فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلۡجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبۡتَلِيكُم بِنَهَرࣲ فَمَن شَرِبَ مِنۡهُ فَلَيۡسَ مِنِّي وَمَن لَّمۡ يَطۡعَمۡهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّيٓ إِلَّا مَنِ ٱغۡتَرَفَ غُرۡفَةَۢ بِيَدِهِۦۚ فَشَرِبُواْ مِنۡهُ إِلَّا قَلِيلࣰا مِّنۡهُمۡۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلۡيَوۡمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦۚ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةࣲ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةࣰ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ 249
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾، مَعْناهُ: مُخْتَبِرُكُمْ، ومُمْتَحِنُكم بِنَهَرٍ، وهَذا لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَهُ إلّا نَبِيٌّ، لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قالَ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ [الجن: 26] ﴿إلا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ [الجن: 27]، ومَعْنى الِاخْتِبارِ بِهَذا النَّهَرِ كانَ لِيَعْلَمَ طالُوتُ مَن لَهُ نِيَّةُ القِتالِ مَعَهُ، ومَن لَيْسَتْ لَهُ نِيَّةٌ، فَقالَ: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾، أيْ: لَيْسَ مِن أصْحابِي، ولا مِمَّنْ تَبِعَنِي، ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ، ﴿وَمَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾، أيْ: لَمْ يَتَطَعَّمْ بِهِ، ﴿إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾، ”غُرْفَةً“، و”غَرْفَةً“، قُرِئَ بِهِما جَمِيعًا، فَمَن قالَ: ”غَرْفَةً“، [ ص: 331 ] كانَ مَعْناهُ: غَرْفَةً واحِدَةً بِاليَدِ، ومَن قالَ: ”غُرْفَةً“، كانَ مَعْناهُ: مِقْدارَ مِلْءِ اليَدِ، ومَعْنى ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾، شَرِبُوا مِنهُ لِيَرْجِعُوا عَنِ الحَرْبِ، لِأنَّهُ قَدْ أعْلَمَهم ذَلِكَ، وذُكِرَ في التَّفْسِيرِ أنَّ القَلِيلَ الَّذِينَ لَمْ يَشْرَبُوا كانَ عِدَّتُهم ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، كَعَدَدِ أهْلِ بَدْرٍ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -، ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ﴾، أيْ: جاوَزَ النَّهْرَ، هو والَّذِينَ مَعَهُ، قِيلَ: لَمّا رَأوْا قِلَّتَهُمْ، قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾، أيْ: لا قُوَّةَ، يُقالُ: ”أطَقْتُ الشَّيْءَ، إطاقَةً، وطَوْقًا“، مِثْلَ ”أطَعْتُ، طاعَةً، وإطاعَةً، وطَوْعًا“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ﴾، قِيلَ فِيهِ قَوْلانِ: قالَ بَعْضُهم - وهو مَذْهَبُ أهْلِ اللُّغَةِ -: قالَ الَّذِينَ يُوقِنُونُ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ، قالُوا: ولَوْ كانُوا شاكِّينَ لَكانُوا ضُلّالًا، كافِرِينَ، و”ظَنَنْتُ“، في اللُّغَةِ، بِمَعْنى ”أيْقَنْتُ“، مَوْجُودٌ، قالَ الشّاعِرُ - وهو دُرَيْدٌ:
؎فَقُلْتُ لَهم ظُنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ ∗∗∗ سَراتُهم في الفارِسِيِّ المُسَرَّدِ
أيْ: أيْقِنُوا، وقالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: مَعْنى ”يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ“، أيْ أنَّهم كانُوا يَتَوَهَّمُونَ أنَّهم في هَذِهِ المَوْقِعَةِ يُقْتَلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ، لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، وعِظَمِ عَدَدِ عَدُوِّهِمْ، وهم أصْحابُ جالُوتَ.
[ ص: 332 ] وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ﴾، أيْ: كَمْ مِن فِرْقَةٍ! وإنَّما قِيلَ لِلْفِرْقَةِ: ”فِئَةٌ“، مِن قَوْلِهِمْ: ”فَأوْتُ رَأْسَهُ بِالعَصا“، و”فَأيْتُ“، إذا شَقَقْتُهُ، فَـ”اَلْفِئَةُ“: اَلْفِرْقَةُ، مِن هَذا.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾، أيْ أنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ الصّابِرِينَ، إذا صَبَرُوا عَلى طاعَتِهِ، وما يُزْلِفُ عِنْدَهُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -، ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ﴾، أيْ: جاوَزَ النَّهْرَ، هو والَّذِينَ مَعَهُ، قِيلَ: لَمّا رَأوْا قِلَّتَهُمْ، قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾، أيْ: لا قُوَّةَ، يُقالُ: ”أطَقْتُ الشَّيْءَ، إطاقَةً، وطَوْقًا“، مِثْلَ ”أطَعْتُ، طاعَةً، وإطاعَةً، وطَوْعًا“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ﴾، قِيلَ فِيهِ قَوْلانِ: قالَ بَعْضُهم - وهو مَذْهَبُ أهْلِ اللُّغَةِ -: قالَ الَّذِينَ يُوقِنُونُ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ، قالُوا: ولَوْ كانُوا شاكِّينَ لَكانُوا ضُلّالًا، كافِرِينَ، و”ظَنَنْتُ“، في اللُّغَةِ، بِمَعْنى ”أيْقَنْتُ“، مَوْجُودٌ، قالَ الشّاعِرُ - وهو دُرَيْدٌ:
؎فَقُلْتُ لَهم ظُنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ ∗∗∗ سَراتُهم في الفارِسِيِّ المُسَرَّدِ
أيْ: أيْقِنُوا، وقالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: مَعْنى ”يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ“، أيْ أنَّهم كانُوا يَتَوَهَّمُونَ أنَّهم في هَذِهِ المَوْقِعَةِ يُقْتَلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ، لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، وعِظَمِ عَدَدِ عَدُوِّهِمْ، وهم أصْحابُ جالُوتَ.
[ ص: 332 ] وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ﴾، أيْ: كَمْ مِن فِرْقَةٍ! وإنَّما قِيلَ لِلْفِرْقَةِ: ”فِئَةٌ“، مِن قَوْلِهِمْ: ”فَأوْتُ رَأْسَهُ بِالعَصا“، و”فَأيْتُ“، إذا شَقَقْتُهُ، فَـ”اَلْفِئَةُ“: اَلْفِرْقَةُ، مِن هَذا.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾، أيْ أنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ الصّابِرِينَ، إذا صَبَرُوا عَلى طاعَتِهِ، وما يُزْلِفُ عِنْدَهُ.