التفسير التربويالجزء 1 · ص 72 - 79

الآية 74

الآية 74

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 74)

(1) القساوة مرض يصيب القلوب، والأصل في القلوب أن تتأثر بالذكر والفكر فتلين، ويتجلى ذلك اللين بالطاعة لله، وترك الاستكبار عن الحق، وترك التمرد على أوامر الله ونواهيه. فإذا لم يتعهد الإنسان قلبه بذكر الله والتفكر في مخلوقاته، وسلك طريق المعاصي، أصيب قلبه بالقساوة فصار كالحجر الذي هو رمز للقسوة، وفي هذه الحالة لا يتأثر القلب ولا يظهر على الإنسان علامات التأثر، كالطاعة لله والبكاء من خشيته، وفي هذه الحالة يفقد الإنسان إنسانيته. وقساوة القلب من الأمراض المعنوية التي تصيب القلب، وقد حذر الإسلام أتباعه من هذا المرض، وذكره في هذه الآية وفي غيرها من الآيات على سبيل الذم به والتنفير منه، فقال تعالى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَة) (البقرة: 74)، وقال تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَة) (المائدة: 13)، وقال تعالى: (وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُون) (الأنعام: 43)، وقال تعالى: (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم) (الحج: 53)، وقال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّه) (الزمر: 22)، وقال تعالى: (فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُم) (الحديد: 16). هذه كل الآيات التي ذكرت فيها القساوة في القرآن، وهي حصرا تتحدث عن قساوة القلب، وهي تبين لنا أنّ قساوة القلب تكون من الله عقوبة على المعصية (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَة) (المائدة: 13)، وفي هذه الحالة لا يعود للذكر أثر في القلب (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّه) (الزمر: 22)، ويصبح صاحب القلب القاسي مُطية للشيطان (وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُون) (الأنعام: 43).

(2) وقد حذر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من قساوة القلب لأمرين: (الأول) إنّ صاحب القلب القاسي بعيد عن الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإنّ كثرة الكلام بغير ذكر الله قساوة للقلب، وإنّ أبعد الناس من الله القلب القاسي» (الترمذي). (الثاني) إنّ قساوة القلب من الشقاوة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع من الشقاوة: جمود العين، وقساوة القلب، وطول الأمل، والحرص على الدنيا» (البزار).

72

الآية 75

قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 75)

(1) قوله تعالى: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُم). خطاب للمؤمنين وخاصة الدعاة منهم، والمقصود من هذا الخطاب تقرير اليأس في نفوسهم من إيمان هذه الفئة من اليهود. وتقرير اليأس هنا هو من التربية النفسية للمؤمنين، للتهوين عليهم مما سيلاقونه من عدم الإيمان الموجود في هذه الفئة من الناس، وقد علل السياق هذا الكفر من اليهود بسبب جرأتهم على الله بتحريف كلامه عن سبق الإصرار والتصميم، أي: بعد سماعه وبعد التأكد من أنه كلام الله.

(2) قوله تعالى: (وَهُمْ يَعْلَمُونَ). يدل على أنّ العالم المعاند أبعد عن الرشد وأقرب إلى اليأس من الجاهل، وهنا تبدو خطورة الضلال إذا كان صاحبه عالما وليس جاهلا، ولذلك قال بعض العلماء: من فسق من علمائنا كان فيه شبه باليهود، ومن فسق من عُبادنا كان فيه شبه بالنصارى.

73

الآيات 76-77

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ * أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ (البقرة: 76-77)

تصف هذه الآيات إحدى قبائح اليهود، وهي أنّ فئة منهم كانوا يعلنون الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ويذكرون أنه موصوف عندهم في التوراة أمام المؤمنين لأغراض دنيوية، وفئة أخرى كانت تنهاهم عن ذلك بينها وبينهم وليس أمام المؤمنين، وفي خضم هذه المعركة ينسون أنّ الله يعلم السر كما يعلم العلن. ومن هنا يذكرهم الله تعالى أنه يعلن السر ويعلم العلن، وها هو يكشف سرهم للمؤمنين لتحذيرهم من هذه المسارّة. وقدم السر على العلن في النص القرآني زيادة في الترهيب والتخويف، هذا إذا اعتبرنا أنّ اليهود يؤمنون بأنّ الله يعلم ما يقولونه للمؤمنين ولا يعلم ما يقولونه لبعضهم، وهذا الرأي يحتمله النص، وهذا يدل على تلك الجبلة الغبية التي لا تعرف صفة الله ولا مقدار علمه، وفي هذا أيضا تهوين على المؤمنين على ما يلاقونه من الكفر والعناد من هذه الفئة من الناس، وهم اليهود.

