التفسير التربويالجزء 1 · ص 1275 - 1282

الآيات 42-43

الآيات 42-43

(42) و (43) قوله تعالى: (وهى تجرى بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين. قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء، قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، وحال بينهما الموج فكان من المغرقين). إن لهذا الحوار بين نوح عليه السلام وأحد أبنائه، المباين له في الديانة والمباين له في العلم والمباين له في التواضع في لحظة عصيبة وهي لحظة الطوفان وما يترتب عليه من الغرق أو النجاة، دلالات تربوية كثيرة، خاصة في مجال العواطف المتفاوتة في النفس البشرية عند أب يحب لابنه النجاة من الموت حبا فطريا تجاه ابن يحدق به الموت وهو يستحقه في نفس الوقت. قال صاحب الظلال في تفسير هاتين الآيتين: ((ثم يأتي المشهد الهائل المرهوب مشهد الطوفان. إن الهول هنا هولان، هول في الطبيعة الصامتة، وهول في النفس البشرية يلتقيان: (وهي تجري بهم في موج كالجبال) وفي هذه اللحظة الرهيبة الحاسمة يبصر نوح، فإذا أحد أبنائه في معزل عنهم وليس معهم، وتستيقظ في كيانه الأبوة الملهوفة، ويروح يهتف بالولد الشارد: (يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين) ولكن البنوة العاقة لا تحفل بالأبوة الملهوفة، والفتوة المغرورة لا تقدر مدى الهول الشامل: (قال: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء) ثم ها هي ذي الأبوة المدركة لحقيقة الهول وحقيقة الأمر ترسل النداء الأخير: (قال: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم) لا جبال ولا مخابئ ولا حامٍ ولا واقٍ إلا من رحم الله. وفي لحظة تتغير صفحة المشهد، فها هو ذا الموج الغامر يبتلع كل شيء: (وحال بينهما الموج فكان من المغرقين)).

1275

الآية 44

(44) قوله تعالى: (وقيل: يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي، وغيض الماء وقضى الأمر واستوت على الجودي، وقيل بعدا للقوم الظالمين). قال القرطبي في التفسير: ((قوله تعالى: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي) هذا مجاز لأنها موات. وقيل: جعل فيها ما تميز به. والذي قال إنه مجاز قال: لو فتش كلام العرب والعجم ما وجد فيه مثل هذه الآية على حسن نظمها، وبلاغة رصفها، واشتمال المعاني فيها. قال ابن العربي: التقى الماءان على أمر قد قدر، ما كان في الأرض وما نزل من السماء، فأمر الله ما نزل من السماء بالإقلاع، فلم تمتص الأرض منه قطرة، وأمر الأرض بابتلاع ما خرج منها فقط. (وغيض الماء) أي نقص (وقضى الأمر) أي أحكم وفرغ منه، يعني أهلك قوم نوح على تمام وإحكام. وحكي أنه لما كثر الماء في السكك خشيت أم صبي عليه، وكانت تحبه حبا شديدا، فخرجت به إلى الجبل، حتى بلغت ثلثه، فلما بلغها الماء خرجت حتى بلغت ثلثيه، فلما بلغها الماء استوت على الجبل، فلما بلغ الماء رقبتها رفعت يديها بابنها حتى ذهب بها الماء، فلو رحم الله منهم أحدا لرحم أم الصبي. (واستوت على الجودي، وقيل بعدا للقوم الظالمين) أي هلاكا لهم. والجودي جبل بقرب الموصل، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لقد بقي منها شيء أدركه أوائل هذه الأمة). ويقال: أكرم الله ثلاثة جبال بثلاثة نفر: الجودي بنوح، وطور سيناء بموسى، وحراء بمحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)).

