التفسير التربويالجزء 1 · ص 1291 - 1298

الآيات 64-65

الآيات 64-65

(64) و (65) قوله تعالى: (ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب. فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب). فيه تربية وبيان على أن ما أضافه الله تعالى إلى نفسه ليس منه، وإنما خلق من خلقه أضافه إلى نفسه على سبيل التشريف والتكريم، وهنا أضاف الله تعالى إلى نفسه الناقة فقال: (ناقة الله)، وأضاف الأرض إلى نفسه فقال: (أرض الله)، وفي ذلك نفي لمذهب الحلول حين توهموا أن الروح جزء من الله تعالى لأنه أضاف الروح إلى نفسه فقال: (فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي) (الحجر: 29) فالروح ليست جزءا من الله، ولم يرد وصف لله بأنه روحٌ لا في القرآن ولا في السنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والروح خلقٌ من خلق الله, أضافها إلى نفسه تشريفا وتكريما كما قال في هذه الآيات عن الناقة والأرض، وهذا كقوله: أرضي وسمائي وبيتي وناقة الله وشهر الله وشعائر الله. قال الرازي في تفسير هاتين الآيتين: ((اعلم أن العادة فيمن يدعي النبوة عند قوم يعبدون الأصنام أن يبتدئ بالدعوة إلى عبادة الله ثم يتبعه بدعوى النبوة لا بد وأن يطلبوا منه المعجزة، وأمر صالح عليه السلام هكذا كان، يروى أن قومه خرجوا في عيد لهم فسألوه أن يأتيهم بآية وأن يخرج لهم من صخرة معينة أشاروا إليها ناقة، فدعا صالح ربه، فخرجت الناقة كما سألوا. واعلم أن تلك الناقة كانت معجزة من وجوه: (الأول) أنه تعالى خلقها من الصخرة. (وثانيها) أنه تعالى خلقها في جوف الجبل ثم شق عنها الجبل. (وثالثها) أنه تعالى خلقها حاملا من غير ذكر. (ورابعها) أنه خلقها على تلك الصورة دفعة واحدة من غير ولادة. (وخامسها) ما روي أنه كان لها شرب يوم ولكل القوم شرب يوم آخر. (وسادسها) أنه كان يحصل منها لبن كثير يكفي الخلق العظيم. وكل من هذه الوجوه معجز قوي، وليس في القرآن إلا أن تلك الناقة كانت آية ومعجزة، فأما بيان أنها كانت معجزة من أي الوجوه فليس فيه بيانه. ثم قال: (فذروها تأكل في أرض الله) والمراد أنه عليه السلام رفع عن القوم مؤنتها، فصارت مع كونها آية لهم تنفعهم ولا تضرهم لأنهم كانوا ينتفعون بلبنها، على ما روي أنه عليه السلام خاف عليها منهم لما شاهد من إصرارهم على الكفر، فإن الخصم لا يحب ظهور حجة خصمه، بل يسعى في إخفائها وإبطالها بأقصى الإمكان، فلهذا السبب كان يخاف من إقدامهم على قتلها، فلهذا احتاط وقال: (ولا تمسوها بسوء) وتوعدهم إن مسوها بسوء بعذاب قريب، وذلك تحذير شديد لهم من الإقدام على قتلها. ثم بين الله تعالى أنهم مع ذلك عقروها وذبحوها، ويحتمل أنهم عقروها لإبطال تلك الحجة، وأن يكون لأنها ضيقت الشرب على القوم، وأن يكون لأنهم رغبوا في شحمها ولحمها. وقوله: (فيأخذكم عذاب قريب) يريد اليوم الثالث، وهو قوله: (تمتعوا في داركم) ثم بين تعالى أن القوم عقروها، فعند ذلك قال لهم صالح عليه السلام: (تمتعوا في داركم ثلاثة أيام) ومعنى التمتع: التلذذ بالمنافع والملاذ التي تدرك بالحواس، ولما كان التمتع لا يحصل إلا للحي عبر به عن الحياة، وقوله: (في داركم) فيه وجهان: (الأول) أن المراد من الدار البلد، وتسمى البلاد بالديار، لأنه يدار فيها أي يتصرف يقال: ديار بكر أي بلادهم. (الثاني) أن المراد بالديار الدنيا. وقوله: (ذلك وعد غير مكذوب) أي غير مكذب، والمصدر قد يرد بلفظ المفعول كالمجلود والمعقول وبأيكم المفتون، وقيل غير مكذوب فيه، قال ابن عباس رضي الله عنهما أنه تعالى لما أمهلهم تلك الأيام الثلاثة فقد رغبهم في الإيمان، وذلك لأنهم لما عقروا الناقة أنذرهم صالح عليه السلام بنزول العذاب، فقالوا وما علامة ذلك؟ فقال: تصير وجوهكم في اليوم الأول مصفرة، وفي الثاني محمرة، وفي الثالث مسودة، ثم يأتيكم العذاب في اليوم الرابع، فلما رأوا وجوههم قد اسودت أيقنوا بالعذاب فاحتاطوا واستعدوا للعذاب فصبحهم اليوم الرابع وهي الصيحة والصاعقة والعذاب)).

