التفسير التربويالجزء 1 · ص 1028 - 1038

الآيات 70-71

الآيات 70-71

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: 70-71)

(1) تدخل هذه الآيات في إطار علم النفس التربوي الإصلاحي. لأنها تعالج مشكلة متكررة بالمعنى الاجتماعي، وذلك أن بعض من يقع في الأسر أو يقع في قبضة الأعداء أو يقع في قبضة العدالة والقضاء يطلب عفوا مشروطا بالتوبة وعدم الرجوع إلى الذنب بناء على أنه كان مكرها في فعله أو نادما عن هذا الفعل ولن يعود له إذا أطلق سراحه، والمشكلة هنا عند صاحب القرار بالعفو أن هذه الفئة من الناس تتشابه مع فئة أخرى تعيش الظروف نفسها وتطلب العفو المشروط نفسه ولكنها تبيت في نفسها أنها ستعود إلى ما كانت عليه، أو أنها لا تبيت هذه العودة ولكنها ما إن تمتلك حريتها حتى تعود إلى الحالة السابقة، وهنا يعالج القرآن هذه الحالة بخطاب دواخل النفس الإنسانية عند أصحاب العفو المشروط بأن يقول لهم: إنكم أمام إحدى حالتين: إما أنكم ظلمتم بناء على ظاهر أمركم والله تعالى سيرفع عنكم الظلم وسوف يعوضكم عما خسرتموه، أو أنكم تبيتون الخيانة وهي العودة إلى الفعل السابق والله تعالى سيعاقبكم وينتقم منكم في الدنيا قبل الآخرة، وفي الحالتين يرجع الله تعالى هؤلاء الناس إلى التجارب التي مروا بها أو سمعوا بها كي يتأكد لهم علمه تعالى الذي لا يخفى عليه خافية وحكمته تعالى التي تضع الأمور في مواضعها الصحيحة بعد وزنها بالموازين الدقيقة.

1028

(2) وفي سبب نزول هذه الآيات قال الرازي في تفسيره: ((اعلم أن الرسول لما أخذ الفداء من الأسارى وشق عليهم أخذ أموالهم منهم، ذكر الله هذه الآية استمالة لهم فقال: (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى). قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في العباس وعقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث. كان العباس أسيرا يوم بدر ومعه عشرون أوقية من الذهب أخرجها ليطعم الناس، وكان أحد العشرة الذين ضمنوا الطعام لأهل بدر فلم تبلغه النوبة حتى أسر، فقال العباس: كنت مسلما إلا أنهم أكرهوني، فقال عليه الصلاة والسلام: (إن يكن ما تذكره حقا فالله يجزيك، فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا). قال العباس: فكلمت رسول الله أن يرد ذلك الذهب علي، فقال: (أما شيء خرجت لتستعين به علينا فلا). قال: وكلفني الرسول فداء ابن أخي عقيل بن أبي طالب عشرين أوقية، وفداء نوفل بن الحارث. فقال العباس: تركتني يا محمد أتكفف قريشا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة وقلت لها: لا أدري ما يصيبني، فإن حدث بي حادث فهو لك ولعبد الله وعبيد الله والفضل)؟. فقال العباس: وما يدريك؟. قال: (أخبرني به ربي). قال العباس: فأنا أشهد أنك صادق وأن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، والله لم يطلع عليه أحد إلا الله، ولقد دفعته إليها في سواد الليل، ولقد كنت مرتابا في أمرك، فأما إذ أخبرتني بذلك فلا ريب. قال العباس: فأبدلني الله خيرا من ذلك، لي الآن عشرون عبدا، وإن أدناهم ليضرب في عشرين ألفا، وأعطاني زمزم، وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي. وروي أنه قدم على رسول الله مال البحرين ثمانون ألفا، فتوضأ لصلاة الظهر وما صلى حتى فرقه، وأمر العباس أن يأخذ منه، فأخذ ما قدر على حمله، وكان يقول: هذا خير مما أخذ مني، وأنا أرجو المغفرة. واختلف المفسرون في أن الآية نازلة في العباس خاصة، أو في جملة الأسارى. قال قوم: إنها في العباس خاصة، وقال آخرون: إنها نزلت في الكل، وهذا أولى، لأن ظاهر الآية يقتضي العموم من ستة أوجه: (أحدها) قوله: (قل لمن في أيديكم). (وثانيها) قوله: (من الأسرى). (وثالثها) قوله: (في قلوبكم). (ورابعها) قوله: (يؤتكم خيرا). (وخامسها) قوله: (مما أخذ منكم). (وسادسها) قوله: (ويغفر لكم). فلما دلت هذه الألفاظ الستة على العموم، فما الموجب للتخصيص؟ أقصى ما في الباب أن يقال: سبب نزول الآية هو العباس، إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب)).

