التفسير التربويالجزء 1 · ص 1019 - 1027

الآيات 58-63

الآيات 58-63

قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: 58-63)

(1) قوله تعالى: (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين). وفي هذه الآية حكم آخر في موضوع نقض العهود، فالآيات السابقة في قوم ينقضون العهود مرة بعد مرة، وأما هذه الآية ففي يقوم يظهر منهم نقض العهد أو يظهر منهم أمارات نقض العهد، فإن ظهر نقض العهد من قوم ظهورا مقطوعا به فللمسلمين مقاتلتهم دون إعلامهم، وأما إذا ظهرت أمارات تدل على نقض العهد فيجب على المسلمين إعلامهم بنبذ العهد قبل مقاتلتهم. قال أهل العلم: آثار نقض العهد إذا ظهرت، فإما أن تظهر ظهورا محتملا أو ظهورا مقطوعا به، فإن كان الأول وجب الإعلام على ما هو مذكور في هذه الآية، وذلك لأن قريظة عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله فحصل لرسول الله خوف الغدر منهم به وبأصحابه فهنا يجب على الإمام أن ينبذ إليهم عهودهم على سواء ويؤذنهم بالحرب. وأما إذا ظهر نقض العهد ظهورا مقطوعا به فهنا لا حاجة إلى نبذ العهد كما فعل رسول الله بأهل مكة فإنهم لما نقضوا العهد بقتل خزاعة وهم من ذمة النبي صلى الله عليه وسلم وصل إليهم جيش رسول الله بمر الظهران، وذلك على أربعة فراسخ من مكة. قال النحاس: «هذه الآية من معجز ما جاء في القرآن مما لا يوجد في الكلام مثله على اختصاره وكثرة معانيه».

(2) قوله تعالى: (ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا، إنهم لا يعجزون). اعلم أنه تعالى لما بين ما يفعل الرسول في حق من يجده في الحرب ويتمكن منه، وذكر أيضاً ما يجب أن يفعله فيمن ظهر منه نقض العهد، بين في هذه الآية حال من فاته في يوم بدر لئلا يبقى حسرة في قلبه، فقد كان فيهم من بلغ في أذية الرسول عليه الصلاة والسلام مبلغا عظيما. ومعنى سبقوا أي أفلتوا من وقعة بدر فلم يقتلوا، ومعنى (إنهم لا يعجزون) قيل: في الدنيا حتى يظفر الله بهم رسوله صلى الله عليه وسلم، وقيل: في الآخرة بالعذاب من الله تعالى. وفي هذه الآية تربية بالتهديد لأولئك الذين يفلتون من العقاب حين العقاب، ودعوة لهم إلى التوبة للنجاة من العقوبة التي لابد أن يقعوا فيها إن عاجلا أو آجلا.

1019

(3) قوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم، وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون). وفي هذه الآية ترغيب في إعداد العدة للقتال في سبيل الله، وترغيب على الإنفاق في سبيل الله، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيا في سبيل الله بخير فقد غزا» (البخاري). ومعنى خلف غازيا: أي أنفق على أهله. وقوله تعالى: (وأعدوا لهم): أمر الله سبحانه المؤمنين بإعداد القوة للأعداء بعد أن أكد تقدمة التقوى. فإن الله سبحانه لو شاء لهزمهم بالكلام والتفل في وجوههم وبحفنة من تراب، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه أراد أن يبتلي بعض الناس ببعض بعلمه السابق وقضائه النافذ. وكل ما تعده لصديقك من خير أو لعدوك من شر فهو داخل في عدتك. قال ابن عباس: القوة هنا السلاح والقسي. وفي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: ((وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي)). وعن عقبة بن عامر أيضا قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ستفتح عليكم أرضون ويكفيكم الله، فلا يَعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه» (مسلم). وقال صلى الله عليه وسلم: «كل شئ يلهو به الرجل باطل، إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله فإنه من الحق». ومعنى هذا أن كل ما يتلهى به الرجل مما لا يفيده في العاجل ولا في الآجل فائدة فهو باطل، والإعراض عنه أولى. وهذه الأمور الثلاثة فإنه وإن كان يفعلها على أنه يتلهى بها وينشط، فإنها حق لاتصالها بما قد يفيد، فإن الرمي بالقوس وتأديب الفرس جميعا من معاون القتال. وملاعبة الأهل قد تؤدي إلى ما يكون عنه ولد يوحد الله ويعبده، فلهذا كانت هذه الثلاثة من الحق. وفي سنن أبي داود والترمذي والنسائي عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يدخل ثلاثة نفر الجنة بسهم واحد: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي، ومنبله». وفضل الرمي عظيم ومنفعته عظيمة للمسلمين، ونكايته شديدة على الكافرين. قال صلى الله عليه وسلم: «يا بني إسماعيل، ارموا فإن أباكم كان راميا» (أحمد في المسند والطبراني في الكبير). وتعلم الفروسية واستعمال الأسلحة فرض كفاية، وقد يكون فرض عين.