1291

الآيات 66-68

(66) و (67) و (68) قوله تعالى: (فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز. وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديرهم جاثمين. كأن لم يغنوا فيها، ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود). وفي هذه الآيات ترغيب وترهيب، ترغيب في الإيمان والعمل الصالح من خلال بيان نتائج الإيمان في الدنيا والآخرة، وترهيب من الكفر والعمل السيئ من خلال بيان نتائج الكفر في الدنيا والآخرة. فقوله تعالى: (فلما جاء أمرنا) أي عذابنا (نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا) وقد ذكرنا أن النجاة برحمة الله وليست بالعمل وإنما العمل سبب للنجاة (ومن خزي يومئذ) أي ونجيناهم من خزي يومئذ، أي من فضيحته وذلته (وأخذ الذين ظلموا الصيحة) أي في اليوم الرابع صيح بهم فماتوا، وقيل: صيحة جبريل، وقيل: صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة، وصوت كل شئ في الأرض، فتقطعت قلوبهم وماتوا. قال المفسرون: إنهم لما أيقنوا بالعذاب قال بعضهم لبعض ما مقامكم أن يأتيكم الأمر بغتة؟! قالوا: فما نصنع؟ فأخذوا سيوفهم ورماحهم وعددهم، وكانوا فيما يقال اثني عشر ألف قبيلة، في كل قبيلة اثنا عشر ألف مقاتل، فوقفوا على الطرق والفجاج، زعموا يلاقون العذاب، فأوحى الله تعالى إلى الملك الموكل بالشمس أن يعذبهم بحرها، فأدناها من رؤوسهم فاشتوت أيديهم، وتدلت ألسنتهم على صدورهم من العطش، ومات كل ما كان معهم من البهائم، وجعل الماء يتفور من تلك العيون من غليانه حتى يبلغ السماء، لا يسقط على شئ إلا أهلكه من شده حره، فما زالوا كذلك، وأوحى الله إلى ملك الموت ألا يقبض أرواحهم تعذيبا لهم إلى أن غربت الشمس، فصيح بهم فأهلكوا. (فأصبحوا في ديارهم جاثمين) أي ساقطين على وجوههم، قد لصقوا بالتراب كالطير إذ جثمت. (ألا إن ثمود كفروا ربهم) كفروا نعمة ربهم (ألا بعدا لثمود) أي لا زالوا مبعدين عن رحمة الله، والبعد الهلاك، والبعد التباعد من الخير.

