التفسير التربويالجزء 1 · ص 1251 - 1258

الآية 12

الآية 12

قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (هود: 12)

(12) قوله تعالى: (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك، إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل). فيه تسلية وعزاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتقوية وتأييد وتثبيت لقلبه ولكل من يمر بنفس التجربة التي مر بها وهي ضيق الصدر من بعض طلبات المشركين كقولهم (لولا أنزل عليه كنز) أو قولهم: لولا جاء معه ملك، وهي طلبات المترفين الضالعين في حب المال والسلطان والعبودية لهما. وفيه بيان أن النبي هو نذير للناس من عذاب يوم قريب ليس إلا. وفيه تفريق بين النبوة والملك، فمحمد صلى الله عليه وسلم كان نبيا مرسلا من الله ولم يكن ملكا يتماها الذين يحبون القوة والسلطان في العبودية له طوعا أو كرها. فقوله تعالى: (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك) أي فلعلك لعظيم ما تراه منهم من الكفر والتكذيب تتوهم أنهم يزيلونك عن بعض ما أنت عليه (وضائق به صدرك أن يقولوا) أي: كراهية أن يقولوا (لولا) هلا (أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك) يصدقه (إنما أنت نذير) إنما عليك أن تنذرهم، لا بأن تأتيهم بما يقترحونه من الآيات (والله على كل شيء وكيل) حافظ وشهيد.

1251

الآية 13

(13) قوله تعالى: (أم يقولون افتراه، قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين). فيه تربية على أنه لا بد في إثبات الدين من تقرير الدلائل والبراهين، وذلك لأن الله تعالى أورد في إثبات نبوة محمد عليه الصلاة والسلام هذا الدليل وهذه الحجة، ولولا أن الدين لا يتم إلا بالدليل لم يكن في ذكره فائدة. فإن القوم الكافرين لما طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم المعجزة قال معجزتي هذا القرآن، ولما حصل المعجز الواحد كان طلب الزيادة بغيا وجهلا، ثم قرر كونه معجزة بأن تحداهم بالمعارضة وهي الإتيان بمثله أو بعشر سور من مثله كما في هذه الآية أو بسورة من مثله. قال الرازي في إعجاز القرآن: ((اختلف الناس في الوجه الذي لأجله كان القرآن معجزا، فقال بعضهم: هو الفصاحة. وقال بعضهم: هو الأسلوب. وقال ثالث: هو عدم التناقض. وقال رابع: هو اشتماله على العلوم الكثيرة. وقال خامس: هو الصرف. وقال سادس: هو اشتماله على الإخبار عن الغيوب. والمختار عندي وعند الأكثرين أنه معجز بسبب الفصاحة، واحتجوا على صحة قولهم بهذه الآية لأنه لو كان وجه الإعجاز هو كثرة العلوم أو الأخبار عن الغيوب أو عدم التناقض لم يكن لقوله: (مفتريات) معنى، أما إذا كان وجه الإعجاز هو الفصاحة صح ذلك لأن فصاحة الفصيح تظهر بالكلام سواء كان الكلام صدقا أو كذبا، وأيضا لو كان الوجه في كونه معجزا هو الصرف لكان دلالة الكلام الركيك النازل في الفصاحة على هذا المطلوب أوكد من دلالة الكلام العالي في الفصاحة، ثم إنه تعالى لما قرر وجه التحدي قال: (وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين) والمراد إن كنتم صادقين في ادعاء كونه مفترى كما قال: (أم يقولون افتراه)). قلت: وفي العصر الذي نعيش فيه قد أجمع الناس على إعجاز القرآن من الناحية العلمية سواء في العلوم الطبية أم في العلوم الطبيعية، والإعجاز العلمي في القرآن وجه من وجوه الإعجاز القرآني المتجدد حيث إن القرآن الكريم معجزة خالدة متجددة فهو الذي لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرَد. وقد كان لي شرف المساهمة في بيان الإعجاز العلمي في القرآن من خلال كتابين: أحدهما في العلوم الطبية (آيات طبية في القرآن)، والآخر في العلوم الطبيعية (آيات طبيعية في القرآن).

1252

الآية 14

(14) قوله تعالى: (فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو، فهل أنتم مسلمون؟). فيه بيان وحجة على أن عجز الكافرين عن معارضة القرآن والإتيان بسورة من مثله على الأقل يوجب عليهم ثلاث حقائق قبلوا بها أم رفضوها وهي: (الأولى) اليقين بأن القرآن كلام الله تعالى وليس كلام البشر وإليه الإشارة بقوله: (فأعلموا أنما أنزل بعلم الله). (والثانية) اليقين بأنه لا إله إلا الله وإليه الإشارة بقوله: (وأن لا إله إلا الله). (والثالثة) الاستسلام لله تعالى بالدخول في الإسلام وإليه الإشارة بقوله: (فهل أنتم مسلمون؟) وهو استفهام ومعناه الأمر.

