التفسير التربويالجزء 1 · ص 1219 - 1226

الآية 84

الآية 84

(84) قوله تعالى: (وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين). فيه ربط بين الإيمان بالله والتوكل على الله، وفيه تربية على أن التوكل على الله تعالى هو من مقتضى الإيمان به، وأن حاجة المؤمن إلى التوكل على الله تشتد في البلاء والمحنة والشدة، فكأنه تعالى يقول للمسلم حال إسلامه إن كنت من المؤمنين بالله فعلى الله توكل، والأمر كذلك لأن الإسلام عبارة عن الاستسلام، وهو إشارة إلى الانقياد للتكاليف الصادرة عن الله تعالى وإظهار الخضوع وترك التمرد، وأما الإيمان فهو عبارة عن صيرورة القلب عارفا بأن واجب الوجود لذاته واحد وأن ما سواه محدث مخلوق تحت تدبيره وقهره وتصرفه، وإذا حصلت هاتان الحالتان فعند ذلك يفوض العبد جميع أموره إلى الله تعالى ويحصل في القلب نور التوكل على الله، والتوكل على الله عبارة عن تفويض الأمور بالكلية إلى الله تعالى والاعتماد في كل الأحوال على الله تعالى، ومن توكل على الله في كل المهمات كفاه الله تعالى كل الملمات لقوله: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) (الطلاق: 3).

1219

الآيات 85-86

(85) و (86) قوله تعالى: (فقالوا: على الله توكلنا ربنا، لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين. ونجنا برحمتك من القوم الكافرين). فيه تربية على الربط بين التوكل على الله تعالى وبين الدعاء من الله تعالى، فإن القوم لما أعلنوا توكلهم على الله شرعوا في الدعاء بأن لا يكونوا فتنة للقوم الظالمين وبالنجاة من القوم الكافرين. قال القرطبي في التفسير: ((قوله تعالى: (وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم) أي صدقتم. (بالله فعليه توكلوا) أي اعتمدوا. (إن كنتم مسلمين) كرر الشرط تأكيدا، وبين أن كمال الإيمان بتفويض الأمر إلى الله. (فقالوا على الله توكلنا) أي أسلمنا أمورنا إليه، ورضينا بقضائه وقدره، وانتهينا إلى أمره. (ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين) أي لا تنصرهم علينا، فيكون ذلك فتنة لنا عن الدين، أو لا تمتحنا بأن تعذبنا على أيديهم. وقال مجاهد: المعنى لا تهلكنا بأيدي أعدائنا، ولا تعذبنا بعذاب من عندك، فيقول أعداؤنا لو كانوا على حق لم نسلط عليهم، فيفتنوا. وقيل: يعني لا تظهرهم علينا فيروا أنهم خير منا فيزدادوا طغيانا. (ونجنا برحمتك) أي خلصنا. (من القوم الكافرين) أي من فرعون وقومه لأنهم كانوا يأخذونهم بالأعمال الشاقة)).

1220

الآية 87

قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآَ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يونس: 87)

(87) قوله تعالى: (وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين). تدخل هذه الآية في إطار التعبئة الروحية والتنظيم الاجتماعي لموسى وهارون عليهما السلام ومن آمن معهما من بني إسرائيل حيث أمرهما الله تعالى باتخاذ البيوت المتجاورة المتقابلة والصلاة فيها والاستعداد ليوم الرحيل. قال صاحب الظلال في تفسير هذه الآية: «أوحى الله إلى موسى وإلى هارون أن يتخذا لبني إسرائيل بيوتا خاصة بهم، وذلك لفرزهم وتنظيمهم استعدادا للرحيل من مصر في الوقت المختار، وكلفهم تطهير بيوتهم، وتزكية نفوسهم، والاستبشار بنصر الله. وتلك هي التعبئة الروحية إلى جوار التعبئة النظامية، وهما معا ضروريتان للأفراد والجماعات، وبخاصة قبيل المعارك والمشقات. ولقد يستهين قوم بهذه التعبئة الروحية، ولكن التجارب ما تزال إلى هذه اللحظة تنبئ بأن العقيدة هي السلاح الأول في المعركة، وأن الأداة الحربية في يد الجندي الخائر العقيدة لا تساوي شيئا كثيرا في ساعة الشدة. وهذه التجربة التي يعرضها الله على العصبة المؤمنة ليكون لها فيها أسوة، ليست خاصة ببني إسرائيل، فهي تجربة إيمانية خالصة. وقد يجد المؤمنون أنفسهم ذات يوم مطاردين في المجتمع الجاهلي، وقد عمت الفتنة، وتجبر الطاغوت، وفسد الناس، وأنتنت البيئة، وكذلك كان الحال على عهد فرعون في هذه الفترة، وهنا يرشدهم الله إلى أمور: اعتزال الجاهلية بنتنها وفسادها وشرها ما أمكن في ذلك، وتجمع العصبة المؤمنة الخيرة النظيفة على نفسها، لتطهرها وتزكيها، وتدربها وتنظمها، حتى يأتي وعد الله لها. اعتزال معابد الجاهلية واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد، تحس فيها بالانعزال عن المجتمع الجاهلي، وتزاول فيها عبادتها لربها على نهج صحيح، وتزاول بالعبادة ذاتها نوعا من التنظيم في جو العبادة الطهور».