1292

الآية 69

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ (هود: 69)

(69) قوله تعالى: (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى، قالوا سلاما قال سلام، فما لبث أن جاء بعجل حنيذ). فيه تربية على حسن الضيافة وآدابها. ومن آداب الضيافة التعجيل بها، فيقدم الموجود الميسر في الحال، ثم يتبعه بغيره إن كان له قدرة، ولا يتكلف ما يضر به. والضيافة من مكارم الأخلاق، ومن آداب الإسلام، ومن خلق النبيين والصالحين. وإبراهيم عليه السلام أول من أضاف وكان يقال له أبو الضيفان. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» (البخاري ومسلم). قوله تعالى: (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى) هذه قصة لوط عليه السلام، وهو ابن عم إبراهيم عليه السلام، وقيل: ابن أخ إبراهيم عليه السلام، وكانت قرى لوط بنواحي الشام (الأردن حاليا)، وإبراهيم ببلاد فلسطين، فلما أنزل الله الملائكة بعذاب قوم لوط مروا بإبراهيم ونزلوا عنده، وكان كل من نزل عنده يحسن ضيافته، وكانوا مروا ببشارة إبراهيم، فظنهم أضيافا، وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام كما قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه. (بالبشرى) قيل: بالولد، وقيل: بإهلاك قوم لوط (قالوا سلاما) أي دعوا له، والمعنى: سلمت سلاما (قال سلام) أي هو سلام، وأمري سلام (فما لبث أن جاء بعجل حنيذ) أي مشوي.

1293

الآيات 70-71

(70) و (71) قوله تعالى: (فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة، قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط. وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب). فيه بيان على أنه إن وجد نبيان في وقت واحد فإن أحدهما للآخر إماما، لأن الملائكة لم يذهبوا إلى لوط عليه السلام مباشرة وإنما ذهبوا أولا إلى إبراهيم عليه السلام. وفي ذلك تربية للعلماء والرؤساء والدعاة من المسلمين على طبيعة العلاقة التي يجب أن تكون بينهم إذا وجدوا في وقت واحد. قال ابن عاشور في كتابه (التحرير والتنوير) في تفسير هاتين الآيتين: ((نكر الشيء إذا أنكره أي كرهه، وإنما نكرهم لأنه حسب أنّ إمساكهم عن الأكل لأجل التبرؤ من طعامه، وإنما يكون ذلك في عادة الناس في ذلك الزمان إذا كان النازل بالبيت يضمر شرا لمضيفه، لأن أكل طعام القرى كالعهد على السلامة من الأذى، ولأن الجزاء على الإحسان بالإحسان مركوز في الفطرة، فإذا انكف أحد عن تناول الإحسان فذلك لأنه لا يريد المسالمة ولا يرضى أن يكون كفورا للإحسان. ولذلك عقب قوله (نكرهم) (أوجس منهم خيفة)، أي أحس في نفسه خيفة منهم وأضمر ذلك، ومصدره الإيجاس، وذلك أنه خشي أن يكونوا مضمرين شرا له، أي حسبهم قطاعا، وكانوا ثلاثة وكان إبراهيم عليه السلام وحده. وجملة (قالوا لا تخف) مفصولة عمّا قبلها، لأنها أشبهت الجواب، لأنه لما أوجس منهم خيفة ظهر أثرها على ملامحه، فكان ظهور أثرها بمنزلة قوله إني خفت منكم، ولذلك أجابوا ما في نفسه بقولهم: (لا تَخف)، فحكي ذلك عنهم بالطريقة الّتي تحكى بها المحاورات، أو هو جواب كلام مقدر دلّ عليه قوله: (وأوجس منهم خيفة)، أي وقال لهم: إني خفت منكم، ومن شأن الناس إذا امتنع أحد من قبول طعامهم أن يقولوا له: لعلك غادر أو عدو، وقد كانوا يقولون للوافد: أحَرْبٌ أم سِلْمٌ. وقولهم: (إنا أرسلنا إلى قوم لوط) مكاشفة منهم إياه بأنهم ملائكة. والحكمة من ذلك كرامة إبراهيم عليه السلام وصدورهم عن علم منه. وعبر عن الأقوام المراد عذابهم بطريق الإضافة (قوم لوط) إذ لم يكن لأولئك الأقوام اسم يجمعهم ولا يرجعون إلى نسب بل كانوا خليطا من فصائل عرفوا بأسماء قراهم، وأشهرها سدوم. وجملة (وامرأته قائمة فضحكت) لأن امرأة إبراهيم عليه السلام كانت حاضرة تقدم الطعام إليهم، فإن عادتهم كعادة العرب من بعدهم أن ربة المنزل تكون خادمة القوم. وفي الحديث: (والعروس خادمهم)، وقد اختصرت القصة هنا اختصارا بديعاً لوقوعها في خلال الحوار بين الرسل وإبراهيم عليهم السلام، وحكاية ذلك الحوار اقتضت إتمامه بحكاية قولهم: (لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط). وأما البشرى فقد حصلت قبل أن يخبروه بأنهم أرسلوا إلى قوم لوط كما في آية سورة (الذاريات: 28) (فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم). فلما اقتضى ترتيب المحاورة تقديم جملة (قالوا لا تخف) حكيت قصة البشرى وما تبعها من المحاورة بطريقة الحال، لأن الحال تصلح للقبلية وللمقارنة وللبعدية، وهي الحال المقدرة. وإنما ضحكت امرأة إبراهيم عليه السلام من تبشير الملائكة إبراهيم عليه السلام بغلام، وكان ضحكها ضحك تعجّب واستبعاد. وتفريع (فبشرناها بإسحاق) على جملة (ضحكت) باعتبار المعطوف وهو (ومن وراء إسحاق يعقوب) لأنها ما ضحكت إلا بعد أن بشرها الملائكة بابن، فلما تعجبت من ذلك بشروها بابن الابن زيادة في البشرى. والتعجيب بأن يولد لها ابن ويعيش وتعيش هي حتى يولد لابنها ابن، وذلك أدخل في العجب لأن شأن أبناء الشيوخ أن يكونوا مهزولين لا يعيشون غالبا إلا معلولين، ولا يولد لهم في الأكثر، ولأن شأن الشيوخ الذين يولد لهم أن لا يدركوا يفع أولادهم بله أولاد أولادهم)).

