وَوَجَدَكَ ضَآلࣰّا فَهَدَىٰ 7
شبهة: حول قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾.
نص الشبهة
قالوا: إن الأحاديث الكثيرة تأتي وتقرُّ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان معصومًا، ووقع في القرآن أنه كان في بدء أمره في الذنب والضلالة كقوله في سورة الضحى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ﴾ [الضحى: 7].
والجواب عن هذه الشبهة من ستة أوجه:
الوجه الأول: القرآن جعل العصمة للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ونفى عنه الضلال (بمعنى: الباطل) مطلقًا.
الوجه الثاني: سبب نزول هذه السورة التي منها هذه الآية.
الوجه الثالث: السورة كلها منقبة للرسول - صلى الله عليه وسلم -، ويظهر هذا من الإشارة إلى معانيها.
الوجه الرابع: في بيان معنى قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ﴾.
الوجه الخامس: الحكمة من كون الرسول - صلى الله عليه وسلم - قبل النبوة ضالًا عنها أميًا لا يقرأ ولا يكتب، وهو الذي جاء بعد بالقرآن والسنة.
الوجه السادس: صفة نبي الله عيسى عليه السَّلام في الكتاب المقدس.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: القرآن جعل العصمة للنبي - صلى الله عليه وسلم - ونفى عنه الضلال (بمعنى: الباطل) مطلقًا.
فقال عزَّ وجلَّ: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 1: 4]، بدأ الله السورة بالقسم، فكان على ماذا؟ على المقسم عليه وهو قوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾.
يقول ابن كثير: هذا هو المقسم عليه، وهو الشهادة للرسول - صلى الله عليه وسلم - بأنه بار راشد تابع للحق ليس بضال، وهو: الجاهل الذي يسلك على غير طريق بغير علم، والغاوي: هو العالم بالحق العادل عنه قصدًا إلى غيره، فنزه الله سبحانه وتعالى رسوله وشَرْعَه عن مشابهة أهل الضلال كالنصارى وطرائق اليهود، وعن علم الشيء وكتمانه والعمل بخلافه، بل هو - صلى الله عليه وسلم - وما بعثه الله به من الشرع العظيم في غاية الاستقامة والاعتدال والسداد؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ﴾ أي: ما يقول قولًا عن هوى وغرض، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ أي: إنما يقول ما أُمر به، يبلغه إلى الناس كاملا موفَّرًا من غير زيادة ولا نقصان، كما رواه الإمام أحمد: عن أبي أمامة أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ليدخلنّ الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثلُ الحيين - أو: مثل أحد الحيين -: رَبِيعة ومُضَر"، فقال رجل: يا رسول الله، أو ما ربيعة من مضر؟ قال: "إنما أقول ما أقول".
وقال الإمام أحمد: عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أريد حفظه، فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشر يتكلم في الغضب، فأمسكتُ عن الكتابة. فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "اكتب فوالذي نفسي بيده، ما خرج مني إلا حق".
وقال الإمام أحمد: عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا أقول إلا حقًّا". قال بعض أصحابه: فإنك تداعبنا يا رسول الله؟ قال: "إني لا أقول إلا حقًّا".
وقال القاسمي: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ يعني: محمدًا - صلى الله عليه وسلم - والخطاب لقريش - أي: ما حاد عن الحق ولا زال عنه، ﴿وَمَا غَوَىٰ﴾: أي: ما صار غويًا، ولكنه على استقامة وسداد ورشد وهدى، وفيه تعريض بأنهم أهل الضلال والغي، وذكره - صلى الله عليه وسلم - بعنوان (صاحبهم)
للإعلام بوقوفهم على تفاصيل أحواله الشريفة وإحاطتهم بمحاسن شئونه المنيفة فهو تبكيت لهم على وجه أبلغ من أن يصرح باسمه.
وقال ابن عاشور: أول أغراضها تحقيق أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - صادق فيما يبلغه عن الله تعالى وأنه منزه عما ادعوه..، وقال أيضًا: واعلم أن تنزيهه - صلى الله عليه وسلم - عن النطق عن هوىً يقتضي التنزيه عن أن يفعل أو يحكم عن هوى، لأن التنزه عن النطق عن هوى أعظم مراتب الحكمة، ولذلك ورد في صفة النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنه يمزح ولا يقول إلا حقًّا"، وهنا تم إبطال قولهم فحسن الوقف على قوله: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ﴾.
ويقول الخازن: ولا يلتفت إلى قول من قال إنه - صلى الله عليه وسلم - كان قبل النّبوة على ملة قومه، فهداه الله إلى الإسلام، لأن نبينا - صلى الله عليه وسلم - وكذلك الأنبياء قبله منذ ولدوا نشأوا على التّوحيد والإيمان قبل النّبوة وبعدها، وأنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بصفات الله تعالى وتوحيده، ويدل على ذلك أن قريشًا لما عابوا النبي - صلى الله عليه وسلم - ورموه بكل عيب سوى الشّرك وأمر الجاهلية، فإنهم لم يجدوا لهم عليه سبيلًا، إذ لو كان فيه لما سكتوا عنه ولنقل ذلك، فبرأه الله تعالى من جميع ما قالوه فيه وعيروه به، ويؤكد هذا قوله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾.
الوجه الثاني: سبب نزول هذه السورة التي منها هذه الآية.
عن الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبَ بْنَ سُفْيَانَ - رضي الله عنه - قَالَ: اشْتكَى رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتيْنِ أَوْ ثَلاثًا، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، إني لأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ ترَكَكَ، لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا. فَأَنْزَلَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.
وروي عن الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا الْبَجَلِيَّ: قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ الله، مَا أُرَى صَاحِبَكَ إِلَّا أَبْطَأَكَ، فَنزلَتْ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾.
وقال الحافظ ابن حجر: وقع في رواية أخرى عند الحاكم (فقالت خديجة)، وأخرجه الطبري أيضًا من طريق عبد الله بن شداد (فقالت خديجة: ولا أرى ربك)، ومن طريق هشام بن عروة عن أبيه: (فقالت خديجة: لما ترى من جزعه)، وهذان طريقان مرسلان ورواتهما ثقات، فالذي يظهر أن كلًّا من أم جميل وخديجة قالت ذلك، لكن أمَّ جميل عبرت لكونها كافرة بلفظ: (شيطانك)، وخديجة عبرت لكونها مؤمنة بلفظ: (ربك) أو (صاحبك)، وقالت أم جميل شماتةً وخديجة توجعًا.
وسواءً كان القائل أم جميل أمْ المشركون أمْ خديجة - رضي الله عنها - فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصابه الحزن لفتور الوحي، وكما مرَّ عند البخاري أن أمَّ جميل زوج أبي لهب - عليها لعنة الله - قالت ما قالت شماتةً، وهذا مما زاد في حزنه - صلى الله عليه وسلم -، فكان نزول هذه السورة المباركة من إحدى عشرة آية ترضيةً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتطييبًا لخاطره مما أصابه ورفعًا للحزن عنه، فنزلت السورة تنفي مقالة السوء التي فاهت بها الكافرة، ويقسم الله في أولها على حبه لرسوله - صلى الله عليه وسلم -. فكيف يفهم من سورة هذا شأنها أن يكون فيها ما يعيب من قريب أو بعيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟
الوجه الثالث: السورة كلها منقبة للرسول - صلى الله عليه وسلم -، ويظهر هذا من الإشارة إلى معانيها.
ومن ذلك أن الله بدأ السورة بالقسم، فأقسم بالضحى، ثم أتبعه قسمًا آخر فأقسم بالليل، فالله عزَّ وجلَّ أقسم على ماذا؟ فكان جواب القسم: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾.
قال السعدى: أي: ما تركك منذ اعتنى بك، ولا أهملك منذ رباك ورعاك، بل لم يزل يربيك أحسن تربية، ويعليك درجة بعد درجة، ﴿وَمَا قَلَىٰ﴾ الله أي: ما أبغضك منذ أحبك، فإنَّ نفيَ الضد دليل على ثبوت ضده، والنفي المحض لا يكون مدحًا إلا إذا تضمن ثبوت كمال، فهذه حال الرسول - صلى الله عليه وسلم - الماضية والحاضرة؛ أكمل حال وأتمها محبة الله له واستمرارها، وترقيته في دَرَج الكمال، ودوام اعتناء الله به.
وأما حاله المستقبلة، فقال: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ﴾ أي: كل حالة متأخرة من أحوالك، فإن لها الفضل على الحالة السابقة، فلم يزل - صلى الله عليه وسلم - يصعد في درج المعالي ويُمكن له الله دينه، وينصره على أعدائه، ويسدد له أحواله حتى مات، وقد وصل إلى حال لا يصل إليها الأولون والآخرون، من الفضائل والنعم، وقرة العين، وسرور القلب. ثم بعد ذلك، لا تسأل عن حاله في الآخرة، من تفاصيل الإكرام، وأنواع الإنعام، ولهذا قال: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ وهذا أمر لا يمكن التعبير عنه بغير هذه العبارة الجامعة الشاملة.
وفيها قال علي والحسن: (هو الشفاعة في أمته حتى يرضى)،
وقال غيرهما: يعطيه حتى يرضيه في أمته، وفيما أعدَّه له من الكرامة، ومن جملته نهر الكوثر الذي حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، وطينه من مسك أذفر ويعطيه المقام المحمود والفردوس الأعلى إلى غير ذلك من الإنعام والعطاء.
وعلى هذا يتبين أن ما بعد جواب القسم: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾ إلى آخر السورة ما هو إلا تفصيل وتوضيح وتدليل على أن الله ما ودعه وما قلاه والقرآن يفسر بعضه بعضًا.
والسورة نزلت في تعداد نعم الله ومننه على عبده وحبيبه - صلى الله عليه وسلم -، فكيف وأنَّى للأشقياء أن يجعلوها ذمًّا له - صلى الله عليه وسلم -؟ (هيهات، هيهات)، ثم عدَّد النعم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنه آواه لما وجده يتيمًا، ووفق جدَّه عبد المطلب فَكَفَلَهُ بعد موت أبيه وأمه ثم كفله عمه أبو طالب مع أن أبا طالب له من الأولاد الكثير مع قلة ذات اليد ولكن الله ألقى في قلبه حُبَّ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -.
