الآية 50
قوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آَلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ (هود: 50)
مضت سنة الله في قوم نوح عليه السلام الأكثرية المكذبة هلكت بالطوفان واستبعدت من رحمة الله، والأقلية الناجية استخلفها الله في الأرض تحقيقا لسنته في أن العاقبة للمتقين، ومضى الزمان ودارت عجلة التاريخ وإذا قوم عاد من نسل نوح الذين تفرقوا في البلاد فعادت الجاهلية مرة أخرى وانحرف القوم عن دين الله كما انحرف الذين من قبلهم قوم نوح عليه السلام، وكانت عاد من أمم الجاهلية، وكانوا يسكنون الأحقاف في جنوب الجزيرة العربية، والأحقاف كثبان الرمال، وبلغت عاد في زمانها أقصى القوة والمنعة والرزق والمتاع، ولكنهم اختاروا الوثنية على الإسلام وكذبوا نبيهم، وحقت عليهم كلمة العذاب والهلاك بما عتوا عن أمر الله، وفي قصتهم تصديق لما ورد من حقائق التوحيد والإيمان في مطلع هذه السورة.
(50) قوله تعالى: (وإلى عاد أخاهم هوداً قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، إن أنتم إلا مفترون). فيه بيان لمحتوى الخطاب القرآني، وفيه بيان لشكل الخطاب القرآني، أما من حيث المحتوى فدعوة هود عليه السلام هي كدعوة كل نبي من أنبياء الله، دعوة إلى التوحيد في الإلهية والعبادة والطاعة واعتبار الوثنية في التوحيد أو العبادة أو الطاعة شكل من أشكال الافتراء والكذب على الله تعالى، والحاجة إلى هذا النمط من الدعوة متجدد في كل زمان لأن الانحرافات الموجودة في كل مجتمع تبدأ من انحراف التصور في التوحيد والعبادة والطاعة. وأما من حيث الشكل فالخطاب القرآني تبشيري يخاطب القوم بالصفة المحببة إلى قلوبهم وهي هنا صفة الأخوة في الإنسانية (أخاهم)، ويخاطبهم بصفة الانتماء الناصح المحب للخير لهم: يا قومي. فكان هود من عاد، وهو أخوهم وواحد منهم، تجمعه معهم آصرة القربى العامة بين أفراد القبيلة الواحدة والشعب الواحد والأمة الواحدة، لأن من شأن هذه الآصرة أن تقوي الثقة والتعاطف والتناصح بين النبي وقومه فلا يكون موقف القوم من نبيهم شاذا وقبيحا.