التفسير التربويالجزء 1 · ص 1001 - 1009

الآية 41

الآية 41

قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الأنفال: 41)

(1) قال الرازي في تفسير هذه الآية: ((اعلم أنه تعالى لما أمر بالمقاتلة في قوله: (وقاتلوهم) وكان من المعلوم أن عند المقاتلة قد تحصل الغنيمة، لا جرم ذكر الله تعالى حكم الغنيمة. والغنم: الفوز بالشيء، يقال: غنم يغنم غنما فهو غانم، والغنيمة في الشريعة ما دخلت في أيدي المسلمين من أموال المشركين على سبيل القهر بالخيل والركاب. واعلم أن هذه الآية تقتضي أن يؤخذ خمسها، (والأربع أخماس الباقية للمقاتلين)، وفي كيفية قسمة ذلك الخمس قولان: القول الأول: وهو المشهور أن ذلك الخمس يُخمّس، فسهم لرسول الله، وسهم لذوي قرباه من بني هاشم وبني المطلب، وثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل. وأما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فعند الشافعي رحمه الله: أنه يقسم على خمسة أسهم، سهم لرسول الله يصرف إلى ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين كعدة الغزاة من الكراع والسلاح، وسهم لذوي القربى من أغنيائهم وفقرائهم يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، والباقي للفرق الثلاثة وهم: اليتامى، والمساكين، وابن السبيل. وقال أبو حنيفة رحمه الله: إن بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام سهمه ساقط بسبب موته، وكذلك سهم ذوي القربى، وإنما يعطون لفقرهم فهو أسوة سائر الفقراء، ولا يعطى أغنياؤهم فيقسم على اليتامى والمساكين وابن السبيل. وقال مالك: الأمر في الخمس مفوض إلى رأي الإمام إن رأى قسمته على هؤلاء فعل، وإن رأى إعطاء بعضهم دون بعض فله ذلك. واعلم أن ظاهر الآية مطابق لقول الشافعي رحمه الله وصريح فيه، فلا يجوز العدول عنه إلا لدليل منفصل أقوى منها)).

1001

(2) قوله تعالى: (إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان). فيه تربية على ربط التشريع بالإيمان، فالمؤمن من يقبل بشريعة الله ويحتكم إليها ويعمل بما جاء فيها، وغير المؤمن من يرفض الشريعة ولا يحتكم إليها ولا يعمل بمقتضاها، ومن ابتغى الإيمان من غير شريعة فليس بمؤمن وهذا صريح في النص القرآني. قال صاحب الظلال في المدلول التربوي لهذا الربط بين الشريعة والإيمان: ((إن للإيمان أمارات تدل عليه، والله سبحانه يعلق الاعتراف لأهل بدر، وهم أهل بدر، بأنهم آمنوا بالله وبما أنزله على عبده يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، يعلق الاعتراف لأهل بدر هؤلاء بالإيمان على قبولهم لما شرع الله لهم في أمر الغنائم في صدر الآية، فيجعل هذا شرطا لاعتبارهم عنده قد آمنوا بالله وبما أنزله على عبده من القرآن، كما يجعله مقتضى لإعلانهم الإيمان لا بد أن يتحقق ليتحقق مدلول هذا الإعلان. وهكذا نجد مدلول الإيمان في القرآن واضحا جازما لا تميع فيه ولا تفصيص ولا تأويل مما استحدثته التطويلات الفقهية فيما بعد، عندما وجدت الفرق والمذاهب والتأويلات، ودخل الناس في الجدل والفروض المنطقية الذهنية، كما دخل الناس، بسبب الفرق المذهبية والسياسية في الاتهامات ودفع الاتهامات، وصار النبذ بالكفر ودفع هذا النبذ لا يقومان على الأصول الواضحة البسيطة لهذا الدين، إنما يقومان على الغرض والهوى ومكايدة المنافسين والمخالفين! عندئذ وجد من ينبذ مخالفيه بالكفر لأمور فرعية، ووجد من يدفع هذا الاتهام بالتشدد في التحرج والتغليظ على من ينبذ غيره بهذه التهمة. وهذا وذلك غلو سببه تلك الملابسات التاريخية، أما دين الله فواضح جازم لا تميع فيه ولا تفصيص ولا غلو (ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل). ولا بد لقيامه من قبول ما شرع الله وتحقيقه في واقع الحياة، والكفر: رفض ما شرع الله، والحكم بغير ما أنزل الله، والتحاكم إلى غير شرع الله، في الصغير وفي الكبير سواء، أحكام صريحة جازمة بسيطة واضحة، وكل ما وراءها فهو من صنع تلك الخلافات والتأويلات)).

