سنن سعيد بن منصورالجزء 2 · ص 313 - 332

فَضَائِلُ الْقُرْآنِ (4 من 13)

88 - حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا هُشَيْمٌ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاء (^1)، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ سِيرِينَ: فَرَأَيْتُهُ يَقْرَأُ في مصحف منقوط.

  • = فهو مختلط، إنما الصحيح حديث حماد بن سلمة، وابن عليّة، وعبد الأعلى عنه، والثوري وشعبة صحيح». اهـ. من "الجرح والتعديل" (4/ 65 - 66 رقم 276)، و"شرح علل الترمذي" لابن رجب (2/ 565 - 570)، و"التهذيب" (4/ 63 - 66 رقم 110)، و"التقريب" (ص 239 رقم 2365)، و"النكت على كتاب ابن الصلاح" (2/ 638 - 639)، و"طبقات المدلسين" (ص 63 رقم 50)، و"الكواكب النيرات" (ص 190 - 212 رقم 25).
    (^1) هو خالد بن مِهْران، أبو المَنَازل - بفتح الميم، وقيل: بضمّها، وكسر الزاي -، البصري، الحَذّاء - بفتح المهملة، وتشديد الذال المعجمة -، قيل له ذلك لأنه كان يجلس عند الحذائين، وقيل: لأنه كان يقول احْذ على هذا النحو، روى عن أنس ومحمد وحفصة أبناء سيرين، وعن عبد الله بن شقيق وأبي رجاء العطاردي والحسن البصري وغيرهم، روى عنه الحمّادان والثوري وشعبة وابن علية وخالد بن عبد الله الواسطي وهشيم بن بشير وغيرهم، وكانت وفاته سنة إحدى أو اثنتين وأربعين ومائة، وهو ثقة يرسل، وروى له الجماعة، وثقه ابن معين والعجلي والنسائي، وقال الإمام أحمد: «ثبت»، وقال ابن سعد: «كان خالد ثقة مهيبًا كثير الحديث».
    وقال أبو شهاب: قال لي شعبة: «عليك بحجاج بن أرطأة وابن إسحاق، فإنهما حافظان، واكتم عليّ عند البصريين في هشام وخالد»، وردّ ذلك الذهبي بقوله: «ما التفت أحد إلى هذا القول أبدًا»، وقال في موضع آخر: «هذا الاجتهاد من شعبة مردود ولا يلتفت إليه، بل خالد وهشام محتجّ بهما في الصحيحين، هما أوثق بكثير من حجاج وابن إسحاق، بل ضعف هذين ظاهر، ولم يُتركا». وقال حماد بن زيد: «قدم علينا - يعني خالدًا - قدمة من الشام، فكأنا أنكرنا حفظه»، وقال أبو حاتم: «يكتب حديثه ولا يحتج به».
    وأورده الذهبي في "الميزان" فقال: «خالد بن مهران الحذّاء، أبو المنازل البصري =
313

89 - حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ مُحَمَّدِ بْنِ سَيْفٍ (^1)، قَالَ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ عَنْ مصحف

  • = الحافظ، أحد الأئمة»، وذكر هذه الأقوال، وقال: «ما خالد في الثبت بدون هشام بن عروة وأمثاله». وقال الحافظ ابن حجر: «أحد الأثبات …، تكلم فيه شعبة وابن عليّة إما لكونه دخل في شيء من عمل السلطان، أو لما قال حماد بن زيد …». اهـ. من "الجرح والتعديل" (3/ 352 - 353 رقم 1593)، و"الميزان" (1/ 642 - 643 رقم 2466)، و"سير أعلام النبلاء " (6/ 191)، و"هدي الساري" (ص 400)، و"التهذيب" (3/ 120 - 122 رقم 224)، و"التقريب" (ص 191 رقم 1680).
    [88] الحديث في سنده هشيم وهو مدلس ولم يصرِّح بالسماع، لكنه لم ينفرد به، فهو صحيح من غير طريقه.
    فقد أخرجه ابن أبي داود في "المصاحف" (ص 161) من طريق هشيم، به نحوه.
    وأخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص 370 رقم 877).
    من طريقه الداني في "المحكم" (ص 13).
    وأخرجه ابن الضريس في "الفضائل" (ص 41 رقم 37).
    أما أبو عبيد فمن طريق شيخه عبد الرحمن بن مهدي، وأما ابن الضريس فمن طريق شيخه أبي الربيع الزهراني سليمان بن داود، كلاهما عن حماد بن زيد، عن خالد الحذاء قال: كنت أمسك على محمد بن سيرين في مصحف منقوط.
    وهذا سند صحيح، حماد بن زيد وعبد الرحمن بن مهدي وأبو الربيع الزهراني كلهم ثقات تقدمت تراجمهم.
    وأخرجه ابن أبي داود أيضًا (ص 160 و161) من طريق خارجة بن مصعب وإسماعيل بن إبراهيم بن علية، كلاهما عن خالد، به نحوه.
    (^1) هو محمد بن سيف الأزدي الحُدّاني - بضم المهملة وتشديد الدال -، أبو رجاء البصري، روى عن الحسن البصري ومحمد بن سيرين وعكرمة وغيرهم، روى عنه شعبة وحماد بن زيد وابن عليّة وغيرهم، وهو ثقة من الطبقة السادسة؛ وثّقه ابن سعد وابن معين والنسائي، وذكره ابن حبان في الثقات. =
314

يُنْقَطُ بالعَرَبِيَّة؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، أَوَما بَلَغَكَ عَنْ كِتَابِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَتَبَ: تَعَلَّمُوا الْعَرَبِيَّةَ، وَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ، وَأَحْسِنُوا عِبَارَةَ الرُّؤْيَا؟

قَالَ أَبُو رَجَاءٍ: وَسَأَلْتُ ابْنَ سِيرِينَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي أَخْشَى أَنْ تَزِيدُوا فِي الحروف.