ثم في مقام تعداد النعم يخبر عبده بنعمه الأخرى، إذ كان قبل البعثة لا يدري ما يُراد به من أمر النبوة والإيمان، فكانت نعمة الله أن هداه للنبوة وعلمه كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ﴾ [النساء: 113]، وكما في آية الضحى هنا إذ وجده ربه ضالًا عن النبوة لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان فهداه.
ثم يعدد الله سبحانه نعمه وفضله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - بأنه وجده عائلًا فقيرًا فأغناه بما أفاض عليه من النعم، وغنى النفس، والمقام السامي مقام النبوة خير مقامات أهل الأرض.
ثم كان الخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - وللأمة من بعده، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 9 - 11]، فهي آيات تابعة لما كان بعد النعم المستفيضة السابقة، فكما وجدك يتيمًا فآواك فلا تقهر اليتيم، غافلًا عن النبوة لا تدري الكتاب ولا الإيمان فعلمك وهداك فلا تنهر السائل والمستفتي، وكما كنت عائلًا فأغناك، فحدث بنعم الله مِنْ أمنٍ وعلمٍ ومالٍ ولا تكتمها، فظهر لنا من هذا السياق أن هذه الآيات الثلاث توافق الآيات الثلاث التي قبلها فاستدللنا على معنى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾ بقوله: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾؛ لأنه السائل عن العلم.
قال الرازى: اختيار الحسن أن المراد منه مَنْ يسأل العلم ونظيره من وجه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: 1، 2]، وحينئذ يحصل الترتيب؛ لأنه تعالى قال له أولًا: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: 6 - 8]، ثم اعتبر هذا الترتيب فأوصاه برعاية حق اليتيم، ثم برعاية حق مَنْ يسأله عن العلم والهداية، ثم أوصاه بشكر نعم الله عليه.
وبمثل ذلك قال ابن كثير قال: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ أي: وكما كنت ضالًا فهداك الله، فلا تنهر السائل في العلم المسترشد.
وبهذا يتضح المقصود بـ ﴿ضَالًّا﴾ في هذه الآية الكريمة.
الوجه الرابع: في بيان معنى قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾.
الآية لها في كتب المفسرين عدة معانٍ لا تخرج جميعُها عن أن هذه الآية من نعم الله ومِنَنَهِ المتكاثرة على عبدِهِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -.
1 - المعنى الأول: هذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52] أي: أن رسول الله كان قبل البعثة غافلًا عما أوحاه الله إليه لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان فهداه الله، وجعله إمام الدين، هذا والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يعلم فعلمه الله؛ قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ﴾ [النساء: 113]، ومثل ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: 1 - 3] يعني: من قبل وحي الله إليك كنت من الغافلين.
يقول الشيخ محمد رشيد رضا: أي: وإن الشأن وحقيقة ما يتحدث عنه من قصتك أنت أنك كنت من قبل إيحائنا إياه إليك من جماعة الغافلين عنه من قومك الأميين الذين لا يخطر في بالهم التحديث بأخبار الأنبياء وأقوامهم؛ وبيان ما كانوا عليه من دين وتشريع كيعقوب وأولاده في بداوتهم، ولا ما كانت الأمم فيه من ترف وحضارة كالمصريين الذين وقع يوسف بينهم وحدث له ما حدث في بعض بيوتاتهم.
قال ابن الجوزى: قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ﴾ بمعنى: ضالًا عن معالم النبوة، وأحكام الشريعة، فهداك إليها، قاله الجمهور، منهم الحسن، والضحاك.
وقال القرطبي: أي: غافلًا عما يراد بك من أمر النبوة، فهداك: أي أرشدك، والضلال هنا بمعنى: الغفلة؛ كقوله جل ثناؤه: ﴿لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ أي: لا يغفل، وقال في حق نبيه: ﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾، وقال قوم: "ضالًا" لم تكن تدري القرآن والشرائع، فهداك الله إلى القرآن، وشرائع الإسلام؛ عن الضحاك وشهر بن حوشب وغيرهما، وهو معنى قوله تعالى: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾.
وقال البقاعي: (ووجدك) أي: صادفك (ضالًا) أي: لا تعلم الشرائع، ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾، فأطلق اللازم وهو الضلال على الملزوم، والمسبب على السبب وهو عدم العلم، فكنت لأجل ذلك لا تقدم على فعل من الأفعال؛ لأنك لا تعلم الحكم فيه إلا ما علمت بالعقل الصحيح والفطرة السليمة المستقيمة من التوحيد وبعض توابعه.... إلخ.
وقال الشوكاني: الضلال هنا بمعنى: الغفلة؛ كما في قوله: ﴿لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾، وكما في قوله: ﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾، والمعنى: أنه وجدك غافلًا عما يراد بك من أمر النبوّة، واختار هذا الزجاج، وقيل: معنى ضالًا لم تكن تدري القرآن ولا الشرائع، فهداك لذلك.
وقال القاضى عبد الجبار: وربما قيل في قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ﴾ أليس ذلك يدل على جواز الضلال على نبينا - صلى الله عليه وسلم - وعلى سائر الأنبياء؟
وجوابنا: أن المراد بذلك ضالًا عن النبوة والرسالة وسائر ما خصَّ الله تعالى به نبينا - صلى الله عليه وسلم - من التعظيم وغيره فهداك الله إليها؛ لأنه في اللغة قد يقال: ضلَّ عن كيت وكيت إذا كان ذلك طريق منافعه، ولم يقل الله تعالى: ووجدك ضالًا عن الدين حتى يصح تعلقهم.
وقال علي بن أحمد السبتي: الدليل على أن ضلال الأنبياء غفلة لا جهل قوله تعالى لنبينا - صلى الله عليه وسلم -: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ﴾ يعني: غافلًا عن الشريعة لا تدري كيفية العبادة فهداك لها بالأمر والنهي ثم قال له: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: 3]، والجاهل لا يسمى غافلًا حقيقة لقيام الجهل به فصح أن ضلال الأنبياء - عليهم السلام - غفلة لا جهل.
وهذا القول هو الذي عليه جمهور المفسرين ومَنْ بقي منهم ذَكر معاني أخرى جليلة بها فوائد عظيمة، فهَلُمَّ إلى بيانها:
معانٍ أخرى:
المعنى الثاني: أي: وجدك في قوم ضلال، فهداهم الله بك.
هذا قول الكلبي والفراء، وعن السدي نحوه، أي: ووجد قومك في ضلال فهداك إلى إرشادهم. اهـ.
المعنى الثالث: وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ﴾ قال: وجدك بين ضالين فاستنقذك من ضلالتهم.
قال ابن الجوزى: وجدك في قوم ضُلَّال فهداك للتوحيد والنبوة؛ قاله ابن السائب.
وقال الشوكاني: وقيل: وجدك ضائقًا في قومك فهداك إليه، ويكون الضلال بمعنى: الضياع.
وقال ابن عطية: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾ أي: تنسب إلى الضلال، وقال الكلبي: ووجدك في قوم ضلال فكأنك واحد منهم.
المعنى الرابع: أنه ضل وهو صبي صغير في شعاب مكة، فرده الله إلى جده عبد المطلب؛ رواه أبو الضحى عن ابن عباس، كما تقول: ضلَّ فلانٌ في الصحراء أو ضل في طريقه تاه ولم يهتدي لمكانه وطريقه الصحيح.
وقيل: إنه لما خرج مع ميسرة غلام خديجة أخذ إبليس بزمام ناقته فعدل به عن الطريق، فجاء جبريل عليه السَّلام فنفخ إبليس نفخة وقع منها إلى الحبشة ورده إلى القافلة، فمنَّ الله عليه بذلك؛ قاله ابن المسيب.
المعنى الخامس: وجدك محبًا للهداية فهداك إليها، ويكون الضلال بمعنى: المحبة، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ أي: في محبتك؛ قال الشاعر:
هذا الضلال أشاب مِنّي المفرقا... والعارِضَيْن ولم أكنْ مُتحقّقًا
عَجَبًا لَعِزّةَ في اختيارِ قطيعتي... بعد الضّلالِ فحبْلُها قد أخْلقًا
الضلال بمعنى: المحبة كما في قوله: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: 95] أي: محبتك، ومعناه أنك محب فهديتك إلى الشرائع التي بها تتقرب إلى خدمة محبوبك.
قال القاضي عياض: قال ابن عطاء: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾ أي: محبًا لمعرفتي، والضال المحب؛ كما قال: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: 95] أي: محبتك القديمة، ولم يريدوا ههنا في الدين؛ إذ لو قالوا ذلك في نبي الله لكفروا، ومثله عند هذا قوله: ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [يوسف: 30] أي: محبة بينة.
المعنى السادس: أن الضلال بمعنى النسيان، فوجدك ضالًا أي: ناسيًا؛ كما قال: ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ﴾ [البقرة: 282]، وقال القرطبي (ضالًا) أي: ناسيًا شأن الاستثناء حين سُئلت عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح فأذكرك.
وقال الماوردى: ووجدك ناسيًا فأذكرك، وقال ابن الجوزي: ووجدك ناسيًا فهداك إلى الذكر؛ قاله ثعلب، وقال الرازي: ووجدك ضالًا أي: ناسيًا، فهديتك أي: ذكرتك، وذلك أنه ليلة المعراج نسي ما يجب أن يقال بسبب الهيبة، فهداه الله تعالى إلى كيفية الثناء حتى قال: "لا أحصي ثناء عليك".
المعنى السابع: ووجدك متحيرًا في بيان ما نزل عليك فهداك إليه، فيكون الضلال بمعنى: التحير؛ لأن الضال متحير.
قال القاضي عياض: والضلال ههنا التحير؛ ولهذا كان - صلى الله عليه وسلم - يخلو بغار حراء في طلب ما يتوجه به إلى ربه ويتشرع به حتى هداه الله إلى الإسلام؛ قال معناه القشيري...، وقال الجنيد: ووجدك متحيرًا في بيان ما أنزل إليك فهداك لبيانه لقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾
(النحل: 44).
وهذا المعنى من أقوى المعاني دلالة، وهكذا كانت حاله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يُبعث.
