التفسير التربويالجزء 1 · ص 1243 - 1250

الآية 2

الآية 2

(2) قوله تعالى: (ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير). هذه الآية وإن جاءت تفسيرا للآية السابقة من خلال أن التفسيرية في مطلعها فإنها من حيث المعنى كالنتيجة للآية السابقة، فكون القرآن معجز فيه دلالة على وجود الله ووحدانيته ووجوب عبادته وحده تعالى (ألا تعبدوا إلا الله). وإذا كان الإيمان بالقرآن يستوجب الإيمان بالله تعالى فإن الإيمان بكليهما يستوجب الإيمان بالرسل حيث إن مهمة الرسول هي النذارة والبشارة (إنني لكم منه نذير وبشير)، والنذارة موعظة مع ترهيب، والبشارة هي موعظة مع ترغيب. ومن هنا يظهر التلازم بين الإيمان بالكتاب والإيمان بالله والإيمان بالرسول، ومن خلال النذارة والبشارة يتحدد لنا دور الرسول صلى الله عليه وسلم وهو دور تربوي بامتياز. والجمع بين النذارة والبشارة لمقابلة ما تضمنته الجملة الأولى من طلب ترك عبادة غير الله بطريق النهي وطلب عبادة الله بطريق الاستثناء، فالنذارة ترجع إلى الجزء الأول، والبشارة ترجع إلى الجزء الثاني.

1243

الآية 3

(3) قوله تعالى: (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله، وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير). فيه تربية على أن الإنسان مخيّر بين طريقين: إما الإيمان بالله واستغفاره والتوبة إليه فيفوز بسعادة الدارين الدنيا والآخرة، أو الإعراض عن الإيمان بالله والتولي عن الاستغفار والتوبة فيبوء بشقاء الدارين الدنيا والآخرة. فقوله تعالى: (وأن استغفروا ربكم) يعني من سالف الذنوب (ثم توبوا إليه) يعني من المستأنف من الذنوب متى وقع. وقيل: إنما قدم ذكر الاستغفار لأن المغفرة هي الغرض المطلوب، والتوبة هي السبب إليها، فالمغفرة أول في المطلوب وآخر في السبب. ويحتمل أن يكون المعنى استغفروه من الصغائر، وتوبوا إليه من الكبائر. (يمتعكم متاعا حسنا) هذه ثمرة الاستغفار والتوبة، أي يمتعكم بالمنافع من سعة الرزق ورغد العيش، ولا يستأصلكم بالعذاب كما فعل بمن أهلك قبلكم. (إلى أجل مسمى) قيل: هو الموت، وقيل: القيامة. (ويؤت كل ذي فضل فضله) أي يؤت كل ذي عمل من الأعمال الصالحات جزاء عمله. (وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير) أي يوم القيامة، وهو كبير لما فيه من الأهوال.

1244

الآية 4

(4) قوله تعالى: (إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير). قال الرازي في تفسير هذه الآية: ((ثم بين أنه لا بد من الرجوع إلى الله تعالى بقوله: (إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير). واعلم أن قوله: (إلى الله مرجعكم) فيه دقيقة، وهي: أن هذا اللفظ يفيد الحصر، يعني أن مرجعنا إلى الله لا إلى غيره، فيدل هذا على أن لا مدبر ولا متصرف هناك إلا هو والأمر كذلك أيضا في هذه الحياة الدنيوية، إلا أن أقواما اشتغلوا بالنظر إلى الوسائط فعجزوا عن الوصول إلى مسبب الأسباب، فظنوا أنهم في دار الدنيا قادرون على شيء، وأما في دار الآخرة فهذا الحال الفاسد زائل أيضا، فلهذا المعنى بين هذا الحصر بقوله: (إلى الله مرجعكم). ثم قال: (وهو على كل شيء قدير) وأقول إن هذا تهديد عظيم من بعض الوجوه وبشارة عظيمة من سائر الوجوه. أما إنه تهديد عظيم فلأن قوله تعالى: (إلى الله مرجعكم) يدل على أنه ليس مرجعنا إلا إليه، وقوله: (وهو على كل شيء قدير) يدل على أنه قادر على جميع المقدورات لا دافع لقضائه ولا مانع لمشيئته، والرجوع إلى الحاكم الموصوف بهذه الصفة مع العيوب الكثيرة والذنوب العظيمة مشكل. وأما أنه بشارة عظيمة فلأن ذلك يدل على قدرة غالبة وجلالة عظيمة لهذا الحاكم وعلى ضعف تام وعجز عظيم لهذا العبد، والملك القاهر العالي الغالب إذا رأى عاجزا مشرفا على الهلاك فإنه يخلصه من الهلاك، ومنه المثل المشهور: ملكت فاسجح. يقول مصنف هذا الكتاب: قد أفنيت عمري في خدمة العلم والمطالعة للكتب ولا رجاء لي في شيء إلا أني في غاية الذلة والقصور، والكريم إذا قدر غفر، وأسألك يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين وساتر عيوب المعيوبين ومجيب دعوة المضطرين أن تفيض سجال رحمتك على ولدي وفلذة كبدي وأن تخلصنا بالفضل والتجاوز والجود والكرم)).