1002

الآية 42

قوله تعالى: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: 42)

المراد بالعدوة الدنيا ما يلي جانب المدينة، وبالقصوى ما يلي جانب مكة، وكان الماء في العدوة التي نزل بها المشركون. وأما قوله تعالى: (ولو تواعدتم لاختلتم في الميعاد) لقلة المؤمنين وكثرة الكافرين، وذلك أن المسلمين حين خرجوا من المدينة نزلوا بضفة الوادي القريبة من المدينة، ونزل جيش المشركين بقيادة أبي جهل بالضفة الأخرى البعيدة من المدينة، وبين الفريقين ربوة تفصلهما، وأما القافلة فقد مال بها أبو سفيان إلى جانب البحر أسفل من الجيشين، ولم يكن أي من الجيشين يعلم بموقع صاحبه، وإنما جمعهما الله هكذا على جانبي الربوة لأمر يريده، حتى لو أن بينهما موعدا على اللقاء ما اجتمعا بمثل هذه الدقة والضبط من ناحية المكان والموعد! وهذا ما يذكر الله به الجماعة المؤمنة ليذكرها بتدبيره وتقديره. ولا شك أن عسكر الرسول عليه الصلاة والسلام في أول الأمر كانوا في غاية الخوف والضعف بسبب القلة وعدم الأهبة، ونزلوا بعيدين عن الماء، وكانت الأرض التي نزلوا فيها أرضاً رملية تغوص فيها أرجلهم. وأما الكفار فكانوا في غاية القوة بسبب الكثرة في العدد، وبسبب حصول الآلات والأدوات، ولأنهم كانوا قريبين من الماء، ولأن الأرض التي نزلوا فيها كانت صالحة للمشي، ولأن العير كانوا خلف ظهورهم وكانوا يتوقعون مجيء المدد من العير إليهم ساعة فساعة. ثم إنه تعالى قلب القصة وعكس القضية، وجعل الغلبة للمسلمين، والدمار على الكافرين فصار ذلك من أعظم المعجزات وأقوى البينات على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، فيما أخبر عن ربه من وعد النصر والفتح والظفر. وقوله تعالى: (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة) فيه إشارة إلى أن الذين هلكوا إنما هلكوا بعد مشاهدة هذه المعجزة، والمؤمنون الذين بقوا في الحياة شاهدوا هذه المعجزة القاهرة، والمراد من البينة هذه المعجزة. والهلاك يعبر به عن مدلوله المباشر في الهزيمة كما يعبر به عن الكفر، وكذلك الحياة فإنها قد تفيد مدلولها المباشر في النصر كما يعبر بها عن الإيمان، وهذا المدلول الثاني أظهر هنا، وذلك كما قال الله تعالى في سورة الأنعام: (أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها؟)، فعبر عن الكفر بالموت وعبر عن الإيمان بالحياة، ووجه ترجيح هذا المدلول هنا أن يوم بدر كان (يوم الفرقان) حيث فرق الله فيه بين الحق والباطل، ومن ثم فإن من يكفر بعدها فإنما يكفر عن بينه ويهلك عن بينة، ومن يؤمن بعدها فإنما يؤمن عن بينة. فوقعة بدر بظروفها وملابساتها تحمل معنى البينة التي لا تجحد، وتدل دلالة لا تنكر على تدبير إلهي من وراء تدبير البشر، وإنها لتثبت أن لهذا الدين ربا يتولى أصحابه متى أخلصوا له وجاهدوا في سبيله وصبروا وثبتوا، وأنه لو كان الأمر إلى القوى المادية الظاهرة ما هزم المشركون ولا انتصرت الجماعة المؤمنة هذا الانتصار العظيم. ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: (وإن الله لسميع عليم) أي يسمع الدعاء ويعلم الحاجة والضعف، فكان من أمره ما كان في هذه الواقعة التي ترددها الأجيال إلى يوم القيامة.

