التفسير التربويالجزء 1 · ص 1010 - 1018

الآيات 48-54

الآيات 48-54

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ (الأنفال: 48-54)

(1) قوله تعالى: (وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم، وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم. فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه، وقال: إني بريء منكم، إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله والله شديد العقاب). قال المفسرون: «إن المشركين حين أرادوا المسير إلى بدر خافوا من بني بكر بن كنانة لأنهم كانوا قتلوا منهم واحدا، فلم يأمنوا أن يأتوهم من ورائهم، فتصور لهم إبليس بصورة سراقة بن مالك بن جعشم، وهو من بني بكر بن كنانة وكان من أشرافهم، في جند من الشياطين، ومعه راية، وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم مجيركم من بني كنانة، فلما رأى إبليس نزول الملائكة نكص على عقيبه». وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما رأى الشيطان نفسه يوما هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلا ما رأى يوم بدر» قيل: وما رأى يوم بدر يا رسول الله؟ قال «أما إنه رأى جبريل يزع الملائكة» (مالك في الموطأ). قلت: هذه النعمة من جملة النعم التي أنعم الله بها على أهل بدر رضي الله عنهم أجمعين، والغاية منها ومن ذكرها في القرآن هو البيان للمؤمنين في كل زمان ومكان أن الشيطان مع الكافرين يحرضهم على قتال المؤمنين ويحرضهم على حربهم سواء بالوسوسة أم بالتمثل في هيئة الناس، وأن الله مع المؤمنين يؤيدهم وينصرهم ويخذل الشيطان وأتباعه ويهزم المشركين مهما كان دعم الشيطان لهم ومساندته لأمرهم، وأن مشاركة الشيطان للمشركين في حربهم هي من قبيل الوسوسة والتزيين والكلام المنمق، وحين يجد الجد ويحصل اللقاء فإنه ينهزم ويهرب ليس من وجود الملائكة فحسب بل بمجرد استعانة المؤمن بالله والجهر بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم. ومن الممتع الاستماع إلى إغواء الشيطان للمشركين قبل المعركة بأنه جار لهم وأنهم منتصرون لا محالة، ثم الاستماع إلى الخطبة الرنانة التي يعلن فيها هزيمته أمام المشركين وبراءته منهم وأنه يخاف الله رب العالمين وأن الله شديد العقاب.

1010

(2) قوله تعالى: (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم! ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم). المنافقون: هم الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر. والذين في قلوبهم مرض: هم الشاكون، وهم دون المنافقين، لأنهم حديثو عهد بالإسلام، وفيهم بعض ضعف نية. قالوا عند الخروج إلى القتال وعند التقاء الصفين في معركة بدر: غر هؤلاء دينهم. أي اندفعوا وهم ثلاثمائة إلى قتال ألف بسبب إيمانهم. وفي هذه الآية تربية للمؤمنين من خلال بيان ما يقولهم المنافقون عنهم ويتهمونهم به، ومن خلال التأكيد على رعاية الله لهم ما داموا متوكلين عليه حق التوكل، فهذه الآية كقوله تعالى: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) (الطلاق: 3). قال الرازي في تفسير هذه الآية: ((أما المنافقون فهم قوم من الأوس والخزرج، وأما الذين في قلوبهم مرض فهم قوم من قريش أسلموا وما قوي إسلامهم في قلوبهم ولم يهاجروا. ثم إن قريشا لما خرجوا لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أولئك نخرج مع قومنا فإن كان محمد في كثرة خرجنا إليه، وإن كان في قلة أقمنا في قومنا. قال محمد بن إسحق: ثم قتل هؤلاء جميعا مع المشركين يوم بدر. وقوله: (غر هؤلاء دينهم) قال ابن عباس: معناه أنه خرج بثلاثمائة وثلاثة عشر يقاتلون ألف رجل، وما ذاك إلا أنهم اعتمدوا على دينهم. وقيل المراد: إن هؤلاء يسعون في قتل أنفسهم رجاء أن يجعلوا أحياء بعد الموت ويثابون على هذا القتل. ثم قال تعالى: (ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم) أي: ومن يسلم أمره إلى الله ويثق بفضله ويعول على إحسان الله، فإن الله حافظه وناصره، لأنه عزيز لا يغلبه شيء، حكيم يوصل العذاب إلى أعدائه والرحمة والثواب إلى أوليائه)).

