وَجِاْيٓءَ يَوۡمَئِذِۭ بِجَهَنَّمَۚ يَوۡمَئِذٖ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكۡرَىٰ 23 يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي قَدَّمۡتُ لِحَيَاتِي 24 فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُۥٓ أَحَدٞ 25 وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُۥٓ أَحَدٞ 26 يَٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَئِنَّةُ 27 ٱرۡجِعِيٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةٗ مَّرۡضِيَّةٗ 28 فَٱدۡخُلِي فِي عِبَٰدِي 29 وَٱدۡخُلِي جَنَّتِي 30 سورة البلدبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِلَآ أُقۡسِمُ بِهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ 1 وَأَنتَ حِلُّۢ بِهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ 2 وَوَالِدٖ وَمَا وَلَدَ 3 لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِي كَبَدٍ 4 أَيَحۡسَبُ أَن لَّن يَقۡدِرَ عَلَيۡهِ أَحَدٞ 5 يَقُولُ أَهۡلَكۡتُ مَالٗا لُّبَدًا 6 أَيَحۡسَبُ أَن لَّمۡ يَرَهُۥٓ أَحَدٌ 7 أَلَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ عَيۡنَيۡنِ 8 وَلِسَانٗا وَشَفَتَيۡنِ 9 وَهَدَيۡنَٰهُ ٱلنَّجۡدَيۡنِ 10 فَلَا ٱقۡتَحَمَ ٱلۡعَقَبَةَ 11 وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡعَقَبَةُ 12 فَكُّ رَقَبَةٍ 13 أَوۡ إِطۡعَٰمٞ فِي يَوۡمٖ ذِي مَسۡغَبَةٖ 14 يَتِيمٗا ذَا مَقۡرَبَةٍ 15 أَوۡ مِسۡكِينٗا ذَا مَتۡرَبَةٖ 16 ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡمَرۡحَمَةِ 17 أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ 18
الصفحة 594