1029

الآيات 72-75

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: 72-75)

قال صاحب الظلال في موضوع هذه الآيات التي ختم الله بها سورة الأنفال: «وأخير يختم هذا الدرس، وتختم السورة معه، ببيان طبيعة العلاقات في المجتمع المسلم، وطبيعة العلاقات بينه وبين المجتمعات الأخرى، وبيان الأحكام المنظمة لهذه العلاقات وتلك، ومنه تتبين طبيعة المجتمع المسلم ذاته، والقاعدة التي ينطلق منها والتي يقوم عليها كذلك، إنها ليست علاقات الدم، ولا علاقات الأرض، ولا علاقات الجنس، ولا علاقات التاريخ، ولا علاقات اللغة، ولا علاقات الاقتصاد، ليست هي القرابة، وليست هي الوطنية، وليست هي القومية، وليست هي المصالح الاقتصادية، إنما هي علاقة العقيدة، وعلاقة القيادة، وعلاقة التنظيم الحركي. فالذين آمنوا وهاجروا إلى دار الهجرة والإسلام، متجردين من كل ما يمسكهم بأرضهم وديارهم وقومهم ومصالحهم، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، والذين آووهم ونصروهم ودانوا معهم لعقيدتهم وقيادتهم في تجمع حركي واحد، أولئك بعضهم أولياء بعض، والذين آمنوا ولم يهاجروا ليس بينهم وبين المجتمع المسلم ولاية، لأنهم لم يتجردوا بعد للعقيدة، ولم يدينوا بعد للقيادة، ولم يلتزموا بعد بتعليمات التجمع الحركي الواحد، وفي داخل هذا التجمع الحركي الواحد تعتبر قرابة الدم أولى في الميراث وغيره. والذين كفروا بعضهم أولياء بعض كذلك. هذه هي الخطوط الرئيسية في العلاقات والارتباطات، كما تصورها هذه النصوص الحاسمة».

(1) هذه الآيات قسّمت المؤمنين إلى أربعة أقسام: المهاجرين الأوائل (الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا)، والأنصار (والذين آووا ونصروا)، والذين آمنوا ولم يهاجروا، والذين جاؤوا من بعدهم (والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم). وذلك أنه عليه الصلاة والسلام ظهرت نبوته بمكة ودعا الناس هناك إلى الدين، ثم انتقل من مكة إلى المدينة، فحين هاجر من مكة إلى المدينة صار المؤمنون على قسمين منهم من وافقه في تلك الهجرة، ومنهم من لم يوافقه فيها بل بقي هناك، والقسم الثالث هم الأنصار أصحاب دار الهجرة المؤمنون في المدينة.

