عَٰلِيَهُمۡ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضۡرࣱ وَإِسۡتَبۡرَقࣱۖ وَحُلُّوٓاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةࣲ وَسَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ شَرَابࣰا طَهُورًا 21
وَقَوْلُهُ: ”عالِيهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ“، بِإسْكانِ الياءِ، وقُرِئَتْ: ﴿عالِيَهُمْ﴾، بِفَتْحِ الياءِ، وقُرِئَتْ: ”عَلَيْهِمْ“، بِغَيْرِ ألِفٍ، ﴿ثِيابُ سُنْدُسٍ﴾، وهَذِهِ الثَّلاثَةُ تُوافِقُ المُصْحَفَ، وكُلُّها حَسَنٌ في العَرَبِيَّةِ، وقُرِئَ عَلى وجْهَيْنِ غَيْرِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، قُرِئَتْ: ”عالِيَتُهم ثِيابُ سُنْدُسٍ“، بِالرَّفْعِ، والتَّأْنِيثِ، و”عالِيَتَهُمْ“، بِالنَّصْبِ، وهَذانِ الوَجْهانِ جَيِّدانِ في العَرَبِيَّةِ، إلّا أنَهَما يُخالِفانِ [ ص: 262 ] المُصْحَفَ، ولا أرى القِراءَةَ بِهِما، وقُرّاءُ الأمْصارِ لَيْسَ يَقْرَؤُونَ بِهِما، فَأمّا تَفْسِيرُ إسْكانِ ”عالِيهِمْ“، بِإسْكانِ الياءِ، فَيَكُونُ رَفْعُهُ بِالِابْتِداءِ، ويَكُونُ خَبَرُهُ ﴿ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ﴾، ومَن نَصَبَ فَقالَ: ﴿عالِيَهُمْ﴾، بِفَتْحِ الياءِ، فَقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: إنَّهُ يَنْصِبُهُ عَلى الظَّرْفِ، كَما تَقُولُ: ”فَوْقَهم ثِيابٌ“، وهَذا لا نَعْرِفُهُ في الظُّرُوفِ، ولَوْ كانَ ظَرْفًا لَمْ يَجُزْ إسْكانُ الياءِ، ولَكِنَّ نَصْبَهُ عَلى الحالِ مِن شَيْئَيْنِ، أحَدُهُما مِنَ الهاءِ والمِيمِ، المَعْنى: ”يَطُوفُ عَلى الأبْرارِ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ عالِيًا الأبْرارَ ثِيابُ سُنْدُسٍ“، لِأنَّهُ قَدْ وصَفَ أحْوالَهم في الجَنَّةِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ”يَطُوفُ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الحالِ هَؤُلاءِ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الوِلْدانِ، المَعْنى: ”إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا في حالِ عُلُوِّ الثِّيابِ إيّاهُمْ“، فالنَّصْبُ عَلى هَذا بَيِّنٌ، فَأمّا ”عَلَيْهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ“، فَرَفْعٌ، كَقَوْلِكَ: ”عَلَيْكَ مالٌ“، فَتَرْفَعُهُ بِالِابْتِداءِ، ويَكُونُ المَعْنى: ”وَثِيابُ سُنْدُسٍ عَلَيْهِمْ“، وتَفْسِيرُ نَصْبِ ”عالِيَتَهُمْ“، ورَفْعِها كَتَفْسِيرِ ”عالِيَهُمْ“، و”اَلسُّنْدُسُ“: اَلْحَرِيرُ، وقَدْ قُرِئَتْ: ”خُضْرٌ“، و”خُضْرٍ“، فَمَن قَرَأ: ”خُضْرٌ“، فَهو أحْسَنُ، لِأنَّهُ يَكُونُ نَعْتًا لِلثِّيابِ، فَلَفْظُ الثِّيابِ لَفْظُ الجَمِيعِ، و”خُضْرٌ“، لَفْظُها لَفْظُ الجَمْعِ، ومَن قَرَأ: ”خُضْرٍ“، فَهو مِن نَعْتِ السُّنْدُسِ، و”اَلسُّنْدُسُ“، في المَعْنى راجِعٌ إلى الثِّيابِ، وقُرِئَتْ: ”وَإسْتَبْرَقٌ“، وهو الدِّيباجُ الصَّفِيقُ الغَلِيظُ الخَشِنُ، وقُرِئَتْ بِالرَّفْعِ، والجَرِّ، فَمَن رَفَعَ فَهو عَطْفٌ عَلى ”ثِيابُ“، اَلْمَعْنى: ”عَلَيْهِمْ إسْتَبْرَقٌ“، ومَن جَرَّ عَطَفَ عَلى السُّنْدُسِ، ويَكُونُ المَعْنى: ”عَلَيْهِمْ ثِيابٌ مِن هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ، ثِيابُ سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ“، وقُرِئَتْ: ”وَإسْتَبْرَقَ“، عَلى وجْهَيْنِ غَيْرِ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، كِلاهُما ضَعِيفٌ في العَرَبِيَّةِ جِدًّا، قُرِئَتْ: ”وَإسْتَبْرَقَ وحُلُّوا“، بِنَصْبِ ”إسْتَبْرَقَ“، وهو في مَوْضِعِ الجَرِّ، ولَمْ يُصْرَفْ، قَرَأها ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وزَعَمُوا أنَّهُ لَمْ يَصْرِفْهُ لِأنَّ ”وَإسْتَبْرَقَ“، اِسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وأصْلُهُ بِالفارِسِيَّةِ: ”اِسْتَبْرَهُ“، فَلَمّا حُوِّلَ إلى العَرَبِيَّةِ لَمْ يُصْرَفْ، وهَذا غَلَطٌ، لِأنَّهُ نَكِرَةٌ، ألا تَرى أنَّ الألِفَ واللّامَ يَدْخُلانِهِ؟ تَقُولُ: ”اَلسُّنْدُسُ والإسْتَبْرَقُ“، والوَجْهُ الثّانِي: ”واسْتَبْرَقَ وحُلُّوا“، بِطَرْحِ الألِفِ، جَعَلَ الألِفَ ألِفَ [ ص: 263 ] وَصْلٍ، وجَعَلَهُ مُسَمًّى بِالفِعْلِ مِنَ البَرِيقِ، وهَذا خَطَأٌ، لِأنَّ الإسْتَبْرَقَ مَعْرُوفٌ مَعْلُومٌ أنَّهُ اسْمٌ نُقِلَ مِنَ العَجَمِيَّةِ إلى العَرَبِيَّةِ، كَما سُمِّيَ الدِّيباجُ، وهو مَنقُولٌ مِنَ الفارِسِيَّةِ.
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهم إذا شَرِبُوهُ ضَمُرَتْ بُطُونُهُمْ، ورَشَحَتْ جُلُودَهم عَرَقًا كَرائِحَةِ المِسْكِ، وقِيلَ إنَّهُ طَهُورٌ لَيْسَ بِرِجْسٍ كَخَمْرِ الدُّنْيا.
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهم إذا شَرِبُوهُ ضَمُرَتْ بُطُونُهُمْ، ورَشَحَتْ جُلُودَهم عَرَقًا كَرائِحَةِ المِسْكِ، وقِيلَ إنَّهُ طَهُورٌ لَيْسَ بِرِجْسٍ كَخَمْرِ الدُّنْيا.