1294

الآية 72

(72) قوله تعالى: (قالت: يا ويلتا، أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب). فيه تربية على أن التعجب من أمر الله تعالى إذا كان حسب ما جرت به العادة والعرف فلا شيء على فاعله بل هو أمر بشري طبيعي كما هو الحال في زوجة إبراهيم عليه السلام حين تعجبت من حصول الحمل والولادة في سن اليأس وعدم القدرة على الإنجاب عند المرأة. وأما التعجب من قدرة الله تعالى حسب الشريعة والتوحيد فإنه مزيل للإيمان لأن فيه تشكيك وإنكار لقدرة الله تعالى، وهذا ما لم يحصل في قصة إبراهيم عليه السلام. فقوله تعالى: (قالت: يا ويلتا) قال الزجاج: أصلها يا ويلتي، فأبدل من الياء ألف لأنها أخف من الياء والكسرة، ولم ترد الدعاء على نفسها بالويل، ولكنها كلمة تخف على أفواه النساء إذا طرأ عليهن ما يعجبن منه، وعجبت من ولادتها ومن كون بعلها شيخا لخروجه عن العادة، وما خرج عن العادة مستغرب ومستنكر. (أألد) استفهام معناه التعجب (وأنا عجوز) أي طاعنة في السن، قيل: كانت بنت تسعين سنة (وهذا بعلي) زوجي (شيخا) قيل: كان إبراهيم ابن مائة وعشرين سنة (إن هذا لشيء عجيب) أي الذي بشرتموني به.

1295

الآية 73

(73) قوله تعالى: (قالوا: أتعجبين من أمر الله، رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد). دلت هذه الآية على أن الملائكة أنكرت على زوجة إبراهيم عليه السلام تعجبها من قضاء الله وقدره، فلا عجب من أن يرزقكما الله الولد، وهو إسحق، مع تقدم السن. وقد استدل بهذه الآية كثير من العلماء على أن الذبيح إسماعيل، وأنه أسن من إسحق، لأنها بشرت بأن إسحق يعيش حتى يولد له يعقوب. وقوله تعالى: (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت)

إخبار من الملائكة بحصول الرحمة والبركة من الله تعالى على أهل بيت إبراهيم عليه السلام. وهذه الآية تدل أن زوجة الرجل من أهل البيت، فدل هذا على أن أزواج الأنبياء من أهل البيت، فعائشة رضى الله عنها وغيرها من جملة أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وممن قال الله فيهم: (إنما يريد الله ليذهب الرجس عنكم أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (الأحزاب: 33). والبركة النمو والزيادة، ومن تلك البركات أن جميع الأنبياء والمرسلين كانوا في ولد إبراهيم عليه السلام.