  • = انظر "الجرح والتعديل" (7 / 281 رقم 1519)، و"التهذيب" (9 / 217 رقم 337)، و"التقريب" (ص483 رقم 5948) .
    [89] سنده حسن إلى الحسن البصري وابن سيرين؛ رجاله ثقات عدا عبد الرحمن بن زياد فصدوق، وهو صحيح لغيره إليهما، فإن ابن زياد قد توبع كما سيأتي.
    وأما نقل الحسن عن عمر فضعيف؛ لأنه أخذه بلاغًا عن كتابه كما يظهر من السياق، والحسن إنما ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر - ﵁ - كما في "التهذيب" (2 / 263) .
    والحديث أخرجه البيهقي في "الشعب" (5 / 599 - 600) من طريق المصنف، به مثله، إلا أنه قال: «المصحف»، ولم يذكر سؤال أبي رجاء لابن سيرين.
    وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (4 / 323 - 324 رقم 7948) .
    وابن أبي شيبة في "المصنف" (10 / 458 رقم 9971) .
    ومن طريقه الداني في "المحكم" (ص11) .
    وأخرجه ابن أبي داود في "المصاحف" (ص158 و159 و160) .
    أما عبد الرزاق فمن طريق عبد الله بن كثير، وأما ابن أبي شيبة فمن طريق أبي داود الطيالسي، وأما ابن أبي داود فمن طريق محمد بن جعفر غندر ومسكين، جميعهم عن شعبة، به نحوه، إلا أن رواية ابن أبي داود عن غندر إنما ذكر فيها سؤال أبي رجاء لابن سيرين، وأما روايته عن مسكين ففرّقها، فجعل سؤال الحسن في موضع، وسؤال ابن سيرين في موضع آخر، وأما رواية الداني للحديث من طريق ابن أبي شيبة فإنما ذكر فيها سؤال ابن سيرين فقط. =
315

90 - حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، قَالَ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ وَابْنَ سِيرِينَ عَنْ ذَلِكَ (^1)، (فَقَالَا) (^2): لَا بَأْسَ بِهِ.

91 - حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا هُشَيْمٌ، قَالَ: نا حُصَيْنٌ، قَالَ: نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (^1)، قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ يُسأل عَنْ عَرَبيَّة القرآن، فيُنْشِد الشعر.

  • = والحديث أخرجه أبو عبيد في "الفضائل" (ص 320 رقم 750) من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن عليّة متابعًا لشعبة، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ مُحَمَّدِ بْنِ سيف قال: قلت للحسن: ما تقول فيمن يتعلم العربية، أما يخاف أن يكون يزيد في الهجاء؟ فقال: ليس به بأس، قال عمر بن الخطاب: عليكم بالتفقه في الدين، والتفهم في العربية، وحسن العبارة.
    وتقدم عن عمر نحو ما هنا برقم [70]، وهو ضعيف أيضًا.
    (^1) أي: عن نقط المصحف.
    (^2) في الأصل: «فقال»، وما أثبته من "شعب الإيمان" للبيهقي حيث روى الحديث من طريق المصنف كما سيأتي.
    [90] سنده حسن رجاله ثقات عدا عبد الرحمن بن زياد فصدوق، وهو صحيح لغيره، فإن ابن زياد قد توبع كما سيأتي.
    فالحديث أخرجه البيهقي في "الشعب" (5/ 599) من طريق المصنف، به مثله سواء.
    وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (4/ 324) من طريق عبد الله بن كثير، عن شعبة، به مثله.
    وأخرجه ابن أبي داود في "المصاحف" (ص 160) من طريق مسكين، ويحيى ابن بكير، كلاهما عن شعبة، به نحوه.
    وتقدم للحديث طريق آخر عن منصور، عن الحسن برقم [86]، وطريق آخر عن الحسن في الحديث السابق، وقد روى عنه كراهة ذلك ولا يصح كما سبق بيانه في الحديث رقم [86].
    (^1) هو عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن عتبة بن مسعود الهُذَلي، أبو عبد الله المدني، =
316

صفحة بلا نص.

  • = روى عن أبيه وعمار بن ياسر وأبي هريرة وعائشة وابن عباس وغيرهم ﵃، روى عنه أخوه عون والزهري وأبو الزناد وحصين بن عبد الرحمن السُّلمي وغيرهم، وكانت وفاته سنة ثمان وتسعين للهجرة، وقيل: سنة اثنتين، وقيل: أربع أو خمس، وقيل: تسع وتسعين، وهو ثقة فقيه ثبت، روى له الجماعة كما في "التقريب" (ص372 رقم 4309) . قال العجلي: «كان أعمى، وكان أحد فقهاء المدينة، تابعي ثقة، رجل صالح جامع للعلم، وهو معلِّم عمر بن عبد العزيز»، وقال أبو زرعة: «ثقة مأمون إمام»، وقال الطبري: «كان مقدّمًا في العلم والمعرفة بالأحكام والحلال والحرام، وكان مع ذلك شاعرًا مجيدًا»، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: «كان من سادات التابعين» . اهـ. من "الجرح والتعديل" (5 / 319 - 320 رقم 1517)، و"تهذيب الكمال" المطبوع (6 / 519 - 523)، و"التهذيب" (7 / 23 - 24 رقم 50) .
    [91] سنده صحيح، واختلاط حصين بن عبد الرحمن السلمي غير مؤثِّر؛ لأن الراوي عنه هنا هو هشيم بن بشير، وهو ممن روى عنه قبل الاختلاط كما في "هدي الساري" (ص398) .
    وقد أخرجه الخطابي في "غريب الحديث" (1 / 61) من طريق المصنف، به مثله، إلا أنه قال: «رأيت ابن عباس» .
    وأخرجه أبو عبيد في "الفضائل" (ص312 رقم 733) .
    وفي "غريب الحديث" (4 / 373) .
    في كلا الموضعين من طريق هشيم، به نحوه.
    ومن طريق أبي عبيد أخرجه البيهقي في "الشعب" (4 / 315 رقم 1559) .
    قال أبو عبيد في معنى الحديث: «يعني أنه كان يستشهد به على التفسير» .
    وأخرج البيهقي في "السنن" (10 / 241)، وفي "الشعب" (4 / 316 - 317 رقم 1560) من طريق وكيع.
    والخطيب في "الجامع" (2 / 198 رقم 1603) من طريق ابن فرّوخ. =
317