قال الأستاذ أحمد مصطفى المراغى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ﴾ أي: ووجدك حائرًا مضطربًا في أمرك مع اعتقادك أن قومك ليسوا على بصيرة من أمرهم؛ فعبادتهم باطلة، ومعتقداتهم فاسدة، وكان يفكر في دين اليهودية، ثم يرى اليهود أنفسهم ليسوا على حال خير من حال قومه؛ إذ بدلوا دينهم وخالفوا ما كان عليه رسولهم، فيبدوا عليه الإعراض عنه.
وأعظم أنواع حيرته ما كان يراه في العرب أنفسهم من سخف في العقائد وضعف في البصائر، باستيلاء الأوهام عليهم وفساد أعمالهم وشؤمها في أحوالهم بتفرق الكلمة، وتفانيهم في سفك الدماء، والإشراف على الهلاك باستبعاد الغرباء لهم وتحكمهم فيهم، فالحبشة والفرس من جانب، والرومان من جانب آخر.
فما العمل في تقويم عقائدهم وتخليصهم من تحكم العادات فيهم؟ وأي الطرق ينبغي أن يُسلك في إيقاظهم من سباتهم؟ وقصارى ذلك أنه كان في قرارة نفسه يعتقد أن قومه قد ضلوا سواء السبيل وبدلوا دين أبيهم إبراهيم، وكانت حال أهل الأديان الأخرى ليست خيرًا من حالهم، لكن الإله الحكيم لم يتركه ونفسه، بل أنزل عليه الوحي يبين له أوضح السبل كما قال: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52].
ويقول الأستاذ سيد قطب: ثم لقد نشأت في جاهلية مضطربة التصورات والعقائد، منحرفة السلوك والأوضاع، فلم تطمئن روحُك إليها، ثم هداك الله، والهداية من حيرة العقيدة وضلال الشعاب فيها هي المنة الكبرى، التي لا تَعْدِلهُا منة؛ وهي الراحة والطمأنينة من القلق الذي لا يعدله قلق ومن التعب الذي لا يعدله تعب.
قال ابن عاشور: والضّلال: عدم الاهتداء إلى الطريق الموصل إلى مكان مقصود سواء سلك السائر طريقًا آخر يبلغ إلى غير المقصود أم وقف حائرًا لا يعرف أيَّ طريق يسلك، وهو المقصود هنا؛ لأن المعنى: أنك كنت في حيرة من حال أهل الشرك من قومك، فأراكه الله غير محمود وكرَّهه إليك ولا تدري ماذا تتبع من الحق، فإن الله لما أنشأ رسوله - صلى الله عليه وسلم - على ما أراد من إعداده لتلقي الرسالة في الإبان، ألْهَمَه أن ما عليه قومه من الشرك خطأ وألقى في نفسه طلب الوصول إلى الحق ليتهيأ بذلك لقبول الرسالة عن الله تعالى.
وقال ابن عطية: هذا الضلال الذي ذكره الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - أقرب ضلال وهو الكون واقفًا لا يميز المهيع لا أنه تمسك بطريق أحد بل كان يرتاد وينظر.
المعنى الثامن: ووجدك طالبًا القبلة فهداك إليها، ويكون الضلال بمعنى: الطلب؛ لأن الضال طالب والرسول - صلى الله عليه وسلم - قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 144].
قال الرازى: ضالًّا عن القبلة، فإنه كان يتمنى أن تجعل الكعبة قبلة له وما كان يعرف أن ذلك هل يحصل له أم لا، فهداه الله بقوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: 144] فكأنه سمى ذلك التحير بالضلال.
المعنى التاسع: يقال: ضل الماء في اللبن إذا صار مغمورًا، فمعنى الآية: كنت مغمورًا بين الكفار بمكة فقواك الله تعالى حتى أظهرت دينه.
المعنى العاشر: العرب تسمي الشجرة الفريدة في الفلاة ضالة، كأنه تعالى يقول: كانت تلك البلاد كالمفازة ليس فيها شجرة تحمل ثمر الإيمان بالله ومعرفته إلا أنت، فأنت شجرة فريدة في مفازة الجهل فوجدتك ضالًا فهديت بك الخلق.
المعنى الحادي عشر: وله صلة بالسابق، ويعني: وحيدًا.
قال القرطبي: أي: لا أحد على دينك، وأنت وحيد ليس معك أحد، فهديت بك الخلق إليَّ.
وهذه الأقوال كلها حسان.
هذه مجمل المعاني الواردة في كتب المفسرين، وثم معانٍ أُخرى في التفسير الكبير للرازي، وابن الجوزي، والشفا للقاضي عياض.
الوجه الخامس: كونه (ضالًا) يعني: أميًا لا يقدح في شخص النبي - صلى الله عليه وسلم -.
فمن الإعجاز والأليق بالحكمة أن يكون الرسول الذي جاء بهذا القرآن الكريم الحكيم أميًا وهو في مواجهة كفار قريش المنكرين وإخبارهم بأنه كلام الله تعالى.
الحكمة من إرسال الرسل أن يكونوا مبشرين ومنذرين ومبلغين عن رب العالمين، وقد أيَّد الله الرسل بمعجزات تجري على أيديهم تكون تصديقًا لرسالاتهم وأنها من عند الله تعالى، وتأتي المعجزة على وفق ما نبغ فيه القوم المرسل إليهم.
فلما حذق قومُ موسى السحرَ كانت المعجزة إبطال هذا السحر في مواجهة علنية يُجمع لها الناس من كل حدب وصوب، فبطل السحر بالحق الذي ليس في وسع البشر أن يأتوا به، فكانت عصا موسى حية تلقف ما يأفكون حتى غُلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين، وليس في مقدور البشر أن تكون العصا التي من خشب حية تأكل؛ فلذا علم السحرة أن هذا الذي أمامهم من عند الله تعالى وبقدرته، وليس بسحر أعين الناس.
ولما نبغ قوم عيسى في الطب كانت معجزته من جنس ما نبغوا فيه، فهو يُبْرِئُ الأكمه والأبرص من ساعته بإذن الله، وهذا ليس في مقدورهم، ثم هو يحيى الموتى بإذن الله، وهذا مما اختص الله به، وليس في وسع البشر، فعُلم أن هذا من عند الله، فآمن من آمن منهم.
وكان نبوغ قوم محمد - صلى الله عليه وسلم - هو خاتم النبيين - في كلامهم وما أوتوه من قوة اللفظ وجزالته وحباهم الله تعالى بلُغة واسعة واضحة مستبينة هي التي قال الله عنها: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾، وكانوا يتبارون في الميادين العامة كأسواق مجنة وعكاظ، ونبغ منهم أقوامٌ في قرض الشعر؛ حتى جعلوا لأشعارهم القداسة فعلقوها على الكعبة.
ولقد كانت الأمة العربية على عهد نزول القرآن، تتمتع بخصائص العروبة الكاملة التي فيها قوة الذاكرة وسرعة الحفظ وسيلان الأذهان، وكان العربي يحفظ مئات الآلاف من الأشعار، ويعرف الأحساب والأنساب فيستظهرها عن ظهر قلب، ويعرف التواريخ، وقلَّ أن تجد منهم من لا يعد لك الحسب والنسب، أو من لا يحفظ (المعلقات العشر) على كثرة أشعارها وصعوبة حفظها.
ومع ذلك كانوا - أعني: العربَ - أمة أُمية لا تقرأ ولا تكتب ويفشو فيهم الجهل، ولا ينقض ذلك أنهم بلغاء الكلام، فهم يعبرون باللفظ الفصيح عن ما يجري في البادية حولهم، كما لا ينقض أميتهم أن كان منهم أفراد على علم بأحوال الأمم من حولهم وعلى معرفة القراءة والكتابة، وكانت العرب تفشو بينهم أخلاق مرذولة من البغاء وأكل الأموال بالباطل، ثم كان بينهم الشرك الأكبر فعبدوا الحجارة والأصنام من دون الله تعالى.
ثم بعث الله فيهم رسولًا منهم يعرفونه ويعرفون ما عليه من جميل الأخلاق وكريمها، فكانت معجزته الباقية أبد الآبدين هي من كلام، وهو كلام الله رب العالمين، فهو ليس معجزة مادية كناقة صالح عليه السَّلام، أو عصا موسى عليه السَّلام، فتنتهي المعجزة بموته، إنما كانت معجزته - صلى الله عليه وسلم - كلامًا لرب العالمين يحتوي على العلم والإيمان والتشريع الذي سيبقى إلى يوم الدين، وليس بأن يبقى إلى وفاة الرسول الذي نزل عليه هذا القرآن العظيم، وهذا ما رواه البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "مَا مِن الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مَا مِثْلهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ الله إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
فكان هذا هو الأليق بالحكمة أن تكون معجزة خاتم النبيين باقية من بعده، فلن يأتي نبيٌّ آخر ينذر الناس، بل هذه المعجزة التي هي كلام رب العالمين هي فيهم مقام المنذر والواعظ والناصح، فلا بد أن تكون كلامًا ربانيًا يحوي علمًا وتشريفًا للناس، هذا والذي جاء بهذا الكلام المبين الفصيح الذي يحتوي على العلم والتشريع والفصاحة والبلاغة رسول منهم يعرفونه؛ أميٌّ لا يقرأ ولا يكتب، ثم جاءهم بكتاب فصيح بلغتهم، ويقول هذا كلام الله ويأمركم أن تتركوا ما وجدتم عليه آباءكم من عبادة الأصنام ومساوئ الأخلاق.
ويأتي التحدي على أن يأتوا بمثل هذا القرآن؛ قال تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88]، ووجه الخطاب إليهم أن يأتوا بعشر سور فقط مثله، فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: 13]، فعجزوا عن ذلك وعن ما هو دونه كما قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: 38]، فلما عجزوا عن ذلك أرادوا أن يقدحوا في الكتاب المنزل وفي ربانية الكلام الذي فيه، وأنه من تأليف الرسول، وأنه إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون.