1011

(3) قوله تعالى: (ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق. ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد). هاتين الآيتين في الذين قتلوا من الكافرين في غزوة بدر وفي كل كافر حين الاحتضار، وفيهما تربية للناس ودعوة إلى التوبة والإسلام من خلال بيان ما يؤول إليه حالهم حين الاحتضار، حيث تنزع الملائكة أرواح الكافرين نزعا بعنف وشدة إعلانا ببداية العذاب في العالم الآخر من لحظة الموت وإلى أجل لا يعلمه إلا الله. قال الرازي في تفسير هذه الآية: ((اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال هؤلاء الكفار، شرح أحوال موتهم والعذاب الذي يصل إليهم في ذلك الوقت. قال الواحدي: معنى (يتوفى الذين كفروا) يقبضون أرواحهم على استيفائها، وهذا يدل على أن الإنسان شيء مغاير لهذا الجسد، وأنه هو الروح فقط، لأن قوله: (يتوفى الذين كفروا) يدل على أنه استوفى الذات الكافرة، وذلك يدل على أن الذات الكافرة هي التي استوفيت من هذا الجسد، وهذا برهان ظاهر على أن الإنسان شيء مغاير لهذا الجسد. وقوله: (يضربون وجوههم وأدبارهم) قال ابن عباس: كان المشركون إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيف، وإذا ولوا ضربوا أدبارهم ، فلا جرم قابلهم الله بمثله في وقت نزع الروح. وأقول فيه معنى آخر ألطف منه، وهو أن روح الكافر إذا خرج من جسده فهو معرض عن عالم الدنيا مقبل على الآخرة، وهو لكفره لا يشاهد في عالم الآخرة إلا الظلمات، وهو لشدة حبه للجسمانيات ومفارقته لها لا ينال من مباعدته عنها إلا الآلام والحسرات، فسبب مفارقته لعالم الدنيا تحصل له الآلام بعد الآلام والحسرات، وبسبب إقباله على الآخرة مع عدم النور والمعرفة ينتقل من ظلمات إلى ظلمات، فهاتان الجهتان هما المراد من قوله: (يضربون وجوههم وأدبارهم). ثم قال تعالى: (وذوقوا عذاب الحريق) وفيه إضمار، والتقدير: ونقول ذوقوا عذاب الحريق ونظيره في القرآن كثير. قال ابن عباس: قول الملائكة لهم: (وذوقوا عذاب الحريق) إنما صح لأنه كان مع الملائكة مقامع، وكلما ضربوا بها التهبت النار في الأجزاء والأبعاض. قال الواحدي: والصحيح أن هذا تقوله الملائكة لهم في الآخرة. وأقول: أما العذاب الجسماني فحق وصدق، وأما الروحاني فحق أيضا لدلالة العقل عليه، وذلك لأنا بيّنا أن الجاهل إذا فارق الدنيا حصل له الحزن الشديد بسبب مفارقة الدنيا المحبوبة، والخوف الشديد بسبب تراكم الظلمات عليه في عالم الخوف والحزن، والخوف والحزن كلاهما يوجبان الحرقة الروحانية والنار الروحانية)).

1012

(4) قوله تعالى: (كدأب آل فرعون والذين من قبلهم، كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم، إن الله قوي شديد العقاب). الدأب: العادة. أي العادة في تعذيبهم عند قبض الأرواح وفي القبور كعادة آل فرعون. وقيل: المعنى جوزي هؤلاء بالقتل والسبي كما جوزي آل فرعون بالغرق. أي دأبهم كدأب آل فرعون. وقوله تعالى: (إن الله قوي شديد العقاب) الغرض منه التنبيه على أن لهم عذاباً مدخراً سوى ما نزل بهم من العذاب العاجل. وفي هذه الآية تربية للكافرين من خلال تحذيرهم من العذاب عند الاحتضار، ومن خلال تحذيرهم من العذاب يوم القيامة، فهما عذابان: معجل ومؤجل. وفي هذه الآية تحذير للأمم من الهلاك بسبب الذنوب، فالذنوب إذا عمل الناس بها علانية ولم ينكرها فئة من المجتمع كان ذلك سببا في هلاك ودمار الأمة في الدنيا بالعقوبات العامة كالبراكين والزلازل والحروب الأهلية، والأخذ بسبب الذنوب فيه تفسير لزوال الحضارات بعد قيامها كما قال الشاعر: وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت * فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.

