التفسير التربويالجزء 1 · ص 1267 - 1274

الآية 32

الآية 32

(32) قوله تعالى: (قالوا: يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين). فيه تربية على أن الجدال (الحوار) من الدين وأنه مشروع من أجل بيان الحق والدعوة إليه لأن الذين أنهوا الجدال هنا هم قوم نوح عليه السلام وليس نوح نفسه، بل لما أوردوا الشبهات على دعوته شرع في الجدال (الحوار) لدحض هذه الشبهات والرد عليه وبيان الحق ودعوة قومه إليه، ولكن القوم قطعوا الجدال واستعجلوا العذاب تشكيكا ونفيا لوقوعه. فقوله تعالى: (قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا) أي خاصمتنا فأكثرت خصومتنا وبالغت فيها. والجدال في كلام العرب المبالغة في الخصومة، مشتق من الجدل وهو شدة الفتل، والجدال في الدين محمود، ولهذا جادل نوح والأنبياء قومهم حتى يظهر الحق، فمن قبله أنجح وأفلح، ومن رده خاب وخسر، وأما الجدال لغير الحق حتى يظهر الباطل في صورة الحق فمذموم، وصاحبه في الدارين ملوم (فأتنا بما تعدنا) أي من العذاب (إن كنت من الصادقين) في قولك.

1267

الآيات 33-34

(33) و (34) قوله تعالى: (قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين. ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون). فيه تربية على الأدب النبوي في العلاقة مع الله تعالى، فإن نوح عليه السلام لما استعجل قومه رد ذلك لمشيئة الله وفوض الأمر إليه. وفيه تربية على أن الدين النصيحة وذلك من خلال النصح الذي قدمه نوح لقومه وهو أن العذاب إذا حل فلا فائدة من التوبة والاستجابة عندها للنصيحة. فقوله تعالى: (قال إنما يأتيكم به الله إن شاء) أي إن أراد إهلاككم عذبكم. (وما أنتم بمعجزين) أي بفائتين، وقيل: بغالبين بكثرتكم، لأنهم أعجبوا بذلك (ولا ينفعكم نصحي) إبلاغي واجتهادي في إيمانكم (إن أردت أن أنصح لكم) لأنكم لا تقبلون نصحا (إن كان الله يريد أن يغويكم) أي يهلككم بعذابه، ومنه قوله تعالى: (فسوف يلقون غيا) (مريم: 59). (هو ربكم وإليه ترجعون) تهديد ووعيد.

1268

الآية 35

(35) قوله تعالى: (أم يقولون افتراه، قل إن افتريته فعلى إجرامي وأنا بريء مما تجرمون). هذا من خطاب قوم نوح لنبيهم نوح عليه السلام ورده عليهم، ومعنى الآية: أنهم يتهمونه باختلاق الوحي والرسالة من عند نفسه وليس من الله، فهم يقرون بالله ويكذبون النبي عليه السلام، ولذلك كان جواب نوح عليه السلام أنه إن كان كذب على الله فسيعاقبه وينجيهم، وإن كانوا كذبوا على الله فسيعاقبهم وينجيه. وهذا كقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) (الأنعام: 164). فقوله تعالى: (أم يقولون افتراه) قال ابن عباس: هو من محاورة نوح لقومه وهو أظهر، لأنه ليس قبله ولا بعده إلا ذكر نوح وقومه، فالخطاب منهم ولهم. (قل إن افتريته) أي اختلقته وافتعلته، يعني الوحي والرسالة (فعلى إجرامي) أي عقاب إجرامي، وإن كنت محقا فيما أقوله فعليكم عقاب تكذيبي (وأنا برئ مما تجرمون) أي من الكفر والتكذيب.