1253

الآيات 15-16

(15) و (16) قوله تعالى: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون. أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وبطل ما كانوا يعملون). فيهما تربية على أنه من أراد بعمله ثواب الدنيا عجل الله له الثواب ولم ينقص من ثوابه شيئا في الدنيا، وله في الآخرة النار والعذاب وبطلان العمل. وفيهما تربية على أن يقصد الإنسان بعمله الآخرة فيحصل له ثواب الدنيا وثواب الآخرة. وفيهما تربية على تصحيح النية ليكون العمل مقبولا عند الله. قال القرطبي في التفسير: ((واختلف العلماء في تأويل هذه الآية، فقيل: نزلت في الكفار بدليل الآية التي بعدها (أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار) أي من أتى منهم بصلة رحم أو صدقة نكافئه بها في الدنيا، بصحة الجسم، وكثرة الرزق، لكن لا حسنة له في الآخرة. وقيل: المراد بالآية المؤمنون، أي من أراد بعمله ثواب الدنيا عجل له الثواب ولم ينقص شيئا في الدنيا، وله في الآخرة العذاب لأنه جرد قصده إلى الدنيا، وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) فالعبد إنما يعطي على وجه قصده وبحكم ضميره، وهذا أمر متفق عليه في الأمم بين كل ملة. وقيل: هو لأهل الرياء، وفي الخبر أنه يقال لأهل الرياء: (صمتم وصليتم وتصدقتم وجاهدتم وقرأتم ليقال ذلك فقد قيل ذلك) ثم قال: (إن هؤلاء أول من تسعر بهم النار). رواه أبو هريرة، ثم بكى بكاء شديدا وقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها) وقرأ الآيتين. خرجه مسلم في صحيحه بمعناه والترمذي أيضا. وقيل: الآية عامة في كل من ينوي بعمله غير الله تعالى، كان معه أصل إيمان أو لم يكن، وقال ميمون بن مهران: ليس أحد يعمل حسنة إلا وُفي ثوابها، فإن كان مسلما مخلصا وُفي في الدنيا والآخرة، وإن كان كافرا وُفي الدنيا. وقوله تعالى: (أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار) إشارة إلى التخليد، والمؤمن لا يخلد، فهو محمول على ما لو كانت موافاة هذا المرائي على الكفر. وقيل: المعنى ليس لهم إلا النار في أيام معلومة ثم يخرج، إما بالشفاعة، وإما بالقبضة. والآية تقتضي الوعيد بسلب الإيمان (وباطل ما كانوا يعملون) أي وباطل عمله)).

1254

الآية 17

(17) قوله تعالى: (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة، أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده، فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون). اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها ظاهر والتقدير: أفمن كان على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها وليس لهم في الآخرة إلا النار؟ إلا أنه حذف الجواب لظهوره. وفيها تربية على أن طريق الإيمان بالقرآن وطريق الكفر به لا يستويان، فالذي يؤمن به يؤمن بالتوراة وبكل الكتب السماوية لأن مصدرها واحد، والذي يكفر به يعتبر كافرا بكل الكتب السماوية لأن مصدرها واحد، وهذا واضح في الدلالة على وحدة الدين الإسلامي فهو دين كل الأنبياء. وفيها تربية على أن المطلوب في الإيمان هو الجزم واليقين ولا يقبل الله الظن لأنه من المرية وهي الشك. وفيها تربية على أن أكثر الناس لا يؤمنون فهي سنة الله في خلقه وما ينبغي أن تؤثر في إيمان المؤمنين ما دامت سنة من سنن الله وما ينبغي للمؤمن أن ينخدع بكثرة الهالكين.

1255

الآية 18

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (هود: 18)

(18) قوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا، أولئك يعرضون على ربهم، ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين). فيه ألوان من الترهيب من الكذب على الله تعالى كما كان يفعل المشركون حين يقولون عن الأصنام أنها شفعاؤهم عند الله أو يقولون أن لله ولدا،ومن ألوان الترهيب في هذه الآية وصم المفترين على الله أنهم يمارسون أشنع أنواع الظلم، وأنهم يعرضون على ربهم يوم القيامة عرض افتضاح وتوبيخ، وأن الملائكة الحفظة يشهدون عليم إذ ينكرون جريمتهم أمام الله، وأنهم ملعونون مطرودون من رحمة الله تعالى يوم القيامة حيث يلعنون على رؤوس الأشهاد. فقوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا) أي لا أحد أظلم منهم لأنفسهم لأنهم افتروا على الله كذبا، فأضافوا كلامه إلى غيره، وزعموا أن له شريكا وولدا، وقالوا للأصنام هؤلاء شفعاؤنا عند الله. (أولئك يعرضون على ربهم) فيحاسبهم على أعمالهم. (ويقول الأشهاد) الملائكة الحفظة، وقيل: الأنبياء، وقيل: الملائكة والأنبياء والعلماء (ألا لعنة الله على الظالمين) أي بعده وسخطه وإبعاده من رحمته على الذين وضعوا العبادة في غير موضعها.