1013

(5) قوله تعالى: (ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وأن الله سميع عليم). وفي هذه الآية بيان لسنة من سنن الله تعالى في عالم الاجتماع الإنساني، وهذه السنة تفسر لنا قيام المجتمعات الإنسانية وزوالها، كما تفسر لنا دور الجهد البشري في قيام الحضارات وزوالها، وتفسر لنا دور النوايا في تغيير أحوال الناس، فالله تعالى لا يغير أحوال الناس إلا إذا غيروا ما بداخلهم من التصورات، ومن هنا فإن صدق القلب وصفاء النية أساس في التغيير، وهذا يدل على أن بداية التغيير تكون في النفس البشرية والذات الإنسانية من خلال: التصفية ثم التربية أو كما يقول أهل المعاني: التخلية ثم التحلية، ويقول علماء الاجتماع: الهدم ثم البناء. قال صاحب الظلال في المدلول التربوي لهذه الآية: ((ولا بد أن نقف قليلا عند نص هذه الآية: (ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) إنه من جانب يقرر عدل الله في معاملة العباد، فلا يسلبهم نعمة وهبهم إياها إلا بعد أن يغيروا نواياهم، ويبدلوا سلوكهم، ويقلبوا أوضاعهم، ويستحقوا أن يغير ما بهم مما أعطاهم إياه للابتلاء والاختبار من النعمة التي لم يقدروها ولم يشكروها. ومن الجانب الآخر يكرم هذا المخلوق الإنساني أكبر تكريم حين يجعل قدر الله به ينفذ ويجري عن طريق حركة هذا الإنسان وعمله، ويجعل التغيير القدري في حياة الناس مبنيا على التغيير الواقعي في قلوبهم ونواياهم وسلوكهم وعملهم وأوضاعهم التي يختارونها لأنفسهم. ومن الجانب الثالث يلقي تبعة عظيمة تقابل التكريم العظيم على هذا الكائن، فهو يملك أن يستبقي نعمة الله عليه ويملك أن يزاد عليها إذا هو عرف فشكر، كما يملك أن يزيل هذه النعمة عنه إذا هو أنكر وبطر وانحرفت نواياه فانحرفت خطاه. وهذه الحقيقة الكبيرة تمثل جانبا من جوانب (التصور الإسلامي لحقيقة الإنسان) وعلاقة قدر الله به في هذا الوجود، وعلاقته هو بهذا الكون وما يجري فيه. ومن هذا الجانب يتبين تقدير هذا الكائن في ميزان الله، وتكريمه بهذا التقدير، كما تتبين فاعلية الإنسان في مصير نفسه وفي مصير الأحداث من حوله، فيبدوا عنصرا إيجابيا في صياغة هذا المصير بإذن الله وقدره الذي يجري من خلال حركته وعمله ونيته وسلوكه، وتنتفي عنه تلك السلبية الذليلة التي تفرضها عليه المذاهب المادية التي تصوره عنصرا سلبيا إزاء الحتميات الجبارة: حتمية الاقتصاد، وحتمية التاريخ، وحتمية التطور، إلى آخر الحتميات التي ليس للكائن الإنساني إزاءها حول ولا قوة، ولا يملك إلا الخضوع المطلق لما تفرضه عليه وهو ضائع خانع مذلول! كذلك تصور هذه الحقيقة ذلك التلازم بين العمل والجزاء في حياة هذا الكائن ونشاطه، وتصور عدل الله المطلق، في جعل هذا التلازم سنة من سننه يجري بها قدره، ولا يظلم فيها عبد من عبيده: (وأن الله ليس بظلام للعبيد)، (فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين)، (ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، والحمد لله رب العالمين)).

1014

(6) قوله تعالى: (كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكنا هم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين). هذه الآية ليست تكرارا للآية السابقة، لأن الآية السابقة ذكرت العادة في التغيير وهذه الآية ذكرت العادة في التكذيب. قال الرازي في المدلول التربوي لهذه الآيات: ((إنه تعالى ذكر مرة أخرى قوله تعالى: (كدأب آل فرعون) فذكروا فيه وجوها كثيرة: (الأول) أن الكلام الثاني يجري مجرى التفصيل للكلام الأول، لأن الكلام الأول فيه ذكر أخذهم، وفي الثاني ذكر إغراقهم وذلك تفصيل. (والثاني) أنه أريد بالأول ما نزل بهم من العقوبة في حال الموت، وبالثاني ما ينزل بهم في القبر في الآخرة. (والثالث) أن الكلام الأول هو قوله: (كفروا بآيات الله) والكلام الثاني هو قوله: (كذبوا بآيات ربهم) فالأول إشارة إلى أنهم أنكروا الدلائل الإلهية، والثاني إشارة إلى أنه سبحانه رباهم وأنعم عليهم بالوجوه الكثيرة فأنكروا دلائل التربية والإحسان مع كثرتها وتواليها عليهم، فكان الأثر اللازم من الأول هو الأخذ والأثر اللازم من الثاني هو الإهلاك والإغراق، وذلك يدل على أن لكفران النعمة أثرا عظيما في حصول الهلاك والبوار. ثم ختم تعالى الكلام بقوله: (وكل كانوا ظالمين) والمراد منه أنهم كانوا ظالمي أنفسهم بالكفر والمعصية، وظالمي سائر الناس بسبب الإيذاء والإيحاش، وأن الله تعالى إنما أهلكهم بسبب ظلمهم. وأقول في هذا المقام: اللهم أهلك الظالمين وطهر وجه الأرض منهم، فقد عظمت فتنتهم وكثر شرهم، ولا يقدر أحد على دفعهم إلا أنت، فادفع يا قهار يا جبار يا منتقم)).

