ يَاسِينَ) بالجمع عن إلياس المفرد.
وجاء في سورة التين: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ (التين: 2) قال: (سِينِينَ) بالجمع عن سيناء المفرد، فلماذا جاء بالجمع؟ ومن الخطأ لغويًا تغيير اسم العلم للسجع المتكلف.
والرد من وجوه:
الوجه الأول: إثبات القراءات الواردة في هذا الاسم.
قال قوله: (إلْ ياسين) قرأه نافعٌ وابنُ عامر بالمد في (إل) وفتح الهمزة وكسر اللام فتكون (آلِ)، وقرأ الباقون بغير مد وإسكان اللام وكسر الهمزة (إِلْ).
وحجة من مده وفتح الهمزة أنه لما رآها في المصحف منفصلة من (ياسين) استدل على أن (أل) كلمة و (ياسين) كلمة؛ أُضيف (أل) إلى (ياسين)، فـ (ياسين) اسم أُضيف إليه (أل) فهو اسم نبيّ، فسُلِّم على أهله لأجله، فهو داخل في السلام أي: من أجله سُلِّم على أهله، وأهله أهل دينه ومن اتبعه ومن آمن به، وكذلك آل محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وحجة من كسر الهمزة ولم يمدّ (إل) أنه جعله اسمًا واحدًا جمعًا منسوبًا إلى (إلياس) فيكون السلام واقعًا على من نسب إلى (إلياس) النبي -عليه السلام-، والسلام في القراءة الأولى واقع على النبي المرسل إليهم الذي اسمه (ياسين).
و(إلياس وإلياسين) بمعنًى، تأتي الأسماء الأعجمية بلفظين وأكثر؛ ومنه قوله: ﴿مِن طُورِ سَيْنَاءَ﴾ (المؤمنون: 20) وقال: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ (التين: 2)، فهو كما قال: ﴿مِيكَالَ﴾ (البقرة: 98) و (ميكائيل) فكان الأصل (سلام على إلياسين).
قال الشاطبي في منظومته:
وَمَاذَا تُرِى بِالضَّمِّ وَالْكَسْر (شَائِعٌ)... وإِلْيَاسَ حَذْفُ الْهَمْزِ بِالْخُلْفِ (مُـ) ـثِّلَا
قال أبو شامة المقدسي: وإلياس سرياني تكلمت به العرب على وجوه كما فعلوا في جبريل وميكال فقالوا: إلياسين كجبرائيل، وإلياس كإسحاق، ووصلوا همزته كأنه في الأصل ياس دخلته آلة التعريف، وموضع هذا الخلاف -وإن إلياس- وصل همزته ابن ذكوان وقطعها غيره.
وَغَيْرُ (صِحَابٍ) رَفْعُهُ اللَّه رَبَّكُمْ... وَرَبَّ وَإِلْياسِينَ بِالْكَسْرِ وُصِّلَا
وأما (سلام على إلياسين) فكسر همزتها وقصرها وأسكن كسر لامها من ذكره في قوله:
مَعَ الْقَصْرِ مَعْ إِسْكَانِ كَسْرٍ (دَ) نَ ا... (غِـ) ـنًى وَإِنّي وَذُو الثُّنْيَا وَأَنِّي اجْمِلَا
عنى بالقصر حذف المد بين الهمزة المفتوحة واللام المكسورة فقرأ مدلول قوله: دنا غنا على ما لفظ به في البيت السابق، وغنا في موضع نصب على التمييز أو الحال أي دنا غناه أو ذا غناء؛ لأن هذه القراءة استغنت بوضوحها عن تأويل القراءة الأخرى، لأن هذا لغة في اسم إلياس على ما سبق، وقرأه نافع وابن عامر -آل ياسين- كما جاء -آل عمران- وكتبت كذا مفصولة في المصحف كأن اسمه يس على وزن ميكال، فيكون اسمه جاء في القرآن بأربع لغات، وكذا سبق في قراءة اسم جبريل؛ وهي: إلياس بقطع الهمزة، ووصلها، وياسين، وإلياسين، وتكون القراءتان قد تضمنتا التسليم عليه وعلى آله...
الوجه الثاني: الجمع لم يقع للعلم في ذاته دون معنًى مقصود.