92 - حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا هُشَيْمٌ، أنَا مُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَتَأَوَّلُوا شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ عِنْدَمَا يُعْرَضُ مِنْ أَحَادِيثِ الدُّنْيَا. قِيلَ لِهُشَيْمٍ نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ (^1)؟ قال: نعم.

  • = والسمعاني في "أدب الإملاء والإستملاء" (ص 71) من طريق محمد بن إسماعيل الحسّاني.
    ثلاثتهم عن أسامة بن زيد الليثي، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: إذا قرأ أحدكم شيئًا من القرآن فلم يدر ما تفسيره، فليلتمسه في الشعر فإنه ديوان العرب.
    وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (8/ 705 - 706 رقم 6100) و(10/ 474 رقم 10032) من طريق مسمع بن مالك، عن عكرمة.
    وأخرج ابن سعد في "الطبقات" (2/ 367).
    والخطيب في "الجامع" (2/ 198 رقم 1602).
    كلاهما من طريق حماد بن زيد، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يوسف بن مهران وسعيد بن جبير أنهما قالا: كنا نسمع ابن عباس كثيرًا يُسئل عن القرآن، فيقول: هو كذا وكذا، أما سمعتم الشاعر يقول كذا وكذا؟
    (^1) الآية
  • (40) من سورة طه.
    [92] سنده ضعيف؛ لأن مغيرة يدلِّس لاسيّما عن إبراهيم النخعي كما في ترجمته في الحديث [54]، وهذا من روايته عنه، ولم يصرِّح بالسماع.
    وأخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص 62 رقم 142).
    والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (3 / ل 104 / أ).
    كلاهما من طريق هشيم، به نحوه إلا أنهما لم يذكر قوله: قيل لهشيم …، إلخ.
    وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (10/ 515 رقم 10164) من طريق جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: كَانَ يكره أن يقرأ القرآن بعرض من أمر الدنيا. =
318

93 - حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا هُشَيْمٌ، قَالَ: نا جُوَيْبر (^1)، عَنِ الضَّحَّاكِ (^2)، قَالَ: لَوْلَا تلاوةُ الْقُرْآنِ، لَسَرَّنِي أَنْ أَكُونَ صَاحِبَ فِرَاشٍ حَتَّى أَمُوتَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرِيضَ يُرْفَعُ عَنْهُ الْحَرَجُ، وَتُكَفَّرُ عَنْهُ خَطَايَاهُ، وَيُكْتَبُ لَهُ بِصَالِحِ مَا كَانَ يعمل.

  • = قال أبو عبيد في معنى ذلك: «وهذا كالرجل يريد لقاء صاحبه، ويهمّ بالحاجة، فيأتيه من غير طلب، فيقول: كالمازح: (جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى)، وهذا من الاستخفاف بالقرآن، ومنه قول ابن شهاب: «لا تناظروا بكتاب الله، ولا بسنّة رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -. قال أبو عبيد: يقول: لا تجعل لها نظيرًا من القول ولا الفعل». اهـ. وقال الحكيم الترمذي بعد أن أخرجه: «والتأويل: مثل قولك للرجل إذا جاءك: (جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى)، ومثل قولك: (كلوا واشربوا هنيئًا)، هذا عند حضور الطعام، وأشباه هذا». اهـ.
    (^1) هو جويبر - تصغير جابر - ابن سعيد الأزدي، أبو القاسم البلخي، نزيل الكوفة، راوي التفسير، ويقال: اسمه جابر، وجويبر لقب، روى عن أنس بن مالك وأبي صالح السمّان والضحاك بن مزاحم وغيرهم، روى عنه عبد الله بن المبارك والثوري وحماد بن زيد وغيرهم، وروى عنه هشيم كثيرًا عند المصنف سعيد بن منصور في "سننه"، وذكره البخاري في "التاريخ الأوسط" في فصل من مات بين الأربعين إلى الخمسين ومائة، وهو ضعيف جدًّا كما في "التقريب" (ص 143 رقم 987). فقد كان يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي لا يحدثان عنه، وقال ابن معين: «ليس بشيء»، وسأل عبد الله بن علي بن المديني أباه عنه، فضعّفه جدًّا، وقال النسائي وعلي بن الجنيد والدارقطني: «متروك». اهـ. من "الجرح والتعديل" (2/ 540 - 541 رقم 2246)، و"الكامل" لابن عدي (2/ 554 - 546)، و"التهذيب" (2/ 123 - 124 رقم 200).
    (^2) هو الضحاك بن مزاحم الهلالي، أبو القاسم، أو: أبو محمد الخراساني، روى عن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وزيد بن أرقم وأنس بن مالك، وقيل: لم يثبت له سماع من أحد من الصحابة، وروى عن الأسود بن يزيد =
319

94 - حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا هُشَيْمٌ، عَنِ العوَّام بْنِ حَوْشب، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفي (^1)، قَالَ: نا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ المَدَائِن (^2) قَالَ: سَمِعْتُ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ يَقُولُ: كلُّ مَا لَمْ يَذكر اللَّهُ عز وجل فِي الْقُرْآنِ، فَهُوَ مِنْ عَفْوِ اللَّهِ عز وجل.

