التفسير التربويالجزء 1 · ص 104 - 111

الآيات 120-121

الآيات 120-121

قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (البقرة: 120-121)

(1) قوله تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم) فيه بيان لحقيقة المعركة بين المسلمين وغير المسلمين، وهي معركة من أجل الملة والدين، ولا تنتهي هذه المعركة إلا باتباع أحد الطرفين لملة الطرف الآخر، فعلى المسلم أن لا ينخدع بما يرفعه الأعداء من شعارات وما يروجونه من مقالات عن حقيقة المعركة وعلتها. لأنّ المعركة ليست على الأرض، ولا على الاقتصاد، ولا على المراكز العسكرية، ولا على المواقع الجغرافية، ولا على الثروات الطبيعية، إنها معركة من أجل العقيدة كما نص الله على ذلك في كتابه، وأعداء الإسلام حين يرفعون شعارات أخرى لهذه المعركة فإنهم يفعلون ذلك خوفا من غليان العقيدة وحماستها.

(2) قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى). هذا أمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمسلمين أن يتمسكوا بالهدى وأن يثبتوا على الحق، فلا يتخلون عنه مهما كلف ذلك من ثمن، ومهما بُذل لذلك من تضحيات، وفي الحديث الشريف يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، حتى تقوم الساعة» وفي رواية «حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» وفي رواية «حتى يأتي أمر الله وهم بالشام» (البخاري).

(3) قوله تعالى: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِير) فيه تهديد شديد ووعيد أكيد للأمة المسلمة على اتباع طرائق اليهود والنصارى بعد الذي علموه من القرآن والسنة، وفيه تحذير للعلماء من مجاراة أهل الأهواء أو مسايرتهم على بعض مذاهبهم، فالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته.

(4) قوله تعالى: (يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِه). هذه الآية أمر من الله للمؤمنين بتلاوة القرآن والتأدب بأدبه، وقد جاء الأمر بصيغة الخبر للمبالغة والتأكيد حتى كأنّ الأمر حصل وصار حقيقة يخبر عنها. فلننظر في آداب تلاوة القرآن كما وردت في أقوال السلف الصالح من هذه الأمة: (1) قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: ((يتّبعونه حق اتباعه، ثم قرأ (وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا) (الشمس: 2)) (الطبري). (2) وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «يحلون حلاله، ويحرمون حرامه، ويقرءونه كما أنزله الله، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يتأولونه على غير تأويله» (الطبري). (3) وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «هم إذا مروا بآية رحمة سألوها من الله، وإذا مروا بآية عذاب استعاذوا منها» (ابن كثير). (4) وقال الحسن البصري رحمه الله: «يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه» (الطبري). فحق التلاوة كما نص على ذلك علماء السلف هو العمل والاتباع، وأما تجويد القرآن وتحسين الصوت به فذلك من معاني التلاوة، فلينظر المسلمون في تعاملهم مع القرآن، هل يتلونه حق تلاوته أم لا؟!.

104

الآيات 122-123

قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (البقرة: 122-123)

قد تقدم الكلام على هاتين الآيتين في مطلع السورة، ونؤكد هنا أنّ الآية الأولى فيها ترغيب لليهود باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك من خلال تذكيرهم بنعم الله عليهم وتفضيله لهم على عالمي زمانهم.

والآية الثانية تحمل معنى الترهيب من مخالفة محمد صلى الله عليه وسلم ومحاربته وحسده، وأنهم إن فعلوا ذلك فلا أحد يمنع الله منهم، ولا شفيع ولا ناصر لهم من الله يوم القيامة.

105

الآية 124

قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: 124)

(1) الكلام عن إبراهيم عليه السلام في خضم الخطاب الموجه لليهود والنصارى ومشركي العرب له مدلوله التربوي، وهو أنّ اليهود والنصارى ومشركي العرب كانوا مقرين بفضل إبراهيم ومنتسبين إليه بنفس الوقت، فكأنه تعالى وهو يحدثهم عن التزام إبراهيم بأوامره، وتشريفه له بناء على هذا الالتزام، ينبه اليهود والنصارى إلى ضرورة الالتزام بأوامره كما فعل أبوهم إبراهيم عليه السلام، وترك التمرد والعناد، وإلا فلا معنى لانتسابهم إليه.