74

الآيات 78-79

قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ * فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (البقرة: 78-79)

(1) يبيّن الله تعالى للمؤمنين أنّ اليهود فريقان، فريق ضال وفريق مضل، فريق يحرّف التوراة ويزورها وفريق يتّبع هذا التحريف وهذا التزوير، ثم يتوجه إلى الفريق المضل يحذره تحذيرا شديدا عسى أن يعود عن ضلاله، ويكشف أساليبه في الضلال عسى أن ينتفع الأتباع بهذا البيان. وهذا الطريق في البيان هو بمثابة المنهج التربوي للمسلمين في كل زمان، إذ إنّ المخالفين له دائما قسمان: ضال ومضل، والخطر الأكبر في الفريق المضل، ولذلك يجب التركيز عليه بكشف ألاعيبه وسبل إضلاله لأتباعه.

(2) وتضمنت هذه الآية ترهيبا شديدا ووعيدا أكيدا لتلك الفئة التي تكتب التوراة من تلقاء نفسها وتقول عما تكتبه أنه من عند الله، وذلك بتكرار كلمة (الويل) ثلاث مرات، فقال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِم) وقال أيضا: (فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِم) وقال: (وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُون). وأصح ما قيل في (الويل): أنه واد في جهنم لو سُيّرت فيه جبال الدنيا لذابت من شدة حرّه.

(3) قوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّه). قال الإمام القرطبي في تفسيره: «في هذه الآية والتي قبلها التحذير من التبديل والتغيير والزيادة في الشرع، فكل من بدّل أو غيّر أو ابتدع في دين الله ما ليس منه وما لا يجوز فيه فهو داخل تحت هذا الوعيد الشديد والعذاب الأليم ... فحذرهم أن يُحدثوا من تلقاء أنفسهم في الدين خلاف كتاب الله أو سنته صلى الله عليه وسلم أو سنة أصحابه، فيُضلوا به الناس، وقد وقع ما حذر منه وشاع، وكثر وذاع، فإنا لله وإنا إليه راجعون». قلت: رحم الله الإمام القرطبي، لو عاش في زماننا فماذا يقول؟!.

(4) قوله تعالى: (لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلا). قال الإمام الرازي في تفسير قوله تعالى (لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلا): «إنه تنبيه على نهاية شقاوتهم، لأنّ العاقل من يجب أن لا يرضى بالوزر القليل في الآخرة لأجل النفع العظيم في الدنيا، فكيف يليق به أن يرضى بالعقاب العظيم في الآخرة لأجل النفع الحقير في الدنيا».

75

الآيات 80-82

قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة: 80-82)

(1) يبدو من خلال هذه الآيات في بني إسرائيل ضخامة الدور الذي يمارسه اليهود في محاربتهم للدعوة الإسلامية رغم قلة عددهم في المدينة المنورة آنذاك، وما زال اليهود يمارسون هذا الدور حتى الآن، فالمسألة ليست مسألة عدد قليل، وإنما هي نوعية معينة تمتلك من أساليب الحرب مالا يُحسنه غيرها ولا يستطيعه سواها. ومن هنا نجد العناية الإلهية بالمسلمين حيث يعلمهم كيف يردون على ادعاءات اليهود, وكيف يفنّدون حججهم, وكيف يكشفون زيفهم, ويلقن اللهُ رسوله والمؤمنين الحجة بعد الحجة والدليل بعد الدليل والبرهان تلو البرهان , فيا لها من عناية تجعل المسلم يحس أنه لا يقف وحده في مواجهة أعدائه, بل يقف الله معه ويدافع عنه.

(2) قول اليهود: لن تمسنا النار إلا أياما معدودة، يذكره القرآن ويبيّن زيفه كي لا يقع المسلمون في مثله , ومع ذلك نجد أنّ المسلمين في عصرنا لم ينتفعوا بهذا البيان بل أصبحوا يرددون هذا القول عن أنفسهم , فوقعوا في مثل ما وقع فيه اليهود. إنّ هذا القول: لن تمسنا النار إلا أياما معدودة , يقوله أهل الأديان, وما هو إلا أمنية جاهل وأكذوبة عالم, يلجأ إليه المنحرفون عن العقيدة الصحيحة حين لا يبقى لهم من الإسلام إلا اسمه، ومن المصحف إلا رسمه.