1245

الآية 5

(5) قوله تعالى: (ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه، ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور). فيه تربية على أنه تعالى متصف بكمال العلم، كما نصت الآية السابقة على أنه تعالى متصف بكمال القدرة، حيث إن كمال القدرة يستوجب كمال العلم في حق الله تبارك وتعالى. وقد تحول أسلوب الكلام عن مخاطبة النبي عليه الصلاة والسلام بما أمر بتبليغه إلى إعلامه بحال من أحوال الذين أمره الله بتبليغهم في جهلهم بإحاطة علم الله تعالى بكل حال من الكائنات من الذوات والأعمال ظاهرها وخفيها، فقوله تعالى: (ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه) كالمقدمة لقوله تعالى: (ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور) فجمعً بين إخبارهم بإحاطة علم الله بالأشياء وبين إبطال توهماتهم وجهلهم بصفات الله تعالى. وقد جاءت هذه الآية إتماما للآية السابقة لمناسبة أن الله تعالى متصف بتمام القدرة على كل شيء كما هو متصف بإحاطة علمه بكل شيء، تلازما بين تمام القدرة وتمام العلم.

1246

الآية 6

(6) قوله تعالى: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين). فيه بيان لعلم الله تعالى المذكور في الآية السابقة حيث قال: (يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور)، وفيه بيان لقدرة الله تعالى المذكورة في الآية التي قبلها حيث قال: (وهو على كل شيء قدير). فهذه الآية كالمثال على علم الله تعالى وعلى قدرته وخاصة في مجال الأرزاق. ومعرفة المكلفين لتمام علم الله تعالى وتمام قدرة الله تعالى تحمل معنى الترغيب والترهيب في نفس الوقت، الترغيب بالطاعة بناء على علم الله وقدرته، والترهيب من المعصية بناء على علم الله تعالى وقدرته. فثبت أن رزق كل حيوان إنما يصل إليه من الله تعالى، فلو لم يكن عالما بجميع المعلومات وقادرا على جميع المقدورات لما حصلت هذه المهمات.

1247

الآية 7

قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (هود: 7)

(7) قوله تعالى: (وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا، ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين). فيه بيان لتمام على الله وقدرته كما في الآية السابقة، وفيها تربية على أن الدنيا دار ابتلاء وعمل وأن الآخرة دار حساب وجزاء وعقاب، خاصة وأن فريقا واسعا من العرب في زمن البعثة كانوا يؤمنون بأن الله تعالى هو الخالق ولم يكونوا يؤمنون بيوم القيامة، فكونه تعالى هو الخالق يوجب الإيمان بأن الدنيا دار ابتلاء وعمل (وهو الذي خلق السماوات والأرض... ليبلوكم أيكم أحسن عملا)، والإيمان بأن الدنيا دار ابتلاء يوجب الإيمان بضرورة وجود الآخرة لتسوية الحساب لأن الحساب في الدنيا مستحيل التسوية، فلا يمكن تصحيح الأوراق الامتحانية من قبل الأساتذة أثناء كتابتها من قبل الطلاب لأن في ذلك ظلم للطالب حيث لا يملك فرصة التغيير.