1030

(2) وقد وصف الله تعالى المهاجرين الأوائل بأربع صفات. وفي ذلك تربية لعامة المؤمنين على التأسي بهم والاقتداء بصفاتهم، وهذه الصفات هي: (الصفة الأولى) أنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وقبلوا جميع التكاليف التي بلغها محمد صلى الله عليه وسلم ولم يتمردوا، وذلك قوله: (إن الذين آمنوا). (والصفة الثانية) قوله: (وهاجروا) يعني: فارقوا الأوطان وتركوا الأهل والأقارب والجيران في سبيل الله وابتغاء مرضاته، وهي حالة نفسية وجسدية شديدة على صاحبها، وقد جعل الله تعالى مفارقة الأوطان معادلة لقتل النفس فقال في صفة قوم سابقين: (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم) (النساء: 66). (والصفة الثالثة) قوله: (وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله) والجهاد بالمال فلأنهم لما فارقوا الأوطان فقد ضاعت دورهم ومساكنهم وضياعهم ومزارعهم وبقيت في أيدي أعدائهم، وكانوا بعد ذلك ينفقون أموالهم لتجهيز الغزوات. وأما الجهاد بالنفس فلأنهم كانوا أقدموا على محاربة بدر من غير آلة ولا أهبة ولا عدة مع الأعداء الموصوفين بالكثرة والشدة، وذلك يدل على أنهم أزالوا أطماعهم عن الحياة وبذلوا أنفسهم في سبيل الله. (والصفة الرابعة) هي أنهم كانوا أول الناس إقداما على هذه الأفعال والتزاما لهذه الأحوال، ولهذه السابقة أثر عظيم في تقوية الدين كما للسابقة في الإسلام أثرها في خدمة الدين. قال تعالى: (قل لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وكلا وعد الله الحسنى) (الحديد: 10). وإنما كان السبق موجبا للفضيلة لأن إقدامهم على هذه الأفعال يوجب اقتداء غيرهم بهم فيصير ذلك سبباً للقوة أو الكمال. فحصول هذه الصفات الأربعة للمهاجرين الأولين يدل على غاية الفضيلة ونهاية المنقبة، وذلك يوجب الاعتراف بكونهم رؤساء المسلمين وسادتهم.

1031

(3) والقسم الثاني من المؤمنين هم الأنصار الذين وصفهم الله تعالى بقوله: (والذين آووا ونصروا). وقد اشترك الأنصار مع المهاجرين بالإيمان والجهاد في سبيل الله وتميزوا عنهم بأنهم لم يهاجروا لأن الهجرة كانت إلى مدينتهم ولكنهم قابلوا الهجرة بالإيواء والنصرة والمقاسمة في المال والأهل والطعام والأرض، ولولا الأنصار لما تم المقصود من الدين وهو قيامه ودولته وشوكته. وقد ذهب كثير من العلماء إلى تفضيل المهاجرين على الأنصار، فقال الرازي في تفسيره: ((ويجب أن يكون حال المهاجرين أعلى في الفضيلة من حال الأنصار لوجوه: (أولها) أنهم هم السابقون في الإيمان الذي هو رئيس الفضائل وعنوان المناقب. (وثانيها) أنهم تحملوا العناء والمشقة دهرا دهيرا، وزمانا مديدا من كفار قريش وصبروا عليه، وهذه الحال ما حصلت للأنصار. (وثالثها) أنهم تحملوا المضار الناشئة من مفارقة الأوطان والأهل والجيران، ولم يحصل ذلك للأنصار. (ورابعها) أن فتح الباب في قبول الدين والشريعة من الرسول عليه الصلاة والسلام إنما حصل من المهاجرين، والأنصار اقتدوا بهم وتشبهوا بهم، وقد ذكرنا أنه عليه الصلاة والسلام قال: (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) (البخاري ومسلم) فوجب أن يكون المقتدي أقل مرتبة من المقتدى به. فجملة هذه الأحوال توجب تقديم المهاجرين الأولين على الأنصار في الفضل والدرجة والمنقبة، فلهذا السبب أينما ذكر الله هذين الفريقين قدم المهاجرين على الأنصار وعلى هذا الترتيب ورد ذكرهما في هذه الآية)).