(3) الفائدة التربوية التي نحصل عليها من هذه الآية هي أنه تعالى عاب على اليهود القول من غير دليل, وهذا يعني أنّ القول بلا دليل باطل. وهذه قاعدة مهمة في مجال التربية العقلية في الإسلام يجب تربية المسلم عليها, فيجب عليه أن لا يقول قولا بلا دليل، كما يجب عليه أن لا يقبل قولا من غير دليل, لأنّ الدليل هو طريق النجاة في الآخرة.

(4) من رحمته تعالى بالناس ومن كمال تربيته للمؤمنين أنه لم يكتف ببيان بطلان قول اليهود وادعائهم، بل عقّب ذلك ببيان الطريق الصحيح والطريق الخاطئ، فقال في وصف الطريق الخاطئ الذي يؤدي إلى النار: (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون)، وقال في وصف الطريق الصحيح الذي يؤدي إلى الجنة: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون).

(5) قوله تعالى: (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون) يدل على أنّ الذنوب مهما صغرت إذا اجتمعت على الرجل أهلكته وأدخلته النار, وهذا المعنى موجود في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل يهلكنه» (أحمد). ولذلك فإنّ التربية الإسلامية تقوم على مبدأ هام , وهو عدم الاقتراب من الذنوب مهما قلت, والتوبة من الذنوب مباشرة من دون تأجيل, وقطع الطريق التي قد تؤدي إلى الوقوع في الذنوب، وعدم التهاون في الذنوب.

76

(6) قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات) يدل على أنّ العمل الصالح جزء من الإيمان، ويدل على أنّ العمل هو الأساس في الحكم على صحة الإيمان , فلا قيمة لقول من غير عمل, إنّ العمل هو الذي يصدق الإيمان أو يكذبه. فما أحوج الذين يدّعون الإيمان إلى هذه الحقيقة, لأنّ الإيمان قد تحول عند قسم كبير من المسلمين إلى مجرد كلمات تقال باللسان, أي مجرد ادعاء لا مصداق له من عمل, هذا ناهيك عن أولئك الذين يرتكبون كل الذنوب ويحاربون الإسلام وهم يظنون أنهم مسلمون قد استحقوا الإسلام بكلمات تقال باللسان, هكذا تحول الإيمان عند المسلمين إلى مجرد ادعاء، كما تحول دخول الجنة عند اليهود إلى مجرد ادعاء!.

(7) قرن الله تعالى الترغيب مع الترهيب والوعد مع الوعيد عندما قال: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون) بعد قوله: (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون).

قال الإمام الرازي في تفسيره منبّها إلى هذه الوقفة التربوية: ((اعلم أنه تعالى ما ذكر في القرآن آية في الوعيد إلا ذكر بجنبها آية في الوعد، وذلك لفوائد: (أحدها) ليظهر بذلك عدله سبحانه، لأنه لما حكم بالعذاب الدائم على المصرين على الكفر وجب أن يحكم بالنعيم الدائم على المصرين على الإيمان. (وثانيها) أنّ المؤمن لا بد وأن يعتدل خوفه ورجاؤه على ما قاله بعض السلف الصالح: «لو وُزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا»، وذلك الاعتدال لا يحصل إلا بهذا الطريق. (وثالثها) أنه يظهر بوعده كمال رحمته, وبوعيده كمال حكمته, فيصير ذلك سببا للعرفان)).

77

الآية 83

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (البقرة: 83)

(1) إنّ أول ما يلفت النظر في هذا الميثاق الذي أخذه الله على بني إسرائيل هو أنّ مضمونه مجموعة من القواعد هي نفسها قواعد الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم, وهذا: يدل (أولا) على وحدة دين الله، وكون ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو تصديق لما جاء به الأنبياء من قبله. ويدل (ثانيا) على مدى التعصب والتعنت والعناد الذي يتصف به اليهود, لأنّ ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هوَ هو ما جاء به موسى عليه السلام، ومع ذلك لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه ليس منهم.