1248

الآية 8

(8) قوله تعالى: (ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه، ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون). في علاقة هذه الآية بالتي قبلها نقول: إنه تعالى لما ذكر في آخر الآية السابقة عن الكفار أنهم يكذبون الرسول صلى الله عليه وسلم بقولهم: (إن هذا إلا سحر مبين) فذكر عنهم في هذه الآية نوعا آخر من أباطيلهم وهو أنه متى تأخر عنهم العذاب الذي توعدهم به الرسول صلى الله عليه وسلم أخذوا في الاستهزاء قائلين: ما السبب الذي حبسه عنا؟ فأجاب الله تعالى بأنه إذا جاء الوقت الذي عينه الله لنزول ذلك العذاب الذي كانوا يستهزؤون به لم ينصرف ذلك العذاب عنهم وأحاط بهم. فقوله تعالى: (ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة) إلى أجل معدود وحين معلوم، فالأمة هنا المدة، وأصل الأمة الجماعة، فعبر عن الحين والسنين بالأمة لأن الأمة تكون فيها. (ليقولن ما يحبسه) يعني العذاب، وقولهم هذا إما تكذيبا أو استعجالا واستهزاء (ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم) أي نزل وأحاط (ما كانوا به يستهزؤون) أي جزاء ما كانوا به يستهزؤون.

1249

الآيات 9-11

(9) و (10) و (11) قوله تعالى: (ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤوس كفور. ولئن أذقنه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عنى إنه لفرح فخور. إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير). في هذه الآيات تربية على الموقف الصحيح من حصول النعمة أو زوالها وذلك من خلال بيان موقف الكافر من هذين الأمرين أولا ثم بيان موقف المؤمن منهما. قال الرازي في تفسير هذه الآيات: ((اعلم أن أحوال الدنيا غير باقية، بل هي أبدا في التغير والزوال، والتحول والانتقال، إلا أن الضابط فيه أنه إما أن يتحول من النعمة إلى المحنة ومن اللذات إلى الآفات، وإما أن يكون بالعكس من ذلك، وهو أن ينتقل من المكروه إلى المحبوب، ومن المحرمات إلى الطيبات. (أما القسم الأول) فهو المراد من قوله: (ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤوس كفور) وحاصل الكلام أنه تعالى حكم على هذا الإنسان بأنه يؤوس كفور، وتقريره أن يقال: أنه حال زوال تلك النعمة يصير يؤوسا، وذلك لأن الكافر يعتقد أن السبب في حصول تلك النعمة سبب اتفاقي، ثم إنه يستبعد حدوث ذلك الاتفاق مرة أخرى فلا جرم يستبعد عود تلك النعمة فيقع في اليأس. وأما المسلم الذي يعتقد أن تلك النعمة إنما حصلت من الله تعالى وفضله وإحسانه وطوله فإنه لا يحصل له اليأس، بل يقول لعله تعالى يردها إليّ بعد ذلك أكمل وأحسن وأفضل مما كانت، وأما حال كون تلك النعمة حاصلة فإنه يكون كفورا لأنه لما اعتقد أن حصولها إنما كان على سبيل الاتفاق أو بسبب أن الإنسان حصلها بسبب جده وجهده فحينئذ لا يشتغل بشكر الله تعالى على تلك النعمة. فالحاصل أن الكافر يكون عند زوال تلك النعمة يؤوسا وعند حصولها يكون كفورا. (وأما القسم الثاني) وهو أن ينتقل الإنسان من المكروه إلى المحبوب، ومن المحنة إلى النعمة، فهنا الكافر يكون فرحا فخورا. أما قوة الفرح فلأن منتهى طمع الكافر هو الفوز بهذه السعادات الدنيوية وهو منكر للسعادات الأخروية الروحانية، فإذا وجد الدنيا فكأنه قد فاز بغاية السعادات فلا جرم يعظم فرحه بها، وأما كونه فخورا فلأنه لما كان الفوز بسائر المطلوب نهاية السعادة لا جرم يفتخر به، فحاصل الكلام أنه تعالى بيّن أن الكافر عند البلاء لا يكون من الصابرين، وعند الفوز بالنعماء لا يكون من الشاكرين. ثم لما قرر ذلك قال: (إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات) والمراد منه ضد ما تقدم، فقوله: (إلا الذين صبروا) المراد منه أن يكون عند البلاء من الصابرين، وقوله: (وعملوا الصالحات) المراد منه أن يكون عند الراحة والخير من الشاكرين. ثم بين حالهم فقال: (أولئك لهم مغفرة وأجر كبير) فجمع لهم بين هذين المطلوبين: (أحدهما) زوال العقاب والخلاص منه وهو المراد من قوله: (لهم مغفرة)، (والثاني) الفوز بالثواب وهو المراد من قوله: (وأجر كبير). ومن وقف على هذا التفصيل الذي ذكرناه علم أن هذا الكتاب الكريم كما أنه معجز بحسب ألفاظه فهو أيضا معجز بحسب معانيه)).

1250