1276

الآيات 45-47

(45) و (46) و (47) قوله تعالى: (ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين. قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك إن تكون من الجاهلين. قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين). في هذه الآيات تربية على أن العبرة بقرابة الدين لا بقرابة النسب، فإن قرابة النسب بين نوح عليه السلام وابنه حاصلة من أقوى الوجوه، ولكن لما انتفت قرابة الدين نفى الله تعالى ابن نوح من الأهلية بأبلغ الألفاظ وهو قوله: (إنه ليس من أهلك). وفي هذه الآيات تسلية للخلق في فساد أبنائهم وإن كانوا صالحين، فإن ابن نوح عليه السلام كان كافرا مع أن أباه كان نبيا. وفيها أيضا دليل على أن الابن من الأهل لغة وشرعا، ومن أهل البيت. فمن وصى لأهله دخل في ذلك ابنه، ومن تضمنه منزله، وهو في عياله، وقال تعالى في آية أخرى: (ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون. ونجيناه وأهله من الكرب العظيم) (الصافات: 75) فسمى جميع من ضمه منزله من أهله. فقوله تعالى: (ونادى نوح ربه) أي دعاه (فقال رب إن ابني من أهلي) أي من أهلي الذين وعدتهم أن تنجيهم من الغرق (وإن وعدك الحق) يعني الصدق (وأنت أحكم الحاكمين) أي حكمت على قوم بالنجاة، وعلى قوم بالغرق. (قال يا نوح إنه ليس من أهلك) الذين وعدتهم أن أنجيهم، وقيل: ليس من أهل دينك ولا ولايتك، وهذا يدل على أن حكم الاتفاق في الدين أقوى من حكم الاتفاق في النسب (إنه عمل غير صالح) أي من الكفر والتكذيب (إني أعظك أن تكون من الجاهلين) أي أنهاك عن هذا السؤال وأحذرك كراهية أن تكون من الجاهلين، وهذه موعظة من الله يرفع بها نوحا عن مقام الجاهلين، ويعليه بها إلى مقام العلماء والعارفين. (قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي) ما فرط من السؤال (وترحمني) بالتوبة (أكن من الخاسرين) أعمالا.

1277

الآية 48

(48) قوله تعالى: (قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم). فقوله تعالى: (قيل يا نوح اهبط) أي قالت له الملائكة، أو قال الله تعالى له: اهبط من السفينة إلى الأرض، أو من الجبل إلى الأرض، فقد ابتلعت الماء وجفت. (بسلام منا) أي بسلامة وأمن، وقيل: بتحية. (وبركات عليك) أي نعم ثابتة، مشتق من بروك الجمل وهو ثبوته وإقامته، ومنه البركة لثبوت الماء فيها. وقيل: نوح آدم الأصغر، فجميع الخلائق الآن من نسله، ولم يكن معه في السفينة من الرجال والنساء إلا من كان من ذريته (وجعلنا ذريته هم الباقين) (الصافات: 77). (وعلى أمم ممن معك) دخل في هذا كل مؤمن إلى يوم القيامة. ودخل في قوله (وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم) كل كافر إلى يوم القيامة. قال الرازي في التفسير: ((واعلم أنه تعالى جعل تلك الأمم الناشئة من الذين معه على قسمين: (أحدهما) الذين عطفهم على نوح في وصول سلام الله وبركاته إليهم وهم أهل الإيمان. (والثاني) أمم وصفهم بأنه تعالى سيمتعهم مدة في الدنيا ثم في الآخرة يمسهم عذاب أليم، فحكم تعالى بأن الأمم الناشئة من الذين كانوا مع نوح عليه السلام لا بد وأن ينقسموا إلى مؤمن وإلى كافر. قال المفسرون: دخل في تلك السلامة كل مؤمن وكل مؤمنة إلى يوم القيامة، ودخل في ذلك المتاع وفي ذلك العذاب كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة. ثم قال أهل التحقيق: إنه تعالى إنما عظم شأن نوح بإيصال السلامة والبركات منه إليه لأنه قال: (بسلام منا) وهذا يدل على أن الصديقين لا يفرحون بالنعمة من حيث إنها نعمة ولكنهم إنما يفرحون بالنعمة من حيث إنها من الحق، وفي التحقيق يكون فرحهم بالحق وطلبهم للحق وتوجههم إلى الحق، وهذا مقام شريف لا يعرفه إلا خواص الله تعالى، فإن الفرح بالسلامة وبالبركة من حيث هما سلامة وبركة غير، والفرح بالسلامة والبركة من حيث إنهما من الحق غير، والأول: نصيب عامة الخلق، والثاني: نصيب المقربين، ولهذا السبب قال بعضهم: من آثر العرفان للعرفان فقد قال بالثاني، ومن آثر العرفان لا للعرفان بل للمعروف فقد خاض لجة الوصول. وأما أهل العقاب فقد قال في شرح أحوالهم: (وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم) فحكم بأنه تعالى يعطيهم نصيبا من متاع الدنيا، فدل ذلك على خساسة الدنيا، فإنه تعالى لما ذكر أحوال المؤمنين لم يذكر البتة أنه يعطيهم الدنيا أم لا، ولما ذكر أحوال الكافرين ذكر أنه يعطيهم الدنيا، وهذا تنبيه عظيم على خساسة السعادات الجسمانية والترغيب في المقامات الروحانية)).