يقول سيد قطب: حتى الماديون الملحدون في روسيا الشيوعية، عندما أرادوا أن يطعنوا في هذا الدين في مؤتمر المستشرقين عام 1954 كانت دعواهم أن هذا القرآن لا يمكن أن يكون من عمل فرد واحد هو محمد؛ بل من عمل جماعة كبيرة، وأنه لا يمكن أن يكون قد كتب في الجزيرة العربية؛ بل إن بعض أجزائه كتب خارجها.
دعاهم إلى هذا استكثار هذا الكتاب على موهبة رجل واحد، وعلى علم أمة واحدة، ولم يقولوا ما يوحي به المنطق الطبيعي المستقيم: إنه من وحي رب العالمين؛ لأنهم ينكرون أن يكون لهذا الوجود إله، وأن يكون هناك وحي ورسل ونبوات.
فتحدى الله أهل قريش على أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بمثل سورة فعجزوا وعلموا أن لا طاقة لهم بمثله ولا بمثل آية منه، فصاروا يخبطون القول ويفترون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأقاويل مع علمهم بضلال كلامهم؛ قال تعالى عنهم: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [النحل: 103]، فافتروا هذه المقالة، واختلف المفسرون في اسم هذا الذي يقصده كفار قريش، والله عزَّ وجلَّ ردَّ عليهم بأبلغ رد وأوضحه.
فكيف يعجزون وهم أهل العربية عن محاكاة هذا اللسان العربي المبين في القرآن ثم يعلمه ويلقنه هذه الفصاحة أعجمي أو نبط وفد إليهم.
يقول الشيخ السعدي: وذلك البشر الذي يشيرون إليه أعجمي اللسان ﴿وَهَذَا﴾ القرآن ﴿لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [النحل: 103]، هل هذا القول ممكن أو له حظ من الاحتمال؟! ولكن الكاذب يكذب ولا يفكر فيما يؤول إليه كذبه، فيكون في قوله من التناقض والفساد ما يوجب رده بمجرد تصوره.
ويقول سيد قطب: وهذه المقالة منهم يصعب حملها على الجد، وأغلب الظن أنها كيد من كيدهم الذي كانوا يدبرونه وهم يعلمون كذبه وافتراءه، وإلا فكيف يقولون وهم أخبر بقيمة هذا الكتاب وإعجازه: إن أعجميًا يملك أن يعلم محمدًا هذا الكتاب، ولئن كان قادرًا على مثله ليظهرن به لنفسه.
فانتفى أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تعلم هذا القرآن من بشر، كما انتفى أن يكون من تأليفه، فهو وجده ربه أُميًا فعلمه ما لم يكن يعلم وهداه، ولو كان على علم أو كتابة لظنوا فيه الظنون؛ قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: 48].
ويقول ابن كثير: أي: قد لبثت في قومك - يا محمد - ومن قبل أن تأتي بهذا القرآن عُمرًا لا تقرأ كتابًا ولا تحسن الكتابة، بل كل أحد من قومك وغيرهم يعرف أنك رجل أميٌّ لا تقرأ ولا تكتب، وهكذا صفته في الكتب المتقدمة، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [الأعراف: 157]، وهكذا كان - صلى الله عليه وسلم -[دائمًا وأبدًا] إلى يوم القيامة لا يحسن الكتابة ولا يخط سطرًا ولا حرفًا بيده، بل كان له كُتاب يكتبون بين يديه الوحي والرسائل إلى الأقاليم.
ومن زعم من متأخري الفقهاء كالقاضي أبي الوليد الباجي ومن تابعه أنه - صلى الله عليه وسلم - كتب يوم الحديبية: "هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله" فإنما حمله على ذلك رواية في صحيح البخاري: "ثم أخذ فكتب"، وهذه محمولة على الرواية الأخرى: "ثم أمر فكتب"، ولهذا اشتد النكير بين فقهاء المغرب والمشرق على من قال بقول الباجي، وتبرؤوا منه، وأنشدوا في ذلك أقوالًا وخطبوا به في محافلهم: وإنما أراد الرجل - أعني الباجي، فيما يظهر عنه - أنه كتب ذلك على وجه المعجزة؛ لا أنه كان يحسن الكتابة.
وقوله: ﴿إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ أي: لو كنت تحسنها لارتاب بعض الجهلة من الناس فيقول: إنما تعلم هذا من كُتب قبله مأثورة عن الأنبياء، مع أنهم قالوا ذلك مع علمهم بأنه أمي لا يحسن الكتابة: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: 5]، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان: 6].
وقال تعالى: ﴿قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: 16].
قال ابن كثير: أي: هذا إنما جئتكم به عن إذن الله لي في ذلك ومشيئته ولم أتقوله من عندي، والدليل أنكم عاجزون عن الإتيان بمثله، وأنتم تعلمون حالي قبل هذا الكتاب وتعلمون صدقي وأمانتي ولا تعيبون على شيئًا؛ لهذا قال: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي: أفليس لكم عقول تعرفون بها الحق من الباطل، ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان ومن معه فيما سأله من صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: فقلت: لا، وقد كان أبو سفيان إذ ذاك رأس الكفرة وزعيم المشركين، ومع هذا اعترف بالحق، وَالفَضْلُ ما شَهدَتْ به الأعداءُ، فقال له هرقل: فقد أعرف أنه لم يكن ليدَعَ الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله.
والحديث مشهور في صحيح البخاري.
وعن أم المؤمنين أم سلمة - رضي الله عنها - حديث الهجرة الطويل إلى الحبشة، وفيه أن جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - خاطب النجاشي قائلًا: حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده.
قال السعدي: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا﴾ طويلًا ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: قبل تلاوته، وقبل درايتكم به، وأنا ما خطر على بالي، ولا وقع في ظني، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أني حيث لم أتقوله في مدة عمري، ولا صدر مني ما يدل على ذلك، فكيف أتقوله بعد ذلك، وقد لبثت فيكم عمرا طويلا تعرفون حقيقة حالي، بأني أمي لا أقرأ ولا أكتب، ولا أدرس ولا أتعلم من أحد؟، فأتيتكم بكتاب عظيم أعجز الفصحاء، وأعيا العلماء، فهل يمكن - مع هذا - أن يكون من تلقاء نفسي، أم هذا دليل قاطع أنه تنزيل من حكيم حميد؟.
فلو أعملتم أفكاركم وعقولكم، وتدبرتم حالي وحال هذا الكتاب، لجزمتم جزمًا لا يقبل الريب بصدقه، وأنه الحق الذي ليس بعده إلا الضلال، ولكن إذ أبيتم إلا التكذيب والعناد، فأنتم لا شك أنكم ظالمون، ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ [يونس: 17]؟.
فلو كنت متقولًا لكنت أظلم الناس، وفاتني الفلاح، ولم تخف عليكم حالي، ولكني جئتكم بآيات الله، فكذبتم بها، فتعين فيكم الظلم.
وقال ابن عاشور: فتقديره هنا: لو شاء الله ما تلوته لكنني تلوته عليكم. وتلاوته هي دليل الرسالة لأن تلاوته تتضمن إعجازه علميًا إذ جاء به من لم يكن من أهل العلم والحكمة، وبلاغيًا إذ جاء كلامًا أعجز أهل اللغة كلهم مع تضافرهم في بلاغتهم وتفاوت مراتبهم، وليس من شأن أحد من الخلق أن يكون فائقًا على جميعهم، ولا من شأن كلامه أن لا يستطيع مثلَه أحد منهم.
ولذلك فُرعت على الاستدلال جملةُ: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ تذكيرًا لهم بقديم حاله المعروفة بينهم وهي حال الأمية، أي قد كنت بين ظهرانيكم مدة طويلة، وهي أربعون سنة، تشاهدون أطوار نشأتي فلا ترون فيها حالة تشبه حالة العظمةِ، والكمال المتناهي الذي صار إليه لما أوحَى الله إليه بالرسالة، ولا بلاغة قول واشتهارًا بمقاولة أهل البلاغة والخطابة والشعر تشبه بلاغة القول الذي نطق به عن وحي القرآن، إذ لو كانت حالته بعد الوحي حالًا معتادًا وكانت بلاغة الكلام الذي جاء به كذلك لكان له من المقدمات من حين نشأته ما هو تهيئة لهذه الغاية وكان التخلق بذلك أطوارًا وتدرجًا، فلا جرم دل عدم تشابه الحالين على أن هذا الحال الأخير حال رَباني محض، وأن هذا الكلام موحًى إليه من عند الله ليس له بذاته عمل فيه.
ويقول أيضًا: والتقدير أفلا تعقلون أنَّ مثل هذا الحال من الجمع بين الأمية والإتيان بهذا الكتاب البديع في بلاغته ومعانيه لا يكون إلا حال من أفاض الله عليه رسالته إذ لا يتأتى مثله في العادة لأحد ولا يتأتى ما يقاربه إلا بعد مدارسة العلماء ومطالعة الكتب السالفة ومناظرة العلماء ومحاورة أهل البلاغة من الخطباء والشعراء زمنًا طويلًا وعُمرًا مديدًا، فكيف تأتَّى ما هو أعظم من ذلك المعتادِ دَفعةً لمن قضى عمره بينهم في بلاده يرقبون أحواله صباح مساءَ، وما عُرف بلدهم بمزاولة العلوم ولا كان فيهم من أهل الكتاب إلا من عَكف على العبادة وانقطع عن معاشرة الناس.
الوجه السادس: صفة نبي الله عيسى عليه السلام في الكتاب المقدس.
هذه بعض الصفات التي وُصف بها المسيح في الكتاب المقدس، حيث إن من عادتهم أنهم يلصقون كل صفة قبيحة ومذمومة لأنبيائهم وصالحيهم:
يصفون المسيح بأنه غير قادر: (يوحناه/ 30): أَنَا لا أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ نَفْسِي شَيْئًا. كما أَسْمَعُ أَدِينُ، وَدَيْنُونَتِي عَادِلَةٌ، لأَنِّي لا أَطْلُبُ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي.
ويصفون المسيح بأنه ملعون: (غلاطية 3/ 13): الْمسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: "مَلْعُون كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ.
ويفترون عليه كذبًا، ويقولون أنه يأمرهم بالنفاق: (صموائيل الثاني 22/ 27): مَعَ الطَّاهِرِ تَكُونُ طَاهِرًا، وَمَعَ الأَعْوَجِ تَكُونُ مُلْتَوِيًا.
