الآية 74
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 74)
(1) القساوة مرض يصيب القلوب، والأصل في القلوب أن تتأثر بالذكر والفكر فتلين، ويتجلى ذلك اللين بالطاعة لله، وترك الاستكبار عن الحق، وترك التمرد على أوامر الله ونواهيه. فإذا لم يتعهد الإنسان قلبه بذكر الله والتفكر في مخلوقاته، وسلك طريق المعاصي، أصيب قلبه بالقساوة فصار كالحجر الذي هو رمز للقسوة، وفي هذه الحالة لا يتأثر القلب ولا يظهر على الإنسان علامات التأثر، كالطاعة لله والبكاء من خشيته، وفي هذه الحالة يفقد الإنسان إنسانيته. وقساوة القلب من الأمراض المعنوية التي تصيب القلب، وقد حذر الإسلام أتباعه من هذا المرض، وذكره في هذه الآية وفي غيرها من الآيات على سبيل الذم به والتنفير منه، فقال تعالى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَة) (البقرة: 74)، وقال تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَة) (المائدة: 13)، وقال تعالى: (وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُون) (الأنعام: 43)، وقال تعالى: (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم) (الحج: 53)، وقال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّه) (الزمر: 22)، وقال تعالى: (فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُم) (الحديد: 16). هذه كل الآيات التي ذكرت فيها القساوة في القرآن، وهي حصرا تتحدث عن قساوة القلب، وهي تبين لنا أنّ قساوة القلب تكون من الله عقوبة على المعصية (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَة) (المائدة: 13)، وفي هذه الحالة لا يعود للذكر أثر في القلب (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّه) (الزمر: 22)، ويصبح صاحب القلب القاسي مُطية للشيطان (وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُون) (الأنعام: 43).
(2) وقد حذر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من قساوة القلب لأمرين: (الأول) إنّ صاحب القلب القاسي بعيد عن الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإنّ كثرة الكلام بغير ذكر الله قساوة للقلب، وإنّ أبعد الناس من الله القلب القاسي» (الترمذي). (الثاني) إنّ قساوة القلب من الشقاوة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع من الشقاوة: جمود العين، وقساوة القلب، وطول الأمل، والحرص على الدنيا» (البزار).