الآيات 120-121
قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (البقرة: 120-121)
(1) قوله تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم) فيه بيان لحقيقة المعركة بين المسلمين وغير المسلمين، وهي معركة من أجل الملة والدين، ولا تنتهي هذه المعركة إلا باتباع أحد الطرفين لملة الطرف الآخر، فعلى المسلم أن لا ينخدع بما يرفعه الأعداء من شعارات وما يروجونه من مقالات عن حقيقة المعركة وعلتها. لأنّ المعركة ليست على الأرض، ولا على الاقتصاد، ولا على المراكز العسكرية، ولا على المواقع الجغرافية، ولا على الثروات الطبيعية، إنها معركة من أجل العقيدة كما نص الله على ذلك في كتابه، وأعداء الإسلام حين يرفعون شعارات أخرى لهذه المعركة فإنهم يفعلون ذلك خوفا من غليان العقيدة وحماستها.
(2) قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى). هذا أمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمسلمين أن يتمسكوا بالهدى وأن يثبتوا على الحق، فلا يتخلون عنه مهما كلف ذلك من ثمن، ومهما بُذل لذلك من تضحيات، وفي الحديث الشريف يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، حتى تقوم الساعة» وفي رواية «حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» وفي رواية «حتى يأتي أمر الله وهم بالشام» (البخاري).
(3) قوله تعالى: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِير) فيه تهديد شديد ووعيد أكيد للأمة المسلمة على اتباع طرائق اليهود والنصارى بعد الذي علموه من القرآن والسنة، وفيه تحذير للعلماء من مجاراة أهل الأهواء أو مسايرتهم على بعض مذاهبهم، فالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته.
(4) قوله تعالى: (يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِه). هذه الآية أمر من الله للمؤمنين بتلاوة القرآن والتأدب بأدبه، وقد جاء الأمر بصيغة الخبر للمبالغة والتأكيد حتى كأنّ الأمر حصل وصار حقيقة يخبر عنها. فلننظر في آداب تلاوة القرآن كما وردت في أقوال السلف الصالح من هذه الأمة: (1) قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: ((يتّبعونه حق اتباعه، ثم قرأ (وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا) (الشمس: 2)) (الطبري). (2) وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «يحلون حلاله، ويحرمون حرامه، ويقرءونه كما أنزله الله، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يتأولونه على غير تأويله» (الطبري). (3) وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «هم إذا مروا بآية رحمة سألوها من الله، وإذا مروا بآية عذاب استعاذوا منها» (ابن كثير). (4) وقال الحسن البصري رحمه الله: «يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه» (الطبري). فحق التلاوة كما نص على ذلك علماء السلف هو العمل والاتباع، وأما تجويد القرآن وتحسين الصوت به فذلك من معاني التلاوة، فلينظر المسلمون في تعاملهم مع القرآن، هل يتلونه حق تلاوته أم لا؟!.