  • = وعطاء بن أبي رباح وأبي الأحوص الجشمي وغيرهم، روى عنه جويبر بن سعيد وحكيم بن الديلم وإسماعيل بن أبي خالد وغيرهم، وكانت وفاته سنة خمس أو ست ومائة، وهو صدوق كثير الإرسال كما في "التقريب" (ص 280 رقم 2978). قال أحمد: «ثقة مأمون»، ووثقه ابن معين وأبو زرعة والعجلي والدارقطني، وأما يحيى بن سعيد القطان، فقال: «كان الضحاك عندنا ضعيفًا». اهـ. من "الجرح والتعديل" (4/ 458 - 459 رقم 2024)، و"التهذيب" (4/ 453 - 454 رقم 784).
    [93] سنده ضعيف جدًّا لشدة ضعف جويبر.
    وأخرجه ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" (ل 9 / ب) من طريق عبد الله بن مطيع، عن هشيم، به نحوه.
    ويشهد لبعضه ما أخرجه البخاري في "صحيحه" (6/ 136 رقم 2996) في الجهاد، باب يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة، من طريق إبراهيم السَّكْسَكي، قال: سمعت أبا بردة، واصطحب هو ويزيد بن أبي كبشة في سفر، فكان يزيد يصوم في السفر، فقال له أبو بردة: سمعت أبا موسى مرارًا يقول: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إذا مرض العبد أو سافر كُتب له مثلُ ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا».
    (^1) لم أجد من يكنى بهذه الكنية وينسب بهذه النسبة، وقد روي الحديث من طرق أُخر عن سلمان كما سيأتي، منها طريق أبي عبد الله الجَدَلي، وأبي عبيد الله مولى ابن عباس، كلاهما عن سلمان بلا واسطة، فالله أعلم.
    (^2) المَدَائِنُ: موضع كان مسكن الملوك من الأكاسرة الساسانيّة وغيرهم، فكان كل واحد منهم إذا ملك بنى لنفسه مدينة إلى جنب التي قبلها وسمّاها باسم، وهي =
320

صفحة بلا نص.

  • = سبع مدائن، بين كل مدينة إلى الأخرى مسافة قريبة أو بعيدة، افتتحها سعد بن أبي وقاص - ﵁ - في صفر سنة عشرة للهجرة في عهد عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁.
    انظر "معجم البلدان" (5/ 74 - 75).
    [94] سنده ضعيف؛ فيه الراوي المبهم عن سلمان، وأبو عبد الله الثقفي، وتقدم أني لم أجد من ذكره، وهو صحيح لغيره بمجموع شواهده الآتي ذكرها.
    فالحديث روي عن سلمان - ﵁ - من ثلاثة طرق:
  • (1) طريق أبي عبد الله الجدلي، عن سلمان الفارسي - ﵁ - قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عن الجبن والسمن والفراء، فقال النَّبِيِّ - ﷺ -: «الحلال ما أحلّ الله في القرآن، والحرام ما حرم الله في القرآن، وما سكت عنه فقد عفا عنه».
    أخرجه الطبراني في "الكبير" (6/ 319 - 320 رقم 6159)، فقال: حدثنا الحسن بن علي المعمري، ثنا عبد الغفار بن عبد الله الموصلي، ثنا علي بن مسهر، عن أبي إسماعيل - يعني بشيرًا [في الأصل: بشر]-، عن مسلم البطين، عن أبي عبد الله الجدلي …، فذكره.
    وسنده ضعيف؛ فيه عبد الغفار بن عبد الله بن الزبير الزبيري، أبو نصر الموصلي، وهو مجهول الحال؛ ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (6/ 54 رقم 285) وبيّض له، وذكره ابن حبان في "الثقات" (8/ 421)، وروى عنه شيخ الطبراني الحسن بن علي المعمري، وإبراهيم بن يوسف الهسنجاني كما في "الجرح والتعديل".
    وفي الحديث كلام من حيث رفعه أو وقفه كما سيأتي.
  • (2) طريق أبي عبيد الله، عن سلمان مرفوعًا، بمثل اللفظ السابق سواء.
    أخرجه البيهقي في "سننه" (9/ 320) من طريق يونس بن خباب، عن أبي عبيد الله …، فذكره. =
321

صفحة بلا نص.