1020

(4) قوله تعالى: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله، إنه هو السميع العليم). السَّلم والسِّلم بمعنى واحد وهما قراءتان في هذه الآية. قال السُدِّي وابن زيد: «معنى الآية: إن دعوك إلى الصلح فأجبهم، ولا نسخ فيها». وهذه الآية تضع قاعدة في كيفية التعامل مع الآخرين وفي كيفية تحقيق الأهداف في الإسلام، وهذا القاعدة هي أن الأصل في تحقيق الأهداف في الإسلام هو بالوسائل السلمية، واللجوء إلى القوة والقتال يكون في حال تعذر الوسائل السلمية. فالقتال هو امتداد للسياسة بوسائل أخرى كما يقولون. قال القرطبي في تفسير هذه الآية: «وقد صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر على شروط نقضوها فنقض صلحهم. وصالح الضمري وأكيدر دومة وأهل نجران. وقد هادن قريشا لعشرة أعوام حتى نقضوا عهده. وقد صالح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن بعده من الأئمة كثيرا من بلاد العجم، على ما أخذوه منهم، وتركوهم على ما هم فيه، وهم قادرون على استئصالهم. وما زالت الخلفاء والصحابة على هذه السبيل التي شرعناها سالكة، وبالوجوه التي شرحناها عاملة. قال القشيري: إذا كانت القوة للمسلمين فينبغي ألا تبلغ الهدنة سنة، وإذا كانت القوة للكفار جاز مهادنتهم عشر سنين، ولا تجوز الزيادة، وقد هادن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة عشر سنين. قال ابن المنذر: اختلف العلماء في المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وبين أهل مكة عام الحديبية، فقال عروة: كانت أربع سنين. وقال ابن جريج: كانت ثلاث سنين. وقال ابن إسحاق: كانت عشر سنين. وقال الشافعي رحمه الله: لا تجوز مهادنة المشركين أكثر من عشر سنين، على ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، فإن هودن المشركون أكثر من ذلك فهي منتقضة، لان الأصل فرض قتال المشركين حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية. وقال ابن حبيب عن مالك رضي الله عنه: تجوز مهادنة المشركين السنة والسنتين والثلاث، وإلى غير مدة».