1032

(4) قوله تعالى: (أولئك بعضهم أولياء بعض). قال البغوي في تفسيره (معالم التنزيل): ((أولئك بعضهم أولياء بعض) يعني: دون أقربائهم من الكفار. قيل: في العون والنصرة. وقال ابن عباس: في الميراث. وكانوا يتوارثون بالهجرة، فكان المهاجرون والأنصار يتوارثون دون ذوي الأرحام، وكان من آمن ولم يهاجر لا يرث من قريبه المهاجر حتى كان فتح مكة وانقطعت الهجرة، وتوارثوا بالأرحام حيث ما كانوا، وصار ذلك منسوخا بقوله عز وجل: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) (الأحزاب: 6)). وقال الرازي في تفسيره (مفاتيح الغيب): ((واعلم أن الله تعالى لما ذكر هذين القسمين في هذه الآية قال: (أولئك بعضهم أولياء بعض) واختلفوا في المراد بهذه الولاية، فنقل الواحدي عن ابن عباس والمفسرين كلهم أن المراد هو الولاية في الميراث، وقالوا جعل الله تعالى سبب الإرث الهجرة والنصرة دون القرابة، وكان القريب الذي آمن ولم يهاجر لم يرث من أجل أنه لم يهاجر ولم ينصر. واعلم أن لفظ الولاية غير مشعر بهذا المعنى لأن هذا اللفظ مشعر بالقرب على ما قررناه في مواضع من هذا الكتاب. ويقال: (السلطان ولي من لا ولي له) ولا يفيد الإرث وقال تعالى: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (يونس:62) ولا يفيد الإرث، بل الولاية تفيد القرب فيمكن حمله على غير الإرث، وهو كون بعضهم معظما للبعض مهتما بشأنه مخصوصا بمعاونته ومناصرته، والمقصود أن يكونوا يدا واحدة على الأعداء، وأن يكون حب كل واحد لغيره جاريا مجرى حبسه لنفسه، وإذا كان اللفظ محتملا لهذا المعنى كان حمله على الإرث بعيدا عن دلالة اللفظ لاسيما وهم يقولون: إن ذلك الحكم صار منسوخا بقوله تعالى في آخر الآية: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض) وأي حاجة تحملنا على حمل اللفظ على معنى لا إشعار لذلك اللفظ به، ثم الحكم بأنه صار منسوخا بآية أخرى مذكورة معه، هذا في غاية البعد، اللهم إلا إذا حصل إجماع المفسرين على أن المراد ذلك ، فحينئذ يجب المصير إليه إلا أن دعوى الإجماع بعيد)).

1033

(5) قوله تعالى: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا، وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق، والله بما تعملون بصير). وهذا هو القسم الثالث من المؤمنين وهم الذين آمنوا ولم يهاجروا إلى المدينة قبل فتح مكة، وقد ذكر الله تعالى في أحكامهم: نفي الولاية بينهم وبين المهاجرين حتى يهاجروا، وأثبت لهم النصرة إلا على قوم بينهم وبين المهاجرين ميثاق. قال الرازي في تفسير هذه الآية: ((اعلم أن الولاية المنفية في هذه الصورة هي الولاية المثبتة في القسم الذي تقدم، فمن حمل تلك الولاية على الإرث زعم أن الولاية المنفية هنا هي الإرث، ومن حمل تلك الولاية على سائر الاعتبارات المذكورة فكذا هنا. واحتج الذاهبون إلى أن المراد من هذه الولاية الإرث بأن قالوا: لا يجوز أن يكون المراد منها الولاية بمعنى النصرة والدليل عليه أنه تعالى عطف عليه قوله: (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر) ولا شك أن ذلك عبارة عن الموالاة في الدين والمعطوف مغاير للمعطوف عليه، فوجب أن يكون المراد بالولاية المذكورة أمرا مغايرا لمعنى النصرة. وهذا الاستدلال ضعيف لأنا حملنا تلك الولاية على التعظيم والإكرام وهو أمر مغاير للنصرة، ألا ترى أن الإنسان قد ينصر بعض أهل الذمة في بعض المهمات وقد ينصر عبده وأمته بمعنى الإعانة مع أنه لا يواليه بمعنى التعظيم والإجلال فسقط هذا الدليل. واعلم أن قوله تعالى: (ما لكم من ولايتهم من شيء) يوهم أنهم لما لم يهاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سقطت ولايتهم مطلقا، فأزال الله تعالى هذا الوهم بقوله: (حتى يهاجروا) يعني أنهم لو هاجروا لعادت تلك الولاية وحصلت، والمقصود منه الحمل على المهاجرة والترغيب فيها لأن المسلم متى سمع أن الله تعالى يقول: إن قطع المهاجرة يقطع الولاية بينه وبين المسلمين ولو هاجر حصلت تلك الولاية وعادت على أكمل الوجوه فلا شك أن هذا يصير مرغبا له في الهجرة، والمقصود من المهاجرة كثرة المسلمين واجتماعهم، وإعانة بعضهم لبعض، وحصول الألفة الشوكة وعدم التفرقة. واعلم أنه تعالى لما بين الحكم في قطع الولاية بين تلك الطائفة من المؤمنين، بين أنه ليس المراد منه المقاطعة التامة كما في حق الكفار بل هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا إن استنصروكم فانصروهم ولا تخذلوهم. روي أنه لما نزل قوله تعالى: (ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا) قام الزبير وقال: فهل نعينهم على أمر إن استعانوا بنا؟ فنزل: (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر). ثم قال تعالى: (إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق) والمعنى أنه لا يجوز لكم نصرهم عليهم إذ الميثاق مانع من ذلك)). وذهب ابن كثير وغيره من المفسرين إلى أن الولاية المنفية في هذه الآية هي النصيب في الغنيمة والفيء فقال: ((هذا هو الصنف الثالث من المؤمنين، وهم الذين آمنوا ولم يهاجروا، بل أقاموا في بَوَاديهم، فهؤلاء ليس لهم في المغانم نصيب، ولا في خُمسها إلا ما حضروا فيه القتال، قال بُرَيْدة بن الحُصَيب الأسلمي رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا على سرية أو جيش، أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، وقال: (اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال فأيتهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم، وكفَّ عنهم: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم. ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين، وأن عليهم ما على المهاجرين. فإن أبوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين. فإن هم أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله ثم قاتلهم) (أحمد ومسلم)).