1221

الآية 88

(88) قوله تعالى: (وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا، ربنا ليضلوا عن سبيلك، ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم). فيه تربية على أن الدعاء يجب أن يكون للمصلحة العامة ولا يكون في انتقام للنفس فقد مهَّد موسى عليه السلام لدعائه تمهيدا يدل على أن ما سأله من الله لزجر فرعون وملئه إنما هو لمصلحة الدين لا للانتقام منه لقومه ولنفسه، فسأل الله سلب النعمة عن فرعون وملئه وحلولَ العذاب بهم لكسر شوكتهم وتذليل تجبرهم ليرجعوا عن ضلالهم ويسهل قبولهم الإيمان. ولما كانت النعمة مغرية بالطغيان لأهل الجهالة جعل موسى عليه السلام إمداد فرعون بالنعمة مغريا لفرعون بالاسترسال في الإعراض عن الدين، فكان دعاء موسى عليهم استصلاحا لهم وطلبا لإيمانهم بوسائل التشديد عليهم، ولكن الله علم من قلوبهم ما لم يعلمه موسى وقضى عليهم بالاستئصال ليكونوا عبرة لكل مستبد متجبر لا يخاف يوم الحساب.

1222

الآية 89

(89) قوله تعالى: (قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون). فيه تربية على أن شكر الله تعالى في إجابة الدعاء تكون بالاستقامة على منهج الله تعالى حيث فرّع الله تعالى على إجابة دعوتهما أمره لهما بالاستقامة، فتقرر أن الاستقامة شكر على الكرامة، لأن إجابة الله دعوة عبده إحسانٌ للعبد وإكرام، وتلك نعمة عظيمة يستحق الشكر عليها، وأعظم الشكر طاعة المنعم. فقوله تعالى: (فاستقيما) أمر بالاستقامة على أمرهما والثبات عليه من دعاء فرعون وقومه إلى الإيمان، إلى أن يأتيهما تأويل الإجابة. قال المفسرون: مكث فرعون وقومه بعد هذه الإجابة أربعين سنة ثم أهلكوا. وقيل: (فاستقيما) على الدعاء، والاستقامة في الدعاء ترك الاستعجال في حصول المقصود، ولا يسقط الاستعجال من القلب إلا باستقامة السكينة فيه، ولا تكون تلك السكينة إلا بالرضا الحسن لجميع ما يبدو من الغيب. (ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون) أي: لا تسلكا طريق من لا يعلم حقيقة وعد الله ووعيده.

1223

الآية 90

قوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (يونس: 90)