شبهات حول الآية 1 من سورة البلد والرد عليها

لَآ أُقۡسِمُ بِهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ 1

شبهة: القسم.
نص الشبهة
قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَٰذَا الْبَلَدِ﴾ وحيث أخبر ألا يقسم، ثم أقسم في آية أخرى ﴿وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾، فكيف توجه هذا التناقض؟
والجواب على ذلك كما يلي من وجوه:
الوجه الأول (إثبات قراءة)
قرأ قنبل: (لأقسم بيوم القيامة) بغير ألف بعد اللام، وكذا روى النقاش عن أبي ربيعة عن البزي والباقون بألف ولا خلاف في الثاني.
الوجه الثاني
إن كلمة (لا) في قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ هي نافية على معناها غير أن في الكلام مجازًا تركيبا، وتقديره أن نقول: (لا) في النفي ههنا كما في قول القائل: لا تسألني عما جرى عليه أعظم من أن يشرح، فلا ينبغي أن يسأله فإن غرضه من السؤال لا يحصل ولا يكون غرضه من ذلك النهي إلا بيان عظمة الواقعة، ويصير كأنه قال: "جرى على أمر عظيم ويدل عليه أن السامع يقول له ماذا جرى عليك ولو فهم من حقيقة كلامه النهي عن السؤال لما قال ماذا جرى عليك فيصح منه أن يقول أخطأت حيث منعتك عن السؤال ثم سألتني وكيف لا وكثيرًا ما يقول ذلك القائل الذي قال لا تسألني عند سكوت صاحبه عن السؤال أو لا تسألني ولا تقول ماذا جرى عليك ولا يكون للسامع أن يقول إنك منعتني عن السؤال كل ذلك تقرر في أفهامهم أن المراد تعظيم الواقعة لا النهي.
إذا اعلم هذا فنقول في القسم مثل هذا موجود من أحد وجهين إما لكون الواقعة في غاية الظهور فيقول لا أقسم بأنه على هذا الأمر لأنه أظهر من أن يشهر، وأكثر من أن ينكر، فيقول لا أقسم ويريد به القسم ونفيه وإنما يريد الإعلام بأن الواقعة ظاهرة وإما لكون المقسم به فوق ما يقسم به، والمقسم صار الأمير بل برأس السلطان ويقول لا أقسم بكذا أمر مريد لكونه في غاية الجزم.
والثاني: يدل عليه أن هذه الصيغة لم ترد في القرآن والمقسم به هو الله تعالى أو صفة من صفاته وإنما جاءت أمور مخلوقه والأول لا يرد عليه إشكال إن قلنا أن المقسم به في جميع المواضع رب الأشياء.
الوجه الثالث
أن (لا) على عادة العرب، فإنها ربما لفظت بلفظة (لا) من غير قصد معناها الأصلي، بل لمجرد تقوية الكلام وتوكيد كقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ (طه: 92 - 93) يعني: أنَّ تتبعني وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: 12] أي: أنَّ تسجد.
وكقول أبي النجم: فما اللوم البيض ألا تسخرا لما رأين الشمط القفندرا.
يعني: أنَّ تسخر.
وقول امرئ القيس:
فلا وأبيك ابنه العامري... لا يدعى القوم أني أفر
يعني: وأبيك.
الوجه الرابع
في قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ (القيامة: 1 - 2).
وقوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَٰذَا الْبَلَدِ﴾ فإنها زيدت في الكلام على نية الرد على المكذبين، كما في الكلام لا والله ماذا كما تقول، ولو قلت: والله ماذا كما تقول لكان غير أن إدخالك (لا) في الكلام أولا أبلغ في الرد.
زيادة وتوضيح: جاء القرآن بالرد على الذين أنكروا البعث والجنة والنار فجاء الإقسام بالرد عليهم في كثير من الكلام المبتدأ منه، وغير المبتدأ كقولك في الكلام إلا والله لا أفعل ذاك جعلوا (لا) وإن رأيتها مبتدأة ردًا الكلام قد كان مضى، فلو ألقيت (لا) مما ينوى به الجواب لم يكن بين اليمين التي تكون جوابًا واليمين التي تستأنف فرق، ألا ترى أنك تقول مبتدئًا: والله إن الرسول لحق، فإذا قلت: لا والله إن الرسول لحق فكأنك أكذبت قومًا أنكروه فهذه جهة لا مع الإقسام وجميع الإيمان في كل موضع ترى فيه (لا) مبتدأ بها، وهو كثير في الكلام.
رد هذا القول بعض العلماء فقال: لا يجوز لأن في ذلك حذف اسم (لا) وخبرها، وليس جواب السائل سأل فيحتمل ذلك نحو قوله: لا، لمن قال: هل من رجل في الدار؟ ويقال أيضًا: هذا القول ليس بوجيه لقوله تعالى في سورة القيامة: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾: يدل على أنه لم يرد الإثبات المؤتنف بعد النفي بقوله ﴿أُقْسِمُ﴾.
الوجه الخامس
أنَّها لام أشبعت فتحتها فتولدت منها ألف كقوله: (أعوذ بالله من العقراب) يريد من العقرب، وهذا وإن كان قليلًا فقد جاء نظيره في قوله تعالى: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: 37] بياء بعد الهمزة وذلك في قراءة هشام، فالمعنى (فلا أقسم) كقراءة الحسن وعيسى.
زيادة وتوضيح: إن الام لام الابتداء، أشبعت فتحتها والعرب ربما أشبعت الفتحة بألف، والكسرة بياء، والضمة بواو.
فمثاله في الفتحة: قول عبد يغوث بن وقاص الحارثي:
وتضحك مني شيخة عبشمية كأن لم ترى قبلي أسيرًا يمانيًا.
فالأصل: كأن لم تر ولكن الفتحة أشبعت.
وليس إشباع الفتحة هنا من ضرورة الشعر لتصريح علماء اللغة العربية بأن إشباع الحركة بحرف يناسبها أسلوب من أساليب اللغة العربية، ولأنه مسموع في النثر كقولهم:
كلكال، وخاتام يعنون: كلكلًا وخاتمًا.
ومثال إشباع الكسرة بالياء قول قيس بن زهير:
ألم يأتيك والأنباء تنمى... بما لاقت لبون بني زياد.
ويدل لهذا الوجه قراءة قنبل: (لأقسم بهذا البلد) بلام الابتداء.
الوجه السادس
(لا) استفتاح كلام بمنزلة (ألا) وأنشدوا على ذلك:
فلا وأبيك ابنة العامري... لا يعلم القوم أني أفر.
الوجه السابع: (في قراءة لأقسم)
إن اللام من لام توكيد دخلت على الفعل المضارع كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾.
زيادة وتوضيح: (لأقسم) على أن اللام للابتداء، وأقسم خبر مبتدأ محذوف، ومعناه لأنا أقسم ويعضده أنه في مصحف عثمان بغير ألف واتفقوا في قوله.
الوجه الثامن
أنَّ اللام لام القسم، وأقسم فعل حال.
ورد بعض العلماء هذا الوجه فقال: طعن أبو عبيدة في هذه القراءة وقال: لو كان المراد هذا لقال: لأقسمن، لأن العرب لا تقول لأفعل كذا، وإنما يقولون: لأفعلن كذا.
زيادة وتوضيح: لا يصح أن تكون اللام لام القسم لأمرين:
أحدهما: أن حقها أن يقرن بها النون المؤكد والإخلال بها ضعيف قبيح.
الثاني: أن لأفعلن في جواب القسم للاستقبال وفعل القسم يجب أن يكون للحال.
رد بعض العلماء هذا الرد فقالوا: لم تصحبها النون اعتمادًا على المعنى ولأن الله صدق فجاز أن يأتي من غير توكيد.
إن كان الفعل قد وقع وحلفت عليه لم تزد على اللام، وذلك قولك: والله لفعلت وسمعنا من العرب من يقول: (والله لكذبت، والله لكذب)، فالنون لا تدخل على فعل قد وقع، وإنما تدخل على غير الواجب.
فهرس الكتاب