التفسير التربويالجزء 1 · ص 1227 - 1234

الآية 93

الآية 93

(93) قوله تعالى: (ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات، فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضى بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون). عاب الله تعالى على بني إسرائيل أنهم قابلوا نعمة التمكين في الأرض والرزق من الطيبان بالاختلاف والتحزب والتشيع في الدين، وفي هذه الآية تربية للمؤمنين على نعمة التمكين في الأرض يجب أن تقابل بوحدة الصف ووحدة الكلمة ووحدة الدين والقيام بأمر الله تعالى ونهيه. وفيها تهديد للمختلفين في الدين بالعقوبة الأخروية حيث يفصل الله بينهم فيثيب المطيع ويعاقب العاصي.

1227

الآية 94

قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آَيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ (يونس: 94)

(94) قوله تعالى: (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين). الخطاب في هذه الآية للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره، فالمراد بهذا الخطاب الفئة الشاكة من المشركين حيث يحيلهم إلى أهل الكتاب العالمين به وخاصة من أسلم منهم ليتأكدوا من صحة ما يقوله الله تعالى لهم في القرآن وما يرويه النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث. خاصة وأن آخر الحديث كان عن بني إسرائيل، وهم من أهل الكتاب، وهم يعرفون قصة نوح مع قومه وقصة موسى مع فرعون، يقرأونها في كتابهم. وإنما حسن هذا الخطاب لأنه يترك الفرصة لمن يريد منهم أن يرجع فليرجع، فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم مأذونا في أن يسأل إن كان في شك، ثم هو لا يسأل ولا يشك، فهو إذن على يقين مما جاء به أنه الحق، وفي هذا إيحاء للآخرين ألا يترددوا وألا يكونوا من الممترين.

1228

الآية 95

(95) قوله تعالى: (ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين). وهذا الخطاب تتمة للخطاب السابق والمراد به الفئة المكذبة من المشركين، حيث كان المشركون ما بين شاك بالنبوة ومكذب بها. وفيه ترهيب بالعقوبة الأخروية للتكذيب بالنبوة والقرآن وهو الخسارة في الآخرة التي لا يعدلها خسارة ولا يعوضها ربح، لأن من خسر نفسه فأهلكها في نار جهم لم يستفد بعد ذلك من أي ربح أو كسب.

1229

الآيات 96-97

(96) و (97) قوله تعالى: (إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون. ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم). فيه ترهيب للفئتين الشاكة والمكذبة بالنبوة والقرآن من أن يختم الله على قلوبهم بالكفر فلا يؤمنون مهما جاءهم من الآيات الداعية إلى الإيمان ومهما كانت نوعية هذه الآيات الدالة على الإيمان. فقوله تعالى: (إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون) أي: الذين حق عليهم غضب الله وسخطه بمعصيتهم لا يؤمنون. (ولو جاءتهم كل آية) أي: ولو جاءتهم الآيات. (حتى يروا العذاب الأليم) في الدنيا، فحينئذ يؤمنون ولا ينفعهم الإيمان لأنه إيمان جبري ليس فيه اختيار.

1230

الآية 98

قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آَمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: 98)