1034

(6) قوله تعالى: (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق). تحدد هذه الآية طبيعة العلاقة بين المؤمنين المهاجرين والمؤمنين الذين لم يهاجروا، فإذا طلب المؤمنون الذين لم يهاجروا النصر من المؤمنين المهاجرين على أساس الدين فعليهم أن ينصروهم على المشركين لأن ترك نصرتهم يجر إلى مفسدة، فيقال تركوا إخوانهم يقتلون ولم يدافعوا عنهم. ثم استثنى من وجوب النصرة فقال: (إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق) لأن استنصارهم يوقع بين مفسدتين: ترك نصرة المؤمن، ونقض العهد، وهو أعظمهما، فقدمت مراعاته وتركت نصرتهم. فإن نصرهم الله على الكفار فهو المراد من غير أن تدنسوا بنقض، وإن ظفر الكفار بهم حصل لمن قتل منهم الشهادة، ولمن بقي الضمان بالكفاية، وكان ذلك داعيا لهم إلى الهجرة، ومن ارتد منهم أبعده الله ولن يضر إلا نفسه والله غنى حميد.

1035

(7) قوله تعالى: (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير). قال البقاعي في تفسيره (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور): ((ولما بين شرط موالاة المسلم، بين مولاة الكافر وما يجب من مناظرتهم ومباراتهم فيها، وأنه لا شرط لها غير مطلق الكفر فإنه وإن اختلفت أنواعه وتباعدت أنحاؤه يجمعه عداوة الله وولاية الشيطان فقال: (والذين كفروا) أي أوجدوا هذا الوصف على أي حال كانوا فيه، (بعضهم أولياء بعض) أي في الميراث والنصرة وغيرهما، وهو خبر محض مشير إلى نهي المسلم عن موالاتهم، وأما الذي مضى في حق المؤمنين فهو أمر في صورة الخبر وصيغته، يعني أن في كل من الكفار قوة الموالاة للآخر عليكم والميل العظيم الحاث لهم على المسارعة في ذلك وإن اشتدت عداوة بعضهم لبعض لأنكم حزب وهم حزب، يجمعهم داعي الشيطان بوصف الكفران كما يجمعكم داعي الرحمن بوصف الإيمان، قال أبو حيان: كانوا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم يعادي أهل الكتاب منهم قريشا ويتربصون بهم الدوائر، فصاروا بعد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم يوالي بعضا وإلبا واحدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى. وما ذكره مذكور في السير مشهور عند أهل الأثر. (إلا تفعلوه) أي مثله من تولي المؤمنين ومعاداة الكافرين كما يفعل الكفار بالتعاضد والتعاون بالنفس والمال، كما أرصدوا مال العير الذي فاتكم حتى استعانوا به على قتالكم في أحد، فاللائق بكم أن تكونوا أعظم منهم في ذلك، لأنهم يريدون بذلك رم واهي دنياهم الفانية وأنتم تبنون آخرتكم الباقية، وداعيكم ولي غني وداعيهم عدو دنيء