التفسير التربويالجزء 1 · ص 80 - 87

الآيات 84-86

الآيات 84-86

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (البقرة: 84-86)

قال السُدّي وغيره من المفسرين: «إنّ الله أخذ على بني إسرائيل في التوراة أن لا يقتل بعضهم بعضا, وأيّما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام ثمنه فأعتقوه. فكانت قريظة حلفاء الأوس, والنضير حلفاء الخزرج, فكانوا يقتتلون في حرب سُمير, فيقاتل بنو قريظة مع حلفائهم، ويقاتل بنو النضير مع حلفائهم, وكانت النضير تقاتل قريظة وحلفاءها فيغلبونهم، فيخربون بيوتهم ويخرجونهم منها, فإذا أسر الرجل من الفريقين كليهما جمعوا له حتى يفدوه, فتعيّرهم العرب بذلك ويقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا: إنا أمرنا أن نفديهم وحُرّم علينا قتالهم, قالوا: فلما تقاتلونهم؟ قالوا: إنا نستحيي أن تُستذل حلفاؤنا» (الطبري).

(1) يظهر من خلال النص أنّ اليهود يخالفون ميثاقهم مع الله ويتمسكون بميثاقهم مع المشركين, فهم بذلك يشترون الحياة الدنيا بالآخرة. وتفصيل ذلك أنّ خطة اليهود هي: الانقسام إلى فريقين والانضمام إلى حلفين وإمساك العصا من الوسط, والانضمام إلى المعسكرات المتطاحنة لضمان مصلحة اليهود، سواء انتصر هذا المعسكر أو ذاك, هذا ناهيك عن مصلحتهم في بقاء الحرب الطاحنة وبالتالي فهم يساهمون في إثارتها في حال خمودها, هذه هي خطة إسرائيل الآن, هيَ هي الخطة السابقة والتقليدية, الانضمام إلى المعسكرين معا الشرقي والغربي، والمحافظة على مصالح اليهود، سواء انتصر المعسكر الشرقي أم انتصر المعسكر الغربي, وعلاقة إسرائيل مع الولايات المتحدة هي من هذه القبيل، فليس صحيحا ما يقال أنّ إسرائيل تابعة للولايات المتحدة, وليس صحيحا ما يقال أنّ الولايات المتحدة تابعة لإسرائيل.

(2) الإيمان يحرم على أهله الدخول في أحلاف تتناقض مع الميثاق الرباني, فلا مصلحة للمؤمنين إلا باتباع شرع الله والعمل بما أنزل الله, والله تعالى حرّم ذلك وأنكره على بني إسرائيل، وهذا الحكم يشمل المسلمين كما يشمل بني إسرائيل لأنّ العلة واحدة.

(3) قوله تعالى: (لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُم) معناه: لا يسفك بعضكم دم بعض, وقوله تعالى: (وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُم) معناه: لا يخرج بعضكم بعضا من ديارهم, وقوله تعالى: (تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُم) معناه: يقتل بعضكم بعضا. وذلك أنّ أهل الملة الواحدة بمثابة النفس الواحدة, كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» (البخاري). هذا ما أمر الله به المؤمنين سواء في خطابه لبني إسرائيل أم في خطابه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم, أمرهم أن يكونوا نفسا واحدة وجسدا واحدا، فمن قتل أخاه فقد قتل نفسه, ومن ظلم أخاه فقد ظلم نفسه.

(4) قوله تعالى: (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون). تضمنت هذه الآية التهديد الشديد والزجر العظيم عن المعصية، كما تضمنت البشارة العظيمة على الطاعة، وذلك أنه إذا استحالت الغفلة على الله مع كونه على كل شيء قدير فقد وصلت الحقوق لأصحابها.

80

(5) قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَة). قال الإمام الرازي في التفسير التربوي لهذه الآية: «اعلم أنّ الجمع بين تحصيل لذات الدنيا ولذات الآخرة ممتنع غير ممكن، والله تعالى مكن المكلف من تحصيل أيهما شاء وأراد، فإن اشتغل بتحصيل أحدهما فقد فوّت الآخر على نفسه، فجعل الله ما أعرض اليهود عنه من الإيمان بما في كتبهم وما حصل في أيديهم من الكفر ولذات الدنيا كالبيع والشراء، وذلك من الله تعالى في نهاية الذم لهم، لأنّ المغبون في البيع والشراء في الدنيا مذموم حتى يوصف بأنه تغيّر في عقله، فبأن يُذم مشتري متاع الدنيا بالآخرة أولى».