وإن شئت ذهبت بـ (إل ياسين) إلى أن تجعله جمعًا، فتجعَل أصحابه داخلين في اسمه، كما تقول للقوم رئيسُهم المُهَلَّب: قد جاءتكم المهالبة والمهلَّبون، فيكون بمنزلة قوله:
الأشعرِين والسَّعْدِين، وشبهه قال الشاعر: أنا ابن سعدٍ سَيِّدِ السَّعْدِينا
وهو في الاثنين أكثر: أن يضمّ أحدهما إلى صَاحبه إذا كان أَشهر منه اسمًا؛ كقول الشاعر:
جزانى الزَّهدمان جزاء سَوءٍ... وكنتُ المرءَ يُجزَى بالكرامَهْ
واسم أحدهما زَهْدَم، وقال الآخر:
جزى اللَّه فيهَا الأعوَرَين ذَمَامَةً... وفروة ثَغْر الثورَةِ المتضَاجِم
واسم أحدهما أَعور.
فَجَمَعَ المنسوبَ إلى (إلياس) بالياء والنون، فوقع السلام على من نسب إليه من أمته المؤمنين، وهذه الياء تحذف كثيرًا من النسب في الجمع المُسلَّم والمُكسَّر؛ ولذلك قالوا: المهالبة والمسامعة وأحدهم: مِسمَعي ومُهلَّبي، وقالوا: الأعجمون والنُّميرون؛ والواحد أعجمي ونُميري، فحذفت ياء النسب في الجمعين استخفافًا لثقل الياء وثقل الجمع، فكذلك (إلياسين) في قراءة من كسر الهمزة إنما هو على النسب، وحذفت الياء من الجمع على ما ذكرنا، ولو لم يكن ذلك على النسب لكان كل واحد من أمة النبي اسمه (إلياس)؛ وليس كذلك، إنما (إلياس) اسم نبيهم فنسبوا إليه.
وإلياسين جمع فهو من باب قول الراجز:
(قدني من نصر الخبيبين قدني)، ورد هذا بأنه لو أريد لكان الوجه تعريفه فيقال: الإلياسين كقوله: الخبيبين، وقريء على إلياسين بوصل الهمزة؛ فهذا يمكن فيه ذلك لأن فيه آلة التعريف؟ وقيل: ياسين اسم أبي إلياس أضيف الآل إليه فدخل إلياس فيهم.
قال الأخفش: العرب تسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة على أنهم سموا كل رجل منهم بالمهلب، قال: فعلى هذا إنه سمى كل رجل منهم بإلياسين.
قال الفراء: يذهب بإلياسين إلى أن يجعله جمعًا، فيجعل أصحابه داخلين معه في اسمه.
قال أبو عليّ الفارسي: تقديره: إلياسيين، إلا أن الياءين للنسبة حذفتا كما حذفتا في الأشعرين والأعجمين. ورجح الفرّاء وأبو عبيدة قراءةَ الجمهور؛ قال: لأنه لم يقل في شيء من السور على آل فلان، إنما جاء بالاسم كذلك إلياسين لأنه إنما هو بمعنى: إلياس، أو بمعنى: إلياس وأتباعه. وقال الكلبي: المراد بآل ياسين: آل محمد، قال الواحدي: وهذا بعيد؛ لأن ما بعده من الكلام وما قبله لا يدلّ عليه.
الوجه الثالث: العرب تتصرف في الأسماء الأعجمية.
إن (آل ياسين) لغة في إلياس، وكثيرًا ما يتصرفون في الأسماء غير العربية، وفي الكشاف: لعل لزيادة الياء والنون معنى في اللغة السريانية.
ومن هذا الباب سيناء وسينين، واختار هذه اللغة هنا رعاية للفواصل.
قال ابن عاشور: وللعرب في النطق بالأسماء الأعجمية تصرفات كثيرة؛ لأنه ليس من لغتهم فهم يتصرفون في النطق به على ما يناسب أبنية كلامهم.
قال: ﴿سَلَامٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ فجعله بالنون، والعجميُّ من الأسْمَاء قد يَفعل به هذا العربُ، تقول: ميكالُ، وميكائِيل، وميكائل، وميكائين -بالنون-؛ وهي في بني أسَدٍ يقولونَ: هذا إسْمَاعِينُ قد جَاء -بالنون-، وسَائر العرب باللام، قال: وأنشدني بعض بني نُمَير لضبٍ صَاده بعضُهم:
يقول أهلُ السوق لما جينا... هذا وَربِّ البيت إسرائينا
وقد يَشهد عَلى صَوَاب هَذَا قوله: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ﴾ (المؤمنون: 20)، ثم قَالَ في موضع آخر: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ (التين: 2)، وهو معنًى واحد وموضع واحد، واللَّه أعلم.