1003

الآيات 43-44

قوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (الأنفال: 43-44)

(1) قوله تعالى: (إذ يريكهم الله في منامك قليلا، ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر، ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور). هذه من النعم التي أنعم الله بها على رسوله وعلى المؤمنين به حيث رأى الرسول صلى الله عليه وسلم جيش المشركين قبل غزوة بدر في منامه قليلا، فقص ذلك على أصحابه وكان ذلك بمثابة البشرى بالنصر والتشجيع على المعركة فلم يتردد المسلمون في خوضها خوفا من قلة العدد، ولو أن الله أرى رسوله في المنام جيش المشركين كثيرا وذكر ذلك لأصحابه فلربما أوقع ذلك في نفوسهم وكان سببا في خلافهم وهزيمتهم ولكنه تعالى رحمة بالمؤمنين ولعلمه بما في نفوسهم من الإيمان والإخلاص والطاعة ولحكمة يعلمها كانت الرؤيا البشارة، وكان النصر من الله للمؤمنين الصادقين المخلصين. قال صاحب الظلال في المدلول التربوي لهذه الآية: ((ولقد كان من تدبير الله في المعركة أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم الكافرين في الرؤيا في منامه قليلا لا قوة لهم ولا وزن، فينبئ أصحابه برؤياه فيستبشروا بها ويتشجعوا على خوض المعركة، ثم يخبر الله هنا لم أراهم لنبيه قليلا، فلقد علم سبحانه أنه لو أراهم له كثيرا لفت ذلك في قلوب القلة التي معه، وقد خرجت على غير استعداد ولا توقع لقتال، ولضعفوا عن لقاء عدوهم، وتنازعوا فيما بينهم على ملاقاتهم، فريق يرى أن يقاتلهم وفريق يرى تجنب الالتحام بهم، وهذا النزاع في هذا الظرف هو أبأس ما يصيب جيشا يواجه عدوا! (ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور). ولقد كان سبحانه يعلم بذوات الصدور، فلطف بالعصبة المسلمة أن يعرضها لما يعلمه من ضعفها في ذلك الموقف، فأرى نبيه المشركين في رؤياه قليلا، ولم يرهم إياه كثيرا. والرؤيا صادقة في دلالتها الحقيقية، فقد رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قليلا، وهم كثير عددهم، ولكن قليل غناؤهم، قليل وزنهم في المعركة، قلوبهم خواء من الإدراك الواسع، والإيمان الدافع، والزاد النافع، وهذه الحقيقة الواقعة من وراء الظاهر الخادع هي التي أراها الله لرسوله، فأدخل بها الطمأنينة على قلوب العصبة المسلمة، والله عليم بسرائرهم، مطلع على قلة عددهم وضعف عدتهم، وما تحدثه في نفوسهم لو عرفوا كثرة عدوهم، من ضعف عن المواجهة، وتنازع على الالتحام أو الإحجام، وكان هذا تدبيرا من تدبير الله العليم بذات الصدور)).

1004

(2) قوله تعالى: (وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا، ويقللكم في أعينهم، ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور). وهذه أيضا من النعم التي أنعم الله بها على رسوله وعلى المؤمنين به رضي الله عنه أجمعين حيث رأوا المشركين في بداية معركة بدر قلة لا تتجاوز المائة في حين كانوا ألفا أو يزيدون، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «قلت لإنسان كان بجانبي يوم بدر: أتراهم سبعين؟ فقال: هم نحو المائة. فأسرنا رجلا فقلنا: كم كنتم؟ فقال: كنا ألفا». بينما قلل الله عدد المؤمنين برؤيا الكافرين لهم أقل مما هم عليه في بداية القتال حتى قال أبو جهل لأتباعه في ذلك اليوم: إنما هم أكلة جزور، خذوهم أخذا واربطوهم بالحبال)). وكان ذلك من الله إغراءا للطرفين في القتال حيث حصل القتال وتبدت حكمة الله تعالى بنصر المؤمنين وقيام دولتهم وهزيمة الكافرين هزيمة ساحقة لم تقم لهم بعدها قائمة يعتد بها. قال صاحب الظلال في المدلول التربوي لهذه الآية: ((ولقد كان في هذا التدبير الإلهي ما أغرى الفريقين بخوض المعركة، والمؤمنون يرون أعداءهم قليلا لأنهم يرونهم بعين الحقيقة! والمشركون يرونهم قليلا وهم يرونهم بعين الظاهر، ومن وراء الحقيقتين اللتين رأى كل فريق منهما صاحبه بها تحققت غاية التدبير الإلهي ووقع الأمر الذي جرى به قضاؤه. (وإلى الله ترجع الأمور) وهو التعقيب المناسب لتحقق التدبير ووقوع القضاء، فهو أمر من الأمور التي مرجعها لله وحده، يصرفها بسلطانه، ويوقعها بإرادته، ولا تند عن قدرته وحكمه، ولا ينفذ شيء في الوجود إلا ما قضاه وأجرى به قدره)).