نص الشبهة
قالوا: إن الأحاديث الكثيرة تأتي وتقرُّ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان معصومًا، ووقع في القرآن أنه كان في بدء أمره في الذنب والضلالة كقوله في سورة الضحى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ﴾ [الضحى: 7].
والجواب عن هذه الشبهة من ستة أوجه:
الوجه الأول: القرآن جعل العصمة للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ونفى عنه الضلال (بمعنى: الباطل) مطلقًا.
الوجه الثاني: سبب نزول هذه السورة التي منها هذه الآية.
الوجه الثالث: السورة كلها منقبة للرسول - صلى الله عليه وسلم -، ويظهر هذا من الإشارة إلى معانيها.
الوجه الرابع: في بيان معنى قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ﴾.
الوجه الخامس: الحكمة من كون الرسول - صلى الله عليه وسلم - قبل النبوة ضالًا عنها أميًا لا يقرأ ولا يكتب، وهو الذي جاء بعد بالقرآن والسنة.
الوجه السادس: صفة نبي الله عيسى عليه السَّلام في الكتاب المقدس.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: القرآن جعل العصمة للنبي - صلى الله عليه وسلم - ونفى عنه الضلال (بمعنى: الباطل) مطلقًا.
فقال عزَّ وجلَّ: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 1: 4]، بدأ الله السورة بالقسم، فكان على ماذا؟ على المقسم عليه وهو قوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾.
يقول ابن كثير: هذا هو المقسم عليه، وهو الشهادة للرسول - صلى الله عليه وسلم - بأنه بار راشد تابع للحق ليس بضال، وهو: الجاهل الذي يسلك على غير طريق بغير علم، والغاوي: هو العالم بالحق العادل عنه قصدًا إلى غيره، فنزه الله سبحانه وتعالى رسوله وشَرْعَه عن مشابهة أهل الضلال كالنصارى وطرائق اليهود، وعن علم الشيء وكتمانه والعمل بخلافه، بل هو - صلى الله عليه وسلم - وما بعثه الله به من الشرع العظيم في غاية الاستقامة والاعتدال والسداد؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ﴾ أي: ما يقول قولًا عن هوى وغرض، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ أي: إنما يقول ما أُمر به، يبلغه إلى الناس كاملا موفَّرًا من غير زيادة ولا نقصان، كما رواه الإمام أحمد: عن أبي أمامة أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ليدخلنّ الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثلُ الحيين - أو: مثل أحد الحيين -: رَبِيعة ومُضَر"، فقال رجل: يا رسول الله، أو ما ربيعة من مضر؟ قال: "إنما أقول ما أقول".
وقال الإمام أحمد: عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أريد حفظه، فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشر يتكلم في الغضب، فأمسكتُ عن الكتابة. فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "اكتب فوالذي نفسي بيده، ما خرج مني إلا حق".
وقال الإمام أحمد: عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا أقول إلا حقًّا". قال بعض أصحابه: فإنك تداعبنا يا رسول الله؟ قال: "إني لا أقول إلا حقًّا".
وقال القاسمي: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ يعني: محمدًا - صلى الله عليه وسلم - والخطاب لقريش - أي: ما حاد عن الحق ولا زال عنه، ﴿وَمَا غَوَىٰ﴾: أي: ما صار غويًا، ولكنه على استقامة وسداد ورشد وهدى، وفيه تعريض بأنهم أهل الضلال والغي، وذكره - صلى الله عليه وسلم - بعنوان (صاحبهم)
للإعلام بوقوفهم على تفاصيل أحواله الشريفة وإحاطتهم بمحاسن شئونه المنيفة فهو تبكيت لهم على وجه أبلغ من أن يصرح باسمه.
وقال ابن عاشور: أول أغراضها تحقيق أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - صادق فيما يبلغه عن الله تعالى وأنه منزه عما ادعوه..، وقال أيضًا: واعلم أن تنزيهه - صلى الله عليه وسلم - عن النطق عن هوىً يقتضي التنزيه عن أن يفعل أو يحكم عن هوى، لأن التنزه عن النطق عن هوى أعظم مراتب الحكمة، ولذلك ورد في صفة النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنه يمزح ولا يقول إلا حقًّا"، وهنا تم إبطال قولهم فحسن الوقف على قوله: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ﴾.
ويقول الخازن: ولا يلتفت إلى قول من قال إنه - صلى الله عليه وسلم - كان قبل النّبوة على ملة قومه، فهداه الله إلى الإسلام، لأن نبينا - صلى الله عليه وسلم - وكذلك الأنبياء قبله منذ ولدوا نشأوا على التّوحيد والإيمان قبل النّبوة وبعدها، وأنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بصفات الله تعالى وتوحيده، ويدل على ذلك أن قريشًا لما عابوا النبي - صلى الله عليه وسلم - ورموه بكل عيب سوى الشّرك وأمر الجاهلية، فإنهم لم يجدوا لهم عليه سبيلًا، إذ لو كان فيه لما سكتوا عنه ولنقل ذلك، فبرأه الله تعالى من جميع ما قالوه فيه وعيروه به، ويؤكد هذا قوله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾.
الوجه الثاني: سبب نزول هذه السورة التي منها هذه الآية.
عن الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبَ بْنَ سُفْيَانَ - رضي الله عنه - قَالَ: اشْتكَى رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتيْنِ أَوْ ثَلاثًا، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، إني لأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ ترَكَكَ، لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا. فَأَنْزَلَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.
وروي عن الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا الْبَجَلِيَّ: قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ الله، مَا أُرَى صَاحِبَكَ إِلَّا أَبْطَأَكَ، فَنزلَتْ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾.
وقال الحافظ ابن حجر: وقع في رواية أخرى عند الحاكم (فقالت خديجة)، وأخرجه الطبري أيضًا من طريق عبد الله بن شداد (فقالت خديجة: ولا أرى ربك)، ومن طريق هشام بن عروة عن أبيه: (فقالت خديجة: لما ترى من جزعه)، وهذان طريقان مرسلان ورواتهما ثقات، فالذي يظهر أن كلًّا من أم جميل وخديجة قالت ذلك، لكن أمَّ جميل عبرت لكونها كافرة بلفظ: (شيطانك)، وخديجة عبرت لكونها مؤمنة بلفظ: (ربك) أو (صاحبك)، وقالت أم جميل شماتةً وخديجة توجعًا.
وسواءً كان القائل أم جميل أمْ المشركون أمْ خديجة - رضي الله عنها - فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصابه الحزن لفتور الوحي، وكما مرَّ عند البخاري أن أمَّ جميل زوج أبي لهب - عليها لعنة الله - قالت ما قالت شماتةً، وهذا مما زاد في حزنه - صلى الله عليه وسلم -، فكان نزول هذه السورة المباركة من إحدى عشرة آية ترضيةً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتطييبًا لخاطره مما أصابه ورفعًا للحزن عنه، فنزلت السورة تنفي مقالة السوء التي فاهت بها الكافرة، ويقسم الله في أولها على حبه لرسوله - صلى الله عليه وسلم -. فكيف يفهم من سورة هذا شأنها أن يكون فيها ما يعيب من قريب أو بعيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟
الوجه الثالث: السورة كلها منقبة للرسول - صلى الله عليه وسلم -، ويظهر هذا من الإشارة إلى معانيها.
ومن ذلك أن الله بدأ السورة بالقسم، فأقسم بالضحى، ثم أتبعه قسمًا آخر فأقسم بالليل، فالله عزَّ وجلَّ أقسم على ماذا؟ فكان جواب القسم: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾.
قال السعدى: أي: ما تركك منذ اعتنى بك، ولا أهملك منذ رباك ورعاك، بل لم يزل يربيك أحسن تربية، ويعليك درجة بعد درجة، ﴿وَمَا قَلَىٰ﴾ الله أي: ما أبغضك منذ أحبك، فإنَّ نفيَ الضد دليل على ثبوت ضده، والنفي المحض لا يكون مدحًا إلا إذا تضمن ثبوت كمال، فهذه حال الرسول - صلى الله عليه وسلم - الماضية والحاضرة؛ أكمل حال وأتمها محبة الله له واستمرارها، وترقيته في دَرَج الكمال، ودوام اعتناء الله به.
وأما حاله المستقبلة، فقال: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ﴾ أي: كل حالة متأخرة من أحوالك، فإن لها الفضل على الحالة السابقة، فلم يزل - صلى الله عليه وسلم - يصعد في درج المعالي ويُمكن له الله دينه، وينصره على أعدائه، ويسدد له أحواله حتى مات، وقد وصل إلى حال لا يصل إليها الأولون والآخرون، من الفضائل والنعم، وقرة العين، وسرور القلب. ثم بعد ذلك، لا تسأل عن حاله في الآخرة، من تفاصيل الإكرام، وأنواع الإنعام، ولهذا قال: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ وهذا أمر لا يمكن التعبير عنه بغير هذه العبارة الجامعة الشاملة.
وفيها قال علي والحسن: (هو الشفاعة في أمته حتى يرضى)،
وقال غيرهما: يعطيه حتى يرضيه في أمته، وفيما أعدَّه له من الكرامة، ومن جملته نهر الكوثر الذي حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، وطينه من مسك أذفر ويعطيه المقام المحمود والفردوس الأعلى إلى غير ذلك من الإنعام والعطاء.
وعلى هذا يتبين أن ما بعد جواب القسم: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾ إلى آخر السورة ما هو إلا تفصيل وتوضيح وتدليل على أن الله ما ودعه وما قلاه والقرآن يفسر بعضه بعضًا.
والسورة نزلت في تعداد نعم الله ومننه على عبده وحبيبه - صلى الله عليه وسلم -، فكيف وأنَّى للأشقياء أن يجعلوها ذمًّا له - صلى الله عليه وسلم -؟ (هيهات، هيهات)، ثم عدَّد النعم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنه آواه لما وجده يتيمًا، ووفق جدَّه عبد المطلب فَكَفَلَهُ بعد موت أبيه وأمه ثم كفله عمه أبو طالب مع أن أبا طالب له من الأولاد الكثير مع قلة ذات اليد ولكن الله ألقى في قلبه حُبَّ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -.