1269

الآية 36

(36) قوله تعالى: (وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون). كلما قرأت هذه الآية أحسست بالأسى، فأمة كأمة نوح عليه السلام تملأ السهول والجبال ويدعوها نبيها إلى الإيمان ألف سنة إلا خمسين فلا يتبعه إلا بضعة أشخاص، ولكن أجد العزاء في أمة محمد عليه الصلاة والسلام لأن أقل داعية إلى الله تعالى يجتمع حوله في بضعة أشهر أكثر مما اجتمع لنوح عليه السلام في ألف عام، ولذلك أجدني متفائلا دائما بأن الخير في أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة. وفي هذه الآية تسلية وعزاء من الله تعالى لنوح عليه السلام في عدم إيمان قومه إلا من قد آمن، فقد أغلقوا عقولهم وأبصارهم وأسماعهم وكل منافذ العلم في نفوسهم، وسوف يلقون نتيجة عملهم في الدنيا قبل الآخرة. قال القرطبي في التفسير: ((ومعنى الكلام الإياس من إيمانهم، واستدامة كفرهم، تحقيقا لنزول الوعيد بهم. قال الضحاك: فدعا عليهم لما أخبر بهذا فقال: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) (نوح: 26). وقيل: إن رجلا من قوم نوح حمل ابنه على كتفه، فلما رأى الصبي نوحا قال لأبيه: أعطني حجرا، فأعطاه حجرا، ورمى به نوحا عليه السلام فأدماه، فأوحى الله تعالى إليه: (أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن). (فلا تبتئس بما كانوا يفعلون) أي فلا تغتم بهلاكهم حتى تكون بائسا، أي حزينا. والبؤس الحزن، يقال: ابتأس الرجل إذا بلغه شئ يكرهه. والابتئاس حزن في استكانة)).

1270

الآية 37

(37) قوله تعالى: (واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون). هذه الآية مما تقتضيه الآية السابقة، لأنه تعالى لما أوحى إلى نوح (أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) تضمن ذلك تعذيبهم وإهلاكهم، ولما كان القرار الإلهي هو هلاكهم بالغرق فإنه تعالى أمر رسوله عليه السلام بصناعة الفلك وهي وسيلة النجاة، وفيها تربية على الأخذ بالأسباب فإنه تعالى قادر على نجاة قوم نوح بقوله كن ولكنه أمر بصناعة السفينة لتعليمنا الأخذ بالأسباب. قال القرطبي في التفسير: ((قوله تعالى: (واصنع الفلك بأعيننا ووحينا) أي اعمل السفينة لتركبها أنت ومن آمن معك. (بأعيننا) أي بمرأى منا وحيث نراك. وقال الربيع بن أنس: بحفظنا إياك حفظ من يراك. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: بحراستنا. والمعنى واحد، فعبر عن الرؤية بالأعين، لأن الرؤية تكون بها. ويكون جمع الأعين للعظمة لا للتكثير، كما قال تعالى: (فنعم القادرون) (المرسلات: 23) وقوله: (وإنا لموسعون) (الذاريات: 47). وقد يرجع معنى الأعين في هذه الآية وغيرها إلى معنى عين، كما قال: (ولتصنع على عيني) (طه: 39)، وذلك كله عبارة عن الإدراك والإحاطة، وهو سبحانه منزه عن الحواس والتشبيه والتكييف، لا رب غيره. وقيل: المعنى (بأعيننا) أي بأعين ملائكتنا الذين جعلناهم عيونا على حفظك ومعونتك، فيكون الجمع على هذا للتكثير على بابه. وقيل: (بأعيننا) أي بعلمنا، قاله مقاتل. وقال الضحاك وسفيان: (بأعيننا) بأمرنا. وقيل: بوحينا. وقيل: بمعونتنا لك على صنعها. (ووحينا) أي على ما أوحينا إليك، من صنعتها. (ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون) أي لا تطلب إمهالهم فإني مغرقهم)).

1271

الآيات 38-39

(38) و (39) قوله تعالى: (ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه، قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون. فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم). فيه تربية على جواز المعاملة بالمثل: (إن تسخروا منا) بصناعة السفينة حيث لا ماء (فإنا نسخر منكم كما تسخرون) بالغرق حيث قدوم الماء. وفيه تفريق بين من يعلم ومن لا يعلم: (فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه). قال صاحب الظلال: ((والمشهد الثالث من مشاهد القصة: مشهد نوح يصنع الفلك، وقد اعتزل القوم وترك دعوتهم وجدالهم: (ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه، قال: إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون. فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم) والتعبير بالمضارع فعل الحاضر هو الذي يعطي المشهد حيويته وجدته، فنحن نراه ماثلا لخيالنا من وراء هذا التعبير، يصنع الفلك، ونرى الجماعات من قومه المتكبرين يمرون به فيسخرون، يسخرون من الرجل الذي كان يقول لهم: إنه رسول ويدعوهم ويجادلهم فيطيل جدالهم ثم إذا هو ينقلب نجارا يصنع مركبا، إنهم يسخرون لأنهم لا يرون إلا ظاهر الأمر، ولا يعلمون ما وراءه من وحي وأمر، شأنهم دائما في إدراك الظواهر والعجز عن إدراك ما وراءها من حكمة وتقدير. فأما نوح فهو واثق عارف، وهو يخبرهم في اعتزاز وثقة وطمأنينة واستعلاء أنه يبادلهم سخرية بسخرية: (قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون) نسخر منكم لأنكم لا تدركون ما وراء هذا العمل من تدبير الله وما ينتظركم من مصير: (فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب يوم مقيم) أنحن أم أنتم: يوم ينكشف المستور عن المحذور!)).