1015

الآيات 55-57

قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (الأنفال: 55-57)

اعتبارا من هذه الآيات وحتى نهاية السورة أي حوالي عشرين آية، نجد موضوعا محددا، وهو الدروس المستفادة من غزوة بدر في كيفية التعامل مع المعسكرات المتنوعة في السلم والحرب، وفي كيفية البناء الداخلي للمجتمع المسلم، وفي علاقة البنية الداخلية مع المعسكرات الخارجية، وفي نظرة الإسلام إلى العهود والمواثيق في مختلف الأحوال.

(1) وصف الله تعالى في هذه الآيات قوما بأنهم شر ما دب على الأرض وذلك أنهم جمعوا بين صفتين: الاستمرار في الكفر بالله (الذين كفروا فهم لا يؤمنون)، ونقض العهد المتكرر (ثم ينقضون عهدهم في كل مرة). وحين نزول هذه الآيات بعد غزوة بدر مباشرة لم يكن أولئك القوم معروفين وإنما عُرفوا فيما بعد، وهم اليهود من بني قينقاع والنضير وقريظة الذين كانوا يسكنون حوالي المدينة، وهذا من إعجاز القرآن في إخباره عن الغيبيات. وفي هذه الآيات تربية بالعقوبة الدنيوية الشديدة التي تبث الرعب في سائر الأقوام من أن يسلكوا كهؤلاء القوم في نقض العهود فيحل بهم ما حل بأولئك القوم. وفي هذه الآيات درس لنا الآن لما نعانيه من نقض العهود من هذه الفئة الضالة الشريرة التي تحتل فلسطين وتأتسي بأسلافها من يهود المدينة في نقض العهود.

1016

(2) قال الرازي في تفسير هذه الآيات: ((اعلم أنه تعالى لما وصف كل الكفار بقوله: (وكل كانوا ظالمين) أفرد بعضهم بمزية في الشر والعناد. فقال: (إن شر الدواب عند الله) أي في حكمه وعلمه، من حصلت له صفتان: (الأولى) الكافر الذي يكون مستمرا على كفره مصرا عليه لا يتغير عنه البتة. (والثانية) أن يكون ناقضا للعهد على الدوام. فقوله: (الذين عاهدت منهم) بدل من قوله: (الذين كَفروا) أي الذين عاهدت من الذين كفروا وهم شر الدواب، وقوله: (منهم) للتبعيض فإن المعاهدة إنما تكون مع أشرافهم، وقوله: (ثم ينقضون عهدهم في كل مرة) قال أهل المعاني: إنما عطف المستقبل على الماضي لبيان أن من شأنهم نقض العهد مرة بعد مرة. قال ابن عباس: هم قريظة، فإنهم نقضوا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعانوا عليه المشركين بالسلاح في يوم بدر، ثم قالوا: أخطأنا فعاهدهم مرة أخرى فنقضوه أيضا يوم الخندق. وقوله: (وهم لا يتقون) معناه أن عادة من رجع إلى العقل والحزم أن يتقي نقض العهد حتى يسكن الناس إلى قوله ويثقوا بكلامه، فبين تعالى أن من جمع بين الكفر الدائم وبين نقض العهد على هذا الوجه كان شر الدواب. اعلم أنه تعالى تارة يرشد رسوله إلى الرفق واللطف، وتارة يرشد إلى التغليظ والتشديد كما في هذه الآية، وذلك لأنه تعالى لما ذكر الذين ينقضون عهدهم في كل مرة، بين ما يجب أن يعاملوا به فقال: (فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم) قال لليث: ثقفنا فلانا في موضع كذا، أي أخذناه وظفرنا به، والتشريد عبارة عن التفريق مع الاضطراب، يقال: شرد يشرد شرودا، وشرده تشريدا. فمعنى الآية أنك إن ظفرت في الحرب بهؤلاء الكفار الذين ينقضون العهد فافعل بهم فعلا يفرق بهم من خلفهم. قال عطاء: تثخن فيهم القتل حتى يخافك غيرهم، وقيل: نكل بهم تنكيلا يشرد غيرهم من ناقضي العهد. (لعلهم يذكرون) أي لعل من خلفهم يذكرون ذلك النكال فيمنعهم ذلك عن نقض العهد. والمعنى: فشرد تشريدا متلبسا بهم من خلفهم لأن أحد العسكرين إذا كسروا الثاني، فالكاسرون يعدون خلف المكسرين، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشردهم في ذلك الوقت)).