1021

(5) قوله تعالى: (وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله، هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين. وألف بين قلوبهم، لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم). الخطاب في هذه الآية للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين من بعده، وفيه تشجيع لهم على الدخول في الصلح من غير المؤمنين على ظاهرهم دون التفات إلى نواياهم، فإن كلن في نيتهم الخديعة فإن الله مع الرسول ومع المؤمنين بالتأييد والنصرة، والله تعالى الذي ألف بين الأوس والخزرج وقد كانت حالة النزاع بينهم مستعصية لعشرات السنين قبل الإسلام قادر على نصرة رسوله ونصرة المؤمنين إذا كان خصومهم ينوون الخديعة في صلحهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. قال الرازي في تفسير هذه الآيات: ((اعلم أنه تعالى لما أمر في الآية المتقدمة بالصلح، ذكر في هذه الآية حكما من أحكام الصلح وهو أنهم إن صالحوا على سبيل المخادعة، وجب قبول ذلك الصلح، لأن الحكم يبنى على الظاهر، ولأن الصلح لا يكون أقوى حالا من الإيمان، فلما بنينا أمر الإيمان عن الظاهر لا على الباطن، فهنا أولى. واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى قوم أنفتهم شديدة وحميتهم عظيمة حتى لو لطم رجل من قبيلة لطمة قاتل عنه قبيلته حتى يدركوا ثأره، ثم إنهم انقلبوا عن تلك الحالة حتى قاتل الرجل أخاه وأباه وابنه، واتفقوا على الطاعة وصاروا أنصارا، وعادوا أعوانا. وقيل هم الأوس والخزرج، فإن الخصومة كانت بينهم شديدة والمحاربة دائمة، ثم زالت الضغائن، وحصلت الألفة والمحبة، فإزالة تلك العداوة الشديدة وتبديلها بالمحبة القوية والمخالصة التامة مما لا يقدر عليها إلا الله تعالى، وصارت تلك معجزة ظاهرة على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ودلت هذه الآية على أن القوم كانوا قبل شروعهم في الإسلام ومتابعة الرسول في الخصومة الدائمة والمحاربة الشديدة يقتل بعضهم بعضا ويغير بعضهم على البعض، فلما آمنوا بالله ورسوله واليوم الآخر زالت الخصومات، وارتفعت الخشونات، وحصلت المودة التامة والمحبة الشديدة. واعلم أن التحقيق في هذا الباب أن المحبة لا تحصل إلا عند تصور حصول خير وكمال، فالمحبة حالة معللة بهذا التصور المخصوص، فمتى كان هذا التصور حاصلا كانت المحبة حاصلة، ومتى حصل تصوير الشر والبغضاء كانت النفرة حاصلة، ثم إن الخيرات والكمالات على قسمين: (أحدهما) الخيرات والكمالات الباقية الدائمة، المبرأة عن جهات التغيير والتبديل، وذلك هو الكمالات الروحانية والسعادات الإلهية. (والثاني) وهو الكمالات المتبدلة المتغيرة، وهي الكمالات الجسمانية والسعادات البدنية، فإنها سريعة التغيير والتبدل، كالزئبق ينتقل من حال إلى حال. إذا عرفت هذا فنقول: الموجب للمحبة والمودة، إن كان طلب الخيرات الدنيوية والسعادات الجسمانية كانت تلك المحبة سريعة الزوال والانتقال، لأجل أن المحبة تابعة لتصور الكمال، وتصور الكمال تابع لحصول ذلك الكمال، فإذا كان ذلك الكمال سريع الزوال والانتقال كانت معلولاته سريعة التبدل والزوال، وأما إن كان الموجب للمحبة تصور الكمالات الباقية المقدسة عن التغير والزوال كانت تلك المحبة أيضا باقية آمنة من التغير، لأن حال المعلول في البقاء والتبدل تبع لحالة العلة. وإذا عرفت هذا فنقول: العرب كانوا قبل مقدم الرسول طالبين للمال والجاه والمفاخرة، وكانت محبتهم معللة بهذه العلة، فلا جرم كانت تلك المحبة سريعة الزوال، وكانوا بأدنى سبب يقعون في الحروب والفتن، فلما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى عبادة الله تعالى والإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة زالت الخصومة والخشونة عنهم، وعادوا إخوانا متوافقين. ثم بعد وفاته عليه الصلاة والسلام لما انفتحت عليهم أبواب الدنيا وتوجهوا إلى طلبها عادوا إلى محاربة بعضهم بعضا، ومقاتلة بعضهم مع بعض، فهذا هو السبب الحقيقي في هذا الباب. ثم إنه تعالى ختم هذه الآية بقوله: (إنه عزيز حكيم) أي: قادر قاهر، يمكنه التصرف في القلوب، ويقلبها من العداوة إلى الصداقة، ومن النفرة إلى الرغبة، حكيم بفعل ما يفعله على وجه الإحكام والإتقان أو مطابقا للمصلحة والصواب)).