1272

الآية 40

(40) قوله تعالى: (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين، وأهلك إلا من سبق عليه القول، ومن آمن، وما آمن معه إلا قليل). ابتدأ أمر الطوفان بعلامة معجزة وهي فوران التنور. فقوله تعالى: (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور) والفوران الغليان. والتنور اسم أعجمي عربته العرب (قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين) يعني ذكرا وأنثى، لبقاء أصل النسل بعد الطوفان. (وأهلك) أي واحمل أهلك. (إلا من سبق عليه القول) منهم أي بالهلاك، وهو ابنه كنعان وامرأته واعلة كانا كافرين. (ومن آمن) أي من صدقك (وما آمن معه إلا قليل) قال ابن عباس رضي الله عنهما: آمن من قومه ثمانون إنسانا، منهم ثلاثة من بنيه، سام وحام ويافث، وثلاث كنائن له. ولما خرجوا من السفينة بنوا قرية وهي اليوم تدعى قرية الثمانين بناحية الموصل. وورد في الخبر أنه كان في السفينة ثمانية أنفس، نوح وزوجته غير التي عوقبت، وبنوه الثلاثة وزوجاتهم، وهو قول قتادة والحكم بن عتيبة وابن جريج ومحمد بن كعب.

1273

الآية 41

(41) قوله تعالى: (وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها إن ربى لغفور رحيم). فيه دليل على ذكر البسملة عند ابتداء كل فعل. وفيه تربية على أن المؤمن ما ينبغي أن يشرع في أمر من الأمور إلا ويكون في وقت الشروع ذاكرا لاسم الله تعالى بالأذكار المقدسة حتى يكون ببركة ذلك الذكر سببا لتمام ذلك المقصود. وفيه دليل على أن نوح عليه السلام لما ركب السفينة أخبر القوم بأن السفينة ليست سببا لحصول النجاة، بل الواجب تعليق القلب بفضل الله تعالى، وأخبرهم أنه تعالى هو المجري والمرسي للسفينة، فإياكم أن تعولوا على السفينة، بل يجب أن يكون تعويلكم على فضل الله. قال الرازي في التفسير: ((وأما قوله: (إن ربى لغفور رحيم) ففيه سؤال وهو أن ذلك الوقت وقت الإهلاك وإظهار القهر فكيف يليق به هذا الذكر؟ وجوابه: لعل القوم الذين ركبوا السفينة اعتقدوا في أنفسهم أنا إنما نجونا ببركة علمنا فالله تعالى نبههم بهذا الكلام لإزالة ذلك العجب منهم، فإن الإنسان لا ينفك عن أنواع الزلات وظلمات الشهوات، وفي جميع الأحوال فهو محتاج إلى إعانة الله وفضله وإحسانه، وأن يكون رحيماً لعقوبته غفورا لذنوبه)). وقال القرطبي: ((قوله تعالى: (بسم الله مجريها ومرساها) قرأ الأعمش وحمزة والكسائي: (بسم الله مَجريها) بفتح الميم (مُرساها) بضم الميم. وروى يحيى بن عيسى عن الأعمش عن يحيى بن وثاب (بسم الله مَجراها ومَرساها) بفتح الميم فيهما على المصدر، وقرأ مجاهد وسليمان بن جندب وعاصم الجحدري وأبو رجاء العطاردي: (بسم الله مُجريها ومُرسيها) نعت لله عز وجل في موضع جر)).

1274