  • = قال الشيخ ناصر الدين الألباني في "غاية المرام" (ص 16 - 17): «هذا إسناد ضعيف من أجل يونس بن خباب، ضعفه جماعة، وقال الحافظ في "التقريب": صدوق يخطئ. وأبو عبيد الله لعلّه مسلم بن مشكم الدمشقي، فإن كان هو، فهو ثقة، وإن كان غيره، فلم أعرفه». اهـ.
    قلت: أبو عبيد الله هذا هو مولى ابن عباس، ذكره البخاري في "الكنى" (ص 53 رقم 458) وسكت عنه، وذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (9/ 405 رقم 1948) وبيض له، وذكره ابن حبان في "الثقات" (5/ 570)، ولم يذكروا أنه روى عنه سوى يونس بن خبّاب، وذكره الذهبي في "المقتنى" (1/ 380 رقم 3959)، وذكر أنه روى عنه حجاج بن أرطأة وغيره، فهو مجهول الحال.
  • (3) طريق أبي عثمان النهدي، عن سلمان قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عن السمن والجبن والفراء، فقال: «الحلال ما أحلّ الله في كتابه، والحرام ما حرّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفى عنه».
    أخرجه الترمذي في "العلل الكبير" (2/ 722)، وفي "سننه" (5/ 396 رقم 1780) في اللباس، باب ما جاء في لبس الفراء.
    وابن ماجه (2/ 1117 رقم 3367) في الأطعمة، باب أكل الجبن والسمن.
    والعقيلي في "الضعفاء" (2/ 174).
    وابن أبي حاتم في "العلل" (2/ 10 رقم 1503).
    وابن حبان في "المجروحين" (1/ 346).
    وابن عدي في "الكامل" (3/ 1267).
    والطبراني في "الكبير" (6/ 306 - 307 رقم 6124).
    ومن طريقه المزّي في "تهذيب الكمال" (12/ 335 / المطبوع).
    وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (4/ 115). =
322

صفحة بلا نص.

  • = وبيبي بنت عبد الصمد في "جزئها" (ص66 رقم 85) .
    وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" (1 / 212) .
    والبيهقي في "سننه" (10 / 12) في الضحايا، باب ما لم يُذكر تحريمه، ولا كان في معنى ما ذُكر تحريمه مما يؤكل أو يشرب.
    جميعهم من طريق سيف بن هارون البُرْجُمي، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمي، عَنْ أَبِي عثمان، به.
    قال الترمذي: «هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وروى سفيان وغيره عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عثمان قوله، وكأن الحديث الموقوف أصحّ» .
    وقال في "العلل": «سألت محمدًا [يعني البخاري] عن هذا الحديث، فقال: ما أراه محفوظًا، روى سفيان بن عيينة، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عثمان، عن سلمان هذا الحديث موقوفًا، وروى سيف بن هارون، عن سليمان مرفوعًا. قال محمد: وسيف بن هارون مقارب الحديث» .
    وقال ابن أبي حاتم: «قال أبي: هذا خطأ؛ رواه الثقات عن التيمي، عن أبي عثمان، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مرسل، ليس فيه سلمان، وهو الصحيح» .
    وأما العقيلي فإنه بعد أن أخرج الحديث من طريق سيف قال: «لا يحفظ إلا عنه بهذا الإسناد»، ثم أخرجه من طريق الحسن البصري مرسلًا، وقال: «هذا أولى» .
    وقال ابن عدي: «هذا وإن كان معروفًا بسيف، عن سليمان، فقد روي عن غيره، عن سليمان التيمي» .
    وقال الحاكم: «هذا حديث مفسِّر في الباب، وسيف بن هارون لم يخرجاه»، فتعقبه الذهبي بقوله: «قلت: ضعّفه جماعة» .
    قلت: أشار ابن عدي إلى أن الحديث روي عن سليمان التيمي من غير طريق سيف، وأعله البخاري والترمذي برواية سفيان بن عيينة له عن سليمان التيمي موقوفًا. =
323

صفحة بلا نص.

  • = وهذه الرواية لم أجد من أخرجها على هذا الوجه، لكن وجدت البيهقي أخرج الحديث في "سننه" (10 / 12) من طريق ابن عيينة على الشك، مع ترجيحه الرفع، فقال:
    أخبرنا أبو الحسين بن بشران العدل ببغداد، أنا إسماعيل بن محمد بن الصفّار، ثنا بشر بن موسى أبو علي، ثنا الحميدي، عن سفيان، ثنا سليمان، عن أبي عثمان، عن سلمان - ﵁ - أراه رفعه -، قال: «إن الله ﷿ أحلّ حلالًا وحرّم حرامًا، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو» .
    وهذا سند صحيح.
    أبو عثمان النَّهْدي اسمه عبد الرحمن بن ملّ - بلام ثقيلة، والميم مثلّثة -، ابن عمرو بن عدي، مشهور بكنيته، وهو ثقة عابد مخضرم، أسلم في زمن النَّبِيِّ - ﷺ - ولم يلقه، وروى عن عمر وعلي وسعد وطلحة وابن مسعود وسلمان الفارسي وغيرهم، روى عنه ثابت البُناني وقتادة وعاصم الأحول وسليمان التيمي، وغيرهم، واختلف في سنة وفاته، فقيل: سنة خمس وتسعين، وقيل: سنة مائة، وهو ابن ثلاثين ومائة، وقيل: ابن أربعين ومائة، وقد روى له الجماعة، ووثقه ابن سعد وأبو حاتم وأبو زرعة والنسائي وابن خراش، وقال سليمان التيمي: «إني لأحسب أن أبا عثمان كان لا يصيب ذنبًا، كان ليله قائمًا، ونهاره صائمًا» . اهـ. من "الجرح والتعديل" (5 / 283 رقم 1350)، و"تهذيب الكمال" المخطوط (2 / 819)، و"التهذيب" (6 / 277 - 278 رقم 546)، و"التقريب" (ص351 رقم 4017) .
    وسليمان هو ابن طَرْخان التَّيّمي، أبو المعتمر البصري، نزل في التَّيْم فنسب إليهم، روى عن أنس بن مالك وطاوس وأبي إسحاق السبيعي وأبي عثمان النَّهدي وغيرهم، روى عنه ابنه معتمر وشعبة والسفيانان وغيرهم، وكانت وفاته سنة ثلاث وأربعين ومائة وهو ابن سبع وتسعين سنة، وهو ثقة عابد =
324

صفحة بلا نص.