1296

الآيات 74-76

قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آَتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ (هود: 74-76)

(74) و (75) و (76) قوله تعالى: (فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط. إن إبراهيم لحليم أواه منيب. يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود). هذه هي القصة الخامسة من القصص المذكورة في هذه السورة سورة هود عليه السلام، وقد تكلمنا فيها عن قصة نوح ثم قصة هود ثم قصة صالح ثم قصة إبراهيم عليهم الصلاة والسلام. وفي هذه الآيات بيان لسعي إبراهيم عليه السلام إلى تأخير العذاب عن قوم لوط عليه السلام من خلال الحوار مع الملائكة المرسلين لهذه المهمة لعل رحمة الله تعالى تشملهم فيقدمون على الإيمان والتوبة من المعاصي، ولهذا وصف الله تعالى إبراهيم عليه السلام بأنه حليم أواه منيب. ووجه الجدال (الحوار) بين إبراهيم والملائكة هو أن إبراهيم كان يقول: إن أمر الله ورد بإيصال العذاب، ومطلق الأمر لا يوجب الفور بل يقبل التراخي، فاصبروا مدة أخرى، والملائكة كانوا يقولون: إن مطلق الأمر يقبل الفور، وقد حصلت هناك قرائن دالة على الفور، ومن هذه القرائن ما سيظهر حين قدوم الملائكة على قوم لوط، ثم أخذ كل واحد منهم يقرر مذهبه بالوجوه المعلومة فحصلت المجادلة بهذا السبب. وفي هذه الآيات تربية بالقدوة من خلال مديح إبراهيم عليه السلام بالصفات الحميدة التي يحسن بكل مسلم أن يتحلى بها. قال الرازي في التفسير: ((ثم قال تعالى: (إن إبراهيم لحليم أواه منيب) وهذا مدح عظيم من الله تعالى لإبراهيم، أما الحليم فهو الذي لا يتعجل بمكافأة غيره بل يتأنى فيه فيؤخر ويعفو، ومن هذا حاله فإنه يحب من غيره هذه الطريقة، وهذا كالدلالة على أن جداله كان في أمر متعلق بالحلم وتأخير العقاب، ثم ضم إلى ذلك ما له تعلق بالحلم وهو قوله: (أواه منيب) لأن من يستعمل الحلم في غيره فإنه يتأوه إذا شاهد وصول الشدائد إلى الغير، فلما رأى مجيء الملائكة لأجل إهلاك قوم لوط عظم حزنه بسبب ذلك وأخذ يتأوه عليه فلذلك وصفه الله تعالى بهذه الصفة. ووصفه أيضا بأنه مُنيب، لأن من ظهرت فيه هذه الشفقة العظيمة على الغير فإنه ينيب ويتوب ويرجع إلى الله في إزالة ذلك العذاب عنهم، أو يقال: إن من كان لا يرضى بوقوع غيره في الشدائد فأن لا يرضى بوقوع نفسه فيها كان أولى، ولا طريق إلى صون النفس عن الوقوع في عذاب الله إلا بالتوبة والإنابة فوجب فيمن هذا شأنه يكون منيبا)). فقوله تعالى: (فلما ذهب عن إبراهيم الروع) أي الخوف (وجاءته البشرى) أي بإسحق ويعقوب، وقيل: بشروه بأنهم إنما أتوا بالعذاب إلى قوم لوط (يجادلنا في قوم لوط) أي يجادل رسلنا، وأضافه إلى نفسه، لأنهم نزلوا بأمره. وقد روى المفسرون هذه المجادلة بأنهم لما قالوا: (إنا مهلكو أهل هذه القرية) قال لهم: أرأيتم إن كان فيها خمسون من المسلمين أتهلكونهم؟ قالوا: لا. قال: فأربعون؟ قالوا: لا. قال: فثلاثون؟ قالوا: لا. قال: فعشرون؟ قالوا: لا. قال فإن كان فيها عشرة أو خمسة؟ قالوا: لا. قال: أرأيتم إن كان فيها رجل مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا. فقال إبراهيم عند ذلك: (إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين). (إن إبراهيم لحليم) لا يتعجل بمجازاة غيره بل يتمهل ويؤخر ويعفو (أواه) المتأوه أسفا على هلاك قوم لوط (منيب) والمنيب الراجع، يقال: أناب إذا رجع، وإبراهيم صلى الله عليه وسلم كان راجعا إلى الله في أموره كلها (يا إبراهيم أعرض عن هذا) أي دع عنك الجدال في قوم لوط (إنه قد جاء أمر ربك) أي عذابه لهم (وإنهم آتيهم) أي نازل بهم (عذاب غير مردود) أي غير مصروف عنهم.