قال ابن جني: العرب تتلاعب بالأسماء الأعجمية تلاعبًا؛ فياسين، وإلياس، وإلياسين شيء واحد.
إلياس اسم أعجمي والأسماء الأعجمية إذا وقعت إلى العرب غيرتها بضروب من التغيير فيقولون: إبراهيم، وإبراهم، وإبرهام، هكذا أيضًا: سيناء وسينين، وإلياس، وإلياسين، ويس، وفي قراءة "سَلَامٌ عَلَى آلِ يَاسِينَ" بمعنى واحد.
الوجه الرابع: طريقة العرب في التعريب.
كان العرب إذا عرّبوا كلمة صاغوها على غرار الأوزان التي تعرَّفوا عليها إلا ما ندر، وننقل هنا نصًا لصاحب المعرب أبي منصور الجواليقي يوضح مذهب العرب في النطق بالألفاظ الأجنبية يقول: اعلم أنهم كثيرًا ما يجترئون على تغيير الأسماء الأعجمية إذا استعملوها، فيبدلون الحروف التي ليست من حروفهم إلى أقربها مخرجًا، وربما أبدلوا ما بَعُدَ مخرجُه أيضًا، وربما غيروا البناء من الكلام الفارسي إلى أبنية العرب؛ وهذا التغيير بإبدال حرف من حرف، أو زيادة حرف، أو نقصان حرف، أو إبدال حركة بحركة، أو إسكان محرك، أو تحريك ساكن، وربما تركوا الحرف على حاله ولم يغيروه، أي: إن العرب لنفورهم من العجمة واستثقالهم لها كانوا يتصرفون في اللفظ الأجنبي بأي طريق ليبعدوه بذلك عن أصل لغته ويلبسوه ثوبا جديدًا.
والصواب -واللَّه أعلم- في ذلك أن أصل الكلمة آل ياسين كآل إبراهيم، فحذفت الألف واللام من أوله لاجتماع الأمثال ودلالة الاسم على موضع المحذوف، وهذا كثير في كلامهم إذا اجتمعت الأمثال كرهوا النطق بها كلها فحذفوا منها ما لا إلباس في حذفه، وإن كانوا لا يحذفونه في موضع لا تجتمع فيه الأمثال؛ ولهذا لا يحذفون النون من إني وأني وكأني ولكني ولا يحذفونها من ليتني، ولما كانت اللام في لعل شبيهة بالنون حذفوا النون معها، ولاسيما عادة العرب في استعمالها للاسم الأعجمي وتغييرها له فيقولون مرة: إلياسين، ومرة: إلياس، ومرة: ياسين، وربما قالوا: ياس، ويكون على إحدى القراءتين قد وقع على المُسلم عليه وعلى القراءة الأخرى على آله، وعلى هذا ففصل النزاع بين أصحاب القولين في الآل - أن الآل إن أُفرد دخل فيه المضاف إليه كقوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (غافر: 46)؛ ولا ريب في دخوله في آله هنا، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ (الأعراف: 130)، ونظائره، وقول النبي: اللهم صل على آل أبي أوفى، ولا ريب في دخول أبي أوفى نفسِهِ في ذلك، وقوله: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، هذه أكثر روايات البخاري، وإبراهيم هنا داخل في آله، ولعل هذا مراد من قال: آل الرجل نَفْسُهُ، وأما إِنْ ذُكر الرجل ثم ذكر آله لم يدخل فيهم، ففرق بين المجرد والمقرون؛ فإذا قلت: أعط لزيد وآل زيد لم يكن زيد هنا داخلًا في آله: وإذا قلت: أعطه لآل زيد تناول زيدًا وآله. اهـ.
جملة القول
أن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وكان لابد أن يوافق سَنَنَ العرب؛ لأنه يخاطبهم، والعرب عندما يستخدمون الكلمات الأعجمية يضعون عليها طابعًا عربيًا لتصير معربة، وللعرب طُرق ولغات معلومة في استخدام الأسماء الأعجمية، وقد اختار القرآن أحد هذه اللغات والتي وافقت الفواصل للآيات، فجمعت هذه الكلمةُ حسنَ الانتقاء إلى حسنِ التناسب.