  • = روى له الجماعة في "التقريب" (ص252 رقم 2575) . قال سفيان الثوري: «حفاظ البصرة ثلاثة …»، فذكره فيهم. ووثقه أحمد وابن معين والعجلي والنسائي وابن سعد وزاد: «كثير الحديث، وكان من العباد المجتهدين، وكان يصلي الليل كله بوضوء عشاء الآخرة، وكان مائلًا إلى علي بن أبي طالب» . اهـ. من "الجرح والتعديل" (4 / 124 - 125 رقم 539)، و"التهذيب" (4 / 201 - 203 رقم 341) .
    وسفيان بن عيينة تقدم في الحديث [7] أنه ثقة حافظ فقيه إمام حجة.
    وعبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي الأسدي الحُمَيْدي، أبو بكر المكي ثقة حافظ فقيه، أجلّ أصحاب ابن عيينة، روى له الجماعة عدا ابن ماجة فلم يرو له في السنن. قال الإمام أحمد: «الحميدي عندنا إمام»، وقال ابن سعد: «كان ثقة كثير الحديث»، وقال أبو حاتم: «أثبت الناس في ابن عيينة: الحميدي، وهو رئيس أصحاب ابن عيينة»، وقال عنه أيضًا: «ثقة إمام»، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: «صاحب سنة وفضل ودين»، وقال الحاكم: «ثقة مأمون، ومحمد بن إسماعيل إذا وجد الحديث عنه لا يخرجه إلى غيره من الثقة به» . اهـ. من "الجرح والتعديل" (5 / 56 - 57 رقم 264)، و"التهذيب" (5 / 215 - 216 رقم 272) .
    وبشر بن موسى بن صالح، أبو علي الأسدي البغدادي المحدِّث الإمام الثبت، كان الإمام أحمد يكرمه، وكتب له إلى الحميدي في مكة، قال الدارقطني: «ثقة نبيل»، وقال الخطيب: «كان ثقة أمينًا عاقلًا ركينًا» .
    انظر "تاريخ بغداد" (7 / 86 رقم 3523)، و"سير أعلام النبلاء" (13 / 352 - 354 رقم 170)، و"تذكرة الحفاظ" (2 / 611) .
    وإسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن صالح بن عبد الرحمن، أبو علي الصفّار النحوي، مسند ثقة متعصِّب للسنة، انتهى إليه علو الإسناد، وثقه الدارقطني وقال: «كان متعصبًا للسنة» . =
325

صفحة بلا نص.

  • = انظر "تاريخ بغداد" (6 / 302 - 303 رقم 3344)، و"سير أعلام النبلاء" (5 / 440 رقم 250) .
    وشيخ البيهقي هو أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران الأموي، المعدل، شيخ عالم مسند صدوق ثبت، قال الخطيب: «كان صدوقًا ثقة ثبتًا حسن الأخلاق، تام المرؤة، ظاهر الديانة» .
    انظر "تاريخ بغداد" (12 / 98 - 99 رقم 6527)، و"سير أعلام النبلاء" (17 / 311 - 312 رقم 189) .
    وعليه فمن خلال ما تقدم يترجح أن الحديث صحيح لغيره مرفوعًا بمجموع هذه الروايات الثلاث، لكن يشكل عليه إعلال الأئمة للمرفوع، وترجيح بعضهم للموقوف، ومنهم البخاري والترمذي كما سبق.
    وقال الحافظ ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (ص243): «قال أحمد: هو منكر، وأنكره ابن معين أيضًا …»، ثم ذكر إعلال أبي حاتم للحديث بالإرسال، وقال: «قلت: وقد روي عن سليمان من قوله من وجوه أُخر …، ورواه صالح [في الأصل: أبو صالح] المرِّي، عن الجُرَيري، عن أبي عثمان النهدي، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، وأخطأ في إسناده» . اهـ.
    وعليه يتضح أن الحديث أُعِلّ على أربعة أوجه:
    1- أعلّه أبو حاتم بأنه عن أبي عثمان النَّهْدي، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مرسلًا.
    2- أعلّه العقيلي بأنه عن الحسن البصري، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مرسلًا.
    3- أعلّه البخاري والترمذي بالوقف على سلمان.
    4- أعلّه الإمام أحمد وابن معين بالنكارة.
    واختلاف هؤلاء الأئمة في إعلال الحديث يدل على أنه ليس له علة ظاهرة.
    أما ما ذكره العقيلي من أن الصواب في الحديث أنه عن الحسن البصري، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مرسلًا، فهذا ليس بشيء؛ لأن الحديث من طريق الحسن البصري لا علاقة له بحديث سلمان، بل هو طريق مستقلّ. وأما إعلال =
326

صفحة بلا نص.