1297

قوله تعالى: (ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب (77) وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يقوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد (78) قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد (79) قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد (80) قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك، فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم، إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب (81). قال القرطبي في تفسير هذه الآيات: ((قوله تعالى: (ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم) لما خرجت الملائكة من عند إبراهيم، وكان بين إبراهيم وقرية لوط أربعة فراسخ، بصرت بنتا لوط، وهما تستقيان، بالملائكة ورأتا هيئة حسنة، فقالتا: ما شأنكم؟ ومن أين أقبلتم؟ قالوا: من موضع كذا نريد هذه القرية، قالتا: فإن أهلها أصحاب الفواحش، فقالوا: أبها من يضيفنا؟ قالتا: نعم! هذا الشيخ، وأشارتا إلى لوط، فلما رأى لوط هيئتهم خاف قومه عليهم. (سيء بهم) أي ساءه مجيئهم (وضاق بهم ذرعا) أي ضاق صدره بمجيئهم وكرهه. (وقال هذا يوم عصيب) أي شديد في الشر. (وجاءه قومه يهرعون إليه) أي يسرعون إليه. وكان سبب إسراعهم ما روي أن امرأة لوط الكافرة، لما رأت الأضياف وجمالهم وهيئتهم، خرجت حتى أتت مجالس قومها، فقالت لهم: إن لوطا قد أضاف الليلة فتية ما رئي مثلهم جمالا، فحينئذ جاءوا يهرعون إليه. وقيل: وجدوا ابنته تستقي الماء من نهر سدوم، فسألوها الدلالة على من يضيفهم، ورأت هيئتهم فخافت عليهم من قوم لوط، وقالت لهم: مكانكم! وذهبت إلى أبيها فأخبرته، فخرج إليهم، فقالوا: نريد أن تضيفنا الليلة، فقال لهم: أوَ ما سمعتم بعمل هؤلاء القوم؟ فقالوا: وما عملهم؟ فقال: أشهد بالله إنهم لشر قوم في الأرض، وقد كان الله عز وجل قال لملائكته لا تعذبوهم حتى يشهد لوط عليهم أربع شهادات، فلما قال لوط هذه المقالة، قال جبريل لأصحابه: هذه واحدة، وتردد القول بينهم حتى كرر لوط الشهادة أربع مرات، ثم دخل بهم المدينة. (ومن قبل) أي ومن قبل مجيء الرسل، وقيل: من قبل لوط (كانوا يعملون السيئات) أي كانت عادتهم إتيان الرجال. فلما جاءوا إلى لوط وقصدوا أضيافه قام إليهم لوط مدافعا وقال: (هؤلاء بناتي) ندبهم في هذه الحالة إلى النكاح، وكانت سنتهم جواز نكاح الكافر المؤمنة، وقد كان هذا في أول الإسلام جائزا ثم نسخ. وقال مجاهد بن جبر وسعيد بن جبير: أشار بقوله: (بناتي) إلى النساء جملة، إذ نبي القوم أب لهم. (هن أطهر لكم) أي الزواج أحل، والتطهر التنزه عما لا يحل. وليست (أطهر) للتفضيل بل هي كقولك: الله أكبر وأعلى وأجل، وإن لم يكن تفضيل، وهذا جائز شائع في كلام العرب، ولم يكابر الله تعالى أحد حتى يكون الله تعالى أكبر منه. (فاتقوا الله ولا تخزوني في ضيفي) أي لا تهينوني ولا تذلوني. ثم وبخهم بقوله (أليس منكم رجل رشيد) أي شديد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وقيل: الرشيد بمعنى