(6) من خلال هذه الآيات وغيرها في بني إسرائيل نلحظ غلبة الترهيب على الترغيب في الخطاب القرآني لبني إسرائيل. وذلك أنه في داخل الإنسان عاطفتان: عاطفة الخوف وعاطفة الرجاء، والخطاب المناسب لعاطفة الخوف هو الترهيب، أما الخطاب المناسب لعاطفة الرجاء فهو الترغيب، ولما كانت عاطفة الرجاء ضعيفة عند بني إسرائيل نتيجة تمردهم على الله واختلافهم على أنبيائهم وما يتبع ذلك من قساوة قلوبهم، كان الخطاب المناسب لهم هو تغليب الترهيب على الترغيب. وهذه قاعدة تربوية يجب أن يتنبه إليها الدعاة إلى الله، وذلك بدراسة المخاطبين الذين هم محل الدعوة، ومعرفة أيّ العواطف أقوى عندهم: الخوف أم الرجاء، ومن ثم تكوين الخطاب المناسب لهم، وتغليب الترهيب أو تغليب الترغيب في الخطاب على أساس من تلك الدراسة.

81

الآيات 87-88

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة: 87-88)

(1) قوله تعالى: (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُون). هذه إحدى المشكلات الكبرى التي يواجهها الدعاة في كل زمان وفي كل مكان، وهي: إنّ قوم الدعاة يحاولون إخضاع الدعاة وما يحملونه لأهوائهم، بدلا من إخضاع أهوائهم للحق الذي يدعو إليه الدعاة، فهي مشكلة عامة وليست مشكلة خاصة، وهي سنة جارية وليست موقفا خاصا. فليحذر الدعاة من مثل هذا الإخضاع، لأنّ بعضهم ونتيجة الهزيمة الداخلية يحاول تطعيم الإسلام بمفاهيم ليست إسلامية، ويحاول صبّ الإسلام في قوالب ليست إسلامية، مبررين عملهم هذا بأنه تجديد أو إصلاح أو قراءة معاصرة أو واقعية، إلى غير ذلك من اللافتات المزيفة. وبعض الدعاة يغضون الطرف عن حقائق إسلامية ثابتة لأنها تتعارض مع كيانات مادية جبرية، ويرفعون لافتة لتبرير هذا السلوك، وهي المرحلية، وكل ذلك ليس من منهج الأنبياء ولا من المنهج الإسلامي القائم على القاعدة المعلومة وهي: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (الحجر: 94).

(2) قوله تعالى: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِم). قال ابن عباس: «غلف: أي مملوءة لا تحتاج إلى محمد ولا غيره» (الطبري). هكذا قال اليهود، وهكذا يقول الكثيرون ممن ينتمون إلى العلوم الدنيوية الحديثة، يقولون: لا حاجة بنا إلى الدين لأننا وجدنا كل ما نحتاجه في العلو الحديثة، ويقول بعضهم: العلم والدين يتعارضان، وحيث إنّ العلم هو الصحيح فإنّ الدين ليس صحيحا، إلى غير ذلك من المقولات التي تصدر عن بعض علماء الدنيا، فهم يكررون ما قاله اليهود قديما: قلوبنا مملوءة علما، لا تحتاج إلى محمد ولا إلى غيره. ولكنّ المسألة ليست كذلك، ليس ما يقولونه من أنّ قلوبهم مملوءة علما صحيح، بل (لعنهم الله بكفرهم)، فقولهم هذا ما هو إلا أثر من آثار لعنة الله تعالى لهم، هذه هي حقيقة هذه الفئة من الناس التي تخادع الناس بالعلم لتخفي لعنة الله لها وعليها.

