التفسير التربويالجزء 1 · ص 112 - 120

الآيات 130-132

الآيات 130-132

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: 130-132)

(1) قوله تعالى: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَه) فيه توبيخ لليهود والنصارى ومشركي العرب لرفضهم الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الدين الذي هو امتداد لملة إبراهيم، وترغيب للناس، وخاصة من ينتسب إلى ملة إبراهيم، في قبول هذا الدين، لأنّ ملة محمد صلى الله عليه وسلم هي نفسها ملة إبراهيم عليه السلام.

(2) قوله تعالى: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِين) بعد قوله تعالى: (وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا). عقّب بذكر سبب الاصطفاء وهو الانقياد والخضوع لأوامر الله، فدل على تشريف حصل بعد تكليف، وفيه ترغيب للناس على العمل بالتكليف كي يحصل لهم التشريف.

(3) قوله تعالى: (قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِين). ليس المراد بأنّ ذلك حصل بالكلام فقط، وإنما حصل الإسلام بالعمل وجاء القول ليعبر عن العمل، فالإسلام مأخوذ من الاستسلام والخضوع لله تعالى، ومن لم تحصل له هذه الصفة، صفة الاستسلام والخضوع لله تعالى، فلا يحق له أن يتسمى باسم الإسلام، فلينظر كل من يزعم أنه مسلم: هل حصل له هذا الاستسلام لله تعالى أم أنّ الإسلام عنده مجرد كلمة تقال باللسان وليس لها أي مدلول عملي؟!.

(4) قوله تعالى: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوب) فيه إشارة إلى أنّ أول وصية يجب أن يوصي بها المؤمن ذريته هي الإسلام، أي الدين الذي اختاره الله للناس، ومن الناحية العملية نجد أنّ أغلب المسلمين لا وصية لهم أساسا، وإن كان لهم وصية فهي تتمحور حول المال وكيفية توزيعه، مع أن أهم ما يوصي به المؤمن ذريته هو الإسلام، وهذا من آداب النبوة التي يجب على المسلم أن يتحلى بها.

(5) وفي هذه الآية لفتة تربوية أخرى نأخذها من قوله تعالى: (ووصّى)، فهذه الصيغة تدل على التكرار والتكثير والمبالغة، بخلاف صيغة: وأوصى، التي تفيد الوصية لمرة واحدة، وهذا يدل على أنّ إبراهيم ويعقوب عليهما السلام كانا يوصيان أبناءهم بالإسلام مرة بعد مرة إلى أن كانت آخر مرة حين الموت.

(6) قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون) يدل على وحدة الأمة المسلمة من لدن آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ومنه وحدة الدين، فالدين عند الله واحد وهو الإسلام، ولكن هذا الدين قد مرّ بأطوار من لدن آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فاليهودية طور من أطوار الإسلام واليهود الأوائل كانوا على إسلام صحيح لله رب العالمين، وكذا يُقال في النصرانية التي هي طور من أطوار الإسلام، والنصارى الأوائل كانوا على إسلام صحيح لله رب العالمين.

112

الآيات 133-134

قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 133-134)

(1) قوله تعالى: (إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي). هذا المشهد من أعمق المشاهد التربوية أثرا في النفوس، لأنه يعالج القضية التي تشغل بال نبي من أنبياء الله، يعقوب، وهو يحتضر، وهذه القضية هي قضية الدين وأمر العقيدة، فهو يريد أن يطمئن ويستوثق من أمر الإسلام في نفوس أبنائه، وهذا يدل على مدى الحرص على الإيمان في سلوك الأنبياء، ومثل هذا الموقف جدير بالمسلم أن يتأدب به ويحرص عليه لا أن يتلهى بأمور الدنيا في آخر لحظاته.

(2) قوله تعالى: (وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاق). سمى الله الجد، وهو إبراهيم، أبا، وسمى العم، وهو إسماعيل، أبا، وفي ذلك إشارة إلى أنه يجب على الجد وعلى العم أن يتعاملا مع الحفيد وابن الأخ على أنه ابن بوجود الأب وبغيابه، فالأب لا يحسد ابنه، والعم يجب أن يكون كذلك، وهذا بخلاف ما نجده في واقع المسلمين حيث يحسد العم أخيه وأبناء ، ويربي أولاده على الحقد والبغض والكراهية لعمهم ولأبنائه، ولو تأدب العم بالأدب القرآني لكان كالأب.

(3) قوله تعالى: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُم) يدل على بطلان التقليد، وفيه توجيه تربوي لعدم الاتكال على النسب كما كان يفعل اليهود والنصارى ومشركو العرب بانتسابهم إلى إبراهيم وبنيه، وفي الحديث: «من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه» (الترمذي)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا صفية عمة محمد، يا فاطمة بني محمد، سلوني ما شئتم، فإني لا أغني عنكم يوم القيامة من الله شيئا» (البخاري).