ثم في مقام تعداد النعم يخبر عبده بنعمه الأخرى، إذ كان قبل البعثة لا يدري ما يُراد به من أمر النبوة والإيمان، فكانت نعمة الله أن هداه للنبوة وعلمه كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ﴾ [النساء: 113]، وكما في آية الضحى هنا إذ وجده ربه ضالًا عن النبوة لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان فهداه.
ثم يعدد الله سبحانه نعمه وفضله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - بأنه وجده عائلًا فقيرًا فأغناه بما أفاض عليه من النعم، وغنى النفس، والمقام السامي مقام النبوة خير مقامات أهل الأرض.
ثم كان الخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - وللأمة من بعده، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 9 - 11]، فهي آيات تابعة لما كان بعد النعم المستفيضة السابقة، فكما وجدك يتيمًا فآواك فلا تقهر اليتيم، غافلًا عن النبوة لا تدري الكتاب ولا الإيمان فعلمك وهداك فلا تنهر السائل والمستفتي، وكما كنت عائلًا فأغناك، فحدث بنعم الله مِنْ أمنٍ وعلمٍ ومالٍ ولا تكتمها، فظهر لنا من هذا السياق أن هذه الآيات الثلاث توافق الآيات الثلاث التي قبلها فاستدللنا على معنى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾ بقوله: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾؛ لأنه السائل عن العلم.
قال الرازى: اختيار الحسن أن المراد منه مَنْ يسأل العلم ونظيره من وجه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: 1، 2]، وحينئذ يحصل الترتيب؛ لأنه تعالى قال له أولًا: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: 6 - 8]، ثم اعتبر هذا الترتيب فأوصاه برعاية حق اليتيم، ثم برعاية حق مَنْ يسأله عن العلم والهداية، ثم أوصاه بشكر نعم الله عليه.
وبمثل ذلك قال ابن كثير قال: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ أي: وكما كنت ضالًا فهداك الله، فلا تنهر السائل في العلم المسترشد.
وبهذا يتضح المقصود بـ ﴿ضَالًّا﴾ في هذه الآية الكريمة.
الوجه الرابع: في بيان معنى قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾.
الآية لها في كتب المفسرين عدة معانٍ لا تخرج جميعُها عن أن هذه الآية من نعم الله ومِنَنَهِ المتكاثرة على عبدِهِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -.
1 - المعنى الأول: هذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52] أي: أن رسول الله كان قبل البعثة غافلًا عما أوحاه الله إليه لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان فهداه الله، وجعله إمام الدين، هذا والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يعلم فعلمه الله؛ قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ﴾ [النساء: 113]، ومثل ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: 1 - 3] يعني: من قبل وحي الله إليك كنت من الغافلين.
يقول الشيخ محمد رشيد رضا: أي: وإن الشأن وحقيقة ما يتحدث عنه من قصتك أنت أنك كنت من قبل إيحائنا إياه إليك من جماعة الغافلين عنه من قومك الأميين الذين لا يخطر في بالهم التحديث بأخبار الأنبياء وأقوامهم؛ وبيان ما كانوا عليه من دين وتشريع كيعقوب وأولاده في بداوتهم، ولا ما كانت الأمم فيه من ترف وحضارة كالمصريين الذين وقع يوسف بينهم وحدث له ما حدث في بعض بيوتاتهم.
قال ابن الجوزى: قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ﴾ بمعنى: ضالًا عن معالم النبوة، وأحكام الشريعة، فهداك إليها، قاله الجمهور، منهم الحسن، والضحاك.
وقال القرطبي: أي: غافلًا عما يراد بك من أمر النبوة، فهداك: أي أرشدك، والضلال هنا بمعنى: الغفلة؛ كقوله جل ثناؤه: ﴿لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ أي: لا يغفل، وقال في حق نبيه: ﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾، وقال قوم: "ضالًا" لم تكن تدري القرآن والشرائع، فهداك الله إلى القرآن، وشرائع الإسلام؛ عن الضحاك وشهر بن حوشب وغيرهما، وهو معنى قوله تعالى: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾.
وقال البقاعي: (ووجدك) أي: صادفك (ضالًا) أي: لا تعلم الشرائع، ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾، فأطلق اللازم وهو الضلال على الملزوم، والمسبب على السبب وهو عدم العلم، فكنت لأجل ذلك لا تقدم على فعل من الأفعال؛ لأنك لا تعلم الحكم فيه إلا ما علمت بالعقل الصحيح والفطرة السليمة المستقيمة من التوحيد وبعض توابعه.... إلخ.
وقال الشوكاني: الضلال هنا بمعنى: الغفلة؛ كما في قوله: ﴿لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾، وكما في قوله: ﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾، والمعنى: أنه وجدك غافلًا عما يراد بك من أمر النبوّة، واختار هذا الزجاج، وقيل: معنى ضالًا لم تكن تدري القرآن ولا الشرائع، فهداك لذلك.
وقال القاضى عبد الجبار: وربما قيل في قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ﴾ أليس ذلك يدل على جواز الضلال على نبينا - صلى الله عليه وسلم - وعلى سائر الأنبياء؟
وجوابنا: أن المراد بذلك ضالًا عن النبوة والرسالة وسائر ما خصَّ الله تعالى به نبينا - صلى الله عليه وسلم - من التعظيم وغيره فهداك الله إليها؛ لأنه في اللغة قد يقال: ضلَّ عن كيت وكيت إذا كان ذلك طريق منافعه، ولم يقل الله تعالى: ووجدك ضالًا عن الدين حتى يصح تعلقهم.
وقال علي بن أحمد السبتي: الدليل على أن ضلال الأنبياء غفلة لا جهل قوله تعالى لنبينا - صلى الله عليه وسلم -: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ﴾ يعني: غافلًا عن الشريعة لا تدري كيفية العبادة فهداك لها بالأمر والنهي ثم قال له: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: 3]، والجاهل لا يسمى غافلًا حقيقة لقيام الجهل به فصح أن ضلال الأنبياء - عليهم السلام - غفلة لا جهل.
وهذا القول هو الذي عليه جمهور المفسرين ومَنْ بقي منهم ذَكر معاني أخرى جليلة بها فوائد عظيمة، فهَلُمَّ إلى بيانها:
معانٍ أخرى:
المعنى الثاني: أي: وجدك في قوم ضلال، فهداهم الله بك.
هذا قول الكلبي والفراء، وعن السدي نحوه، أي: ووجد قومك في ضلال فهداك إلى إرشادهم. اهـ.
المعنى الثالث: وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ﴾ قال: وجدك بين ضالين فاستنقذك من ضلالتهم.
قال ابن الجوزى: وجدك في قوم ضُلَّال فهداك للتوحيد والنبوة؛ قاله ابن السائب.
وقال الشوكاني: وقيل: وجدك ضائقًا في قومك فهداك إليه، ويكون الضلال بمعنى: الضياع.
وقال ابن عطية: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾ أي: تنسب إلى الضلال، وقال الكلبي: ووجدك في قوم ضلال فكأنك واحد منهم.
المعنى الرابع: أنه ضل وهو صبي صغير في شعاب مكة، فرده الله إلى جده عبد المطلب؛ رواه أبو الضحى عن ابن عباس، كما تقول: ضلَّ فلانٌ في الصحراء أو ضل في طريقه تاه ولم يهتدي لمكانه وطريقه الصحيح.
وقيل: إنه لما خرج مع ميسرة غلام خديجة أخذ إبليس بزمام ناقته فعدل به عن الطريق، فجاء جبريل عليه السَّلام فنفخ إبليس نفخة وقع منها إلى الحبشة ورده إلى القافلة، فمنَّ الله عليه بذلك؛ قاله ابن المسيب.
المعنى الخامس: وجدك محبًا للهداية فهداك إليها، ويكون الضلال بمعنى: المحبة، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ أي: في محبتك؛ قال الشاعر:
هذا الضلال أشاب مِنّي المفرقا... والعارِضَيْن ولم أكنْ مُتحقّقًا
عَجَبًا لَعِزّةَ في اختيارِ قطيعتي... بعد الضّلالِ فحبْلُها قد أخْلقًا
الضلال بمعنى: المحبة كما في قوله: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: 95] أي: محبتك، ومعناه أنك محب فهديتك إلى الشرائع التي بها تتقرب إلى خدمة محبوبك.
قال القاضي عياض: قال ابن عطاء: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾ أي: محبًا لمعرفتي، والضال المحب؛ كما قال: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: 95] أي: محبتك القديمة، ولم يريدوا ههنا في الدين؛ إذ لو قالوا ذلك في نبي الله لكفروا، ومثله عند هذا قوله: ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [يوسف: 30] أي: محبة بينة.
المعنى السادس: أن الضلال بمعنى النسيان، فوجدك ضالًا أي: ناسيًا؛ كما قال: ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ﴾ [البقرة: 282]، وقال القرطبي (ضالًا) أي: ناسيًا شأن الاستثناء حين سُئلت عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح فأذكرك.
وقال الماوردى: ووجدك ناسيًا فأذكرك، وقال ابن الجوزي: ووجدك ناسيًا فهداك إلى الذكر؛ قاله ثعلب، وقال الرازي: ووجدك ضالًا أي: ناسيًا، فهديتك أي: ذكرتك، وذلك أنه ليلة المعراج نسي ما يجب أن يقال بسبب الهيبة، فهداه الله تعالى إلى كيفية الثناء حتى قال: "لا أحصي ثناء عليك".
المعنى السابع: ووجدك متحيرًا في بيان ما نزل عليك فهداك إليه، فيكون الضلال بمعنى: التحير؛ لأن الضال متحير.
قال القاضي عياض: والضلال ههنا التحير؛ ولهذا كان - صلى الله عليه وسلم - يخلو بغار حراء في طلب ما يتوجه به إلى ربه ويتشرع به حتى هداه الله إلى الإسلام؛ قال معناه القشيري...، وقال الجنيد: ووجدك متحيرًا في بيان ما أنزل إليك فهداك لبيانه لقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾
(النحل: 44).
وهذا المعنى من أقوى المعاني دلالة، وهكذا كانت حاله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يُبعث.