1278

الآية 49

(49) قوله تعالى: (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا، فاصبر إن العاقبة للمتقين). فيه تربية على إعجاز القرآن وكونه من عند الله من خلال إخباره عن الغيبيات الماضية التي لا يعلمها محمد صلى الله عليه وسلم ولا قومه، وإثبات إعجاز القرآن هو العبرة الأولى من القصص التاريخي في القرآن. وفيه تربية للمؤمنين على الصبر والتقوى من خلال الوعيد بحسن العاقبة عليهما. فقوله تعالى: (فاصبر) أي على مشاق الرسالة وأذية القوم كما صبر نوح، واصبر على القيام بأمر الله وتبليغ رسالته وما تلقى من أذى العرب الكفار كما صبر نوح على أذى قومه (إن العاقبة) في الدنيا بالظفر، وفي الآخرة بالفوز (للمتقين) عن الشرك والمعاصي.

1279

الآية 50

قوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آَلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ (هود: 50)

مضت سنة الله في قوم نوح عليه السلام الأكثرية المكذبة هلكت بالطوفان واستبعدت من رحمة الله، والأقلية الناجية استخلفها الله في الأرض تحقيقا لسنته في أن العاقبة للمتقين، ومضى الزمان ودارت عجلة التاريخ وإذا قوم عاد من نسل نوح الذين تفرقوا في البلاد فعادت الجاهلية مرة أخرى وانحرف القوم عن دين الله كما انحرف الذين من قبلهم قوم نوح عليه السلام، وكانت عاد من أمم الجاهلية، وكانوا يسكنون الأحقاف في جنوب الجزيرة العربية، والأحقاف كثبان الرمال، وبلغت عاد في زمانها أقصى القوة والمنعة والرزق والمتاع، ولكنهم اختاروا الوثنية على الإسلام وكذبوا نبيهم، وحقت عليهم كلمة العذاب والهلاك بما عتوا عن أمر الله، وفي قصتهم تصديق لما ورد من حقائق التوحيد والإيمان في مطلع هذه السورة.

(50) قوله تعالى: (وإلى عاد أخاهم هوداً قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، إن أنتم إلا مفترون). فيه بيان لمحتوى الخطاب القرآني، وفيه بيان لشكل الخطاب القرآني، أما من حيث المحتوى فدعوة هود عليه السلام هي كدعوة كل نبي من أنبياء الله، دعوة إلى التوحيد في الإلهية والعبادة والطاعة واعتبار الوثنية في التوحيد أو العبادة أو الطاعة شكل من أشكال الافتراء والكذب على الله تعالى، والحاجة إلى هذا النمط من الدعوة متجدد في كل زمان لأن الانحرافات الموجودة في كل مجتمع تبدأ من انحراف التصور في التوحيد والعبادة والطاعة. وأما من حيث الشكل فالخطاب القرآني تبشيري يخاطب القوم بالصفة المحببة إلى قلوبهم وهي هنا صفة الأخوة في الإنسانية (أخاهم)، ويخاطبهم بصفة الانتماء الناصح المحب للخير لهم: يا قومي. فكان هود من عاد، وهو أخوهم وواحد منهم، تجمعه معهم آصرة القربى العامة بين أفراد القبيلة الواحدة والشعب الواحد والأمة الواحدة، لأن من شأن هذه الآصرة أن تقوي الثقة والتعاطف والتناصح بين النبي وقومه فلا يكون موقف القوم من نبيهم شاذا وقبيحا.