1022

الآيات 64-66

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: 64-66)

(1) قوله تعالى: (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين). في هذه الآية تثبيت لفؤاد النبي صلى الله عليه وسلم من الله تعالى بأنه معه ولو لم يكن معه أحد، وبأنه معه ولو كان الناس كلهم ضده، وأن المطلوب منه هو المضي لأمر الله تعالى والصدع به حتى لو لم يكن معه إلا قلة من المؤمنين فإنه الله كافيه وناصره ومظهر أمره ومتمه. وقيل: نزلت هذه الآية قبل معركة بدر، وفيها تحريض على الجهاد كما في الآيات التي بعدها. قال الرازي في تفسير هذه الآية: ((اعلم أنه تعالى لما وعده بالنصر عند مخادعة الأعداء، وعده بالنصر والظفر في هذه الآية مطلقا على جميع التقديرات. وعلى هذا الوجه لا يلزم حصول التكرار، لأن المعنى في الآية الأولى، إن أرادوا خداعك كفاك الله أمرهم. والمعنى في هذه الآية عام في كل ما يحتاج إليه في الدين والدنيا. وهذه الآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال والمراد بقوله: (ومن اتبعك من المؤمنين) الأنصار. وفي الآية قولان: (الأول) التقدير: إن الله كافيك وكافي أتباعك من المؤمنين. قال الفراء: الكاف في حسبك خفض و (من) في موضع نصب، والمعنى: يكفيك الله ويكفي من اتبعك. (والثاني) أن يكون المعنى كفاك الله وكفاك أتباعك من المؤمنين. قال الفراء وهذا أحسن الوجهين. قلت: ويمكن أن ينصر القول الأول بأن من كان الله ناصره امتنع أن يزداد حاله أو ينقص بسبب نصرة غير الله)).