قال الأستاذ أحمد مصطفى المراغى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ﴾ أي: ووجدك حائرًا مضطربًا في أمرك مع اعتقادك أن قومك ليسوا على بصيرة من أمرهم؛ فعبادتهم باطلة، ومعتقداتهم فاسدة، وكان يفكر في دين اليهودية، ثم يرى اليهود أنفسهم ليسوا على حال خير من حال قومه؛ إذ بدلوا دينهم وخالفوا ما كان عليه رسولهم، فيبدوا عليه الإعراض عنه.
وأعظم أنواع حيرته ما كان يراه في العرب أنفسهم من سخف في العقائد وضعف في البصائر، باستيلاء الأوهام عليهم وفساد أعمالهم وشؤمها في أحوالهم بتفرق الكلمة، وتفانيهم في سفك الدماء، والإشراف على الهلاك باستبعاد الغرباء لهم وتحكمهم فيهم، فالحبشة والفرس من جانب، والرومان من جانب آخر.
فما العمل في تقويم عقائدهم وتخليصهم من تحكم العادات فيهم؟ وأي الطرق ينبغي أن يُسلك في إيقاظهم من سباتهم؟ وقصارى ذلك أنه كان في قرارة نفسه يعتقد أن قومه قد ضلوا سواء السبيل وبدلوا دين أبيهم إبراهيم، وكانت حال أهل الأديان الأخرى ليست خيرًا من حالهم، لكن الإله الحكيم لم يتركه ونفسه، بل أنزل عليه الوحي يبين له أوضح السبل كما قال: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52].
ويقول الأستاذ سيد قطب: ثم لقد نشأت في جاهلية مضطربة التصورات والعقائد، منحرفة السلوك والأوضاع، فلم تطمئن روحُك إليها، ثم هداك الله، والهداية من حيرة العقيدة وضلال الشعاب فيها هي المنة الكبرى، التي لا تَعْدِلهُا منة؛ وهي الراحة والطمأنينة من القلق الذي لا يعدله قلق ومن التعب الذي لا يعدله تعب.
قال ابن عاشور: والضّلال: عدم الاهتداء إلى الطريق الموصل إلى مكان مقصود سواء سلك السائر طريقًا آخر يبلغ إلى غير المقصود أم وقف حائرًا لا يعرف أيَّ طريق يسلك، وهو المقصود هنا؛ لأن المعنى: أنك كنت في حيرة من حال أهل الشرك من قومك، فأراكه الله غير محمود وكرَّهه إليك ولا تدري ماذا تتبع من الحق، فإن الله لما أنشأ رسوله - صلى الله عليه وسلم - على ما أراد من إعداده لتلقي الرسالة في الإبان، ألْهَمَه أن ما عليه قومه من الشرك خطأ وألقى في نفسه طلب الوصول إلى الحق ليتهيأ بذلك لقبول الرسالة عن الله تعالى.
وقال ابن عطية: هذا الضلال الذي ذكره الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - أقرب ضلال وهو الكون واقفًا لا يميز المهيع لا أنه تمسك بطريق أحد بل كان يرتاد وينظر.
المعنى الثامن: ووجدك طالبًا القبلة فهداك إليها، ويكون الضلال بمعنى: الطلب؛ لأن الضال طالب والرسول - صلى الله عليه وسلم - قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 144].
قال الرازى: ضالًّا عن القبلة، فإنه كان يتمنى أن تجعل الكعبة قبلة له وما كان يعرف أن ذلك هل يحصل له أم لا، فهداه الله بقوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: 144] فكأنه سمى ذلك التحير بالضلال.
المعنى التاسع: يقال: ضل الماء في اللبن إذا صار مغمورًا، فمعنى الآية: كنت مغمورًا بين الكفار بمكة فقواك الله تعالى حتى أظهرت دينه.
المعنى العاشر: العرب تسمي الشجرة الفريدة في الفلاة ضالة، كأنه تعالى يقول: كانت تلك البلاد كالمفازة ليس فيها شجرة تحمل ثمر الإيمان بالله ومعرفته إلا أنت، فأنت شجرة فريدة في مفازة الجهل فوجدتك ضالًا فهديت بك الخلق.
المعنى الحادي عشر: وله صلة بالسابق، ويعني: وحيدًا.
قال القرطبي: أي: لا أحد على دينك، وأنت وحيد ليس معك أحد، فهديت بك الخلق إليَّ.
وهذه الأقوال كلها حسان.
هذه مجمل المعاني الواردة في كتب المفسرين، وثم معانٍ أُخرى في التفسير الكبير للرازي، وابن الجوزي، والشفا للقاضي عياض.
الوجه الخامس: كونه (ضالًا) يعني: أميًا لا يقدح في شخص النبي - صلى الله عليه وسلم -.
فمن الإعجاز والأليق بالحكمة أن يكون الرسول الذي جاء بهذا القرآن الكريم الحكيم أميًا وهو في مواجهة كفار قريش المنكرين وإخبارهم بأنه كلام الله تعالى.
الحكمة من إرسال الرسل أن يكونوا مبشرين ومنذرين ومبلغين عن رب العالمين، وقد أيَّد الله الرسل بمعجزات تجري على أيديهم تكون تصديقًا لرسالاتهم وأنها من عند الله تعالى، وتأتي المعجزة على وفق ما نبغ فيه القوم المرسل إليهم.
فلما حذق قومُ موسى السحرَ كانت المعجزة إبطال هذا السحر في مواجهة علنية يُجمع لها الناس من كل حدب وصوب، فبطل السحر بالحق الذي ليس في وسع البشر أن يأتوا به، فكانت عصا موسى حية تلقف ما يأفكون حتى غُلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين، وليس في مقدور البشر أن تكون العصا التي من خشب حية تأكل؛ فلذا علم السحرة أن هذا الذي أمامهم من عند الله تعالى وبقدرته، وليس بسحر أعين الناس.
ولما نبغ قوم عيسى في الطب كانت معجزته من جنس ما نبغوا فيه، فهو يُبْرِئُ الأكمه والأبرص من ساعته بإذن الله، وهذا ليس في مقدورهم، ثم هو يحيى الموتى بإذن الله، وهذا مما اختص الله به، وليس في وسع البشر، فعُلم أن هذا من عند الله، فآمن من آمن منهم.
وكان نبوغ قوم محمد - صلى الله عليه وسلم - هو خاتم النبيين - في كلامهم وما أوتوه من قوة اللفظ وجزالته وحباهم الله تعالى بلُغة واسعة واضحة مستبينة هي التي قال الله عنها: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾، وكانوا يتبارون في الميادين العامة كأسواق مجنة وعكاظ، ونبغ منهم أقوامٌ في قرض الشعر؛ حتى جعلوا لأشعارهم القداسة فعلقوها على الكعبة.
ولقد كانت الأمة العربية على عهد نزول القرآن، تتمتع بخصائص العروبة الكاملة التي فيها قوة الذاكرة وسرعة الحفظ وسيلان الأذهان، وكان العربي يحفظ مئات الآلاف من الأشعار، ويعرف الأحساب والأنساب فيستظهرها عن ظهر قلب، ويعرف التواريخ، وقلَّ أن تجد منهم من لا يعد لك الحسب والنسب، أو من لا يحفظ (المعلقات العشر) على كثرة أشعارها وصعوبة حفظها.
ومع ذلك كانوا - أعني: العربَ - أمة أُمية لا تقرأ ولا تكتب ويفشو فيهم الجهل، ولا ينقض ذلك أنهم بلغاء الكلام، فهم يعبرون باللفظ الفصيح عن ما يجري في البادية حولهم، كما لا ينقض أميتهم أن كان منهم أفراد على علم بأحوال الأمم من حولهم وعلى معرفة القراءة والكتابة، وكانت العرب تفشو بينهم أخلاق مرذولة من البغاء وأكل الأموال بالباطل، ثم كان بينهم الشرك الأكبر فعبدوا الحجارة والأصنام من دون الله تعالى.
ثم بعث الله فيهم رسولًا منهم يعرفونه ويعرفون ما عليه من جميل الأخلاق وكريمها، فكانت معجزته الباقية أبد الآبدين هي من كلام، وهو كلام الله رب العالمين، فهو ليس معجزة مادية كناقة صالح عليه السَّلام، أو عصا موسى عليه السَّلام، فتنتهي المعجزة بموته، إنما كانت معجزته - صلى الله عليه وسلم - كلامًا لرب العالمين يحتوي على العلم والإيمان والتشريع الذي سيبقى إلى يوم الدين، وليس بأن يبقى إلى وفاة الرسول الذي نزل عليه هذا القرآن العظيم، وهذا ما رواه البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "مَا مِن الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مَا مِثْلهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ الله إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
فكان هذا هو الأليق بالحكمة أن تكون معجزة خاتم النبيين باقية من بعده، فلن يأتي نبيٌّ آخر ينذر الناس، بل هذه المعجزة التي هي كلام رب العالمين هي فيهم مقام المنذر والواعظ والناصح، فلا بد أن تكون كلامًا ربانيًا يحوي علمًا وتشريفًا للناس، هذا والذي جاء بهذا الكلام المبين الفصيح الذي يحتوي على العلم والتشريع والفصاحة والبلاغة رسول منهم يعرفونه؛ أميٌّ لا يقرأ ولا يكتب، ثم جاءهم بكتاب فصيح بلغتهم، ويقول هذا كلام الله ويأمركم أن تتركوا ما وجدتم عليه آباءكم من عبادة الأصنام ومساوئ الأخلاق.
ويأتي التحدي على أن يأتوا بمثل هذا القرآن؛ قال تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88]، ووجه الخطاب إليهم أن يأتوا بعشر سور فقط مثله، فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: 13]، فعجزوا عن ذلك وعن ما هو دونه كما قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: 38]، فلما عجزوا عن ذلك أرادوا أن يقدحوا في الكتاب المنزل وفي ربانية الكلام الذي فيه، وأنه من تأليف الرسول، وأنه إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون.
يقول سيد قطب: حتى الماديون الملحدون في روسيا الشيوعية، عندما أرادوا أن يطعنوا في هذا الدين في مؤتمر المستشرقين عام 1954 كانت دعواهم أن هذا القرآن لا يمكن أن يكون من عمل فرد واحد هو محمد؛ بل من عمل جماعة كبيرة، وأنه لا يمكن أن يكون قد كتب في الجزيرة العربية؛ بل إن بعض أجزائه كتب خارجها.