(2) قوله تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُن) يدل على تكليف حصل بعده تشريف، وهذه القاعدة من أهم القواعد التربوية في القرآن، وهي سنة الله في خلقه: سنة الابتلاء والاختبار إعدادا لحمل الأمانة، أمانة الرسالة والخلافة والإمامة في الأرض، وهذه السنة ليست في الأنبياء فقط بل في كل أمة يريد الله إعدادها لحمل الرسالة والقيام بأمر الخلافة. فالكلمات هي: أوامر أمر الله بها إبراهيم بفعلها، ومعنى (فأتمهنّ): أداهنّ حق الأداء، وهذا مثل قوله تعالى: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) (النجم: 37).

(3) قوله تعالى: (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاما) يشمل: إمامة النبوة، وإمامة الخلافة، وإمامة الصلاة.

(4) قوله تعالى: (قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين) إنشاء جاء بصيغة الإخبار ومعناه: أيها المؤمنون، امنعوا الإمامة عن الظالمين، ولا تقبلوا بإمامة كل من ظلم نفسه بالشرك أو ظلم غيره بالبغي. والإمامة الممنوعة عن الظالمين هي إمامة الخلافة، وإمامة الصلاة، وإمامة القضاء، وإمامة الإفتاء، وحتى الشهادة لا تقبل من ظالم، وأما إمامة النبوة فقد منعها الله عن الظالمين، ولم يجعل الله النبوة إلا في خيار الناس وأعدل الرجال وأشرف البيوت.

106

الآية 125

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود﴾ (البقرة: 125)

(1) قوله تعالى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاس). قال ابن عباس: «لا يقضون منه وطرا، يأتونه ثم يرجعون إلى أهليهم ثم يعودون إليه» (ابن كثير)، وكل من زار البيت الحرام حاجا أو معتمرا يحس بداخله هذا الإحساس، إحساس الرغبة في العودة إلى البيت الحرام مرة بعد مرة، والله تعالى إذ جعل البيت الحرام مكانا يثوب إليه الناس فإنما جعل ذلك استجابة لرغبة فطرية عند الناس. وهذه الرغبة الفطرية عند الناس بتخصيص مكان يؤمونه ويحجون إليه ويقصدونه، نلمسها عند كل الأمم سواء كانت مسلمة أم لم تكن كذلك، فإن كانت مسلمة وجدت هذه التلبية لرغبتها الفطرية بزيارة البيت الحرام، وإن لم تكن مسلمة خصصت مكانا لهذا الغرض، وقد يكون هذا المكان مكان مولد زعيم أو دفنه أو مكانا خصص للعلم أو مكانا أثريا فيه ذكرى تاريخية.

(2) قوله تعالى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنا). وأمنا: أي مكانا يأمن فيه الناس، قال ابن زيد: «من أمّ إليه فهو آمن، كان الرجل يلقى قاتل أبيه وأخيه فلا يعرض له» (الطبري). وهذه حاجة فطرية أخرى عند الإنسان، وهي الحاجة إلى الأمن والسكينة والطمأنينة، وقد شرع الله مكانا آمنا وزمانا آمنا استجابة لهذه الحاجة الفطرية، فجعل البيت الحرام مكانا للأمن، ثم جعل مكة كلها آمنة استجابة لدعاء إبراهيم عليه السلام، ثم جعل المدينة كلها آمنة استجابة لدعاء محمد صلى الله عليه وسلم، وجعل زمانا آمنا وهو الأشهر الحُرُم الأربعة وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وصفر.وهذه النعمة، نعمة المكان الآمن والزمان الآمن لا يلمسها إلا من فقدها، كما كان الحال في الجاهلية قبل البعثة، حيث كان الناس يعيشون على الغزو وسفك الدماء ونهب الأموال واسترقاق النساء.