فضلا عن أن تنزلوا إلى حضيض التنازع في الغنائم. (تكن فتنة) أي عظيمة (في الأرض) أي خلطة مميلة للمقاصد عن وجوهها (وفساد كبير) أي ينشأ عن تلك الفتنة، والكبير ناظر إلى العظم، وقرئ شاذا بالمثلثة فيكون عظمه حينئذ مخصوصا بالأنواع، وبيان الفساد أنه إذا قارب المؤمن الكافر والكافر المؤمن وتناصروا أو ترك المؤمنون التناصر فيما بينهم انخّل النظام فاختل كل من النقض والإبرام، فاختلف الكلام فتباعدت القلوب، فتزايدت الكروب، فالواجب عليكم أن تكونوا إلبا واحدا ويدا واحدة في الموالاة وتقاطعوا الكفار بكل اعتبار ليقوم أمركم، وتطيب حياتكم، وتصلح غاية الصلاح دنياكم وآخرتكم. والآية شاملة لكل ما يسمى توليا حتى في الإرث وقتال الكفار ومدافعة المسلمين بالأمر والإنكار، ولما ترك بعض العلماء إعانة بعض حصل ما خوف الله تعالى منه من الفتنة والفساد حتى صار الأمر إلى ما ترى من علو المفسدين وضعف أهل الدين، فالأمر بالمعروف فيهم في غاية الذل والغربة، يرد عليه أدنى الناس فلا يجد له ناصرا، ويجد ذلك الآخر له على الرد أعواناً كثيرة، وصار أحسن الناس حالا مع الأمراء وأعظمهم له محبة من يقنع بلومه على فعله ظنا منه أن ذلك شفقة عليه, والله المستعان)).

1036

(8) قوله تعالى: (والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله، والذين آووا ونصروا، أولئك هم المؤمنون حقا، لهم مغفرة ورزق كريم). وفي هذه الآية أعاد الله تعالى ذكر القسمين الأولين من المؤمنين وهما: المهاجرون والأنصار تكريما لهم وبيانا لفضلهم وعلو منزلتهم في الدنيا والآخرة. وهذه الآية ليست تكرار لأنه تعالى ذكرهم أولا ليبين حكمهم وهو ولاية بعضهم بعضا، ثم إنه تعالى ذكرهم هنا لبيان تعظيم شأنهم وعلو درجتهم، وبيانه أن الإعادة تدل على مزيد الاهتمام بحالهم وذلك يدل على الشرف التعظيم، وأنه تعالى أثنى عليهم هنا من ثلاثة أوجه: (أولها) قوله: (أولئك هم المؤمنون حقا)، فقوله: (أولئك هم المؤمنون) يدل على الحصر، وقوله: (حقا) يفيد المبالغة في وصفهم بكونهم محقين في طريق الدين. (وثانيها) قوله: (لهم مغفرة) وتنكير لفظ المغفرة يدل على العموم والكمال، والمعنى : لهم مغفرة تامة كاملة عن جميع الذنوب والتبعات. (وثالثها) قوله: (ورزق كريم) والمراد منه الثواب الرفيع الشريف. والحاصل : أنه تعالى شرح حالهم في الدنيا وفي الآخرة، أما في الدنيا فقد وصفهم بقوله: (أولئك هم المؤمنون حقا)، وأما في الآخرة فالمقصود إما دفع العقاب، أو جلب الثواب، أما دفع العقاب فهو المراد من قوله: (لهم مغفرة)، وأما جلب الثواب فهو المراد من قوله: (ورزق كريم).