82

الآيات 89-90

قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (البقرة: 89-90)

قال محمد بن سيرين: ((نزلت عصابة من ولد هارون يثربَ لما أصاب بني إسرائيل ما أصابهم من ظهور العدو عليهم والذلة، وتلك العصابة هم حملة التوراة يومئذ، فأقاموا بيثرب يرجون أن يخرج محمد صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم، وهم مؤمنون مصدقون بنبوته، فمضى أولئك الآباء وهم مؤمنون، وخلف الأبناء وأبناء الأبناء، فأدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم، فكفروا به وهم يعرفونه، وهو معنى قوله تعالى: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به)) (القرطبي). وقال ابن عباس رضي الله عنه: «إنّ اليهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بعثته، فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولونه فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور أخو بني سلمة: يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن أهل شرك، وتخبروننا أنه مبعوث، وتصفونه بصفته! فقال سلام بن مِشكم أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكره لكم» (الطبري). وقال السُدّي: «بغوا على محمد صلى الله عليه وسلم وحسدوه، وقالوا: إنما كانت الرسل من بني إسرائيل، فما بال هذا من بني إسماعيل؟ فحسدوه، أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده» (الطبري). قلت: كانت الجزيرة العربية كلها على ملة إبراهيم، بعد وفاة إبراهيم عليه السلام، وأساس تواجد اليهود في الجزيرة العربية، في المدينة المنورة، هو ما ذكره ابن سيرين رحمه الله، من قدوم فئة متدينة من بني إسرائيل تنتظر بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، فلما بُعث محمد صلى الله عليه وسلم كفر به اليهود وناصبوه العداء، لا لشيء إلا لأنه لم يكن منهم كما كانوا يتوقعون. وفي هذه القصة عبرة لكل مؤمن وخاصة الدعاة والعلماء منهم، وهذه العبرة هي أنّ الحسد قد يؤدي إلى الكفر وإلى ضلال المؤمن بعد إيمانه، فليجتنب ذلك المؤمنون، وليعلم كل مؤمن أنه لن يستمر في إيمانه ما لم يصفّ قلبه لله من الحسد ومن سائر الأمراض في الدين، كالكبر والغيبة والنميمة وغير ذلك.

قوله تعالى: (وللكافرين عذاب مهين). قال الإمام ابن كثير في تفسيره: ((لما كان كفرهم سببه البغي والحسد، ومنشأ ذلك التكبر، قوبلوا بالإهانة والصغار في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين) (غافر: 60)، أي: صاغرين حقيرين ذليلين)). وفي هذا المعنى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس، يعلوهم كل شيء من الصغار، حتى يدخلوا سجنا يقال له بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسقون من طينة الخبال: عصارة أهل النار» (أحمد).

83

الآيات 91-93

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ * وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: 91-93)

(1) نلمح من خلال هذه الآيات العناية الإلهية بهذه الأمة وبرسولها محمد صلى الله عليه وسلم، من خلال تلقينهم الحجة تلو الحجة، وتعليمهم كيفية الرد على خصومهم في الادعاءات الكاذبة والأقاويل المزيّفة، وهذا: يدل (أولا) على محبة الله للناس وحرصه على هدايتهم، واهتمامه ببيان الحق والصواب لهم كي لا يقعوا في الضلال. ويدل (ثانيا) على تعهد الله تعالى للمؤمنين بالتربية والتعليم والرعاية والإصلاح. ويدل (ثالثا) على مشروعية الحوار والمناظرة والمجادلة إذا كانت الغاية من ذلك هي إظهار الحق وبيان الحجة والإرشاد إلى الصواب. وهذا الذي نلمحه في هذه الآيات موجود في غيرها من الآيات، حتى إنّ الجدل هو أحد المعاني السبعة التي نزل بها القرآن، أي: الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والقصص والأمثال والجدل. ففي هذه الآيات يبيّن الله تعالى أنّ اليهود إذا دُعوا إلى الإيمان بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم يرفضون ذلك مدعين الإيمان بما أنزل إليهم في التوراة، وأنّ ذلك هو الإيمان فقط، فهم يكفرون بنبوة عيسى عليه السلام ويكفرون بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وهنا يلقن الله رسوله الحجة على بطلان ادعائهم الإيمان بما أنزل إليهم في التوراة، وذلك بأن يأمره أن يقول لهم: (قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين)، فهم قتلوا الأنبياء الذين جاءوا يدعونهم إلى التوراة وهذا لا يفعله مؤمن، (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُون)، وهم عبدوا العجل بعد غياب موسى عليه السلام وهذا لا يفعله مؤمن، (قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا)، وهم سلكوا طريق المعصية بعد أن أقروا بالطاعة وبالميثاق المأخوذ عليهم، ومنهج المعصية لا يتفق مع الإيمان. فهم إذا ومن خلال سلوكهم وعملهم كافرون بما أنزل عليهم، أي: التوراة، فلا عجب والحالة هذه أن يكفروا بالقرآن وبالإنجيل (وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُم).