دعاهم إلى هذا استكثار هذا الكتاب على موهبة رجل واحد، وعلى علم أمة واحدة، ولم يقولوا ما يوحي به المنطق الطبيعي المستقيم: إنه من وحي رب العالمين؛ لأنهم ينكرون أن يكون لهذا الوجود إله، وأن يكون هناك وحي ورسل ونبوات.
فتحدى الله أهل قريش على أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بمثل سورة فعجزوا وعلموا أن لا طاقة لهم بمثله ولا بمثل آية منه، فصاروا يخبطون القول ويفترون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأقاويل مع علمهم بضلال كلامهم؛ قال تعالى عنهم: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [النحل: 103]، فافتروا هذه المقالة، واختلف المفسرون في اسم هذا الذي يقصده كفار قريش، والله عزَّ وجلَّ ردَّ عليهم بأبلغ رد وأوضحه.
فكيف يعجزون وهم أهل العربية عن محاكاة هذا اللسان العربي المبين في القرآن ثم يعلمه ويلقنه هذه الفصاحة أعجمي أو نبط وفد إليهم.
يقول الشيخ السعدي: وذلك البشر الذي يشيرون إليه أعجمي اللسان ﴿وَهَذَا﴾ القرآن ﴿لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [النحل: 103]، هل هذا القول ممكن أو له حظ من الاحتمال؟! ولكن الكاذب يكذب ولا يفكر فيما يؤول إليه كذبه، فيكون في قوله من التناقض والفساد ما يوجب رده بمجرد تصوره.
ويقول سيد قطب: وهذه المقالة منهم يصعب حملها على الجد، وأغلب الظن أنها كيد من كيدهم الذي كانوا يدبرونه وهم يعلمون كذبه وافتراءه، وإلا فكيف يقولون وهم أخبر بقيمة هذا الكتاب وإعجازه: إن أعجميًا يملك أن يعلم محمدًا هذا الكتاب، ولئن كان قادرًا على مثله ليظهرن به لنفسه.
فانتفى أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تعلم هذا القرآن من بشر، كما انتفى أن يكون من تأليفه، فهو وجده ربه أُميًا فعلمه ما لم يكن يعلم وهداه، ولو كان على علم أو كتابة لظنوا فيه الظنون؛ قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: 48].
ويقول ابن كثير: أي: قد لبثت في قومك - يا محمد - ومن قبل أن تأتي بهذا القرآن عُمرًا لا تقرأ كتابًا ولا تحسن الكتابة، بل كل أحد من قومك وغيرهم يعرف أنك رجل أميٌّ لا تقرأ ولا تكتب، وهكذا صفته في الكتب المتقدمة، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [الأعراف: 157]، وهكذا كان - صلى الله عليه وسلم -[دائمًا وأبدًا] إلى يوم القيامة لا يحسن الكتابة ولا يخط سطرًا ولا حرفًا بيده، بل كان له كُتاب يكتبون بين يديه الوحي والرسائل إلى الأقاليم.
ومن زعم من متأخري الفقهاء كالقاضي أبي الوليد الباجي ومن تابعه أنه - صلى الله عليه وسلم - كتب يوم الحديبية: "هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله" فإنما حمله على ذلك رواية في صحيح البخاري: "ثم أخذ فكتب"، وهذه محمولة على الرواية الأخرى: "ثم أمر فكتب"، ولهذا اشتد النكير بين فقهاء المغرب والمشرق على من قال بقول الباجي، وتبرؤوا منه، وأنشدوا في ذلك أقوالًا وخطبوا به في محافلهم: وإنما أراد الرجل - أعني الباجي، فيما يظهر عنه - أنه كتب ذلك على وجه المعجزة؛ لا أنه كان يحسن الكتابة.
وقوله: ﴿إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ أي: لو كنت تحسنها لارتاب بعض الجهلة من الناس فيقول: إنما تعلم هذا من كُتب قبله مأثورة عن الأنبياء، مع أنهم قالوا ذلك مع علمهم بأنه أمي لا يحسن الكتابة: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: 5]، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان: 6].
وقال تعالى: ﴿قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: 16].
قال ابن كثير: أي: هذا إنما جئتكم به عن إذن الله لي في ذلك ومشيئته ولم أتقوله من عندي، والدليل أنكم عاجزون عن الإتيان بمثله، وأنتم تعلمون حالي قبل هذا الكتاب وتعلمون صدقي وأمانتي ولا تعيبون على شيئًا؛ لهذا قال: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي: أفليس لكم عقول تعرفون بها الحق من الباطل، ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان ومن معه فيما سأله من صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: فقلت: لا، وقد كان أبو سفيان إذ ذاك رأس الكفرة وزعيم المشركين، ومع هذا اعترف بالحق، وَالفَضْلُ ما شَهدَتْ به الأعداءُ، فقال له هرقل: فقد أعرف أنه لم يكن ليدَعَ الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله.
والحديث مشهور في صحيح البخاري.
وعن أم المؤمنين أم سلمة - رضي الله عنها - حديث الهجرة الطويل إلى الحبشة، وفيه أن جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - خاطب النجاشي قائلًا: حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده.
قال السعدي: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا﴾ طويلًا ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: قبل تلاوته، وقبل درايتكم به، وأنا ما خطر على بالي، ولا وقع في ظني، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أني حيث لم أتقوله في مدة عمري، ولا صدر مني ما يدل على ذلك، فكيف أتقوله بعد ذلك، وقد لبثت فيكم عمرا طويلا تعرفون حقيقة حالي، بأني أمي لا أقرأ ولا أكتب، ولا أدرس ولا أتعلم من أحد؟، فأتيتكم بكتاب عظيم أعجز الفصحاء، وأعيا العلماء، فهل يمكن - مع هذا - أن يكون من تلقاء نفسي، أم هذا دليل قاطع أنه تنزيل من حكيم حميد؟.
فلو أعملتم أفكاركم وعقولكم، وتدبرتم حالي وحال هذا الكتاب، لجزمتم جزمًا لا يقبل الريب بصدقه، وأنه الحق الذي ليس بعده إلا الضلال، ولكن إذ أبيتم إلا التكذيب والعناد، فأنتم لا شك أنكم ظالمون، ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ [يونس: 17]؟.
فلو كنت متقولًا لكنت أظلم الناس، وفاتني الفلاح، ولم تخف عليكم حالي، ولكني جئتكم بآيات الله، فكذبتم بها، فتعين فيكم الظلم.
وقال ابن عاشور: فتقديره هنا: لو شاء الله ما تلوته لكنني تلوته عليكم. وتلاوته هي دليل الرسالة لأن تلاوته تتضمن إعجازه علميًا إذ جاء به من لم يكن من أهل العلم والحكمة، وبلاغيًا إذ جاء كلامًا أعجز أهل اللغة كلهم مع تضافرهم في بلاغتهم وتفاوت مراتبهم، وليس من شأن أحد من الخلق أن يكون فائقًا على جميعهم، ولا من شأن كلامه أن لا يستطيع مثلَه أحد منهم.
ولذلك فُرعت على الاستدلال جملةُ: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ تذكيرًا لهم بقديم حاله المعروفة بينهم وهي حال الأمية، أي قد كنت بين ظهرانيكم مدة طويلة، وهي أربعون سنة، تشاهدون أطوار نشأتي فلا ترون فيها حالة تشبه حالة العظمةِ، والكمال المتناهي الذي صار إليه لما أوحَى الله إليه بالرسالة، ولا بلاغة قول واشتهارًا بمقاولة أهل البلاغة والخطابة والشعر تشبه بلاغة القول الذي نطق به عن وحي القرآن، إذ لو كانت حالته بعد الوحي حالًا معتادًا وكانت بلاغة الكلام الذي جاء به كذلك لكان له من المقدمات من حين نشأته ما هو تهيئة لهذه الغاية وكان التخلق بذلك أطوارًا وتدرجًا، فلا جرم دل عدم تشابه الحالين على أن هذا الحال الأخير حال رَباني محض، وأن هذا الكلام موحًى إليه من عند الله ليس له بذاته عمل فيه.
ويقول أيضًا: والتقدير أفلا تعقلون أنَّ مثل هذا الحال من الجمع بين الأمية والإتيان بهذا الكتاب البديع في بلاغته ومعانيه لا يكون إلا حال من أفاض الله عليه رسالته إذ لا يتأتى مثله في العادة لأحد ولا يتأتى ما يقاربه إلا بعد مدارسة العلماء ومطالعة الكتب السالفة ومناظرة العلماء ومحاورة أهل البلاغة من الخطباء والشعراء زمنًا طويلًا وعُمرًا مديدًا، فكيف تأتَّى ما هو أعظم من ذلك المعتادِ دَفعةً لمن قضى عمره بينهم في بلاده يرقبون أحواله صباح مساءَ، وما عُرف بلدهم بمزاولة العلوم ولا كان فيهم من أهل الكتاب إلا من عَكف على العبادة وانقطع عن معاشرة الناس.
الوجه السادس: صفة نبي الله عيسى عليه السلام في الكتاب المقدس.
هذه بعض الصفات التي وُصف بها المسيح في الكتاب المقدس، حيث إن من عادتهم أنهم يلصقون كل صفة قبيحة ومذمومة لأنبيائهم وصالحيهم:
يصفون المسيح بأنه غير قادر: (يوحناه/ 30): أَنَا لا أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ نَفْسِي شَيْئًا. كما أَسْمَعُ أَدِينُ، وَدَيْنُونَتِي عَادِلَةٌ، لأَنِّي لا أَطْلُبُ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي.
ويصفون المسيح بأنه ملعون: (غلاطية 3/ 13): الْمسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: "مَلْعُون كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ.
ويفترون عليه كذبًا، ويقولون أنه يأمرهم بالنفاق: (صموائيل الثاني 22/ 27): مَعَ الطَّاهِرِ تَكُونُ طَاهِرًا، وَمَعَ الأَعْوَجِ تَكُونُ مُلْتَوِيًا.