(90) قوله تعالى: (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين). فيه تربية وبيان وتذكير للناس بضعف النفس البشرية مهما ظهر عليها غير ذلك، فهذا فرعون الطاغوت المتجبر الذي لا يخاف من موسى وإله موسى والذي ادعى الإلهية فقال: (ما علمت لكم من إله غيري) (القصص: 38)، وبعدها بمدة ادعى الربوبية فقال: (أنا ربكم الأعلى) (النازعات: 24)، وادعى الحاكمية المطلقة على مصر بمواردها البشرية والطبيعية فقال: (يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون) (الزخرف: 51)، ثم هو في لحظة الموت ودقائق الاحتضار يُعلن عن نهاية الضعف البشري أمام القوة الإلهية والجبروت الرباني فيعلن عن إسلامه وشهادته أنه لا إله إلا الله ولكنه لا يُتقن لفظة الشهادة فيقول: (آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين). وهذا درس لكل الملوك والرؤساء ومن دونهم من المتجبرين المتكبرين المستبدين بالناس، المستعبدين لخلق الله، والذين يمارسون أعتى أنواع الظلم والجور والطغيان، وهم في الحقيقة يخبئون ضعفهم البشري ويتسترون بالمظاهر والأبهة كمن يحجب الشمس بالغربال. وقد ذكر القرطبي في التفسير قصة الغرق هذه وتلخيصها: ((فخرج موسى ببني إسرائيل وهم ستمائة ألف وعشرون ألفا، وتبعه فرعون مصبحا في ألفي ألف وستمائة ألف (بغيا) طلبا للاستعلاء بغير حق في القول (وعدوا) في الفعل (حتى إذا أدركه الغرق) ناله ووصله (قال آمنت) صدقت (أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل). ويقال: إن فرعون هاب دخول البحر وكان على حصان أدهم ولم يكن في خيل فرعون فرس أنثى، فجاء جبريل على فرس وديق (شهي) في صورة هامان وقال له: تقدم، ثم خاض البحر فتبعها حصان فرعون، وميكائيل يسوقهم لا يشذ منهم أحد، فلما صار آخرهم في البحر وهمّ أولهم أن يخرج انطبق عليهم البحر، وألجم فرعون الغرق فقال: آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل، فدس جبريل في فمه حال البحر. وروى الترمذي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لما أغرق الله فرعون قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، قال جبريل: يا محمد، فلو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. حال البحر: الطين الأسود الذي يكون في أرضه، قاله أهل اللغة. وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر: (أن جبريل جعل يدس في فم فرعون الطين خشية أن يقول لا إله إلا الله فيرحمه الله، أو خشية أن يرحمه). قال: هذا حديث حسن غريب صحيح. وقال عون بن عبد الله: بلغني أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (ما ولد إبليس أبغض إلي من فرعون، فإنه لما أدركه الغرق قال: (آمنت) الآية، فخشيت أن يقولها فيرحم، فأخذت تربة أو طينة فحشوتها في فيه). وقيل: إنما فعل هذا به عقوبة له على عظيم ما كان يأتي. وقال كعب الأحبار: أمسك الله نيل مصر عن الجري في زمانه، فقالت له القبط: إن كنت ربنا فأجر لنا الماء، فركب وأمر بجنوده قائداً قائدا وجعلوا يقفون على درجاتهم، وقفز حيث لا يرونه ونزل عن دابته ولبس ثيابا له أخرى وسجد وتضرع لله تعالى فأجرى الله له الماء، فأتاه جبريل وهو وحده في هيئة مستفت وقال: ما يقول الأمير في رجل له عبد قد نشأ في نعمته لا سند له غيره، فكفر نعمه وجحد حقه وادعى السيادة دونه، فكتب فرعون: يقول أبو العباس الوليد بن مصعب بن الريان جزاؤه أن يغرق في البحر، فأخذه جبريل ومر. فلما أدركه الغرق ناوله جبريل عليه السلام خطه. وقد مضى هذا في (البقرة) عن عبد الله بن عمرو بن العاص وابن عباس مسندا، وكان هذا في يوم عاشوراء على ما تقدم بيانه في (البقرة) أيضا فلا معنى للإعادة)).

1224

الآية 91

(91) قوله تعالى: (آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين). استفهام إنكاري، ينكر الله تعالى على فرعون الإيمان في اللحظة التي لا ينفع فيها الإيمان وهي لحظة الموت حيث الإيمان القسري الذي لا اختيار فيه ولا قبول له. والإنكار مؤذن بأن الوقت الذي عُلق به الإنكار ليس وقتاً ينفع فيه الإيمان لأن الاستفهام الإنكاري في قوة النفي، فيكون المعنى: لا إيمان الآن. وإنما لم ينفعه إيمانه لأنه جاء به في وقت حصول الموت، وهو وقت لا يقبل فيه إيمان الكافر ولا توبة العاصي، كما تقدم عند قوله تعالى: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبتُ الآن ولا الذين يموتون وهم كفار) (النساء: 18)، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» (الترمذي). وقوله: (وقد عصيتَ قبلُ وكنتَ من المفسدين) مؤكد لما في الاستفهام من معنى الإنكار، فإن إيمانه في ذلك الحين منكر، ويزيده إنكارا أن صاحبه كان عاصياً لله ومفسداً للدين الذي أرسله الله إليه، ومفسداً في الأرض بالجور والظلم والتمويه بالسحر. وصيغة: (وكنتَ من المفسدين) أبلغ في الوصف بالإفساد من: وكنتَ مُفسدا، لأن عظم العذاب يتناسب مع عظم الفساد.