الرشد، والرشد والرشاد الهدى والاستقامة. (قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق) روي أن قوم لوط خطبوا بناته فردهم، وكانت سنتهم أن من رد في خطبة امرأة لم تحل أبدا، وقيل: ليس لنا إلى بناتك تعلق، ولا هن قصدنا، ولا لنا عادة نطلب ذلك. (وإنك تعلم ما نريد) إشارة إلى الأضياف. (قال لو أن لي بكم قوة) لما رأى استمرارهم في غيهم، وضعف عنهم، ولم يقدر على دفعهم، تمنى لو وجد عونا على ردهم، فقال ذلك على جهة التفجع والاستكانة. (أو آوي إلى ركن شديد) أي ألجأ وأنضوي، ومراد لوط بالركن العشيرة، والمنعة بالكثرة. وبلغ بهم قبيح فعلهم إلى قوله هذا مع علمه بما عند الله تعالى، فيروى أن الملائكة وجدت عليه حين قال هذه الكلمات، وقالوا: إن ركنك لشديد. وفي البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد) وخرجه الترمذي وزاد: (ما بعث الله بعده نبيا إلا في ثروة من قومه) والثروة الكثرة والمنعة. ويروى أن لوطا عليه السلام لما غلبه قومه، وهموا بكسر الباب وهو يمسكه، قالت له الرسل: تنح عن الباب، فتنحى وانفتح الباب، فضربهم جبريل بجناحه فطمس أعينهم، وعموا وانصرفوا على أعقابهم يقولون: النجاء، قال الله تعالى: (ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم) (القمر: 37). وقال ابن عباس وأهل التفسير: أغلق لوط بابه والملائكة معه في الدار، وهو يناظر قومه ويناشدهم من وراء الباب، وهم يعالجون تسور الجدار، فلما رأت الملائكة ما لقي من الجهد والكرب والنصب بسببهم، قالوا: يا لوط إن ركنك لشديد، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود، وإنا رسل ربك، فافتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب فضربهم جبريل بجناحه على ما تقدم. وقيل: أخذ جبريل قبضة من تراب فأذراها في وجوههم، فأوصل الله إلى عين من بعد ومن قرب من ذلك التراب فطمس أعينهم، فلم يعرفوا طريقا، ولا اهتدوا إلى بيوتهم، وجعلوا يقولون: النجاءُ النجاء! فإن في بيت لوط قوما هم أسحر من على وجه الأرض، وقد سحرونا فأعموا أبصارنا. وجعلوا يقولون: يا لوط كما أنت حتى نصبح فسترى، يتوعدونه. (قالوا يا لوط إنا رسل ربك) لما رأت الملائكة حزنه واضطرابه ومدافعته عرفوه بأنفسهم، فلما علم أنهم رسل مكن قومه من الدخول، فأمر جبريل عليه السلام يده على أعينهم فعموا، وعلى أيديهم فجفت (لن يصلوا إليك) أي بمكروه (فأسر بأهلك) فأسر بالقطع إذا سار من أول الليل، وسرى إذا سار من آخره، ولا يقال في النهار إلا سار. (بقطع من الليل) بطائفة من الليل. وقيل: إنه نصف الليل، مأخوذ من قطعه نصفين. (ولا يلتفت منكم أحد) أي لا ينظر وراءه منكم أحد (إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم) أي من العذاب (إن موعدهم الصبح) لما قالت الملائكة: (إنا مهلكو أهل هذه القرية) (العنكبوت: 31) قال لوط: الآنَ الآن. فقالوا: (أليس الصبح بقريب) ويحتمل أن يكون جعل الصبح ميقاتا لهلاكهم، لأن النفوس فيه أودع، والناس فيه أجمع. وقال بعض أهل التفسير: إن لوطا خرج بابنتيه ليس معه غيرهما عند طلوع الفجر.

1298