(2) قوله تعالى عن بني إسرائيل: (فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين). المقصود من ذلك أن بني إسرائيل كانوا يقتلون الأنبياء الذين جاءوا مصدقين للتوراة وداعين إليها، وليس المقصود بذلك عيسى أو محمد عليهما الصلاة والسلام، ويدل على ذلك قوله تعالى: (من قبل). وفي الحديث ما يدل على ذلك وعلى الترهيب منه والوعيد عليه، فعن أبي عُبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أيّ الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال: «رجل قتل نبيا أو من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر»، ثم قال: «يا أبا عُبيدة، قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مئة وسبعون رجلا من بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوهم جميعا من آخر النهار من ذلك اليوم، فهم الذين ذكر الله عز وجلّ» (الطبري). وهذا الذي فعلته إسرائيل في أنبيائها تفعله الذراري المسلمة بعلمائها ودعاتها، فليحذروا أن يصيبهم ما أصاب بني إسرائيل.

84

(3) قوله تعالى عن بني إسرائيل: (قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا). فهم قالوا سمعنا بأفواههم وقالوا عصينا بأعمالهم، لأنّ السمع يعبر عنه بالقول، وعبروا عن معصيتهم بالقول، ولكن المعصية ليست مجرد قول، كما إنّ حقيقة الطاعة ليست مجرد قول، إنّ المعصية عمل كما إنّ الطاعة عمل، ولا قيمة لقول بلا عمل. والله تعالى إنما ذمهم على المعصية ولم يذمهم على السمع، كما إنه أراد أن يعلم المسلمين ويربيهم على خلاف ما فعل اليهود بأن يقولوا: سمعنا وأطعنا، وأن يطيعوا حقيقة وفعلا لا أن يدعوا ذلك ادعاء، لأنّ الإيمان ليس بالتمني ولا بالتحلي بل هو ما وقر في القلب وصدّقه العمل، فكيف يكون حال الإيمان إذا كذبه العمل؟! إنّ العمل هو المعيار في صدق الإيمان وكذبه، ولولا العمل ما عُرف الصادق في إيمانه من الكاذب في إيمانه. ونذكر هنا بأنّ تصديق القول بالعمل وربط القول بالعمل هو الجوهر الأساسي في التربية، ومن خلال هذا الكلام يبدو الفرق واضحا وجليا بين الداعية والمربي، فالداعية هو الذي يعلم الناس، والمربي هو الذي يعلم الناس ويتابعهم كي يتمثلوا ما تعلموه واقعا عمليا وحقيقة حركية، فلا يكتفي المربي بمجرد التعليم.

85

الآيات 94-96

قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 94-96)

(1) التربية العقلية أحد أهداف التربية في القرآن، وإذا كان الجدل والحوار والمناظرة هو أحد الوسائل في التربية العقلية، فإنّ المباهلة نوع خاص من الجدل والحوار، وهذا النوع هو من خواص النبوة، وقد أمر الله نبيه، حسب رواية عن ابن عباس، أنّ يقول لليهود: «ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب»، واليهود لم يفعلوا ذلك، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أنّ اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار» (أحمد). وهذه الدعوة إلى المباهلة مع اليهود لا نجد لها مثيلا في القرآن إلا دعوة النصارى إلى المباهلة الواردة في سورة آل عمران: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِين) (آل عمران: 61). وسواء قبل اليهود بالمباهلة أم رفضوا ذلك فإنّ المعجزة قائمة في الحالتين، فلو تمنوا الموت لماتوا، وتلك معجزة يثبت من خلالها صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبطلان كفر اليهود بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وحيث أنهم لم يتمنوا الموت فثبت بذلك أنهم على باطل، وأنّ رفضهم تمني الموت هو من قبيل الخوف من مصيرهم يوم القيامة بما عملوا وبما أسلفوا، وهذا دليل على أنّ محمدا صلى الله عليه وسلم صاحب حق في دعوته وهم أصحاب باطل في كفرهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

(2) وصف الله اليهود بحرصهم على الحياة كما وصف بذلك المشركين، ولكنه أكد على أنّ حرص اليهود أشد من حرص المشركين، وذلك أنّ اليهود يؤمنون بالبعث والجزاء وأما المشركون فلا يؤمنون بالبعث والجزاء، ومن علم أنّ مصيره إلى النار كان أشد حرصا على الحياة ممن علم أنّ مصيره إلى العدم والفناء.