107

(3) قوله تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى). قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((قلت: يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فأنزل الله (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً)) (الطبري). فانظر إلى هذا الصحابي الجليل الذي تربى في مدرسة النبوة، والذي نشأ وترعرع وفق التربية القرآنية، كيف وصلت به هذه التربية إلى مقام فريد، وهو مقام الموافقة، حيث يطلب من الطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم فينزل القرآن من عند الله بموافقة طلبه. وهذه ليست المرة الوحيدة التي ينزل القرآن بموافقة عمر بن الخطاب، فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ((وافقت ربي في ثلاث أو وافقني ربي في ثلاث: قلت: يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فأنزل الله (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى)، وقلت: يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب) (الأحزاب: 53)، وبلغني معاتبة النبي صلى الله عليه وسلم بعض نسائه فدخلت عليهنّ فقلت: إن انتهيتن أو ليبدلنّ الله رسوله خيرا منكنّ، فأنزل الله (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ) (التحريم: 5)) (البخاري). وهذه الحالة ليست خاصة بعمر رضي الله عنه، فالتربية الإسلامية قد تصل بأي مسلم إلى حالة الموافقة، ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره» (البخاري). فانظر، أخي المسلم، إلى أثر التربية القرآنية في بناء الناس وفي الوصول بهم إلى هذه المقامات الفريدة.

(4) قوله تعالى: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود). معنى هذا الكلام أنّ المسلم إذا دخل البيت الحرام فعليه أن يعيش هذه الحالات الثلاثة: الطواف والاعتكاف والصلاة، يتنقل بينها، وليس من الأدب الإسلامي ولا من آداب البيت الحرام اللهو والتسلي وإضاعة الوقت والثرثرة والكلام في الدنيا ومشاكلها، وبهذا المعنى تكون الإقامة في البيت الحرام كالإقامة في مدرسة روحية فكرية، ويكون لهذه الإقامة في البيت الحرام أثرها في بناء المسلم وفي زاده الروحي، فلا يرجع من البيت الحرام إلى بلده بخفي حُنين.

108

الآية 126

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة: 126)

(1) قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَات). قيل: هذا دعاء من إبراهيم عليه السلام بمنافع الدنيا، فهل يليق ذلك بإمام في الدين كإبراهيم عليه السلام؟. الجواب: إنّ الدنيا إذا طلبت ليتقوى بها في الدين فلا مانع من ذلك، كالمسلم يأكل ليتقوى على طاعة الله فالأكل هنا عبادة، والكافر يأكل ليشبع حاجته ويلتذ بالطعام فالأكل هنا عادة. وكذلك الطرق الآمنة والأقوات الرخيصة تيسر على المسلم القدوم إلى مكة لأداء فريضة الحج، وكذلك الأمن والخصب يشجع الماس على الذهاب إلى تلك البلدة فيرى المشاعر المعظمة والأماكن المكرمة فيكون ذلك سببا للطاعة.

(2) قول إبراهيم عليه السلام في دعائه: (مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) بعد قوله تعالى لإبراهيم في الآية السابقة: (لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين) يدل على سرعة التأديب الذي حصل لإبراهيم عليه السلام، وسرعة الاستفادة من الموعظة التي وعظه الله إياها، وهذا المنهج في التنفيذ هو المنهج الذي يليق بمسلم يعي ويدرك معنى العبودية لله تعالى.

(3) قوله تعالى: (قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِير) يدل على أنّ الله تعالى يوّسع في الرزق والأمن للكافر والمسلم، فعلى الكافر أن لا يغتر بالأمن والرزق من الله فيظن أنّ الله راض عنه. وهذه لفتة تربوية يجب إبلاغها للكافرين علهم يستفيدون منها، وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم» (البخاري)، ويقول أيضا: «إنّ الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» (البخاري).

(4) وقد قرن الله تعالى بين الترغيب والترهيب في هذه الآية كما هي عادة القرآن في التربية، فقوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر) ترغيب في الإيمان، وقوله تعالى: (قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِير) ترهيب من الكفر.