1023

(2) قوله تعالى: (يا أيها النبي حرّض المؤمنين على القتال، إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون). في هذه الآية ترغيب في القتال وحض عليه وتحريض فيه من خلال اعتبار ترك القتال في سبيل الله هلاك للأمة، فالتحريض في اللغة هو الحث على الشيء، وذكر الزجّاج في اشتقاقه وجها آخر فقال: التحريض في اللغة أن يحث الإنسان غيره على شيء حثا يعلم منه أنه إن تخلف عنه كان حارضا، والحارض الذي قارب الهلاك، فالمؤمنون لو تخلفوا عن القتال بعد حث النبي صلى الله عليه وسلم كانوا حارضين، أي هالكين)). فالتحريض مشتق من لفظ الحارض والحرض، يقال: حارض على الأمر وواظب وواصب وأكب بمعنى واحد. والحارض: الذي قد قارب الهلاك، ومنه قوله تعالى: (حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين) (يوسف: 85) أي تذوب غما، فتقارب الهلاك فتكون من الهالكين. وقد جاءت هذه الآية في صيغة الخبر (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) والمراد منها الأمر بوجوب ثبات الواحد في مقابلة العشرة، والأمر يأتي في القرآن بصيغة الخبر للتأكيد عليه حتى كأنه قد حصل وصار خبرا. وقد بين الله تعالى العلة في غلبة المؤمن لعشرة كفار بقوله: (بأنهم قوم لا يفقهون). قال الرازي في المدلول التربوي لهذه الغلبة: ((وتقرير هذا الكلام من وجوه: (الأول) أن من لا يؤمن بالله ولا يؤمن بالمعاد فإن غاية السعادة والبهجة عنده ليست إلا هذه الحياة الدنيوية، ومن كان هذا معتقده فإنه يشح بهذه الحياة ولا يعرضها للزوال، أما من اعتقد أنه لا سعادة في هذه الحياة وأن السعادة لا تحصل إلا في الدار الآخرة فإنه لا يبالي بهذه الحياة الدنيا ولا يلتفت إليها ولا يقيم لها وزنا، فيقدم على الجهاد بقلب قوي وعزم صحيح، ومتى كان الأمر كذلك، كان الواحد من هذا الباب يقاوم العدد الكثير من الباب الأول. (والثاني) أن الكفار إنما يعولون على قوتهم وشوكتهم، والمسلمون يستعينون بربهم بالدعاء والتضرع، ومن كان كذلك كان النصر والظفر به أليق وأولى. (والثالث) وهو وجه لا يعرفه إلا أصحاب الرياضات والمكاشفات، وهو أن كل قلب اختص بالعلم والمعرفة كان صاحبه مهيبا عند الخلق، ولذلك إذا حضر الرجل العالم عند عالم من الناس الأقوياء الجهال الأشداء، فإن أولئك الأقوياء الأشداء الجهال يهابون ذلك العالم ويحترمونه ويخدمونه، بل نقول: إن السباع القوية إذا رأت الآدمي هابته وانحرفت عنه، وما ذاك إلا أن الآدمي بسبب ما فيه من نور العقل يكون مهيبا، وأيضاً الرجل الحكيم إذا استولى على قلبه نور معرفة الله تعالى فإنه تقوى أعضاؤه وتشتد جوارحه، وربما قوي عند ظهور التجلي في قلبه على أعمال يعجز عنها قبل ذلك الوقت. إذا عرفت هذا فالمؤمن إذا أقدم على الجهاد فكأنه بذل نفسه وماله في طلب رضوان الله، فكان في هذه الحالة كالمشاهد لنور جلال الله فيقوى قلبه وتكمل روحه ويقدر على ما لا يقدر غيره عليه، فهذه أحوال من باب المكاشفات تدل على أن المؤمن يجب أن يكون أقوى قوة من الكافر فإن لم يحصل فذاك لأن ظهور هذا التجلي لا يحصل إلا نادرا وللفرد بعد الفرد، والله أعلم)).

1024

(3) قوله تعالى: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله، والله مع الصابرين). قلت: إن التكليف السابق بوجوب ثبات الواحد من المؤمنين مقابل العشرة من الكافرين شق على المسلمين فاشتكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل التخفيف بوجوب ثبات الواحد من المؤمنين للاثنين من الكافرين. قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: «أيما رجل فر من ثلاثة فلم يفر، فإن فر من اثنين فقد فر». وقال عكرمة رحمه الله: «إنما أمر الرجل أن يصبر لعشرة ، والعشرة لمائة حال ما كان المسلمون قليلين ، فلما كثروا خفف الله تعالى عنهم». قلت: وهذا كله حينما كانت الحرب بالسيف والرمح وأما في الحروب الحديثة الآن فباستطاعة الفرد أن يثبت مقابل الأعداد الكثير وذلك حسب نوعية التسليح وكميته. وفي هذه الآية بعد الآية السابقة التخفيف من الله تعالى للمؤمنين في التكاليف مما يدل على رحمته تعالى بالمؤمنين وحرصه على عدم وقوعهم في العنت والمشقة. وقوله تعالى: (والله مع الصابرين) بعد قوله (عشرون صابرون) وبعد قوله (مائة صابرة) تأكيد على الصبر وأهميته وكون من أهم عوامل النصر ومفاتيح الفوز والفلاح في القتال في سبيل الله وفي كل تكاليف الحياة، فالصبر حبس النفس على ما تكره، ومنه الصبر على التكاليف، والصبر عن المعاصي، والصبر على النوائب والمصائب، وكل ذلك موجود في المعارك.