1256

الآية 19

(19) قوله تعالى: (الذين يصدون عن سبيل الله، ويبغونها عوجا، وهم بالآخرة هم كافرون). فيه تربية على تعرية الشر والتنفير منه، حيث وصف الله تعالى الظالمين المذكورون في الآية السابقة بثلاث صفات هي: الصد عن سبيل الله، واختيار الطريقة العوجاء وهي غير طريقة الله، والتكذيب بالآخرة. فقوله تعالى: (الذين يصدون عن سبيل الله) أي هم الذين يصدون أنفسهم وغيرهم عن الإيمان والطاعة. (ويبغونها عوجا) أي يعدلون بالناس عنها إلى المعاصي والشرك. (وهم بالآخرة هم كافرون) أعاد لفظ (هم) تأكيدا.

1257

الآيات 20-22

(20) و (21) و (22) قوله تعالى: (أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون. أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون. لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون). قال الرازي في تفسير هذه الآيات: ((اعلم أن الله تعالى وصف هؤلاء المنكرين الجاحدين بصفات كثيرة في معرض الذم. (الصفة الأولى) كونهم مفترين على الله، وهي قوله: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا) (هود: 18). (والصفة الثانية) أنهم يعرضون على الله في موقف الذل والهوان والخزي والنكال وهي قوله: (أولئك يعرضون على ربهم) (هود: 18). (والصفة الثالثة) حصول الخزي والنكال والفضيحة العظيمة وهي قوله: (ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم) (هود: 18). (والصفة الرابعة) كونهم ملعونين من عند الله وهي قوله: (ألا لعنة الله على الظالمين) (هود: 18). (والصفة الخامسة) كونهم صادين عن سبيل الله مانعين عن متابعة الحق وهي قوله: (الذين يصدون عن سبيل الله) (هود: 19). (والصفة السادسة) سعيهم في إلقاء الشبهات وتعويج الدلائل المستقيمة وهي قوله: (ويبغونها عوجا) (هود: 19). (والصفة السابعة) كونهم كافرين وهي قوله: (وهم بالآخرة هم كافرون) (هود: 19). (والصفة الثامنة) كونهم عاجزين عن الفرار من عذاب الله وهي قوله: (أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض) أي لا يمكنهم أن يهربوا من عذابنا، فإن هرب العبد من عذاب الله محال لأنه سبحانه وتعالى قادر على جميع الممكنات، ولا تتفاوت قدرته بالبعد والقرب والقوة والضعف. (والصفة التاسعة) أنهم ليس لهم أولياء يدفعون عذاب الله عنهم، والمقصود أن قوله: (أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض) دل على أنهم لا قدرة لهم على الفرار وقوله: (وما كان لهم من دون الله من أولياء) هو أن أحدا لا يقدر على تخليصهم من ذلك العذاب، فجمع تعالى بين ما يرجع إليهم وبين ما يرجع إلى غيرهم وبين بذلك انقطاع حيلهم في الخلاص من عذاب الدنيا والآخرة. (والصفة العاشرة) قوله تعالى: (يضاعف لهم العذاب) قيل سبب تضعيف العذاب في حقهم أنهم كفروا بالله وبالبعث وبالنشور، فكفرهم بالمبدأ والمعاد صار سببا لتضعيف العذاب، والأصوب أن يقال إنهم مع ضلالهم الشديد سعوا في الإضلال ومنع الناس عن الدين الحق، فلهذا المعنى حصل هذا التضعيف عليهم. (والصفة الحادية عشرة) قوله تعالى: (ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون) والمراد ما هم عليه في الدنيا من صمم القلب وعمى النفس. (والصفة الثانية عشرة) قوله تعالى: (أولئك الذين خسروا أنفسهم) ومعناه أنهم اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله تعالى فكان هذا الخسران أعظم وجوه الخسران. (والصفة الثالثة عشرة) قوله تعالى: (وضل عنهم ما كانوا يفترون) والمعنى أنهم لما باعوا الدين بالدنيا فقد خسروا، لأنهم أعطوا الشريف ورضوا بأخذ الخسيس، وهذا عين الخسران في الدنيا ثم في الآخرة فهذا الخسيس يضيع ويهلك ولا يبقى منه أثر وهو المراد بقوله: (وضل عنهم ما كانوا يفترون). (والصفة الرابعة عشرة) قوله تعالى: (لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون) وتقريره ما تقدم، وهو أنه لما أعطى الشريف الرفيع ورضي بالخسيس الوضيع فقد خسر في التجارة. ثم لما كان هذا الخسيس بحيث لا يبقى بل لابد وأن يهلك ويفنى انقلبت تلك التجارة إلى النهاية في صفة الخسارة، فلهذا قال: (لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون)).

1258