(9) قوله تعالى: (والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم). وهؤلاء هم القسم الرابع من أقسام المؤمنين، وهم الذين هاجروا بعد الحديبية وبيعة الرضوان، وذلك أن الهجرة من بعد ذلك كانت أقل رتبة من الهجرة الأولى. والهجرة الثانية هي التي وقع فيها الصلح ووضعت الحرب أوزارها نحو عامين ثم كان فتح مكة. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا» (البخاري ومسلم). فبيّن الله تعالى أن من آمن وهاجر من بعد يلتحق بهم. ومعنى (منكم) أي: مثلكم في النصر والموالاة. وقوله تعالى: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) المراد منه كما قال جمهور المفسرين أن الميراث أصبح بالقرابة بعد أن كان الميراث بالإخاء بين المهاجرين والأنصار والحلف والهجرة والنصرة. وقوله: (في كتاب الله) المراد منه السهام المذكورة في سورة النساء. ثم ختم الله تعالى هذه السورة بقوله: (إن الله بكل شيء عليم) والمراد أن هذه الأحكام التي ذكرها وفصلها كلها حكمة وصواب وصلاح، وليس فيها شيء من العبث والباطل، لأن العالم بجميع المعلومات لا يحكم إلا بالصواب، والله أعلم .

1037

قال أبو حيان الأندلسي في تفسيره (البحر المحيط): ((والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم) يعني الذين لحقوا بالهجرة من سبق إليها فحكم تعالى بأنهم من المؤمنين السابقين في الثواب والأجر وإن كان للسابقين شفوف السّبق وتقدّم الإيمان والهجرة والجهاد. ومعنى (من بعد) أي: من بعد الهجرة الأولى وذلك بعد الحديبية قاله ابن عباس، وزاد ابن عطية: وبيعة الرضوان، وذلك أنّ الهجرة من بعد ذلك كانت أقل رتبة من الهجرة قبل ذلك، وكان يقال لها الهجرة الثانية لأن الحرب وضعت أوزارها نحو عامين ثم كان فتح مكة. وبه قال عليه الصلاة والسلام: (لا هجرة بعد الفتح). وقال الطبري: (من بعد) ما بينت حكم الولاية فكان الحاجز بين الهجرتين نزول الآية، فأخبر تعالى في هذه الآية أنهم من الأولين في المؤازرة وسائر أحكام الإسلام، وقيل: من بعد يوم بدر، وقال الأصم: من بعد الفتح. وفي قوله (معكم) إشعار أنهم تبع لا صدر، كما قال (فأولئك مع المؤمنين) وكذلك (فأولئك منكم)، كما جاء: مولى القوم منهم وابن أخت القوم منهم. (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إنّ الله بكل شيء عليم) أي: وأصحاب القرابات، ومن قال: إن قوله في المؤمنين المهاجرين والأنصار (بعضهم أولياء بعض) في المواريث بالأخوّة التي كانت بينهم، قال: هذه في المواريث، وهي نسخ للميراث بتلك الأخوة، وإيجاب أن يرث الإنسان قريبة المؤمن وإن لم يكن مهاجرا، واستدل بها أصحاب أبي حنيفة على توريث ذوي الأرحام، وقالت فرقة منهم مالك: ليست في المواريث وهذا فرار عن توريث الخال والعمة ونحو ذلك، وقالت فرقة: هي في المواريث إلا أنها نسختها آية المواريث المبيّنة، والظاهر أن (كتاب الله) هو القرآن المنزل وذلك في آية المواريث، وقيل: في كتاب الله السابق اللوح المحفوظ، وقيل: في كتاب الله في هذه الآية المنزلة، وقال الزجاج: في حكمه، وتبعه الزمخشري فقال: في حكمه وقسمته. وختم السورة بقوله: (إن الله بكل شيء عليم) في غاية البراعة، إذ قد تضمنت أحكاما كثيرة في مهمات الدين وقوامه وتفصيلا لأحواله، فصفة العلم تجمع ذلك كله وتحيط بمبادئه وغاياته)).

1038