الآيات 48-54
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ (الأنفال: 48-54)
(1) قوله تعالى: (وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم، وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم. فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه، وقال: إني بريء منكم، إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله والله شديد العقاب). قال المفسرون: «إن المشركين حين أرادوا المسير إلى بدر خافوا من بني بكر بن كنانة لأنهم كانوا قتلوا منهم واحدا، فلم يأمنوا أن يأتوهم من ورائهم، فتصور لهم إبليس بصورة سراقة بن مالك بن جعشم، وهو من بني بكر بن كنانة وكان من أشرافهم، في جند من الشياطين، ومعه راية، وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم مجيركم من بني كنانة، فلما رأى إبليس نزول الملائكة نكص على عقيبه». وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما رأى الشيطان نفسه يوما هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلا ما رأى يوم بدر» قيل: وما رأى يوم بدر يا رسول الله؟ قال «أما إنه رأى جبريل يزع الملائكة» (مالك في الموطأ). قلت: هذه النعمة من جملة النعم التي أنعم الله بها على أهل بدر رضي الله عنهم أجمعين، والغاية منها ومن ذكرها في القرآن هو البيان للمؤمنين في كل زمان ومكان أن الشيطان مع الكافرين يحرضهم على قتال المؤمنين ويحرضهم على حربهم سواء بالوسوسة أم بالتمثل في هيئة الناس، وأن الله مع المؤمنين يؤيدهم وينصرهم ويخذل الشيطان وأتباعه ويهزم المشركين مهما كان دعم الشيطان لهم ومساندته لأمرهم، وأن مشاركة الشيطان للمشركين في حربهم هي من قبيل الوسوسة والتزيين والكلام المنمق، وحين يجد الجد ويحصل اللقاء فإنه ينهزم ويهرب ليس من وجود الملائكة فحسب بل بمجرد استعانة المؤمن بالله والجهر بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم. ومن الممتع الاستماع إلى إغواء الشيطان للمشركين قبل المعركة بأنه جار لهم وأنهم منتصرون لا محالة، ثم الاستماع إلى الخطبة الرنانة التي يعلن فيها هزيمته أمام المشركين وبراءته منهم وأنه يخاف الله رب العالمين وأن الله شديد العقاب.