  • = أبي حاتم له بأنه عن أبي عثمان النهدي، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مرسلًا، فهو معارض بما ذكره البخاري والترمذي: من أن الصواب فيه أنه عن أبي عثمان، عن سلمان موقوف عليه، فبأي هذين نأخذ؟ مع أنه قد روي عن سلمان من غير طريق أبي عثمان كما سبق، وله شواهد كما سيأتي.
    وعليه، فالذي يظهر أن العلة الأقوى: ما ذكره ابن رجب عن الإمام أحمد وابن معين أنهما أعلاَّ الحديث بالنكارة، فهذا إن ثبت عنهما، فإنما هو لما قد يفهم من الحديث من قَصْر الحِلِّ والحُرْمة على القرآن فقط، وعدم ذكر السنة، وهذا مخالف لصريح القرآن؛ حيث يقول سبحانه: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الآية: (^7) من سورة الحشر]، إلى غير ذلك من الأدلة.
    لكن يمكن أن يجاب عن ذلك، فنقول: إن قوله - ﷺ -: «الحلال ما أحل الله في كتابه …» إلخ، ليس مقصورًا على القرآن فقط، بل إن لفظ: «الكتاب» يشمل جميع ما أوحي إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - من القرآن والسنة معًا؛ لأن ما أوحي إليه - ﷺ - نوعان: أحدهما: وحي يتلى، والآخر: وحي لا يتلى كما نقل ذلك الدكتور عبد الغني عبد الخالق عن البيهقي.
    انظر "حجية السنة" (ص 479).
    ويمكن أن يقال أيضًا: إنه لو كان المراد بكتاب الله: القرآن، فإن السنة داخلة فيه، منصوص عليها فيه كما في الآية السابقة، وهناك من الأدلة ما يؤيد هذا المعنى.
    فمن ذلك ما أخرجه البخاري في "صحيحه" (8/ 620 رقم 4886) في التفسير، باب: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾.
    ومسلم في "صحيحه" (3/ 1678 رقم 120) في اللباس والزينة، باب تحريم فعل الواصلة.
    كلاهما من طريق علقمة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قال: لعن الله =
327

صفحة بلا نص.

  • = الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمِّصات، والمتفلِّحات للحسن، المغيِّرات خلق الله. فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها: أم يعقوب - وكانت تقرأ القرآن -، فأتته، فقالت: ما حديث بلغني عنك: أنك لعنت الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله؟ فقال عبد الله: ومالي ألعن من لعن رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وهو في كتاب الله؟ فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف، فما وجدته، فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه؛ قال الله ﷿: ﴿وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم فانتهوا﴾ …، الحديث.
    وانظر تفصيل ذلك في "حجية السنة" للدكتور عبد الغني عبد الخالق (ص387 - 388، و479 - 480) .
    وللحديث ثلاثة شواهد مرفوعة، وآخر موقوف.
    أما المرفوعة، فالأول من حديث أبي الدرداء، والثاني من حديث ابن عمر، والثالث من حديث جابر وأما الموقوف، فعن ابن عباس ﵃ أجمعين.
    1- حديث أبي الدرداء يرفعه إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - قال: «ما أحلّ الله في كتابه فهو حلال، وما حرّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسَ شيئًا، ثم تلا هذه الآية: ﴿وما كان ربك نسيًّا﴾ [الآية
  • (64) من سورة مريم] .
    وأخرجه البزار في "مسنده" كما في "كشف الأستار" (1 / 78 رقم 123) و(3 / 58 و325 رقم 2231 و2855) .
    والحاكم في "المستدرك" (2 / 375) .
    ومن طريقه البيهقي في الموضع السابق من "سننه" (10 / 12) .
    أما البزار فمن طريق إسماعيل بن عياش، وأما الحاكم فمن طريق أبي نعيم، كلاهما عن عاصم بن رجاء بن حَيْوة، عن أبيه، عن أبي الدرداء، به. =
328

صفحة بلا نص.

  • = قال البزار: «لا نعلمه يروى عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - إلا بهذا الإسناد، وعاصم بن رجاء حدث عنه جماعة، وأبوه روى عن أبي الدرداء غير حديث، وإسناده صالح؛ لأن إسماعيل قد حدّث عنه الناس» .
    وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه»، وأقرّه الذهبي.
    وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (7 / 55) وعزاه للبزار وقال: «رجاله ثقات» .
    وذكره في موضع آخر من "المجمع" (1 / 171) وقال: «رواه البزار والطبراني في "الكبير"، وإسناده حسن ورجاله موثّقون» .
    وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (5 / 531) وعزاه أيضًا لابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردوية.
    وذكر الشيخ الألباني في "غاية المرام" (ص14 - 15) تصحيح الحاكم لهذا الحديث وموافقة الذهبي، ثم قال: «إنما هو حسن فقط، فإن جاء رجاء بن حيوة قال فيه ابن معين: صويلح، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي في "الميزان": ويقال تكلم فيه ابن قتيبة» .
    2- حديث ابن عمر قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عن الجبن والسمن والفراء، قال - ﷺ -: «الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه» .
    أخرجه ابن عدي في "الكامل" (7 / 2481)، من طريق نعيم بن مورِّع العنبري، عن ابن جريج، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، به.
    وسنده ضعيف جدًّا؛ فنعيم بن مورِّع بن توبة العنبري البصري هذا اتهمه ابن عدي بسرقة الحديث.
    3- حديث جابر مثل حديث أبي الدرداء.
    أخرجه ابن مردوية كما في "الدر المنثور" (5 / 531) .
    4- حديث ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون =
329

95 - حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا هُشَيْمٌ، قَالَ: نا حُصين، عَنْ عَبْدِ الله بن [ل 108/ب] عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ (^1) قَالَ: قُلْتُ لجدَّتي أسماء: كيف كان