1005

الآيات 45-47

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (الأنفال: 45-47)

في هاتين الآيتين تربية من الله تعالى لعباده المؤمنين على مفاتيح النصر في معركة بدر وفي غيرها من المعارك بل وفي كل معارك الحياة العسكرية وغير العسكرية، وهذه المفاتيح هي ستة مفاتيح لمن أراد أن يأخذ بها أو يعمل بها:

(1) أول هذه المفاتيح الثبات في المعركة، وذلك قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا). أمر بالثبات عند قتال الكفار في هذه الآية ونهى عن الفرار في الآية السابقة فالتقى الأمر والنهي على سواء. والثبات هو أن يوطنوا أنفسهم على اللقاء ولا يحدثوها بالتولي. «فأما الثبات فهو بدء الطريق إلى النصر، فأثبت الفريقين أغلبهما، وما يُدري الذين آمنوا أن عدوهم يعاني أشد مما يعانون، وأنه يألم كما يألمون، ولكنه لا يرجو من الله ما يرجون، فلا مدد له من رجاء في الله يثبت أقدامه وقلبه! وأنهم لو ثبتوا لحظة أخرى فسينخذل عدوهم وينهار، وما الذي يزلزل أقدام الذين آمنوا وهم واثقون من إحدى الحسنيين: الشهادة أو النصر؟ بينما عدوهم لا يريد إلا الحياة الدنيا، وهو حريص على هذه الحياة التي لا أمل له وراءها ولا حياة له بعدها، ولا حياة له سواها؟!».

1006

(2) وثاني هذه المفاتيح ذكر الله تعالى، وذلك قوله تعالى: (واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون). أمر الله تعالى بذكره عند جزع القلب فإن ذكره يعين على الثبات في الشدائد. وأمر بثبات القلب وذكر اللسان لأن القلب لا يسكن عند اللقاء ويضطرب اللسان، فأمر بالذكر حتى يثبت القلب على اليقين ويثبت اللسان على الذكر، وهذه الحالة لا تكون إلا عن قوة المعرفة، واتقاد البصيرة، وهي الشجاعة المحمودة في الناس. والذكر هنا هو ذكر اللسان الموافق للجنان. قال العلماء: افترض الله عز وجل ذكره على عباده أشغل ما يكونون عند القتال بالسيوف، ولو رخص بترك الذكر لرخص للرجل في حال لقاء العدو. وحكم هذا الذكر أن يكون خفيا، لأن رفع الصوت في مواطن القتال مكروه إذا كان الذاكر واحدا، فأما إذا كان من الجميع عند الحملة فحسن، لأنه يفت في عضد العدو، فقد روى أبو داود عن قيس بن عباد قال: «كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون الصوت عند القتال». ومن الذكر حين القتال الدعاء بالنصر، والصبر، وثبات القلوب والأقدام، والوفاة على الإسلام. ((وأما ذكر الله كثيرا عند لقاء الأعداء فهو التوجيه الدائم للمؤمن، كما أنه التعليم المطرد الذي استقر في قلوب العصبة المؤمنة وحكاه عنها القرآن الكريم في تاريخ الأمة المسلمة في موكب الإيمان التاريخي. ومما حكاه القرآن الكريم من قول سحرة فرعون عندما استسلمت قلوبهم للإيمان فجأة، فواجههم فرعون بالتهديد المروع البشع الطاغي، قولهم: (وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا، ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين)، ومما حكاه كذلك عن الفئة القليلة المؤمنة من بني إسرائيل وهي تواجه جالوت وجنوده: (ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا: ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين)، ومما حكاه عن الفئات المؤمنة على مدار التاريخ في مواجهة المعركة: (وكأي من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين. وما كان قولهم إلا أن قالوا: ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين)، ولقد استقر هذا التعليم في نفوس العصبة المسلمة، فكان هذا شأنها حيثما واجهت عدوا. إن ذكر الله عند لقاء العدو يؤدي وظائف شتى: إنه الاتصال بالقوة التي لا تغلب، والثقة بالله الذي ينصر أولياءه، وهو في الوقت ذاته استحضار حقيقة المعركة وبواعثها وأهدافها، فهي معركة لله، لتقرير ألوهيته في الأرض، وطرد الطواغيت المغتصبة لهذه الألوهية، وإذن فهي معركة لتكون كلمة الله هي العليا، لا للسيطرة، ولا للمغنم، ولا للاستعلاء الشخصي أو القومي، كما أنه توكيد لهذا الواجب، واجب ذكر الله، في أحرج الساعات وأشد المواقف، وكلها إيحاءات ذات قيمة في المعركة، يحققها هذا التعليم الرباني)).