(98) قوله تعالى: (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين). ذكر الله تعالى هنا قصة قوم يونس بعد ذكر قصة فرعون والعلاقة بينهما هو عدم انتفاع فرعون بإعلان التوبة وانتفاع قوم يونس بإعلان التوبة لأن توبتهم كانت قبل معاينة العذاب وإنما كانت بمجرد رؤيته. وقيل: إنه تعالى لما ذكر في الآية السابقة أن من الناس من لا يؤمن حتى يرى العذاب في الدنيا وحين ذلك لا ينفعه إيمانه ذكر هنا أن ذلك كان حال أهل القرى التي أرسل إليها الأنبياء إلا قوم يونس عليه السلام. ومفهوم من معنى الآية نفي إيمان أهل القرى ثم استثنى قوم يونس عليه السلام. قال القرطبي في قصة قوم يونس: ((وروي في قصة قوم يونس عن جماعة من المفسرين: أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل وكانوا يعبدون الأصنام، فأرسل الله إليهم يونس عليه السلام يدعوهم إلى الإسلام وترك ما هم عليه فأبوا، فقيل: إنه أقام يدعوهم تسع سنين فيئس من إيمانهم، فقيل له: أخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ثلاث ففعل، وقالوا: هو رجل لا يكذب فارقبوه فإن أقام معكم وبين أظهركم فلا عليكم، وإن ارتحل عنكم فهو نزول العذاب لا شك، فلما كان الليل تزود يونس وخرج عنهم فأصبحوا فلم يجدوه فتابوا ودعوا الله ولبسوا المسوح وفرقوا بين الأمهات والأولاد من الناس والبهائم، وردوا المظالم في تلك الحالة. وقال الزجاج: إنهم لم يقع بهم العذاب، وإنما رأوا العلامة التي تدل على العذاب، ولو رأوا عين العذاب لما نفعهم الإيمان. قلت: قول الزجاج حسن، فإن المعاينة التي لا تنفع التوبة معها هي التلبس بالعذاب كقصة فرعون، ولهذا جاء بقصة قوم يونس على أثر قصة فرعون لأنه آمن حين رأى العذاب فلم ينفعه ذلك، وقوم يونس تابوا قبل ذلك. ويعضد هذا قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر). والغرغرة الحشرجة، وذلك هو حال التلبس بالموت، وأما قبل ذلك فلا. والله أعلم)).

1231

الآية 99

(99) قوله تعالى: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟). فيه تربية على حرية الاختيار وأن ذلك حق منحه الله تعالى للناس ولا يجوز إرغامهم على الإيمان وإن كنا نجد الإيمان في مصلحتهم. وفيه تربية على أن الدنيا دار ابتلاء، ولا يحصل الابتلاء باللون الواحد من الإيمان أو الكفر، ومن هنا كان القرار الإلهي للناس بحرية الاختيار وعدم الإكراه في الدين. قال الرازي في الترتيب التربوي لهذه السورة حتى هذه الآية: «اعلم أن هذه السورة من أولها إلى هذا الموضع في بيان حكاية شبهات الكفار في إنكار النبوة مع الجواب عنها، وكانت إحدى شبهاتهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يهددهم بنزول العذاب مع الكافرين، ويعد أتباعه أن الله ينصرهم ويعلي شأنهم ويقوي جانبهم، ثم إن الكفار ما رأوا ذلك فجعلوا ذلك شبهة في الطعن في نبوته، وكانوا يبالغون في استعجال ذلك العذاب على سبيل السخرية، ثم إن الله سبحانه وتعالى بين أن تأخير الموعود به لا يقدح في صحة الوعد، ثم ضرب لهذا أمثلة وهي واقعة نوح عليه السلام وواقعة موسى عليه السلام مع فرعون وامتدت هذه البيانات إلى هذه المقامات. ثم في هذه الآية بين أن جَد الرسول في دخولهم في الإيمان لا ينفع، ومبالغته في تقرير الدلائل وفي الجواب عن الشبهات لا تفيد، لأن الإيمان لا يحصل إلا بتخليق الله تعالى ومشيئته وإرشاده وهدايته، فإذا لم يحصل هذا المعنى لم يحصل الإيمان».

1232

الآية 100

(100) قوله تعالى: (وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون). فيه تربية على أن الإيمان لا يكون إلا بإذن الله تعالى، وأن إذن الله تعالى حاصل لألئك الذين يعقلون الآيات والحجج والبراهين والأدلة. فالله تعالى يأذن بالإيمان لمن يعقل الإيمان ويريده، ولا يأذن بالإيمان لمن لا يعقل الإيمان ولا يريده.

1233

الآية 101

(101) قوله تعالى: (قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون). فيه تربية على أن طريق الإيمان يكون بالنظر والتفكر في مخلوقات الله تعالى في السماء وفي الأرض والنظر في المصنوعات الدالة على الصانع والقادر والكامل. كما دلت هذه الآية على أن هذا النظر لا ينفع من لا يرغبون في الإيمان وإن حصل النظر. وفيها دلالة على بطلان التقليد في العقيدة والإيمان والتوحيد.

1234