(4) قوله تعالى: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُون). توجيه إلى فردية التبعة وإلى فردية المسؤولية، كقوله تعالى: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الأنعام: 164)، وقوله تعالى: (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدا) (مريم: 95)، وقوله تعالى: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُم) (النور: 54). ومن هنا يجب تربية المسلم على أنّ المسؤولية فردية يوم القيامة، وبيان بطلان ما يقوله بعض الناس الذين يُفتون ويقولون: ضعوها في رقابنا، أو الذين يعملون بفتوى غيرهم ويقولون: نضعها في رقابكم.

(5) قوله تعالى: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُون). تضمنت هذه الآية موقفا صحيحا من الفتن التي حصلت بين المسلمين عبر التاريخ، فقد رُوي أنّ الحجاج بن يوسف الثقفي سأل سعيد بن جبير فقال: ما تقول في خلاف علي ومعاوية؟ فأجاب سعيد بن جبير رحمه اله بهذه الآية، ورُوي أنّ الحجاج سأل عامر الشعبي رحمه الله عن الخلاف بين علي ومعاوية؟ فأجاب بقول يحمل مضمون هذه الآية، قال: «تلك فتنة طهّر اله سيوفنا منها، فلنطهّر ألسنتنا منها».

113

الآيات 135-138

قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ (البقرة: 135-138)

(1) قوله تعالى: (قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفا) وقوله تعالى: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّه). نلمح من خلال هذه التوجيهات العناية الإلهية والرعاية الربانية والتربية الإسلامية من الله لرسوله وللمؤمنين في تعليمهم ما يقولون ردا على خصومهم، وبذلك يحس المؤمن أنه ليس وحده في المعركة مع خصومه بل الله معه يعلمه ويسدده ويوجهه إلى القول السليم والحجة البالغة.

(2) قوله تعالى: (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُم). فيه تربية للأمة المسلمة على عدم التعصب لنبيها دون غيره من الأنبياء، وذلك التعصب يكون بالإيمان به والكفر بغيره. كما هو حال اليهود حين أنكروا نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وكما هو حال النصارى حين أنكروا نبوة موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. وهذه التربية تقوم على العقل السليم، إذ إنّ إنكار نبوة أي واحد من الأنبياء هو إنكار لنبوتهم جميعا، وتفصيل ذلك: إنّ نبوة أي واحد من الأنبياء تقوم على ما بلغنا بالتواتر أن ذلك الرجل حصلت على يده معجزة أو معجزات تثبت نبوته، فإنكار أي تواتر هو إنكار لكل هذه التواترات، والإيمان بنبوة كل الأنبياء هو الإيمان الذي يليق بالرسالة التي تعتبر نفسها وريثة كل هذه الرسالات.

(3) قوله تعالى: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاق). هذه الشهادة من الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم تنشئ في قلوبهم الاطمئنان، الاطمئنان لما هم عليه من الهداية والدين، والاطمئنان لبطلان ما عليه غيرهم من ادعاء الإيمان والهداية. وتنشئ في نفوسهم الاعتزاز، الاعتزاز بما هم عليه من الهداية والإيمان، والتهوين من أمر ما عليه غيرهم من ادعاء الإيمان والهداية. ولو أنّ أحدا زكى غيره وشهد له بالصواب لبقي هذا الآخر يردد هذه التزكية له مدى الحياة، فكيف يكون موقف المسلم إذا كانت هذه التزكية ــ ليست من العباد ــ بل من الله رب العباد؟!.

(3) قوله تعالى: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم). المراد من هذا الخطاب تأمين الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من كيد خصومهم وشرهم، وهذا تقوية لقلبه وقلوبهم، لأنّ الله قد تكفل بحمايتهم.

(4) قوله تعالى: (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَة). سمى الدين صبغة لأنّ هيئته تظهر بالمشاهدة من أثر الطهارة والصلاة، كما قال تعالى في صفة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُود) (الفتح: 29). وتفصيل ذلك: إنّ الله أمر المؤمنين إما باعتقادات وإما بأعمال، فأما الأعمال فهي تظهر على الإنسان ويحمل في داخله الفكرة عنها، وأما الاعتقادات فلابد أن يظهر أثرها على جسم الإنسان وإن كان يحملها في داخله.

ولما كانت الاعتقادات عند المؤمنين مخالفة للاعتقادات عند الكافرين فلابد أن يكون ظاهر المؤمن مخالفا لظاهر الكافر، والعلاقة بين مكنونات النفس وظاهر الجسد علاقة مثبتة من الناحية العلمية والعملية، ومن أمثلتها: الخوف، وهو مكنون نفسي له علامات جسدية، وكذا الغضب والحزن والسرور، حتى الأمراض النفسية نجد أنّ لكل مرض علامات جسدية ظاهرة.