1280

الآية 51

(51) قوله تعالى: (يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون؟). فيه بيان أن قوم هود عليه السلام كانوا قد اتهموه بأنه يريد من وراء دعوته المال أو النساء أو الجاه والسلطان كما يتهم الآن كل داعية مخلص إلى الله تعالى فهي عادة الجاهلية وسنة المكذبين للرسل والدعاة. وفيه بيان من هود نفسه أنه لا يريد شيئا من دنياهم فدنياهم لا ترضي المؤمن الذي تعلق قلبه بالله ويسعى لنيل الأجر من الله تعالى. وأما قوله: (أفلا تعقلون؟) ففيه تعجيب من أمرهم ومن محاكمتهم العقلية ومن تفكيرهم الذي لا ينتمي إلى المنطق بصلة، فكيف يكون لنبي مرسل من الله أن يطلب الرزق والمتاع من البشر وهو على صلة وثيقة برب البشر ومالك الملك الذي يقضي في المال والنساء والسلطان وقضاؤه نافذ من فوق سبع سماوات؟!.

1281

الآية 52

(52) قوله تعالى: (ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا، ويزدكم قوة إلى قوتكم، ولا تتولوا مجرمين). فيه تربية على العلاقة بين الاستغفار والتوبة إلى الله من جهة وبين إدرار المطر وزيادة القوة من جهة أخرى. قال صاحب الظلال في ذلك: «وننظر في هذا الوعد، وهو يتعلق بإدرار المطر ومضاعفة القوة، وهي أمور تجري فيها سنة الله وفق قوانين ثابتة في نظام هذا الوجود، من صنع الله ومشيئته بطبيعة الحال. فما علاقة الاستغفار بها وما علاقة التوبة؟. فأما زيادة القوة فالأمر فيها قريب ميسور، بل واقع مشهود، فإن نظافة القلب والعمل الصالح في الأرض يزيدان التائبين العاملين قوة، يزيدانهم صحة في الجسم بالاعتدال والاقتصار على الطيبات من الرزق وراحة الضمير وهدوء الأعصاب والاطمئنان إلى الله والثقة برحمته في كل آن، ويزيدانهم صحة في المجتمع بسيادة شريعة الله الصالحة التي تطلق الناس أحرارا كراما لا يدينون لغير الله على قدم المساواة بينهم أمام قهار واحد تعنو له الجباه. كما تطلقان طاقات الناس ليعملوا وينتجوا ويؤدوا تكاليف الخلافة في الأرض غير مشغولين ولا مسخرين بمراسم التأليه للأرباب الأرضية، وإطلاق البخور حولها، ودق الطبول، والنفخ فيها ليل نهار، لتملأ فراغ الإله الحق في فطرة البشر!.. وأما إرسال المطر مدرارا فالظاهر للبشر أنه يجري وفق سنن طبيعية ثابتة في النظام الكوني، ولكن جريان السنن الطبيعية لا يمنع أن يكون المطر محييا في مكان وزمان ومدمرا في مكان وزمان، وأن يكون من قدر الله أن تكون الحياة مع المطر لقوم، وأن يكون الدمار معه لقوم، وأن ينفذ الله تبشيره بالخير ووعيده بالشر عن طريق توجيه العوامل الطبيعية، فهو خالق هذه العوامل وجاعل الأسباب لتحقيق سنته على كل حال. ثم تبقى وراء ذلك مشيئة الله الطليقة التي تصرف الأسباب والظواهر بغير ما اعتاد الناس من ظواهر النواميس وذلك لتحقيق قدر الله كيفما شاء، حيث شاء، بالحق الذي يحكم كل شيء في السماوات والأرض، غير مقيد بما عهده الناس في الغالب».

1282