  • = أشياء تقذُّرًا، فبعث الله تعالى نبيِّه - ﷺ -، وأنزل كتابه، وأحلّ حلاله، وحرّم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وتلا: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إليَّ محرمًا﴾ إلى آخر الآية [145 من سورة الأنعام].
    أخرجه أبو داود في "سننه" (4/ 157 رقم 3800) في الأطعمة، باب ما لم يُذكر تحريمه.
    والحاكم في "المستدرك" (4/ 115).
    وابن مردوية كما في "تفسير ابن كثير" (2/ 184).
    أما أبو داود فمن طريق محمد بن داود بن صبيح، وأما لحاكم وابن مردوية فمن طريق أحمد بن حازم الغفاري، كلاهما عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَرِيكٍ الْمَكِّيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أبي الشعثاء، عن ابن عباس، به.
    قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه»، وسكت عنه الذهبي.
    وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (3/ 372) وعزاه أيضًا لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.
    (^1) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزبير بن العوام، أبو بكر الأسدي، يروي عن أبيه وعمِّه عبد الله وجدَّته أسماء بنت أبي بكر وابن عمر وغيرهم، روى عنه ابنه عمر وأخواه هشام وعبيد الله والزهري وابن جريج وحصين بن عبد الرحمن وغيرهم، وبقي إلى قريب العشرين ومائة للهجرة كما قال الذهبي، وهو ثقة ثبت فاضل روى له الجماعة عدا أبي داود كما في "التقريب" (314 رقم 3475). فقد وثقه =
330

يَصْنَعُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا قرأوا الْقُرْآنَ؟ (قَالَتْ) (^2): كَانُوا كَمَا نَعَتَهُمُ (^3) اللَّهُ عز وجل: تَدْمَعُ أَعْيُنُهُمْ، وَتَقْشَعِرُّ جُلُودُهُمْ (^4)، قُلْتُ: فَإِنَّ نَاسًا هَاهُنَا إِذَا سَمِعُوا ذَلِكَ تَأْخُذُهُمْ عَلَيْهِ غَشْية، فَقَالَتْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ من الشيطان!.

  • = أبو حاتم والنسائي والدارقطني، وزاد: «أحد الأثبات»، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الزبير بن بكار: «كان له عقل وحزم ولسان وفضل وشرف، وكان يشبه عبد الله بن الزبير في لسانه». اهـ. من "الجرح والتعديل" (5/ 133 رقم 618)، و"سؤالات البرقاني للدارقطني" (ص 41 رقم 265)، و"التهذيب" (5/ 319 - 321 رقم 546).
    (^2) في الأصل: (قال)، والتصويب من المراجع الآتية التي أخرجت الحديث من طريق المصنف، ومن المراجع التي عزت الحديث للمصنف.
    (^3) أي: وصفهم.
    انظر: "تاج العروس" (5/ 123 - 125).
    (^4) أي: تجتمع وتنقبض، والقُشْعَريرة هي الرِّعْدة.
    انظر "لسان العرب" (5/ 95).
    [95] سنده صحيح، واختلاط حصين بن عبد الرحمن السُّلمي لا يؤثِّر، لأن الراوي عنه هنا هو هشيم بن بشير، وهو ممن روى عنه قبل الاختلاط كما سبق في الحديث رقم [91].
    والحديث أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (5/ 24 رقم 1900) من طريق المصنف، به بلفظ: قُلْتُ لِجَدَّتِي أَسْمَاءَ: كَيْفَ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إذا سمعوا القرآن؟ قالت: تدمع أعينهم، وتقشعّر جلودهم، كما نعتهم الله.
    قال: قُلْتُ: فَإِنَّ نَاسًا هَاهُنَا إِذَا سمع أحدهم القرآن خرّ مغشيًّا عليه؟ قالت: أعوذ بالله من الشيطان.
    ومن طريق البيهقي أخرجه ابن عساكر في "تاريخه" (ص 20 / تراجم النساء) بمثل =
331

صفحة بلا نص.

  • = لفظه، إلا أنه زاد في آخر قوله: «الرجيم» .
    وقال الشاطبي في "الاعتصام" (1 / 275 - 276): «وخرّج سعيد بن منصور في تفسيره عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ بن الزبير قال....»، فذكره بمثله، إلا أنه لم يذكر قوله: «يصنع» و: «﷿»، وقال: «إن ناسًا» بدل قوله: «فإن ناسًا»، وزاد في آخر قوله: «الرجيم» .
    وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (7 / 222) وعزاه للمصنِّف وابن المنذر وابن مردويه وابن أبي حاتم وابن عساكر.
    وأخرجه ابن الجوزي في "تلبيس إبليس" (ص281)، وفي القصّاص والمذكرين (ص147)، في كلا الموضعين من طريق خالد بن عبد الله الواسطي، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قال: قلت لأسماء …، فذكره بنحوه هكذا على أن السائل هو حصين، وحصين لم يذكر في ترجمته في "تهذيب الكمال" المطبوع (6 / 519 - 520) وغيره أنه روى عن أسماء، فالظاهر أن رواية ابن الجوزي سقط منها ذكر عبد الله بن عروة، والله أعلم.
    وأخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص145 رقم 367) من طريق عكرمة، قال: سُئلت أسماء: هل أحد من السلف يغشى عليه من الخوف؟ فقالت: لا، ولكنهم كانوا يبكون.
    وهذه الصفة التي أنكرتها أسماء ﵂ مما يحصل لبعض الناس من الصعق ونحوه، صفة ظهرت من بعض من يدّعون الزهد والصلاح، ولم تكن معروفة من قبل، وأنكرتها أسماء ﵂ كما أنكرها غيرها من الصحابة.
    قال الشاطبي - ﵀ - في "الاعتصام" (1 / 276 - 279): [وخرّج أبو عبيد من حديث أبي حازم قال: مرّ ابن عمر برجل من أهل العراق ساقط والناس حوله، فقال: «ما هذا؟» فقالوا: إذا قرئ عليه القرآن، أو سمع الله يُذكر، خرّ من خشية الله قال ابن عمر: «والله إنا لنخشى الله ولا نسقط»، وهذا إنكار. وقيل لعائشة ﵂: إن قومًا إذا سمعوا القرآن يغشى عليهم. فقالت: إن القرآن أكرم =
332