114

(5) قوله تعالى: (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَة) حكاية عن قول الله، وقوله تعالى: (وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُون) حكاية عن قول المؤمنين. قرن السياق قول الله مع قول المؤمنين بدون فاصل فدل ذلك على تشريف عظيم من الله لعباده المؤمنين، ودل على حقيقة الرابطة التي تربط المؤمنين باله، إنها رابطة العبودية (وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُون)، وهذا يدل على أنّ مقام العبودية مقام عظيم عند الله، وحريّ بكل إنسان أن يتمثله.

115

الآيات 139-141

قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ (البقرة: 139-141)

(1) قوله تعالى: (قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُم). سمح الإسلام بالجدل والمحاجة كوسيلة من وسائل الدعوة والبيان. وفي كثير من الحالات يكون ترك الجدل والمحاجة أفضل من الاستمرار فيها، وأكثر أثرا في النفوس من التمادي فيها، وخاصة الحالات التي يتحول الجدل فيها إلى مِراء ومشاحنة لا فائدة منها، أو يتحول الجدل إلى أشياء لا يصح الجدل فيها كما هو مذكور في هذا النص، وفي مثل هذه الحالة يكون ترك الجدل أفيد من الاستمرار فيه، وفي ذلك يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ((أنا زعيم ببيت في ربض (وسط) الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا)) (أبو داود).

(2) قوله تعالى: (وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُون). يدل على أنّ الإخلاص شرط في قبول العمل، وحقيقة الإخلاص في العمل أن يراد به وجه الله، فلا يشوبه الرياء ولا تشوبه حظوظ النفس وأهوائها وشهواتها، فمن هنا يجب تربية المسلم على الإخلاص في العمل وذلك لسببين: (الأول) إنّ العمل لا أثر له في الناس إلا إذا كان خالصا لله. (والثاني) إنّ الله لا يقبل عملا ما لم يكن خالصا له من دون شراكة لغيره فيه. وفي ذلك يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله تعالى يقول: أنا خير شريك، فمن أشرك معي شريكا فهو لشريكي، يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله، فإنّ الله لا يقبل إلا ما خلص له، ولا تقولوا هذا لله وللرحم فإنها للرحم وليس لله منها شيء، ولا تقولوا هذا لله ولوجوهكم فإنها لوجوهكم وليس لله تعالى منها شيء» (الدارقطني).

(3) قوله تعالى: (أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه). هذه الحجة التي علمها لرسوله في جداله مع اليهود بعد أن أخبرهم بأنّ إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط ما كانوا هودا أو نصارى بل كانوا مسلمين، هذه الحجة هي من الحجج القاطعة والحكم البالغة. وفي الإجابة على سؤاله لهم (أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه) هم بين نارين، فإن قالوا: الله أعلم، وجب عليهم التسليم بما قاله الله، وإن قالوا: نحن أعلم، خرجوا من إيمانهم الذي يدّعونه، ولله الحجة البالغة.

(4) قوله تعالى: ((وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون). قال الإمام الرازي في تفسيره: «فهو الكلام الجامع لكل وعيد، ومن تصور أنه تعالى عالم بسره وعلنه، ولا يخفى عليه خافية، وأنه من وراء ذلك مجازيه إن خيرا فخير وإن شرا فشر، لا يمضي عليه طرفة عين إلا وهو حذر خائف، ألا ترى أنّ أحدنا لو كان عليه رقيب من جهة السلطان يعدّ عليه الأنفاس لكان دائم الحذر والوجل ، مع أنّ ذلك الرقيب لا يعرف إلا الظاهر، فكيف بالرب الرقيب الذي يعلم السر وأخفى إذا هدد وأوعد بهذا الجنس من القول».

116

(5) قوله تعالى: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَت) الآية. قد تقدم الكلام على هذه الآية فلا معنى للإعادة، وإنما نؤكد هنا على ظاهرة التكرار لبعض الآيات في القرآن الكريم كما هو الحال في هذه الآية، والتكرار يدل على أنّ القول المكرر أمثر أهمية من غيره، وهو وسيلة من الوسائل التربوية والتعليمية، فمن خلال التكرار يترسخ مضمون القول في الأذهان ويتحول هذا المضمون إلى سلوك عملي.