1225

الآية 92

(92) قوله تعالى: (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون). قال ابن عاشور في كتابه (التحرير والتنوير) في تفسير هذه الآية: ((والفاء التي في قوله: (فاليوم) فاء الفصيحة، تفصح عن شرط مقدر في الكلام يدل عليه السياق. والمعنى: فإن رمتَ بإيمانك بعد فوات وقته أن أُنجيك من الغرق فاليوم ننجيك ببدنك، والكلام جار مجرى التهكم، فإطلاق الإنجاء على إخراجه من البحر استعارة تهكمية. وليس مسوغها التهكم المحض كما هو الغالب في نوعها، بل فيها علاقة المشابهة، لأن إخراجه إلى البر كاملاً بشكّته يشبه الإنجاء، ولكنه ضد الإنجاء، فكان بالمشابهة استعارة، وبالضدية تهكما. والبدَن: الجسم بدون روح وهذا احتراس من أن يظن المراد الإنجاء من الغرق. والمعنى: ننجيك وأنت جسم، كما يقال : دخلت عليه فإذا هو جثة، لأنه لو لم يكن المقصود الاقتصار على تلك الحالة لما كان داع للبليغ أن يزيد ذلك القيد، فإن كل زيادة في كلام البليغ يقصد منها معنى زائد، وإلا لكانت حشوا في الكلام والكلام البليغ موزون، ولغة العرب مبنية على أساس الإيجاز. (لمن خلفك) أي من وراءك. والوراء: هنا مستعمل في معنى المتأخر والباقي، أي من ليسوا معك. والمراد بهم من يخلفه من الفراعنة ومن معهم من الكهنة والوزراء، أي لتكون ذاته آية على أن الله غالب من أشركوا به، وأن الله أعظم وأقهر من فرعون وآلهته في اعتقاد القبط، إذ يرون فرعون الإله عندهم طريحا على شاطئ البحر غريقا، فتلك ميتة لا يستطيعون معها الدجل بأنه رفع إلى السماء، أو أنه لم يزل يتابع بني إسرائيل، أو نحو ذلك من الأكاذيب لأنهم كانوا يزعمون أن فرعون لا يُغلب، وأن الفراعنة حين يموتون إنما ينقلون إلى دار الخلود، ولذلك كانوا يموّهون على الناس فيبنون له البيوت في الأهرام ويودعون بها لباسه وطعامه ورياشه وأنفَس الأشياء عنده، فموته بالغرق وهو يتبع أعداءه ميتة لا تفسر بشيء من ذلك، فلذلك جعل كونه آية لمن خلفه علة لإخراجه من غمرة الماء ميتا كاملا، فهم مضطرون إلى الاعتراف بأنه غرق إذا نظروا في تلك الآية. ولم يعدم فرعون فائدة من إيمانه، فإن الله بحكمته قدر له الخروج من غمرات الماء فلم يبق في الماء أكلة للحيتان ولكن لفظته الأمواج، وتلك حالة أقل خزيا من حالات سائر جيشه بها ظهر نفع ما له بما حصل لنفسه من الإيمان في آخر أحواله. وجملة: (وإنْ كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون) تذييل لموعظة المشركين، والمراد منه: دفع توهم النقص عن آيات الله عندما يحرم كثير من الناس الاهتداء بها، فهي في ذاتها دلائل هدى سواء انتفع بها بعض الناس أم لم ينتفعوا فالتقصير منهم. واعلم أن هذه الآية أصرح آية في القرآن دلالة على أن فرعون الذي أرسل إليه موسى والذي أتبع بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر قد أصابه الغرق. وقد أشارت إليه آية سورة الأعراف وآية سورة البقرة. وفرعون هذا هو منفطاح الثاني، ويقال له (مَيْرنْبَتَا) بياء فارسية، أو منفتاح، أو منيفتا وهو ابن رعمسيس الثاني، من ملوك العائلة التاسعة عشرة من الأسر الفرعونية، وكانوا في حدود سنة1491 قبل المسيح. قال ابن جُريج: كان فرعون هذا قصيرا أحمر فلا نشك في أن منفطاح الثاني مات غريقا في البحر، وأنه خرجت جثته بعد الغرق فدُفن في وادي الملوك في صعيد مصر. فذكر المنقبون عن الآثار أنه وجد قبرُه هناك، وذلك يشير إلى قوله تعالى: (فاليومَ نُنَجّيك ببدنك لتكونَ لمن خلفك آية). ووجود قبر له إن صح بوجه محقق لا ينافي أن يكون مات غريقا، وإن كان مؤرخو القبط لم يتعرضوا لصفة موته، وما ذلك إلا لأن الكهنة أجمعوا على إخفائها كيلا يتطرق الشك إلى الأمة فيما يمجد به الكهنة كل فرعون من صفات بنوة الآلهة. وخلفتْه في ملك مصر ابنته المسماة طوسير لأنه تركها وابنا صغيرا. وقد جاء ذكر غرق فرعون في التوراة في الإصحاح الرابع عشر من سفر الخروج بعبارات مختلفة الصراحة والإغلاق. ومن دقائق القرآن قوله تعالى: (فاليوم نُنجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وهي عبارة لم يأت مثلها فيما كتب من أخبار فرعون ، وإنها لمن الإعجاز العلمي في القرآن إذ كانت الآية منطبقة على الواقع التاريخي. والظاهر أن الأمواج ألقت جثته على الساحل الغربي من البحر الأحمر فعثر عليه الذين خرجوا يتقصون آثاره ممن بقوا بعده بمدينة مصر لما استبطأوا رجوعه ورجوع جيشه، فرفعوه إلى المدينة وكان عبرة لهم)).

1226