(2) قرن الله تعالى بين عبادته والإحسان إلى الوالدين في خمسة مواضع هي: قوله تعالى: (لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا) (البقرة: 83)، وقوله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا) (النساء: 36)، وقوله تعالى: (أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا) (الأنعام: 151)، وقوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا) (الإسراء: 23)، وقوله تعالى: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِير) (لقمان: 14).

وإنما قرن الله تعالى بين عبادته والإحسان إلى الوالدين لأسباب: (أحدها) أنّ الله تعالى هو المؤثر في وجود الإنسان حقيقة والوالدين هما المؤثران في وجود الإنسان ظاهرا, فقرن بين الحقيقة والظاهر. (والثاني) أنّ النشأة الأولى، الخلق والإيجاد، من الله, والنشأة الثانية، التربية والتعليم، من الوالدين. (والثالث) أنّ الله ينعم على الإنسان من غير عِوَض، ولا يتوقف هذا الإنعام حتى لو كان الإنسان كافرا, وكذا الوالدان ينعمان على الإنسان من غير عوض، ولا يتوقف هذا الإنعام حتى لو كان الولد مخالفا لوالديه في الدين والملة. ولذلك يجب على المسلم تعظيم الوالدين، والإحسان إليهما، ومعاشرتهما بالمعروف، والبر بهما، وعدم إيذائهما، وإيصال المنافع إليهما، وإن كانا كافرين, لأنّ هذا الإحسان إليهما لم يستحقاه على الإيمان وإنما استحقاه لكونهم والدين. والقاعدة المهمة التي نتوصل إليها في هذا الِشأن هي أنه لا يحق لمسلم أن يفرق بين ما جمع الله, والمراد بذلك التفريق بين عبادته تعالى والإحسان إلى الوالدين.

(3) أمر الله تعالى الولد بأن يبر والديه ويحسن إليهما، ولم يأمر الوالدين بأن يبرا ولدهما ويحسنا إليه, لماذا؟ لأنّ إحسان الوالدين إلى الولد هو من الفطرة التي فطرا عليها، فهما لا يملان من الإحسان إليه وإن كان مسيئا لهما في المعاملة، وإن كان مخالفا لهما في الديانة, أما إحسان الولد إلى الوالدين فليس فطرة في داخله، وإنما هو أمر مكتسب يكتسبه الولد بالتربية والتعليم، والله أعلم.

(4) قرن الله تعالى بين حق الوالدين وحق ذي القربى في ثمانية مواضع من كتابه، فقال تعالى في هذه الآية: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى) وذلك لأنّ حق ذي القربى تابع لحق الوالدين, فالإنسان يتصل بالقرابة من خلال الوالدين, فمن هنا قرن بين حق الوالدين وحق ذي القربى، وقدم حق الوالدين على حق ذي القربى, والسبب في تأكيد رعاية هذا الحق هو أنّ القرابة مظنة الاتحاد والألفة والرعاية والنصرة, فلهذا أوجب الله رعاية حق الأقارب.

78

(5) قوله تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنا) أي: كلموهم كلاما حسنا طيبا جميلا, وهذا الخطاب للناس كل الناس وليس للمؤمنين فقط, وهذا مما يجب أن يتصف به المسلم في كلامه مع الناس, وقد نبّه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى أهمية الكلمة الطيبة، وما لها من أثر في النفوس فقال صلى الله عليه وسلم: «اتق الله ولو بشق تمرة, فإن لم تجد فكلمة طيبة» (البخاري)، وقال أيضا: «لا تحقرن من المعروف شيئا, وإن لم تجد فالق أخاك بوجه طلق» (مسلم والترمذي). والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون في إطار القول الحسن, فمن أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف, ومن نهى عن منكر فلا يكن نهيه بمنكر بل ليكن نهيه بمعروف, ومن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فعليه أن يعفو ويصفح ويحلم ويصبر، وكل ذلك من القول الحسن, ولأهمية الكلمة نقول: قد تكون الكلمة الطيبة سببا في دخول الإسلام, وقد تكون الكلمة السيئة سببا في النفرة والبعد عن الإسلام, واعلم أنّ الكفر يكون بكلمة وأنّ الإسلام يكون بكلمة, ومفتاح الخير كلمة ومفتاح الشر كلمة, وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رب كلمة يقولها المرء لا يلقي لها بالا تهوي به في جهنم سبعين خريفا»، فقيل: يا رسول الله, أومؤآخذون بما نقول؟ فقال: «وهل يكبّ الناسَ على وجوهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم» (البخاري والترمذي).

79