109

الآيات 127-129

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة: 127-129)

(1) قوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا) فيه لفتة تربوية إلى ضرورة قرن العمل بالدعاء، وكثيرة هي الأعمال التي أمر بها الإسلام وقرن فعلها بالدعاء، والمراد من ذلك الترغيب في أن يكون العمل صالحا وخالصا لله والخوف من عدم قبول الله تعالى للعمل. فإبراهيم وإسماعيل كانا في عمل صالح وهما يسألان الله أن يتقبل منهما، رُوي عن أحد السلف أنه كان يقرأ هذه الآية ويبكي ويقول: «يا خليل الرحمن، ترفع قواعد بيت الرحمن وأنت مشفق أن لا يتقبل منك»، ومثل هذه الآية قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَة) (المؤمنون: 60)، أي: خائفة أن لا يتقبل منها.

(2) قوله تعالى نقلا عن إبراهيم وإسماعيل: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَك) يدل على اهتمامات المؤمن التي لا تنحصر في ذاته وإنما، لشعوره بنعمة الإيمان وقيمة هذه النعمة، يحرص على إيمان ذريته، والواجب على كل مسلم أن يقتدي بإبراهيم وإسماعيل في الحرص على إيمان الذرية كما هو الحال في حرصه على طعام وشراب وسكن هذه الذرية، وهذا ما كان من إبراهيم عليه السلام، فقد دعا لذريته بالرزق والأمان وهذا من الدنيا، ولم ينس أن يدعو لهم بالإيمان والإسلام وهذا من الدين.

(3) قوله تعالى نقلا عن إبراهيم وإسماعيل: (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا). معناه: أظهرها لأعيننا حتى نراها، وقيل: إنّ الله أنزل جبريل فعلم إبراهيم مناسك الحج كلها، ولهذا الكلام مدلول تربوي وتعليمي وهو الحرص على بيان التعاليم بالتطبيق العملي، فذلك أدق في نقل التعليم وأثبت، وكثيرة هي التعاليم الإسلامية التي يحتاج المعلم والمربي إلى بيانها بالتطبيق العملي كالصلاة مثلا، فما أحوج الدعاة إلى هذه القاعدة التعليمية التربوية.

(4) قوله تعالى نقلا عن إبراهيم: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُم). المقصود بذلك محمد صلى الله عليه وسلم، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا دعوة أبي إبراهيم» (أحمد)، وبين الدعاء وبين حصول الإجابة آلاف السنين، وهذا تربية للذين يدعون الله ويستعجلون الإجابة، وتعليم لهم أنّ الإجابة من الله مرهونة بحكمته وعلمه وتدبيره.

(5) قوله تعالى في صفة محمد صلى الله عليه وسلم: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِم). هذه الصفات هي صفات المربي، لأنّ عملية التربية تقوم على ركنين: العلم والعمل، ومهمة التعليم فقط هي مهمة الداعية، أما المربي فهو الذي يحول التعليم إلى عمل، يعلم الناس ويتابع تحوّل العلم إلى عمل، وهذا هو المقصود بالتزكية، لأنّ التزكية هي تطهير العمل من الشرك والمعاصي ومن كل ما هو سلبي وخاطئ.

110

(6) ونلمح من خلال دعاء إبراهيم وإسماعيل الأدب التربوي في الدعاء. فعندما قالا: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا) وصفا الله تعالى بقولهم: (إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيم) أي: تسمع ما نقول وتعلم ما في صدورنا مما يوافق هذا القول أو يخالفه، وعندما قالا: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُم) وصفا الله تعالى بقولهم: (إنّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم)، ومعنى (العزيز) أي: القوي الذي لا يعجزه شيء أراده، ومعنى (الحكيم) أي: الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل. ونلمح من خلال هاتين الجملتين أنهما فوّضا الأمر إلى الله في الدعاء بعد أن قاما بالدعاء، ومثل هذا التفويض هو اللائق بالمسلم أن يقر به بعد أن يطلب من الله حاجته ويسأله مسألته.

111