1017

(3) وقال صاحب الظلال في تفسير هذه الآيات: ((ولفظ (الدواب) وإن كان يشمل كل ما دب على الأرض، فيشمل الأناسي فيما يشمل، إلا أنه كما أسلفنا يلقي ظلا خاصا حين يطلق على الآدميين، ظل البهيمة، ثم يصبح هؤلاء الآدميون شر البهيمة التي تدب على الأرض! وهؤلاء هم الذين كفروا حتى بلغ بهم الكفر ألا يصير حالهم إلى الإيمان! وهم الذين ينقضون عهدهم في كل مرة ولا يتقون الله في مرة! وقد وردت روايات متعددة في المقصودين بهذا النص، قيل: إنهم بنو قريظة، وقيل: إنهم بنو النضير، وقيل: إنهم بنو قينقاع، وقيل: إنهم الأعراب الذين كانوا حول المدينة من المشركين. والنص والواقع التاريخي كلاهما يحتمل أن يكونوا هؤلاء جميعا. فلقد نقض اليهود عهودهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم طائفة فطائفة، كما أنه قد تكرر نقض المشركين لعهودهم أيضا، والمهم أن نعلم أن هذه النصوص تتحدث عن حالة واقعة قبل بدر وبعدها، إلى حين نزول هذه الآيات، ولكن الحكم الصادر فيها، المصور لطبيعة الناقضين للعهد يصور حالة دائمة، ويقرر صفة ثابتة. فهؤلاء الذين كفروا ولجُّوا في الكفر (فهم لا يؤمنون) ففسدت بذلك فطرتهم، وباتوا بذلك شر الدواب عند الله. هؤلاء الذين ينقضون كل عهد أبرموه، فتجردوا بذلك من خصيصة إنسانية أخرى، خصيصة التقيد بالعهد، وانطلقوا من كل قيد، كما تنطلق البهيمة، لولا أن البهيمة مقيدة بضوابط فطرتها، وهؤلاء لا ضابط لهم، فهم بذلك شر الدواب عند الله! هؤلاء الذين لا يستطيع أحد أن يطمئن إلى عهدهم وجوارهم، جزاؤهم هو حرمانهم الأمن كما حرموا غيرهم الأمن، وجزاؤهم هو تخويفهم وتشريدهم، والضرب على أيديهم بشدة لا ترهبهم وحدهم، إنما ترهب من يتسامع بهم ممن وراءهم من أمثالهم، والرسول صلى الله عليه وسلم ومن بعده من المسلمين مأمورون إذا التقوا بأمثال هؤلاء في القتال أن يصنعوا بهم ذلك الصنيع: (فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون). وإنه لتعبير عجيب، يرسم صورة للأخذ المفزع، والهول المرعب، الذي يكفي السماع به للهرب والشرود. فما بال من يحل به هذا العذاب الرعيب؟ إنها الضربة المروّعة يأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ بها هؤلاء الذين مردوا على نقض العهد، وانطلقوا من ضوابط الإنسان، ليؤمن المعسكر الإسلامي أولا، وليدمر هيبة الخارجين عليه أخيرا، وليمنع كائنا من كان أن يجرؤ على التفكير في الوقوف في وجه المد الإسلامي من قريب أو من بعيد. إنها طبيعة هذا المنهج التي يجب أن تستقر صورتها في قلوب العصبة المسلمة. إن هذا الدين لا بد له من هيبة، ولا بد له من قوة، ولا بد له من سطوة، ولا بد له من الرعب الذي يزلزل الطواغيت حتى لا تقف للمد الإسلامي، وهو ينطلق لتحرير (الإنسان) في (الأرض) من كل طاغوت. والذين يتصورون أن منهج هذا الدين هو مجرد الدعوة والتبليغ، في وجه العقبات المادية من قوى الطاغوت، هم ناس لا يعرفون شيئا عن طبيعة هذا الدين!)).

1018