1007

(3) وثالث هذه المفاتيح طاعة الله ورسوله، وذلك قوله تعالى: (وأطيعوا الله ورسوله). وأما طاعة الله ورسوله فلكي يدخل المؤمنون المعركة مستسلمين لله ابتداء، فتبطل أسباب النزاع فيما بينهم. وطاعة الله ورسوله في سائر ما يأمر به، لأن الجهاد لا ينفع إلا مع التمسك بسائر الطاعات. والنصر لا يكون مع فعل المعاصي والإقامة عليها.

(4) ورابع هذه المفاتيح عدم التنازع بين المؤمنين، وذلك قوله تعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم). فالنزاع يوجب أمرين: الفشل والضعف، وذهاب القوة والدولة والنصر. ومن النزاع ما يكون بسبب مخالفة الأوامر والخروج عن الطاعة. ((فما يتنازع الناس إلا حين تتعدد جهات القيادة والتوجيه، وإلا حين يكون الهوى المطاع هو الذي يوجه الآراء والأفكار، فإذا استسلم الناس لله ورسوله انتفى السبب الأول الرئيسي للنزاع بينهم مهما اختلفت وجهات النظر في المسألة المعروضة، فليس الذي يثير النزاع هو اختلاف وجهات النظر، إنما هو الهوى الذي يجعل كل صاحب وجهة يصر عليها مهما تبين له وجه الحق فيها! وإنما هو وضع (الذات) في كفة، والحق في كفة، وترجيح الذات على الحق ابتداء!)).

(5) وخامس هذه المفاتيح الصبر، وذلك قوله تعالى: (واصبروا إن الله مع الصابرين). والصبر هو الصفة التي لا بد منها لخوض المعركة، أية معركة، في ميدان النفس أم في ميدان القتال. وهذه المعية من الله هي الضمان للصابرين بالفوز والفلاح. والصبر محمود في سائر المواضع وخاصة في مواضع الحرب والقتال. والمقصود من هذه الآية أن كمال أمر الجهاد مبني على الصبر، فأمرهم به، كما قال في آية أخرى: (اصبروا وصابروا ورابطوا) (آل عمران: 200)، وبين أنه تعالى مع الصابرين، ولا شك أن المراد بهذه المعية النصرة والمعونة.

1008

(6) وسادس هذه المفاتيح التواضع وترك الكبر بإخلاص الأمور لله، وذلك قوله تعالى: (ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط). والبطر في اللغة التقوي بنعم الله عز وجل وما ألبسه من العافية على المعاصي. وقيل: البطر الطغيان في النعمة، وذلك أن النعم إذا كثرت من الله على العبد فإن صرفها إلى مرضاته وعرف أنها من الله تعالى فذاك هو الشكر، وأما إن توسل بها إلى المفاخرة على الأقران والمكاثرة على أهل الزمان فذاك هو البطر. ورئاء الناس: عبارة عن القصد إلى إظهار الجميل مع أن باطنه يكون قبيحا، والفرق بينه وبين النفاق أن النفاق إظهار الإيمان مع إبطان الكفر، والرئاء إظهار الطاعة مع إبطان المعصية. والصد عن سبيل الله بإضلال الناس. «وهذا التعليم ليحمي العصبة المؤمنة من أن تخرج للقتال متبطرة طاغية تتعاجب بقوتها! وتستخدم نعمة القوة التي أعطاها الله لها في غير ما أرادها، والعصبة المؤمنة إنما تخرج للقتال في سبيل الله، تخرج لتقرير ألوهيته سبحانه في حياة البشر، وتقرير عبودية العباد لله وحده، وتخرج لتحطيم الطواغيت التي تغتصب حق الله في تعبيد العباد له وحده، والتي تزاول الألوهية في الأرض بمزاولتها للحاكمية بغير إذن الله وشرعه، وتخرج لإعلان تحرير الإنسان في الأرض من كل عبودية لغير الله تستذل إنسانية الإنسان وكرامته، وتخرج لحماية حرمات الناس وكراماتهم وحرياتهم، لا للاستعلاء على الناس واستعبادهم والتبطر بنعمة القوة باستخدامها هذا الاستخدام المنكر، وتخرج متجردة من حظ نفسها في المعركة جملة، فلا يكون لها من النصر والغلب إلا تحقيق طاعة الله في تلبية أمره بالجهاد، وفي إقامة منهجه في الحياة، وفي إعلاء كلمته في الأرض، وفي التماس فضله بعد ذلك ورضاه، حتى الغنائم التي تخلفها المعركة فهي من فضل الله».

1009