(3) إنّ حرص اليهود والمشركين على الحياة هو على أيّ حياة، ومهما كانت، ومهما كان نوعها كريمة أو ذليلة، ويدل على ذلك أنّ كلمة (حياة) جاءت نكرة فأفادت العموم. والوجه التربوي في ذلك هو أنّ المؤمن حريص على الحياة ولكن ليس على أيّ نوع من الحياة، بل على حياة يطول فيها العمر ويحسن فيها العمل، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيركم من طال عمره وحسن عمله، وشركم من قصر عمره وساء عمله» (الترمذي). ومن هنا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلم عن تمني الموت، إذ أنه لا يدري أيهما خير له: الموت أم الحياة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يتمنينّ أحدُكم الموت لضر نزل به ، ولكن ليقل: اللهم أحيني إن كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إن كانت الوفاة خيرا لي» (البخاري). وأجاز الإسلام للمسلم أن يتمنى الموت إن غلب على ظنه حصول الفتنة في الدين، كما قالت مريم عليها السلام: (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّا) (مريم: 23).

86

الآيات 97-98

قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: 97-98)

قال الإمام الطبري: «أجمع أهل العلم بالتأويل جميعا على أنّ هذه الآية نزلت جوابا لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أنّ جبريل عدو لهم، وأنّ ميكائيل ولي لهم».

(1) نقف هنا أمام زعم من اليهود بأنّ جبريل عدو لهم، وأنه ينزل بالحرب والدمار، ومثل هذا الادعاء ليس موجودا في كتب اليهود وإنما دفعهم إلى ذلك علمهم أنّ جبريل ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم بالوحي، ومن شدة عداوتهم لمحمد فقد عادوا جبريل معه. والوجه التربوي في هذه المسألة هو التحذير من الله للمؤمنين أن لا يقوموا بدفع الباطل بباطل مثله، وإنما يجب دفع الباطل بالحق، ولكن اليهود وفي حمأة صراعهم مع المسلمين قاموا بدفع الباطل بالنسبة لهم أي: نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بباطل بالنسبة لهم، وهو القول بأنّ جبريل عدو لهم، حيث إنّ كتبهم لا تقول بذلك، فكأنّ الله تعالى إذ يبيّن للمسلمين ضلال اليهود ، كأنه يقول لهم: احذروا سبيلهم، كما قال تعالى في سورة المائدة: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: 8).

(2) قوله تعالى: (فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِك). إنّ القرآن يعير بالقلب عن موضع العلم والفهم والتلقي، ومعنى قوله (فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِك)، أي: فإنه نزله عليك، وخص القلب بالذكر لتطمين الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أنّ الله قد تكفل بتثبيت القرآن في قلب الرسول صلى الله عليه وسلم، وتكفل بحفظه وجمعه وقراءته.

(3) قوله تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِين). العداوة من العبد لله تكون بالمعصية، والعداوة من الله للعبد تكون بالعقاب، وقوله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِين) فيه ترهيب شديد، لأنّ الإنسان ومهما أوتي من القوة لا طاقة له بتحمل عداوة الله له، ومثل هذا الترهيب يكفي لردع من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، إذ إنّ خيال الإنسان ليعجز عن تصور عداوة الله له إن كان من الكافرين، فكيف يستطيع أن يتحمل هذه العداوة، وفي الحديث القدسي: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب» (البخاري). وهذا ينطبق على اليهود في إعلانهم العداوة على جبريل عليه السلام، والعجيب في أمر عداوتهم لجبريل أنه ليس بشرا مثلهم يعمل معهم أو ضدهم، إنما هو عبد لله يفعل ما يؤمر به، ولكنه اللجاج في العداوة، والاندفاع وراء الباطل قد يدفع بصاحبه لارتكاب أي حماقة.

87