الآيات 58-63
قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: 58-63)
(1) قوله تعالى: (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين). وفي هذه الآية حكم آخر في موضوع نقض العهود، فالآيات السابقة في قوم ينقضون العهود مرة بعد مرة، وأما هذه الآية ففي يقوم يظهر منهم نقض العهد أو يظهر منهم أمارات نقض العهد، فإن ظهر نقض العهد من قوم ظهورا مقطوعا به فللمسلمين مقاتلتهم دون إعلامهم، وأما إذا ظهرت أمارات تدل على نقض العهد فيجب على المسلمين إعلامهم بنبذ العهد قبل مقاتلتهم. قال أهل العلم: آثار نقض العهد إذا ظهرت، فإما أن تظهر ظهورا محتملا أو ظهورا مقطوعا به، فإن كان الأول وجب الإعلام على ما هو مذكور في هذه الآية، وذلك لأن قريظة عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله فحصل لرسول الله خوف الغدر منهم به وبأصحابه فهنا يجب على الإمام أن ينبذ إليهم عهودهم على سواء ويؤذنهم بالحرب. وأما إذا ظهر نقض العهد ظهورا مقطوعا به فهنا لا حاجة إلى نبذ العهد كما فعل رسول الله بأهل مكة فإنهم لما نقضوا العهد بقتل خزاعة وهم من ذمة النبي صلى الله عليه وسلم وصل إليهم جيش رسول الله بمر الظهران، وذلك على أربعة فراسخ من مكة. قال النحاس: «هذه الآية من معجز ما جاء في القرآن مما لا يوجد في الكلام مثله على اختصاره وكثرة معانيه».
(2) قوله تعالى: (ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا، إنهم لا يعجزون). اعلم أنه تعالى لما بين ما يفعل الرسول في حق من يجده في الحرب ويتمكن منه، وذكر أيضاً ما يجب أن يفعله فيمن ظهر منه نقض العهد، بين في هذه الآية حال من فاته في يوم بدر لئلا يبقى حسرة في قلبه، فقد كان فيهم من بلغ في أذية الرسول عليه الصلاة والسلام مبلغا عظيما. ومعنى سبقوا أي أفلتوا من وقعة بدر فلم يقتلوا، ومعنى (إنهم لا يعجزون) قيل: في الدنيا حتى يظفر الله بهم رسوله صلى الله عليه وسلم، وقيل: في الآخرة بالعذاب من الله تعالى. وفي هذه الآية تربية بالتهديد لأولئك الذين يفلتون من العقاب حين العقاب، ودعوة لهم إلى التوبة للنجاة من العقوبة التي لابد أن يقعوا فيها إن عاجلا أو آجلا.