1025

الآيات 67-69

قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الأنفال: 67-69)

(1) في سبب نزول هذه الآيات: روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: ((فلما أسروا الأسارى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: (ما ترون في هؤلاء الأسارى)؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله، هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ترى يا بن الخطاب)؟ قلت: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكني من فلان (نسيبا لعمر) فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها. فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت. فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان، فقلت: يا رسول الله، أخبرني من أي شئ تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبكي للذي عَرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عُرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة) (شجرة قريبة كانت من نبي الله صلى الله عليه وسلم) وأنزل الله عز وجل: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) إلى قوله تعالى: (فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا) (الأنفال) فأحل الله الغنيمة لهم)). وروى البيهقي في السنن الكبرى عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ((لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأصلك، استبقهم واستتبهم لعل الله أن يتوب عليهم. وقال عمر: يا رسول الله، كذبوك وأخرجوك، قدمهم فاضرب أعناقهم. وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، أنت في واد كثير الحطب فأضرم الوادي عليهم نارا ثم ألقهم فيه. قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليهم شيئا، ثم قام فدخل. فقال ناس: يأخذ بقول أبى بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة. ثم خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال: (فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم) (إبراهيم: 36)، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى قال: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) (المائدة: 118)، وإن مثلك يا عمر كمثل نوح قال: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) (نوح: 26)، وإن مثلك يا عمر كمثل موسى قال: (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) (يونس:88)، أنتم عالة فلا ينفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضربة عنق. فقال ابن مسعود: قلت: يا رسول الله، إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع على حجارة من السماء منى في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلا سهيل بن بيضاء. فأنزل الله عز وجل: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى) إلى آخر الثلاث الآيات)).

1026

(2) وهذه الآية نزلت يوم بدر عتابا من الله عز وجل لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم. والمعنى: ما كان ينبغي لكم أن تفعلوا هذا الفعل وهو فداء الأسرى، بل الإثخان أولى وهو المبالغة في القتل. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر باستبقاء الرجال وقت الحرب، ولا أراد قط عرض الدنيا، وإنما فعله جمهور مباشري الحرب، فالتوبيخ والعتاب إنما كان متوجها بسبب من أشار على النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ الفدية، فأعلم الله سبحانه وتعالى أن قتل الأسرى الذين فودوا ببدر كان أولى من فدائهم. وقال ابن عباس رضي الله عنه: ((كان هذا يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله عز وجل بعد هذا في الأسارى: (فإما منا بعد وإما فداء) (محمد: 4)).

(3) قوله تعالى: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم). فيه بيان لرحمة الله تعالى بالناس وأنه لا يحاسب الناس على أمر حتى يبين لهم أنه حرام عليهم، والكتاب السابق في علم الله تعالى أنه لا يعذب قوما حتى يبين لهم ما يتقون وما يحل وما يحرم. ومن هنا فإن الله تعالى وإن عاتب المسلمين على أخذهم الفداء من الأسرى بعد غزوة بدر فلم يعتبرهم مذنبين بفعلهم بل هم مجتهدون مخطئون.

(4) قوله تعالى: (فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا، واتقوا الله إن الله غفور رحيم). وفيه حل الغنائم للأمة المحمدية وقد كانت محرمة على من سبقهم من الأمم، ويدخل في إطار الغنائم جواز أخذ الفداء من الأسرى فهو من الغنائم. ذكر ابن أبي حاتم في تفسيره بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: لما كان يوم بدر تعجل الناس إلى الغنائم فأصابوها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الغنيمة لا تحل لأحد سود الرؤوس غيركم، كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذا غنموا الغنيمة جمعوها، ونزلت نار من السماء فأكلتها، فأنزل الله هذه الآية: (لولا كتاب من الله سبق) إلى آخر الآيتين)). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيّما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» (البخاري ومسلم).

1027