117

الآية 142

قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: 142)

لنا مع هذه الآية وقفتان تربويتان:

(الأولى) أخبر الله المسلمين بما سيقوله اليهود لهم (مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا) وهذا القول مكروه بالنسبة للمسلمين، والإخبار بالمكروه قبل وقوعه يخفف من صدمته ويكسر من حدته في حال وقوعه. ثم أخبرهم بالجواب على هذا المكروه وهو قوله (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم) وهذا من كمال التربية والتعليم والرعاية من الله تعالى للمؤمنين. والإخبار بما سيقوله اليهود إخبار بالغيب وهو معجزة من معجزات النبوة، وللمعجزة أثرها في التربية، حيث تقوم التربية على أساس متين وعلى يقين راسخ بحقيقة الإلهية وحقيقة النبوة والرسالة.

(والثانية) إنّ تعيين قبلة محددة يتوجه إليها المسلمون في صلاتهم له مدلولات تربوية متعددة: (1) الوحدة بين المسلمين، فلو توجه كل مسلم إلى ناحية لأوهم ذلك اختلافا بين المسلمين. (2) الاختصاص والتميز، وذلك لأنّ المسلمين قد تميزوا عن غيرهم في الاعتقاد والشريعة وفي كل مناحي الحياة، فكان لابد من التميز في أمر القبلة والصلاة. (3) النهي عن التشبه باليهود والنصارى في قبلتهم التي يتوجهون إليها، أما كون المشركين يتوجهون إلى الكعبة فهذا ليس من خصائصهم، بل هو من بقايا ملة إبراهيم عليه السلام. (4) المقصود من الصلاة حضور القلب والسكون وترك الالتفات والحركة، وهذا لا يكون إلا بتعيين جهة واحدة يتوجه إليها المسلم في كل صلواته.

118

الآية 143

قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة: 143)

(1) كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوجه إلى الكعبة في مكة، وعندما هاجر إلى المدينة توجه إلى بيت المقدس في صلاته ستة عشر شهرا، ثم أمر أن يتوجه إلى الكعبة فتوجه إليها كما كان في مكة، وهذا ما يسمى تحويل القبلة. وقد بين الله تعالى الحكمة التربوية في هذا التحويل للقبلة بقوله: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْه). وتفصيل ذلك: إنّ العرب كانوا يعظمون البيت الحرام ويعدونه عنوانا لمجدهم القومي، والإسلام أراد أن يستخلص القلوب لله دون تعلق بغيره، ولهذا أمرهم بالتوجه إلى المجد الأقصى، فلما استسلموا لله وخلصت نفوسهم من كل تعلق بغيره، وظهر من يتبع الرسول اتباعا مجردا من كل نزعة ومن كل إيحاء، أعادهم إلى قبلتهم الأولى البيت الحرام.

(2) وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نموذجا يُحتذى به في الالتزام والطاعة والإخلاص والتجرد والتنفيذ الفوري للأوامر بشكل يبهر الأبصار ويأخذ بالقلوب. فقد روى الإمام مالك عن ابن عمر رضي الله عنه قال: «بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة» (الموطأ). وأخرج البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه «أنّ النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وإنه صلى أول صلاة صلاها العصر وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فمر على أهل المسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قِبَل مكة، فداروا كما هم قِبَل البيت» (البخاري).

(3) قوله تعالى: (وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيم). فمن رأفته تعالى ورحمته أنه أخبر بأنه لا يضيّع للمسلم صلاة صلاها إلى بيت المقدس بسبب تحويل القبلة، ومن رأفته تعالى ورحمته أنه هدى المسلمين لمتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في تحويل القبلة فنجحوا في الامتحان، ومن رأفته تعالى ورحمته أن امتحنهم بهذا الامتحان فأخلص قلوبهم له، وأظهر لهم من كان في قلبه شك وضعف فارتد عن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم. وفي الصحيح أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى امرأة من السبي، قد فُرق بينها وبين ولدها، فجعلت كلما وجدت صبيا من السبي أخذته فألصقته بصدرها وهي تدور على ولدها، فلما وجدته ضمته إليها وألقمته ثديها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أترون هذه طارحة ولدها في النار وهي تقدر على أن لا تطرحه؟» قالوا: لا، يا رسول الله، قال: «فوالله لله أرحم من هذه بولدها» (البخاري).

119

(4) قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُم). نزلت فيمن مات وهو يصلي إلى بيت المقدس، قال ابن عباس رضي الله عنه: ((لما وُجّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة، قالوا: كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس، فأنزل الله تعالى: (وما كان الله ليضيع إيمانكم)) (الترمذي). فسمى الصلاة إيمانا، ولما كانت الصلاة مشتملة على نية وقول وعمل، فهذا يدل على أنّ الإيمان عقيدة وقول وعمل، فليتنبه الذين يقولون: إنّ الإيمان بالقلب، وليتنبه الذين يقولون: إنّ الإيمان بالقول، وعلى هذا المبدأ في فهم الإيمان يجب تربية المسلم.

120